باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 16 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد عرض كل المقالات

من النعام آدم إلى لانغستون هيوز… حين يغنّي المطر بلغات العالم

اخر تحديث: 25 سبتمبر, 2026 10:05 صباحًا
شارك

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد
أرسل إليّ أخي محمد الكامل عبد الحليم مقطعًا عبر الواتساب لمجموعة من الطلاب المبدعين، يحاكون صوت المطر بالتصفيق وحركات الأيدي والأقدام، فيبدأ المشهد بإيقاع خافت يشبه أولى القطرات التي تطرق النوافذ، ثم تتسارع الحركة ويتعالى التصفيق حتى يخيل إلى المستمع أنه يقف في قلب عاصفة مطرية، قبل أن يهدأ الإيقاع شيئًا فشيئًا، كما لو أن الغيوم قد أفرغت ما في جوفها، وبدأت السماء تسترد صفاءها. ولم يكن أكثر ما استوقفني في المشهد براعة هؤلاء الصبية في تقليد أصوات الطبيعة، وإنما ذلك الإحساس بأنهم، دون أن يدروا ربما، يعيدون تمثيل واحد من أعظم الأنظمة التي يقوم عليها استمرار الحياة في كوكبنا.
فالمطر ليس مجرد ماء يهبط من السماء، وإنما هو حلقة في دورة كونية كبرى تتبخر فيها المياه من البحار والمحيطات والأنهار والبحيرات، وتتكاثف في الغلاف الجوي، ثم تعود إلى الأرض لتغذي الأنهار والمياه الجوفية والتربة والنبات، قبل أن تستأنف رحلتها الأزلية. ومن هذه الدورة التي لا تكاد تستريح نشأت حضارات، وازدهرت زراعات، وقامت مدن على ضفاف الأنهار، وتفتحت في الوجدان الإنساني صور لا حصر لها من الجمال والخصب والحنين..
ولأنني ابن منطقة منحنى النيل، حيث لا ينفصل الماء عن ذاكرة المكان، فقد أخذني تصفيق أولئك الصغار إلى أصوات أخرى أعرفها منذ الطفولة: وقع المطر على أسقف البيوت، وخرير الماء في السواقي، وصوت النيل حين تعلو أمواجه، ورائحة الأرض التي تستقبل أولى بشائر الخريف. ومن تلك الذاكرة خرج إليّ صوت الفنان الراحل النعام آدم، يحمل أغنية من أغنيات الطنبور التي يتجاور فيها المطر مع الحب، وتتحول فيها قطرة الماء من بشارة بالخصب إلى مصدر قلق على جسد الحبيبة وثيابها.
ومن هنا بدأت أسئلتي: كيف استطاع المطر أن يجمع بين الفرح والخوف، وبين اللقاء والفراق، وبين الخصب والخراب؟ وكيف التقت أغنية سودانية من منحنى النيل بقصائد عربية وعالمية جعلت من المطر لغة للحب والموت والبعث والذاكرة؟ وهل يكون المطر، في نهاية الأمر، مجرد موضوع للشعر، أم أنه أحد الإيقاعات الأولى التي تعلم منها الإنسان الغناء؟
حين يخاف العاشق من المطر على ثياب الحبيبة
في أغنية النعام آدم التي استدعتها ذاكرتي، يخاطب الشاعر حبيبته مرحبًا بقدومها، ويصف يوم اللقاء بأنه يوم سعيد، ثم ينتقل إلى صورة شديدة الرقة حين يخشى عليها من رذاذ المطر، بل ومن دموع المطر نفسها، كما ورد في المقطع الذي أحفظه:
يا فريع البانة مرحبتين حبابك
اليوم السعيد الليلة جابك
من رش المطر خايف خرابك
وخايف من دموعو على ثيابك
تلك كلمات الشاعر خضر محمود وذاك نص بقى في ذاكرتي ليفتح فيها مسارات من التأمل في شأن المطركمصدر للالهام..
فالمطر هنا ليس ذلك الزائر الذي ينتظره المزارع ليروي أرضه، وإنما كائن يخشى العاشق أن يمس محبوبته بأذى. واللافت أن الشاعر لا يخاف من العاصفة أو السيل، بل من الرش الخفيف، وكأن جسد الحبيبة من الرقة بحيث يصبح الماء نفسه مصدر خطر عليه. ثم تتضاعف الصورة حين يمنح المطر عينين ودموعًا، فينتقل من ظاهرة طبيعية إلى كائن عاطفي يشارك العاشق وجدانه، وربما ينافسه في البكاء على الحبيبة.
وهذه المفارقة هي التي تمنح الأغنية خصوصيتها؛ فالمطر الذي ننتظره ليغسل الأرض ويمنحها الحياة يصبح، في حضرة الجمال، شيئًا ينبغي الحذر منه. وليس الخوف هنا من الماء في ذاته، بل من أن يعكر صفو اللقاء، أو يترك أثرًا على ثياب الحبيبة التي يريدها العاشق في أكمل زينتها. وفي هذه الصورة شيء من المبالغة المحببة التي عرفها الغزل السوداني، حين يتحول الحرص على المحبوب إلى رغبة في حمايته حتى من الأشياء التي لا تؤذي أحدًا..
ولعل أجمل ما في هذا المقطع أن الشاعر لم يستدعِ المطر ليتحدث عن المطر، وإنما استدعاه ليكشف مقدار الحب. وهنا تلتقي الأغنية، في تقديري، مع نماذج من الشعر العربي والعالمي، لا من حيث التطابق في المعنى، وإنما من حيث تحويل الماء إلى لغة تتحدث بها العاطفة الإنسانية.
من دموع المطر إلى قبلاته: النعام آدم ولانغستون هيوز
في قصيدته «أغنية مطر أبريل»، يدعو الشاعر الأمريكي لانغستون هيوز قارئه إلى استقبال المطر بوصفه كائنًا حنونًا يقبّل الإنسان، ويغني له تهويدة، ويعزف على سقف المنزل لحنًا صغيرًا أثناء الليل. وقد نُشرت القصيدة سنة 1921، وهي من النصوص التي تمنح الظواهر الطبيعية صفات إنسانية، وتكتشف في أصوات الحياة اليومية موسيقى خفية.
وإذا كان شاعر أغنية النعام آدم يخشى على محبوبته من دموع المطر، فإن هيوز يدعو الإنسان إلى الاستمتاع بقبلاته. وفي الحالتين يغادر المطر معناه المادي ليصبح كائنًا قادرًا على التعبير عن المودة، غير أن العاشق السوداني يتعامل معه بحذر، بينما يستقبله الشاعر الأمريكي بألفة واطمئنان.
ومن الطريف أن قصيدة هيوز لم تبق حبيسة الصفحة المكتوبة؛ فقد وُضعت لها ألحان غنائية، من بينها معالجة موسيقية للمؤلفة الأمريكية مارغريت بوندز، وهو ما يؤكد أن الإيقاع الكامن في المطر يستطيع أن ينتقل من الطبيعة إلى القصيدة، ثم من القصيدة إلى الموسيقى.
وهنا نعود إلى أولئك الصبية الذين بدأوا الحكاية بتصفيقهم. لقد فعلوا بأيديهم ما فعله هيوز بالكلمات، وما فعله شاعر الطنبور بالصور الغزلية؛ فقد استمعوا إلى الطبيعة بوصفها موسيقى، ثم أعادوا إنتاجها بلغة يستطيع الإنسان أن يشارك بها الكون في غنائه.
السياب: حين تمطر السماء على جراح العراق
غير أن المطر لا يحتفظ دائمًا بتلك البراءة العاطفية. ففي «أنشودة المطر» لبدر شاكر السياب، التي حمل ديوانه الصادر سنة 1960 اسمها، تتسع الصورة لتصبح تعبيرًا عن علاقة معقدة بين الحبيبة والوطن، وبين الخصب والجوع، وبين الموت والميلاد. وقد ارتبطت القصيدة ببيئة السياب يبدأ السياب من عيني الحبيبة، فيراهما غابتي نخيل عند السحر، ثم تتسع الصورة حتى يدخل فيها النهر والبحر والغيوم والنجوم، ويصبح المطر عنصرًا جامعًا بين الجمال الشخصي والمصير الجماعي. وهو لا يكتفي بتصوير الطبيعة، بل يجعلها مسرحًا للتناقضات الكبرى: الحياة والموت، والظلام والضياء، والبكاء والفرحالعراقية وبحنينه إلى قريته جيكور، كما ارتبطت بما عاناه العراق من فقر واضطراب..
واللافت أن تكرار كلمة المطر في القصيدة يؤدي وظيفة موسيقية تتجاوز المعنى المعجمي؛ إذ تبدو الكلمة في تواليها كأنها قطرات تتساقط على وجدان القارئ، مرة في إيقاع حزين، ومرة في إيقاع يتطلع إلى الخلاص. وفي خاتمة هذا المسار يلوح الأمل في أن يعود الخصب إلى العراق، وأن تنبت الحياة من الأرض التي أنهكها الجوع والحرمانوهنا تختلف وظيفة المطر عن وظيفته في أغنية النعام آدم. فالعاشق السوداني يريد أن يحمي محبوبته من البلل، بينما يريد السياب أن يغمر المطر وطنه، وأن يتحول الماء إلى وعد بمستقبل مختلف. ومع ذلك فإن الصورتين تنبعان من إحساس واحد: الرغبة في حماية ما نحب. فالأول يحمي الحبيبة من قطرة، والثاني يستدعي آلاف القطرات لتحمي وطنًا من الجفاف الإنساني..
مصطفى سند: مطر يطرق نوافذ العشق
أما الشاعر السوداني مصطفى سند، فإنه يقدم في قصيدته «مقاطع استوائية» صورة أخرى للمطر، لا تنفصل فيها الطبيعة عن اضطراب الجسد وقلق الانتظار. ففي المقطع الذي استوقفني من ديوانه «البحر القديم»، يتحول المطر إلى ماء يغسل مدخل الكوخ العتيق، ويصبح صوت القطرات على النوافذ والزجاج جزءًا من المشهد النفسي الذي يسبق حضور الحبيبة.
يبلغ جمال الصورة ذروته حين يشبّه الشاعر المطر بدمع الشمع؛ فالشمع الذي نعرفه مصدرًا للضوء يتحول إلى كائن يبكي، والمطر الذي نعرفه ماءً نازلًا من السماء يكتسب حرارة الدموع المنحدرة من قلب مشتعل. ثم يربط الشاعر هذه الصورة بلحظة انتظار الحبيبة، حيث تتوتر الشرايين، ويتصاعد القلق، وتكاد حركة العاشق العنيفة تمزق الستائر وتعصف بالسراج.
وما أوسع المسافة بين هذا المطر ومطر النعام آدم! فالأول يثير في العاشق خوفًا على الحبيبة، والثاني يضاعف اضطرابه وهو ينتظرها، لكن المطر في الحالتين ليس خلفية صامتة للقاء، بل طرف مشارك في صناعة المشهد العاطفي. ولعل خصوصية مصطفى سند أنه لا يكتفي بإضفاء المشاعر الإنسانية على الطبيعة، وإنما يجعل الطبيعة نفسها امتدادًا للجسد؛ فالماء يتصل بالشرايين، والريح بالقلق، والنافذة بترقب القادم، والكوخ بالعالم الحميم الذي يوشك أن يستقبل الحبيبة.
وليس بعيدًا عن ذلك أن يحمل الديوان اسم «البحر القديم»، فالماء عند سند ليس عنصرًا عابرًا في قصيدة واحدة، وإنما يبدو جزءًا من معجم شعري أوسع، تتجاور فيه البحار والأنهار والأمطار مع الذاكرة والرغبة والبحث عن المعنى.
محمد الواثق: حين يصبح انقطاع المطر عقوبة لمدينة
وإذا كان الشعراء قد استدعوا المطر ليمنحوا الحياة والجمال والحب، فإن الشاعر السوداني محمد الواثق يستدعي غيابه في هجائه لأم درمان، في ديوانه «أم درمان تحتضر». ففي البيت الذي ظل عالقًا بذاكرتي يقول:
لا حبذا أنت يا أمدرمان من بلد أمطرتني نكدا لا جادك المطر
هنا نواجه انقلابًا حادًا في الدلالة؛ فالمطر الذي اعتدنا أن يكون بشارة بالخير يصبح موضوعًا للدعاء بالحرمان، وتغدو المدينة التي أمطرت الشاعر نكدًا مستحقة، في منطق الهجاء الشعري، أن يحجب عنها المطر. وليس من الضروري أن نقرأ هذا الدعاء بوصفه رغبة حرفية في خراب المدينة أو هلاك أهلها، إذ يمكن فهمه في سياق المبالغة الهجائية التي تجعل الطبيعة أداة للتعبير عن الخصومة والخذلان. فالمدينة عند الشاعر ليست مجرد بيوت وشوارع، وإنما تجربة اجتماعية ونفسية قد تمنح ساكنها الانتماء، وقد تصيبه بالاغتراب. والمفارقة التي تستحق التأمل أن أم درمان، المدينة التي أنجبت جانبًا عظيمًا من غناء السودان وشعره، والتي تغنى بها الفنانون بوصفها موطن الحنين والذكريات، تتحول عند الواثق إلى مدينة يحجب عنها الشاعر دعاء الخصب. إنها المدينة نفسها التي يستطيع عاشقها أن يتمنى لها المطر، ويستطيع شاعر غاضب أن يتمنى لها الجفاف، دون أن يتغير موقعها على النيل..
ولعل هذا التناقض يكشف أن المدن، شأنها شأن البشر، لا تعيش في وجداننا بصورة واحدة. فقد تكون أم درمان مدينة مقدسة في ذاكرة عاشق، ومدينة تحتضر في تجربة شاعر آخر، ويصبح المطر في الحالتين مقياسًا لطبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان. غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن الواثق نفسه يستخدم فعل المطر لوصف ما أصابه من نكد؛ فكأن المدينة لم تحرمه المطر، وإنما أمطرته ما لا يريد، فجاء دعاؤه عليها بحرمانها من المطر الحقيقي. وبهذا تتحول الكلمة الواحدة إلى طرفي معادلة عاطفية: مطر من الألم يقابله دعاء بانقطاع مطر الرحمة..
المطر في الغناء: من صوت الطبيعة إلى إيقاع الوجدان
ليس غريبًا أن يحضر المطر في الغناء حضورًا واسعًا، فبين الموسيقى والماء قرابة حسية قديمة؛ كلاهما يتحرك في الزمن، وكلاهما يتشكل من تتابع الأصوات واختلاف شدتها وسرعتها، وكلاهما يستطيع أن يثير في الإنسان أحاسيس لا تحتاج دائمًا إلى الكلمات..
في الغناء السوداني، يتصل المطر بذاكرة الخريف والزرع واللقاء، وبالأرض التي تنتظر الماء بعد طول عطش. أما في أغنيات الطنبور، فإن حضور النيل يمنح صور الماء خصوصية إضافية، لأن النهر ليس منظرًا طبيعيًا فحسب، بل هو طريق للحياة والعمل والسفر واللقاء والفراق. وقد يصبح الشاطئ مكانًا لانتظار الحبيبة، أو يصبح الفيضان صورة للفرح الطاغي، أو تتحول قطرة المطر إلى دمعة لا يريد العاشق أن تقع على ثياب محبوبتهوفي الغناء العربي الحديث، نجد مثالًا لافتًا في أغنية «نسم علينا الهوى» التي أدتها فيروز، حيث يرتبط الهواء القادم من جهة الوطن بالحنين والعودة. وعلى الرغم من أن الأغنية لا تجعل المطر موضوعها المباشر، فإنها تشترك مع شعر المطر في تحويل الظواهر الطبيعية إلى رسائل تحملها المسافات بين الإنسان وما يحب. أما «رجعت الشتوية»، بصوت فيروز أيضًا، فتقدم علاقة أوضح بين المطر والذاكرة العاطفية؛ إذ يصبح رجوع الشتاء مناسبة لاستعادة زمن مضى، وتتحول الطبيعة إلى قوة تستدعي ما حاول الإنسان أن ينساه. فالشتاء لا يعود وحده، وإنما تعود معه الوجوه والأماكن والأحاديث التي اختبأت في الذاكرة..
وهكذا لا يكون المطر في الغناء مجرد وصف لفصل من فصول السنة، بل يصبح أحيانًا صوتًا للحبيب الغائب، وأحيانًا وعدًا باللقاء، وأحيانًا شاهدًا على أن الزمن يمضي بينما تظل المشاعر معلقة في المكان الذي ولدت فيه.
المطر بين الشعر والموسيقى والفن التشكيلي
تتجاوز جمالية المطر حدود الشعر والغناء إلى الفنون الأخرى؛ ففي السينما يستطيع المخرج أن يستخدم المطر ليعزل شخصيتين عن العالم، أو ليضاعف الإحساس بالوحدة، أو ليمنح مشهد اللقاء طابعًا احتفاليًا. وفي الرسم، تصبح انعكاسات الضوء على الشوارع المبتلة والبرك الصغيرة وسيلة لتغيير ملامح المكان، حتى إن المدينة التي نعرفها في يوم مشمس تبدو مدينة أخرى حين تغسلها الأمطار.
أما في الموسيقى الخالصة، فإن المطر يقدم نموذجًا طبيعيًا لتدرج الإيقاع؛ تبدأ القطرات متباعدة، ثم تتقارب وتتداخل أصواتها، وقد تبلغ ذروة تشبه العزف الجماعي قبل أن تتراجع إلى الصمت. وهذا التدرج هو ما استطاع الطلاب الذين شاهدتهم في المقطع أن يحاكوه بأيديهم وأقدامهم، فحوّلوا أجسادهم إلى آلات إيقاعية، واستطاعوا من غير كلمات أن يرووا حكاية كاملة عن بداية المطر واشتداده وانحساره.
ومن هنا يمكن النظر إلى محاكاة المطر بوصفها نشاطًا فنيًا وتربويًا يتجاوز التسلية؛ فهي تدرب الأذن على الإصغاء، والجسد على التوافق الحركي، والمجموعة على التعاون، وتمنح الطفل فرصة لاكتشاف أن الفن قد يبدأ من أبسط ما حوله، وأن الطبيعة نفسها مدرسة مفتوحة للإيقاع والخيال. ولعل في هذا المشهد درسًا آخر لا يقل أهمية، وهو أن الإبداع لا يحتاج دائمًا إلى أدوات باهظة الثمن؛ فقد استطاع أولئك الصبية أن يصنعوا بأيديهم ما يحتاج الموسيقي أحيانًا إلى آلات متعددة لإنتاجه، وأن يذكرونا بأن أولى أدوات الإنسان الفنية كانت صوته وجسده وقدرته على الإصغاء إلى العالم..
خاتمة: من قطرة المطر إلى ذاكرة النيل
حين عدت بذاكرتي إلى أغنية النعام آدم، أدركت أن ما يجمعها بأنشودة السياب ومقاطع مصطفى سند وقصيدة لانغستون هيوز وهجاء محمد الواثق ليس المطر وحده، وإنما قدرة الشعر على تحرير الظاهرة الطبيعية من معناها الواحد، ومنحها حيوات متعددة بحسب التجربة الإنسانية التي تستدعيها.
فالمطر عند شاعر الطنبور دموع يخشى أن تبلل ثياب الحبيبة، وعند هيوز قبلات وتهويدة، وعند السياب وعد بالبعث بعد الجوع والموت، وعند مصطفى سند اضطراب يطرق نوافذ العشق، وعند الواثق نعمة يستدعي حرمان المدينة منها ليعبّر عن غضبه. وما بين هذه الصور جميعًا يتسع المعنى الإنساني للماء، حتى يصبح عنصرًا قادرًا على حمل أشد المشاعر تناقضًا، من الحنان إلى القسوة، ومن الرجاء إلى اليأس.
ولعلني، وأنا ابن منحنى النيل، لا أستطيع أن أتخيل عالمًا بلا أنهار، كما لا أستطيع أن أتخيل شعرًا بلا ماء. فالنيل الذي حمل إلينا أخبار القرى البعيدة، وأصوات الطنابير، وأغنيات الحصاد، وحكايات العشاق، لم يكن مجرد مجرى للمياه، بل كان مجرى للذاكرة أيضًا. وكلما هطل المطر على أرضنا، بدا لي كأنه يعيد إلى النهر شيئًا من طفولته، ويعيد إلينا شيئًا من طفولتنا نحن، حين كنا نركض في الأزقة المبتلة، وننتظر أن تمتلئ المجاري الصغيرة، ونصغي إلى الرعد كما لو أنه طبول بعيدة تعلن قدوم الخريف.
أما أولئك الصبية الذين بدأوا هذه الرحلة بتصفيقهم، فقد أعادوني إلى حقيقة بسيطة وعميقة: أن الكون لا يكف عن الغناء، ولكننا لا نصغي إليه دائمًا. وربما كان الشاعر هو ذلك الإنسان الذي يسمع في قطرة المطر ما لا يسمعه الآخرون، فيحولها إلى بيت من الشعر، ثم يأتي المغني ليمنح البيت جناحين، فيعبر بهما النهر والبحر والصحراء، حتى يصل إلى قلب إنسان لم يرَ النيل قط، لكنه يعرف معنى أن يخاف عاشق على ثياب حبيبته من دموع المطر..
وهكذا، من تصفيق الصغار إلى طنبور النعام آدم، ومن نوافذ مصطفى سند إلى نخيل السياب، يظل المطر أنشودة لا تنتهي، تكتبها السماء، وتعيد الأرض إنشادها، ويضيف إليها الشعراء والمغنون ما استطاعوا من الحب والحنين والألم والأمل.

abdelrmohd@hotmail.com

Author

د. عبد الرحيم عبد الحليم محمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تردد اسم الملياردير المصري سويريس في مأساة السودان الحالية ، وتذكرت سويريسا آخر .
منبر الرأي
من أجل الطيب الهادي وآخرين دُفنوا دون أن يبكي عليهم أحد
بيانات
مؤتمر تلويحة الخلود .. كمال الجزولي
منبر الرأي
المذكرة الأهم! .. بقلم: الخضر هارون
منبر الرأي
كرامة لله !

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الطفيليات والآفات السياسية والاجتماعية: الحلقة الثانية والأخيرة .. بقلم: عبد الله محمد أحمد الصادق

طارق الجزولي
منبر الرأي

ثورة ديسمبر نشتري المجد بأغلى ثمن .. بقلم: طاهر عمر

طارق الجزولي
منبر الرأي

مَرَّةً أُخرَى .. لِلذِكرَى والتَاريخ … الثُّقْبُ فِي سَقْفِ البَيْت!! .. بقلم: كمال الجزولي

كمال الجزولي
منبر الرأي

الاعتداء على 9 طويلة هل تحول إلى عُرف مجتمعي شائع؟ .. بقلم: ابوهريرة عبدالرحمن أحمد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss