باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 18 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

مذكِّرات أمراء المهدية ومحرَّراتهم

اخر تحديث: 25 سبتمبر, 2026 10:45 صباحًا
شارك

مذكِّرات أمراء المهدية ومحرَّراتهم
ثلاثة قوّاد في مرآة تحقيق أبي سليم، دقنة والنجوميّ والعباديّ

د. الرشيد خليفة

شاهدٌ من ورق، في الفرق بين المذكِّرة والمحرَّرة
في دراسة المهديّة فرقٌ دقيقٌ يُسقطه كثيرٌ من القُرّاء سهواً، وهو الفرق بين (المذكِّرات) و(المحرَّرات). فالمذكِّرة سردٌ ذاتيٌّ بضمير المتكلِّم، يرويه صاحبه أو يُمليه فيُدوَّن عنه، وفيه من نفس الرجل وهواه ما ليس في غيره. أمّا المحرَّرة فوثيقةٌ رسميّةٌ، أمرٌ أو مكاتبةٌ أو تقرير، تجري بلسان الدولة لا بلسان صاحبها، وتخضع لأعراف الديوان وصِيَغه. وبين البوح الشخصيّ والصيغة الرسميّة مسافةٌ لا يُدركها إلّا من قابل النوعَين.
وقد شاءت طبيعة المهديّة أن يكون أكثر ما خلَّفه أمراؤها من الصنف الثاني، لا الأوّل. فهؤلاء قوّاد ميدانٍ لا أصحاب محابر، وأكثرهم قضى نحبه في الحرب قبل أن يجد من العمر فُسحةً يكتب فيها سيرته. فالنجوميّ سقط بتوشكي، وحمدن أبو عنجة مات في أوج حملاته الشرقية الجنوبية في القلابات (المتمة الإثيوبية)، ومحمود ود أحمد أُسِر في عطبرة. ولذلك ندرت المذكِّرات وكثرت المحرَّرات، وصار على من يريد صوت الأمراء أنفسهم أن يلتمسه في ثنايا الأوامر والرسائل، لا في صفحات اعترافٍ صريح.
ولولا رجلٌ واحدٌ لبقي هذا الورق مبعثراً بين الأرشيف والنسيان: هو العلّامة محمد إبراهيم أبو سليم (ت ٢٠٠٤م)، أمين دار الوثائق القوميّة وشيخ المحقِّقين في السودان. أفنى قرابة نصف قرنٍ في جمع وثائق المهديّة وتحقيقها، فأخرج (منشورات المهدية) [⁠1⁠]، و(الآثار الكاملة للإمام المهدي) في سبعة أجزاء [⁠2⁠]، ثمّ سلسلة (المحرَّرات) التي جعلت أرشيف الدولة يتكلَّم بلسانه. وفي هذا المقال نقف عند ثلاثةٍ من قوّاد المهديّة حفظ أبو سليمٍ أوراقهم، فجاء كلٌّ منها من نوعٍ مختلفٍ من الورق: مذكِّرةٌ لأمير الشرق عثمان دقنة، ومحرَّراتٌ لفاتح الخرطوم عبد الرحمن النجومي، وكتابٌ جامعٌ للعالم المجاهد الحسن سعد العبادي. ثلاثة رجالٍ، وثلاث نوافذَ على الدولة من داخلها.
تاجرُ سواكن الذي صار أمير الشرق، عثمان دقنة
وُلِد عثمان بن أبي بكرٍ دقنة في سواكن في نحو عام ١٨٤٠م [⁠3،⁠4⁠]، من أسرةٍ تجاريّةٍ ساحليّةٍ اختُلِف في أصلها اختلافاً لا يعنينا كثيراً هنا؛ فقد نُسِب تارةً إلى أصولٍ تركيّةٍ من جهة الأب، وشُدَّ تارةً إلى الهدندوة من البجا بحكم النشأة والمصاهرة. والثابت أنّه نشأ تاجراً في ثغرٍ من ثغور البحر الأحمر يعيش على القوافل وتجارة الرقيق، وأنّ حملة الإنجليز على تجارة الرقيق قد ضيّقت عليه سبُل رزقه؛ فكان ذلك من أسباب انحيازه المبكِّر إلى دعوة المهديّ حين طلعت. ولعلّها المرّة الأولى التي قلَبت فيها سياسةُ منعِ الرقيق تاجراً إلى مجاهدٍ، دون أن يقصد الإنجليز ذلك.
التحق دقنة بالمهديّة في نحو ١٨٨٣م، فكُلِّف أمر الشرق، فأشعل جبال البجا كلَّها. وكان في البجا مادّةٌ حربيّةٌ نادرةٌ: فرسان رماحٍ لا يعرفون التقهقر، هم الذين خلَّدهم الشاعر كبلنغ (Rudyard Kipling) في قصيدته (Fuzzy-Wuzzy) حين اعترف، على مضضٍ إنجليزيٍّ، بأنّهم كسروا المربَّع البريطانيّ في تماي عام ١٨٨٤م [⁠5⁠]. فحصر دقنة الحاميّات المصريّة في سنكات وطوكر، وأنزل بقوّات (بيكر) الهزيمة في التبّ، وأقلق سواكن سنواتٍ طوالاً حتى صارت الحملات البريطانيّة إليه تُرسَل ولا تعود بطائل. لم يكن دقنة يخوض المعارك بعتاد العدوّ، بل، على العكس، كان يصنع من نقص العتاد خطّةً: يستدرج ويكمن ويستنزف، حتى لُقِّب في تقارير خصومه بألقابٍ يُراد بها ذمُّه فإذا هي مديحٌ مقنَّع.
ظلّ دقنة على ولائه للدولة إلى النهاية، وهو من قلائل كبار الأمراء الذين لم يُختصَموا مع أم درمان خصومةً معلَنة. على أنّ ولاءه لم يُعفِه من مرارة الخلاف في الميدان؛ ففي معركة النخيلة على عطبرة سنة ١٨٩٨م اختلف مع محمود ود أحمد في التكتيك الحربيّ اختلافاً كان من أسباب تلك الكارثة.
كان الخليفةُ قد أمر دقنة أن يلحق بالأمير الشابّ محمود ود أحمد ليصدَّا كتشنر عند نهر عطبرة، فاجتمع في القيادة رجلان مختلفان مشرباً وخبرةً: دقنة شيخُ حربٍ قارع الإنجليزَ نحوَ خمسةَ عشرَ عاماً في الشرق، خبيرٌ بحرب الكرِّ والفرِّ والكمائن والصحراء؛ ومحمود فتىً باسلٌ من أهل الخليفة وأقربائه، أحدثُ عهداً بمنازلة الجيوش الحديثة. فأشار دقنة بألّا يُقعِدوا الجيشَ في معسكرٍ ثابت، بل، يناوروا ويطوِّقوا كتشنر ويستنزفوه في الفلاة بعيداً عن مدافعه وبوارجه، وهي خطّةٌ وافق عليها الخليفةُ نفسه. لكنّ محمود أبى، وأصرَّ على بناء زريبةٍ محصَّنةٍ يتحصَّن بها في النخيلة، فصار جيشُ المهديّة هدفاً ثابتاً لا يبرح مكانه. والحقُّ العسكريُّ كان في جانب دقنة بلا مِراء: فالتحصُّنُ الجامدُ أمام عدوٍّ يفوقك مدفعيّةً وبوارجَ ونظاماً إنّما هو انتحارٌ بطيء؛ والخبرةُ الأطولُ والحكمةُ الأبردُ كانتا لدقنة لا لمحمود، غير أنّ الرأيَ الأضعفَ هو الذي نُفِّذ [⁠4،⁠5⁠].
وفي فجر الثامن من أبريل ١٨٩٨م انقضّ كتشنر على الزريبة: مهّد بوابلٍ من نيران المدفعية وفصيل صواريخ من طراز هيل غالباً، نحوَ ساعة، ثمّ أعقبه باقتحامٍ سريعٍ للمشاة اجتاح المعسكرَ في وقتٍ وجيز. تشتّت جيشُ محمود، وقُتِل منه نحو ثلاثة آلاف، وأُسِر محمود نفسه في معسكره، ولم تتجاوز خسائرُ كتشنر خمسَمئةٍ وستّين، فكانت عطبرةُ كسرةً مهّدت لكرري [⁠4،⁠5⁠].
وفي مصير خيّالة محمود برهانٌ ساطعٌ على فساد خطّة التحصّن: فقد ملك زهاءَ ثلاثةِ آلاف فارسٍ من البقّارة، لكنّ الزريبةَ التي احتمى بها شلّت سلاحَه الأمضى؛ إذ الفارسُ لا يُغني شيئاً محبوساً خلف سياجٍ من الشوك وخندق، والمعركةُ حُسِمت من السرعة بحيث لم يبقَ للكرِّ موضع. حاولت فئةٌ منهم الخروجَ من مؤخّرة المعسكر لتضرب جناح العدوّ الأيسر، فحصدتها نيرانُ رشّاشات المكسيم وردّتها الخيّالةُ المصريّة، فارتدّت خائبة. ولمّا انهار كلُّ شيء، لم يجد جمهورُ الفرسان بدّاً من الفرار جنوباً بمحاذاة نهر عطبرة، وفي ركابهم عثمان دقنة الذي انسحب بنحو أربعةِ آلافٍ من رجاله نحو القضارف سالماً، تاركاً الكارثةَ خلفه، كأنّه كان يعلم منذ البدء أنّ الزريبةَ قبرٌ مفتوح. حتى محمود نفسُه تحسَّر في أسره على فرسانٍ لم تُتَح لهم فرصةُ القتال، وهي حسرةٌ تُدين خطّتَه هو، وتُثبِت أنّ رأيَ دقنة في المناورة كان هو الصواب، بعد فوات الأوان [⁠4،⁠5⁠].
وبعد سقوط أم درمان لم يُلقِ القائد دقنة سلاحه، بل، انسحب إلى جبال البحر الأحمر يناوش ويختفي، حتى ضاقت به الحيلة. في التاسع عشر من يناير ١٩٠٠م أُسِر دقنة قرب طوكر، وسِيقَ مكبَّلاً بالحديد إلى سواكن حتى هبَّ أهله يقرعون طبول الحرب لتحريره، فسارعت السلطات إلى نقله إلى مصر، فأودعته سجن رشيدٍ ثمّ دمياط، ثمّ أعادته سنة ١٩٠٨م إلى سجن وادي حلفا [⁠6⁠]. وحين طُرِح في البرلمان البريطانيّ اقتراحُ إطلاقه، سارع السير ونجت باشا، ضمن حملة معارضة عشواء، إلى نشر مقالٍ في صحيفة (القرافيك) بعنوان «القصّة الحقيقيّة لعثمان دقنة»، ينعته فيه بـ«ثعبان الماء الزَّلِق، the slippery water snake»، ويُفهِم النوّاب أنّ الوقت غير مناسبٍ لإطلاق سراحه [⁠6⁠]. وهكذا بقي الأمير في سجنه، حتى إذا سُمِح له بأداء فريضة الحجّ نحو عام ١٩٢٤م ذهب إليها مقيَّداً، ثمّ عاد ليموت في وادي حلفا في ديسمبر ١٩٢٦م (وبعض المصادر يؤرِّخ وفاته سنة ١٩٢٧م) [⁠6⁠]. وفي مفارقةٍ أخيرة، لمّا هُجِّرت حلفا لبناء السدّ العالي سنة ١٩٦٣م، نُقِل رفاته ودُفِن قرب الشرق الذي أحبَّه.
فأين مذكِّراته من هذا كلِّه؟ الطريف أنّ «مذكِّرات عثمان دقنة» التي أصدرها أبو سليمٍ سنة ١٩٧٣م [⁠7⁠] ليست مذكِّراتٍ بالمعنى الأدبيّ المألوف، بل، هي في أصلها دفترٌ للأمير عثر عليه ونجت باشا في طوكر وعفافيت، يحوي ثلاث رسائلَ منه إلى الإمام المهديّ يصف فيها معاركه في سنكات وأركويت وسواكن وطوكر وكسلا، ويذكر من ناصره من المجاذيب والدقناب، ومن ناوأه من الختميّة وبعض القبائل [⁠6⁠]. أي أنّ صوت الأمير لم يصلنا إلّا لأنّ عدوَّه احتفظ بدفتره؛ فالمهديّة كتبت، والإنجليز حفظوا، وأبو سليمٍ حقَّق. مفارقةٌ ثلاثيّةٌ يتلخّص فيها مصير أرشيف دولةٍ بأكمله.
فتَحَ الخرطوم ثمّ سِيقَ إلى مصر، عبد الرحمن النجومي
أمّا عبد الرحمن ود النجومي، فجَعَليٌّ من ديار شندي، اضطُرَّت أسرته إلى الرحيل من قرية مويسٍ الى الخوجلاب شمال الخرطوم بعد مقتل إسماعيل باشا نجل محمد علي في السودان سنة ١٨٢١م، فراراً من بطش صهره محمد بك الدفتردار، وهي الحادثة نفسها التي طبعت وجدان الجعليّين طويلاً [⁠4⁠]. نشأ النجوميّ في بيئةٍ متديّنةٍ، وحفظ القرآن على الفكيّ هاشمٍ، صاحب قبة الفكي هاشم بالخوجلاب، واشتغل بالتجارة، حتى إذا سمع بدعوة المهديّ وهو عائدٌ من رحلةٍ إلى الجنوب سنة ١٨٨١م قصده وبايعه في الجزيرة أبا، غالباََ لأسباب دينية بحتة، وهاجر معه إلى جبل قدير في خمسمئةٍ من الأنصار [⁠8⁠].
ثمّ صعد نجمه سريعاً: كان من أبرز قوّاد المهديّة في القضاء على حملة هكس بشيكان سنة ١٨٨٣م، وفي فتح الأُبيِّض، ثمّ كان صاحب اليد الطولى في اقتحام الخرطوم سنة ١٨٨٥م. فلمّا استقرَّ الأمر للخليفة عبد الله بعد وفاة المهديّ، ولّاه دنقلا وجعله رأس الحربة في الشمال. كان النجوميّ، بمقاييس عصره، القائدَ المحترف: يدرِّب جنده على السلاح ويشرف على تجهيزاتهم بنفسه [⁠8،⁠9⁠].
وهنا يبدأ الفصل الأكثر مأساويّةً في سيرته. فقد عزم الخليفة على فتح مصر، تحقيقاً لبشارةٍ مهديّةٍ بأنّ الفتح سيبلغها، وأناط الأمر بالنجومي والي دنقلا. فخرج القائد في مايو ١٨٨٩م من قاعدته بدنقلا، في نحو ثلاثة عشر ألفاً، لكنّ العدد كان مخادعاً؛ فبين هؤلاء نساءٌ وأطفالٌ وأتباعٌ لا يقاتلون، والمؤَن والمياه شحيحةٌ، ووسائل النقل قليلةٌ ثمّ منعدمة. كانت الحملة تعتمد على النقل البري وحده على إمتداد ضفة النيل، لا على المراكب النهرية؛ إذ سلكت مسالك الشلالات والصحراء بين دنقلا وحلفا. وتقوم وسائط نقلها على شقين: الأول هو الإبل والجياد عصب الحمل والنقل، تحمل عليها المؤن والعتاد ويركبها القادة. ثانياً، السير على الأقدام وعليه معظم المقاتلين والأتباع. وتذكر المصادر أنّ النجومي تقدم بجيشه ومعه النساء وأربعة عشر مدفعاً والبنادق والرماح والجياد والأبل، ويحمل ذاده من الغلال والتمر حتى بلغ معتوقة في ٢٨ يونيو ١٨٨٩م. وهنا مكمن الخلل: فوسائل النقل هذه لم تكف لجيش ضخم مثقل بغير المقاتلين في أرض قاحلة شحيحة الماء والكلأ؛ فلما نفدت الدواب والمؤن، إضطر في تحركه الأخير نحو توشكي إلى ترك كثير من الجرحى والمرضى الذين عجزوا عن مواصلة السير. وهو ما يفسّر قولنا إن وسائل النقل كانت قليلة ثم منعدمة.
نضيف إلى كل ماذكرنا أن القرار كان مركزياً لا يصدر إلّا بالرجوع إلى أم درمان قبل تحريك الجند [⁠8،⁠9⁠]. وتروي محرَّراته، وهي التي جمعها أبو سليمٍ في (محرَّرات القائد عبد الرحمن النجومي) [⁠10⁠]، طرفاً من مكاتباته في هذا الطور العصيب، وما فيها من مطالبَ بالمدد والمؤَن.
وليست مرافقةُ النساء والأطفال للجيش تفصيلاً عابراً، بل، مفتاحٌ لفهم طبيعة الحملة. فالخليفةُ لم يُرِدها غزوةً تكرُّ ثمّ تعود، بل، هجرةً وفتحاً واستيطاناً على سنّة المهديّة: يسير المقاتلون بأهليهم ليستقرّوا في الأرض المفتوحة، فتنتقل الجماعةُ المؤمنةُ بحذافيرها لا الجيشُ وحده. ويرى المؤرّخون في ذلك غرضاً آخرَ أدهى، هو أن يُخلِيَ الخليفةُ حاضرةَ النيل في دنقلا من قبائل «أولاد البحر» الجعليّةِ والدنقلاويّةِ التي كان يرتاب في ولائها، فيسوقَها بأهلها إلى الشمال سوقاً لا رجعةَ فيه، وكان النجوميُّ نفسُه جعليّاً من هذا الصنف؛ ولعلّ مجاعةَ سنة ١٨٨٩م، المعروفةَ بمجاعة سنة ستّة، قد زادت الخليفةَ رغبةً في تصريف تلك الأفواه إلى حيث لا تُثقِل عليه. فاجتمع في الحملة الغرضُ العَقَديُّ والحسبةُ السياسيّةُ معاً، وكان ثمنُهما عسكريّاً باهظاً: جيشٌ يجرُّ خلفه جمهرةً من غير المقاتلين، تستنزف زادَه القليلَ وتُبطئ سيرَه، وتُكرِهه حين يشحّ الماءُ والقوتُ على تركِ مرضاه وضعفائه في الطريق [⁠9⁠].
أمّا المدّةُ الزمنيّة، فقد استغرق زحفُه من ديار دنقلا إلى نواحي توشكي نحوَ شهر، إذ بلغ معتوقةَ القريبةَ منها في أواخر يونيو ١٨٨٩م، ثمّ لبث في تلك الفيافي أسابيعَ ينتظر المددَ ويطارده العطشُ والعدوّ، حتى نشبت المعركةُ الفاصلةُ في الثالث من أغسطس؛ فكانت رحلةُ الفتح كلُّها، من المخرج إلى المهلك، زهاءَ عشرة أسابيع [⁠9⁠].
وكانت حاميةُ وادي حلفا التي تركها النجوميّ في ظهره حاميةً أنجلو-مصريّةً، قوامُها الجيشُ المصريّ الذي أُعيد تنظيمُه وتسليحُه بعد الاحتلال البريطانيّ سنة ١٨٨٢م، يقوده ضبّاطٌ بريطانيّون تحت السردار جرنفل (Sir Francis Grenfell)، ترقى بعها إلى فيلد مارشال، وفيه كتائبُ سودانيّةٌ، ومصريّةٌ، ومدفعيّةٌ، وخيّالة. ولم يكن في وسع النجوميّ أن يقتحم هذا الحصنَ النهريّ بجيشٍ مثقَلٍ بغير المقاتلين شحيحِ العتاد، فآثر أن يلتفَّ حوله: ضرب في الصحراء غربَ حلفا فتجاوزها من البرّ، ثمّ عاود النزول إلى النيل شمالها عند آبار أبي سمبل، على نحو ستّةٍ وسبعين كيلومتراً داخلَ الأرض المصريّة، حيث ألجأته الحاجةُ إلى الماء أن يعسكر عند توشكي منتظراً المدد. ولم تُبادِر القيادةُ الأنجلو-مصريّة إلى صدِّه عند حصن حلفا، بل، تعمّدت أن تدعه يتجاوزه لتُبيده في العراء؛ فظلّت قوّةُ الحدود بقيادة الكولونيل وودهاوس تلاحقه وتردُّ سراياه، بينما حشد جرنفل قوّاته صعوداً بالسكّة الحديد وبواخر النيل، وجمع لواءً بريطانيّاً احتياطيّاً عند أسوان [⁠5،⁠9⁠].
وحملت عبءَ ملاحقته المباشرةِ «قوّةُ الحدود الميدانيّة» بقيادة الكولونيل جوسلين وودهاوس، ومركزُها وادي حلفا، آخرُ معاقل الأنجلو-مصريّين على التخوم الشماليّة. فمن حلفا تعقّبت النجوميَّ وهو يشقّ طريقَه شمالاً، تُطارد سراياه التي كان يبثُّها التماساً للماء والمؤَن، فتردُّها عن الموارد وتُنهِكها. وبلغت المطاردةُ ذروتَها في وقعة أرقين، إذ انقضّت على فصيلٍ كبيرٍ من جيش النجومي فأثخنته، فقُتِل منه نحو تسعِمئةٍ وأُسِر زهاءُ خمسِمئةٍ فيهم عددٌ من الأمراء. ثمّ هبطت قوّةُ وودهاوس شمالا إلى توشكي فانضمّت إلى جيش جرنفل الزاحفِ من أسوان، فاستحكم الطوقُ على النجوميّ [⁠5،⁠9⁠].

وحين تكشّف حالُ جيش النجومي المزري للسردار جرنفل، كتب إلى النجوميّ يدعوه إلى التسليم، ويصارحه بأنّ الخليفة إنّما أرسله إلى الهلاك: إن تقدَّم لقي الجيشَ الانجلو- مصريّ أمامه، وإن تراجع لقي حاميةَ حلفا في ظهره، وإن مكث مات عطشاً في تلك الفيافي [⁠5⁠]. ولم يكن هذا التهديدُ خطابةً، بل، وصفاً دقيقاً لمثلَّثٍ صحراويٍّ أُحكِم إغلاقه على الرجل: عدوٌّ أمامه، وحاميةٌ خلفه، والقفرُ حوله. فردَّ النجوميّ بفتور المؤمن الواثق لا بحساب القائد المحاصَر، داعياً خصمه إلى الإسلام لا إلى الهدنة. ثمّ تحرَّك في أوّل أغسطس ١٨٨٩م وقد هبط عدد جيشه المقاتل إلى نحو ثلاثة آلافٍ، فعسكر بسفح تلال توشكي، وفي الثالث من أغسطس دارت المعركةُ الفاصلة، فسقط النجوميّ قتيلاً في ميدانها عن نحو خمسةٍ وثلاثين عاماً، وأُبيد جيشُه بين قتيلٍ وأسير [⁠5⁠]. وبتوشكي انكسر المدُّ المهديُّ نحو الشمال نهائيّاً، فكانت بدايةَ النهاية لدولةٍ لم تعُد بعدها تُهدِّد مصر.
وقد جرت عادة المؤرِّخين أن يقرأوا حملة مصر قراءةً واحدةً: خليفةٌ أراد أن يتخلَّص من قائدٍ نهريٍّ (من أولاد البحر) مرموقٍ، فأرسله إلى موتٍ محقَّقٍ تحت لواء بشارةٍ ويقين عقدي من الإمام المهدي لا تُردّ. وهي قراءةٌ لها ما يُسنِدها في شُحِّ المدد وإصرار أم درمان على المضيّ رغم استغاثات القائد. غير أنّ الإنصاف يقتضي ألّا نُحمِّل الخليفة وحده كلَّ الوزر؛ فالمصادر تذكر في أسباب الهزيمة تعنُّت النجوميّ نفسه واعتداده برأيه وقلّة أخذه بمشورة الأمراء، وعدم تجانس عناصر حملته [⁠8،⁠9⁠]. فالكارثة كانت حاصل جمعٍ لا خطأً منفرداً: سياسةٌ مركزيّةٌ عمياءُ من فوق، وعنادٌ فرديٌّ من تحت، وآلةٌ حربيّةٌ حديثةٌ في المقابل لا تُغني عنها الرماح والإيمان العقيدي.
الفقيهُ الذي حمل السيف والقصيدة، الحسن سعد العبادي
ويختلف الحسن سعد العبادي عن رفيقَيه اختلافاً جوهريّاً؛ فهو، قبل أن يكون أميراً، عالمٌ وشاعر. وُلِد في مدينة بربر، وتلقّى تعليمه الأوّل في الخلاوي على الشيخ محمد خيرٍ، وهو أستاذ الإمام محمد أحمد المهديّ نفسه، ثمّ اعتمد على جهده الخاصّ في تحصيل علوم العربيّة وآدابها [⁠11⁠]. فلمّا طلعت دعوة المهديّ لحق به في الأُبيِّض مشاركاً في جهاده ضدّ الحكم التركيّ، فوجد فيه الإمام عالماً يُحسِن القول والقتال معاً.
فولّاه المهديُّ إمارةَ العبابدةِ بإقليم بربر، ثمّ إمارةَ إقليم أبي حمد. والعبابدةُ قومٌ من البجا المتعرِّبين يسكنون الصحراءَ الشرقيّةَ بين النيل والبحر الأحمر، من نيل أسوانَ شمالاً إلى منحنى النيل عند بربرَ وأبي حمد، وعلى درب القوافل الرابط بين كُروسكو وأبي حمد؛ وقد تعرَّب جُلُّهم فنطقوا العربيّةَ، ومفردُ اسمهم «عبّاديّ»، وهي نسبةُ صاحبنا نفسِه، فالأرجحُ أنّه كان من صميم القبيلة التي أُمِّر عليها [⁠11⁠]. فلمّا توفّي المهديُّ في يونيو ١٨٨٥م أقرّه الخليفةُ عبد الله على مكانته، ثمّ ولّاه سنة ١٨٨٦م إمارةَ البشاريّين في عتباي وسواحل البحر الأحمر [⁠8،⁠11⁠]. و«عتباي» هي صحراءُ الشرق الممتدّة بين النيل والبحر الأحمر، وديارُ البشاريّين، وهم من كبرى قبائل البجا؛ فكان العباديُّ في هذا الموقع أميرَ ثغرٍ وحاجزٍ في آنٍ، يسدُّ على العدوّ بابَ الصحراء من جهة الشمال الشرقيّ.
على أنّ سلاح العباديّ الأمضى لم يكن الرمح، بل، القلم. فقد نافح وذبَّ عن المهديّة بكتابٍ سمّاه «الأنوار السَنِيّة الماحية لظلام المنكِرين على الحضرة المهديّة» سنة ١٨٨٨م [⁠11⁠]، ونظم في الإمام قصائد مديحٍ ودعوةٍ حافظت على العروض الخليليّ والقافية الموحَّدة. وهذا هو الرجل الذي أفرد له أبو سليمٍ كتاباً كاملاً، «العالم المجاهد الحسن سعد العبادي: كتاب في المهدية وإمارة في عتباي» (٢٠٠٢م) [⁠12⁠]، جمع فيه سيرته وشعره، فكان الكتاب إلى الديوان والدفاع أقرب منه إلى المذكِّرة أو المحرَّرة. ثمّ ختم العباديّ حياته في مكّة المكرّمة، حيث عاش أواخر عمره في الحجاز بعيداً عن سودانٍ تبدّلت دولته [⁠11⁠].
ما تقوله الأوراق وما تُخفيه، في نقد المصادر
تنبع قيمة هذه الأوراق الثلاث من كونها صوت المهديّة من داخلها، في مقابل سيلٍ من الكتابات صنعها خصومها وأسراها: سلاطين في «السيف والنار»، وأوروالدر في «عشر سنوات في أسر المهدية»، ونيوفيلد في سجنه، وونجت في تقاريره [⁠5،⁠9⁠]. فمن يقرأ هؤلاء وحدهم يرى المهديّة بعين عدوّها؛ ومن يضمّ إليهم دفتر دقنة ومحرَّرات النجوميّ وديوان العباديّ يسمع الطرف الآخر يتكلَّم بلسانه. وهذه، في علم التاريخ، فضيلةٌ لا تُقدَّر بثمن.
غير أنّ الناقد المتحرِّز ملزَمٌ بأن يزن كلَّ نوعٍ بميزانه. فـ«مذكِّرات» دقنة ليست سيرةً متأمِّلةً، بل، دفترُ رسائلَ رسميّةٍ ثلاثٍ، كُتِبت للمهديّ لا للتاريخ، فيها من لغة التقرير ما فيها، ومن دعاية النصر ما لا يخفى. ومحرَّرات النجوميّ وثائق ديوانٍ خضعت لصِيَغ المكاتبة الرسميّة، وربّما لم يكتبها القائد بيده، بل، كتبها عنه كُتّابه، وهو سؤالٌ يفرض نفسه على محرَّرات الأمراء جميعاً، بل، على محرَّرات الخليفة نفسه، وقد أثاره أبو سليمٍ في تحقيقه لـ«محرَّرات الخليفة عبد الله» [⁠13⁠]. أمّا مادّة العباديّ فمديحٌ ودفاعٌ، أقرب إلى المنافحة العقديّة منها إلى الشهادة المحايدة؛ ومن طلب فيها خبر المؤرِّخ وجد فيها عاطفة الشاعر.
ثمّ إنّ التحقيق نفسه، على جلالة صاحبه، فِعلُ اختيارٍ لا نقلٌ محايد. فقد لوحِظ على أبي سليمٍ في تحقيقه لـ«منشورات المهدية» [⁠1⁠] أنّه أسقط بعض النصوص، حتى أثار ذلك نقاشاً بين الدارسين. وليس هذا طعناً في أمانته، بل، تذكيرٌ بأنّ المحقِّق الأكبر يبقى بشراً يَنتخِب ويرتِّب ويقدِّم ويؤخِّر، وأنّ على القارئ أن يقرأ الأصل من خلف المحقِّق، لا أن يكتفي بما وصله.
والحكم العدل في هذه الأوراق أنّها مصادرُ لا يُستغنى عنها، شريطة أن تُقرأ كما هي: دفترٌ لأمير حربٍ محاصَر، ومكاتباتُ قائدٍ سِيقَ إلى قدره، وديوانُ فقيهٍ آمن بدولته فمدحها. تعطيك هذه الأوراق نبض المهديّة من الداخل، لكنّها لا تعطيك ميزانها؛ فالميزان لا يُصنع إلّا بمقابلة صوت الدولة بصوت خصومها، وصوت الأمير بصوت الأرشيف، وصوت الشاعر بصوت الواقع. وذلك، في النهاية، هو صنيع أبي سليمٍ نفسه؛ لم يُرِد لهذه الأوراق أن تكون الحكاية كلَّها، بل، أراد لها أن تكون الطرف الغائب منها. وقد فعل.
المراجع
[1] محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، منشورات المهدية، بيروت، دار الجيل، ١٩٧٩م.
[2] محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة للإمام المهدي، سبعة أجزاء، الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للنشر، ١٩٩٠–١٩٩٤م.
[3] محمد صالح ضرار، تاريخ سواكن والبحر الأحمر، الطبعة الثانية، الدار السودانية للكتب، ١٩٨٨م.
[4] Richard Hill, A Biographical Dictionary of the Sudan, 2nd ed., London: Frank Cass, 1967.
[5] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, London: Longmans, Green & Co., 1899.
[6] صحيفة التحرير، «عثمان دقنة بالعربي بعد ٩٠ عاماً من صدور الأصل الإنجليزي» (مقال صحفي).
https://www.alttahrer.com/archives/34535
[7] عثمان أبو بكر دقنة، مذكرات عثمان دقنة، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، ١٩٧٣م.
[8] «أمراء المهدية والثبات على المبدأ: دراسة وثائقية لمواقف أمراء المهدية ١٨٨١–١٨٩٨م»، مجلة جامعة أم درمان الإسلامية للعلوم الإسلامية والقانونية.
https://www.journal.oiu.edu.sd/index.php/oiuj/article/view/1622
[9] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898, 2nd ed., Oxford: Clarendon Press, 1970.
[10] محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، محررات القائد عبد الرحمن النجومي، مركز أبو سليم للدراسات.
[11] معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، مادة «الحسن سعد محمد العبادي».
http://www.almoajam.org/lists/inner/1077
[12] محمد إبراهيم أبو سليم، العالم المجاهد الحسن سعد العبادي: كتاب في المهدية وإمارة في عتباي، مركز أبو سليم للدراسات، الطبعة الأولى، يونيو ٢٠٠٢م.
[13] محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، محررات الخليفة عبد الله، القاهرة، مطبعة سوتير، ٢٠٠١م.

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
بعض الاطباء السودانيين في اسكندنافية .. بقلم: شوقي بدري
رجل الفولة كما عرفتها في بداية السبعينات .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي
منبر الرأي
توثيق ممتع في آخر الليل .. بقلم: صلاح الباشا
منبر الرأي
لا تُطفئوا ما أبقته الحرب حيّا: المراكز الخارجية طوق نجاة للتعليم العالي في السودان
منبر الرأي
فض اعتصام القيادة العامة… بين الحقيقة الغائبة وتوظيف السياسة

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

بعد حقبة من وفاته: شخصيَّة يوسف كوَّة مكِّي 2-4 .. بقلم: د. عمر مصطفى شركيان

الدكتور عمر مصطفى شركيان
منبر الرأي

لا هذا ولا ذاك .. بقلم: نور الدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

خليل فرح في ذكراه السنوية: شاعر مغني نحت اسمه في سجل مبدعي الاستنهاض الوطني .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

طارق الجزولي
منبر الرأي

القراي: أنموذج الدولة المدنية والمعاصرة .. بقلم: بدوي تاجوا لمحامي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss