باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 26 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

اخر تحديث: 26 سبتمبر, 2026 9:50 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

ينطلق المقال من أن إعادة بناء النظام الصحي السوداني بعد الحرب ليست عملية لإعادة تشغيل المرافق التي توقفت أو إعادة الموظفين إلى مواقعهم السابقة فحسب، وإنما هي فرصة لإعادة تصميم النظام الصحي كله على أساس مختلف عن النظام الذي كان قائماً قبل الحرب. فقد كشفت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 هشاشة البنية الصحية السودانية، وعمقت مشكلات كانت موجودة أصلاً، مثل ضعف التمويل العام، وارتفاع الإنفاق المباشر من جيوب الأسر، وتشتت مصادر التمويل، وعدم تكامل مستويات الحكم، وضعف نظم المعلومات والترصد، وعدم التوزيع العادل للقوى العاملة والمرافق والخدمات. ولذلك يقترح المقال الانتقال من مفهوم إعادة الإعمار التقليدي إلى مفهوم «العقد الصحي الجديد»، الذي يجعل الصحة حقاً عاماً ووظيفة أساسية للدولة وشريكاً في بناء السلام واستعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات العامة.

ويؤكد المقال أن الحرب لا يمكن التعامل معها باعتبارها حدثاً ينتهي في لحظة إعلان وقف إطلاق النار، لأن آثارها الجغرافية والمؤسسية والاجتماعية ستستمر لسنوات. فقد انتقلت المواجهات بين مناطق مختلفة، وتفاوتت مستويات الدمار وانقطاع الخدمات بين الولايات والمحليات، كما أصبح السودان في الوقت نفسه بلداً يضم مناطق ما زالت متأثرة مباشرة بالحرب، ومناطق أكثر استقراراً بدأت فيها عودة السكان وإعادة تشغيل بعض المؤسسات، ومناطق تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين والعائدين. ولذلك فإن إعادة بناء الصحة يجب أن تكون مرنة ومبنية على مستوى الجاهزية الفعلي لكل منطقة، لا على جدول زمني موحد يطبق على جميع الولايات والمحليات. ويقترح المقال أن تتزامن الاستجابة الإنسانية مع التعافي والتنمية وبناء السلام، بحيث لا تنتظر التنمية انتهاء العمل الإنساني، ولا تستمر المساعدات الإنسانية بمعزل عن بناء مؤسسات صحية وطنية مستدامة.

وتقوم منهجية المقال على جمع الأدلة من الدراسات العلمية المحكمة، وتقارير المنظمات الدولية، والبيانات الإنسانية والصحية والغذائية، وتقارير المؤسسات المتخصصة ومراكز الفكر والسياسات، مع استخدام الإعلام السوداني كمصدر لتحديد القضايا والأحداث ثم التحقق منها عبر مصادر مستقلة ومؤسسية. ويشدد المقال على أن البيانات الصحية في السودان تعاني من قيود كبيرة بسبب الحرب وضعف التسجيل المدني والوفيات والتغطية الإحصائية وغياب تعداد سكاني حديث، ولذلك ينبغي التعامل مع جميع التقديرات السكانية والصحية والوفيات بحذر، واستخدام أكثر من مصدر ومنهج عندما يكون ذلك ممكناً، وتطوير نظام وطني مستمر لإنتاج البيانات بدلاً من الاعتماد على التقديرات المتقطعة.

يصف المقال الوضع الصحي الراهن باعتباره نتيجة تراكمية للوفيات المباشرة وغير المباشرة، وتدمير المرافق، ونزوح السكان، وتعطل سلاسل الإمداد، وانتشار الأمراض، وسوء التغذية، وتراجع المياه والصرف الصحي، وانهيار القدرات المؤسسية. وتظهر تقديرات الوفيات في الخرطوم خلال الفترة الأولى من الحرب أن عدد الوفيات لجميع الأسباب كان أكبر بكثير من عدد الوفيات المسجلة مباشرة نتيجة العنف، بما يوضح أن التأثير الصحي للحرب لا يقتصر على الرصاص والقصف، وإنما يشمل أيضاً توقف العلاج، وانقطاع الأدوية، وسوء التغذية، والأمراض المعدية، وصعوبة الوصول إلى المستشفيات، والمياه غير الآمنة، وانهيار الخدمات الأساسية. كما أن أنماط الوفيات تختلف جغرافياً؛ فالوفيات الناتجة عن الإصابات والعنف تتركز بدرجة أكبر في المناطق التي شهدت قتالاً كثيفاً، بينما ترتفع أهمية الأمراض والجوع وانهيار الخدمات في مناطق أخرى.

ويبين المقال أن تدمير أو تعطيل المرافق الصحية لم يكن مجرد خسارة في المباني، وإنما أدى إلى انهيار شبكة مترابطة من الخدمات والكوادر والمعدات والأدوية والإحالة والنقل والطوارئ. وقد أصبح جزء كبير من المرافق الصحية في الولايات الثماني عشرة غير عامل أو يعمل بقدرة محدودة، بينما تعطلت مستشفيات رئيسية وخدمات متخصصة ومراكز تشخيص وإمدادات الدم والجراحة والطوارئ. كما تعرض العاملون الصحيون للقتل والإصابة والنزوح والتهديد، وأصبحت بعض المرافق الصحية نفسها مواقع للاستهداف أو الاستخدام العسكري، الأمر الذي يضر بالخدمة الحالية ويقوض الثقة في النظام الصحي ويزيد من هجرة الكوادر. ويؤكد المقال أن حماية العاملين والمرافق وسيارات الإسعاف والمخازن وسلاسل الإمداد ليست قضية أمنية هامشية، بل شرط أساسي لاستمرار النظام الصحي.

ويعرض المقال كذلك الوضع الوبائي والغذائي بوصفه أزمة مترابطة. فقد انتشرت الكوليرا في جميع الولايات، بينما امتد انتشار حمى الضنك والملاريا إلى عدد كبير من الولايات، إلى جانب الحصبة وشلل الأطفال المشتق من اللقاح والتهاب الكبد الوبائي هـ والدفتيريا والتهاب السحايا وغيرها من الأمراض. ولا يمكن فصل هذه الأوبئة عن النزوح واكتظاظ أماكن الإقامة وتدهور المياه والصرف الصحي والنظافة وتعطل برامج التحصين وضعف الترصد. وفي الوقت نفسه أصبح سوء التغذية الحاد مشكلة وطنية واسعة، مع وجود ملايين الأشخاص في مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، ومناطق وصلت فيها أو اقتربت فيها المؤشرات الغذائية من مستويات المجاعة. ويظهر ذلك بوضوح في مناطق مثل أم بارو وكرنوي، حيث بلغت معدلات سوء التغذية الحاد مستويات شديدة الارتفاع، بما يؤكد أن علاج الطفل المصاب بسوء التغذية لا يكفي إذا ظل الغذاء والماء والخدمات الوقائية والصحية غائبة.

ويولي المقال اهتماماً خاصاً بالمجاعة باعتبارها نتيجة تفاعل الحرب مع النزوح وانهيار الأسواق وتعطل الإنتاج الزراعي وقطع طرق الإمداد وضعف الوصول الإنساني. ويشير إلى أن مناطق مثل الفاشر وكادوقلي شهدت ظروف مجاعة أو مؤشرات مرتبطة بها، وأن خطر المجاعة لا يقتصر على الغذاء وحده، لأن المجاعة تعني أيضاً انهيار قدرة الأسر على الوصول إلى العلاج والمياه الآمنة والرعاية الوقائية. ومن هنا يقترح المقال أن تصبح التغذية والمياه والصرف الصحي والنظافة ومكافحة الأوبئة والرعاية الصحية الأولية جزءاً من حزمة واحدة في المناطق المتأثرة بالأزمات، بدلاً من إدارتها كبرامج منفصلة.

أما النزوح، فيتعامل معه المقال باعتباره تحدياً صحياً مزدوجاً. فملايين الأشخاص ما زالوا نازحين، بينما عاد ملايين آخرون إلى مناطق أكثر أمناً نسبياً، خصوصاً في بعض مناطق الشرق والوسط. ويعني ذلك أن النظام الصحي يجب أن يعمل في اتجاهين في الوقت نفسه: توفير خدمات صحية للنازحين في أماكن وجودهم، وإعادة بناء الخدمات في المدن والقرى التي عاد إليها السكان وقد تكون مرافقها ومياهها وكهرباؤها وشبكاتها الصحية مدمرة. ولا ينبغي اعتبار عودة السكان نهاية للأزمة، لأن العودة إلى منطقة بلا مدرسة أو مركز صحي أو ماء آمن أو سوق أو مصدر دخل يمكن أن تتحول إلى دورة جديدة من النزوح. ولذلك تصبح قدرة النظام الصحي على استقبال العائدين جزءاً من سياسة العودة وإعادة الاستقرار.

ويعود المقال إلى ما قبل الحرب ليؤكد أن النظام الصحي لم يكن قوياً ثم انهار فجأة، بل كانت الحرب قد كشفت هشاشته ووسعت نطاقها. فقد عانى النظام من انخفاض نسبي في أولوية الإنفاق الصحي العام، ومن الاعتماد المتزايد على الإنفاق المباشر للأسر، ومن تجزؤ مصادر التمويل، ومن ضعف الحماية المالية، ومن عدم التوازن في توزيع الخدمات والكوادر بين المدن والأرياف وبين الولايات. كما ظلت العلاقة بين المستوى الاتحادي والولايات والمحليات غير مستقرة من حيث التمويل والمسؤوليات والمساءلة، ولم يكن نظام المعلومات قادراً على إنتاج صورة وطنية مستمرة ودقيقة عن الخدمات والوفيات والأمراض والقوى العاملة.

ويعتبر المقال أن تجربة التأمين الصحي الوطني قبل الحرب تمثل أصلاً مؤسسياً يمكن إصلاحه، لكنها تحتاج إلى تقييم مؤسسي ومالي واكتواري شامل بعد الحرب. فالهدف ليس العودة الآلية إلى النظام السابق، وإنما إعادة بناء آلية وطنية للتجميع والشراء والحماية المالية تتكامل مع التمويل الحكومي والمساعدات الإنسانية ومساهمات الشركاء. ويؤكد المقال أن الاعتماد المفرط على الدفع المباشر عند نقطة الخدمة يخلق حواجز أمام الفقراء والنازحين والأسر المتضررة، وقد يؤدي إلى تأخر العلاج أو عدم طلبه أصلاً، كما يمكن أن يدفع الأسر إلى الفقر عندما تواجه حالات مرضية مكلفة.

وفي مقابل هذه الاختلالات، يرى المقال أن السودان يمتلك أصولاً يمكن البناء عليها. فقد استمرت منظمات ووكالات صحية في تقديم خدمات أساسية، وعولج عدد كبير من الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد، ونفذت حملات تطعيم واسعة، واستمرت جهود مكافحة الأوبئة، ووصلت الإمدادات والأدوية إلى مناطق متعددة. كما برزت غرف الطوارئ بوصفها شبكة مجتمعية مرنة استطاعت في ظروف شديدة الصعوبة تنظيم الإحالات والنقل والإمداد والمطابخ الجماعية وبعض الخدمات الصحية والإنسانية. ويشدد المقال على أن قيمة هذه الشبكات لا تكمن فقط في عدد المستفيدين، وإنما في إثبات قدرة المجتمع السوداني على التنظيم والعمل الجماعي عندما تضعف مؤسسات الدولة.

لكن المقال يحذر من تحويل غرف الطوارئ أو المبادرات المجتمعية إلى بديل دائم للدولة. فهذه الشبكات تقوم أساساً على التطوع والمبادرة المحلية وقد تعاني من الإرهاق ونقص التمويل ومخاطر الاستهداف أو التدخل أو التسييس أو تحويل الموارد. ولذلك ينبغي إدماجها كشريك مجتمعي في النظام الصحي مع الحفاظ على استقلالها وشفافيتها وحيادها، وليس تحويلها إلى أجهزة بيروقراطية تابعة للحكومة أو المنظمات المانحة.

ويرتكز الإطار النظري للمقال على فكرة أن النظام الصحي يتكون من مجموعة مترابطة من عناصر تقديم الخدمة والقوى العاملة والمعلومات والأدوية والتقنيات والتمويل والحوكمة. ولا يمكن إصلاح عنصر واحد بصورة منفصلة عن بقية العناصر. فبناء مستشفى من دون كوادر وأدوية وكهرباء ونظام إحالة لا يعيد الخدمة، وتوفير الأدوية من دون تمويل مستدام وسلسلة إمداد لا يمنع انقطاعها، وتدريب الكوادر من دون نظام رواتب واستبقاء لا يمنع هجرتها، وإنشاء نظام معلومات من دون استخدام البيانات في القرار لا يؤدي إلى تحسين الأداء.

ويضيف المقال مفهوم المرونة الصحية، التي لا تعني مجرد قدرة النظام على امتصاص الصدمة والعودة إلى الوضع السابق، وإنما قدرته على التكيف والتعلم والتحول. وهذا مهم في السودان لأن إعادة النظام السابق قد تعيد إنتاج نقاط الضعف نفسها. ويجب أن تكون جودة الرعاية جزءاً من التغطية الصحية، لأن زيادة عدد الأشخاص الذين يصلون إلى خدمة غير آمنة أو غير فعالة لا تحقق تحسناً صحياً حقيقياً. كما يجب أن تصبح الثقة والمشاركة المجتمعية جزءاً من بنية النظام، لأن النظام الذي لا يثق به السكان يصعب عليه تنفيذ التطعيم والترصد والعلاج الوقائي والاستجابة للأوبئة.

ويستفيد المقال من خبرات دول خرجت من الحروب أو الأزمات. ففي أفغانستان أظهرت حزمة الخدمات الصحية الأساسية أهمية تحديد مجموعة واضحة من الخدمات ذات الأولوية، وتحديد مسؤوليات مقدمي الخدمة، وربط التمويل بالنتائج، واستخدام أدوات قياس الأداء والمساءلة المجتمعية. لكن التجربة أظهرت أيضاً أن النجاح لم يكن نتيجة تصميم الحزمة وحده، بل ارتبط بوجود تمويل خارجي كبير وبترتيبات تعاقدية وبقدرة على القياس والإدارة، وهي عوامل يجب ألا تنقل إلى السودان بصورة ميكانيكية.

وتقدم ليبيريا وسيراليون دروساً حول إعادة بناء الخدمات بعد الحرب، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية. فقد أظهرت التجارب أن متوسط التغطية الوطنية قد يخفي تفاوتات شديدة بين المناطق، وأن بناء النظام يحتاج إلى التركيز على الأماكن التي يصعب الوصول إليها. كما توضح التجارب الأفريقية أن القرارات المبكرة المتعلقة برواتب العاملين وتوزيعهم وعقود المنظمات غير الحكومية يمكن أن تخلق مسارات مؤسسية طويلة الأجل، وقد يؤدي اختلاف الرواتب بين العاملين الحكوميين والعاملين لدى المنظمات إلى سحب الكوادر من النظام العام وإضعافه.

وتبرز رواندا بوصفها مثالاً على الاستثمار السياسي والمؤسسي طويل الأجل في الرعاية الأولية والعاملين الصحيين المجتمعيين والتأمين المجتمعي، مع استخدام آليات مرتبطة بالأداء. ويشير المقال إلى أن الدرس المهم ليس نسخ النموذج الرواندي، وإنما فهم العلاقة بين الالتزام السياسي، والاستثمار في الرعاية الأولية، والمشاركة المجتمعية، والحماية المالية، والقياس المستمر. كما توضح تجربة إثيوبيا أهمية العاملين الصحيين المجتمعيين في توسيع التغطية، مع بقاء تحديات الجودة والإشراف والتمويل.

أما سوريا فتقدم الدرس الأكثر قتامة، وهو أن استهداف الرعاية الصحية يمكن أن يحول النظام الصحي نفسه إلى ساحة من ساحات الحرب. ولذلك لا يمكن فصل إعادة الإعمار الصحي في السودان عن توثيق الاعتداءات وحماية المرافق والعاملين، وعن بناء آليات مساءلة وعدالة انتقالية وتوثيق مؤسسي. ويؤكد المقال أن عودة العاملين الصحيين النازحين أو المهاجرين يجب أن تبدأ بالتخطيط لها قبل انتهاء الحرب، لأن النظام قد يواجه نقصاً حاداً في الكوادر في اللحظة التي يحتاج فيها إلى التوسع.

ومن خلال هذه التجارب يستخلص المقال أن النظام السوداني المستهدف ينبغي أن يقوم على حزمة أساسية وطنية موحدة للخدمات الصحية، مع إمكانية تكييف تنفيذها وفق احتياجات كل ولاية ومحلية. وتشمل الحزمة صحة الأم والوليد، والتحصين، وصحة الطفل، والتغذية، والأمراض المعدية، والصحة النفسية، والإصابات والإعاقة، والأمراض غير السارية، والأدوية الأساسية. ويجب ألا تكون الحزمة مجرد قائمة خدمات، بل تعريفاً واضحاً لما يجب أن تقدمه كل درجة من درجات المنشآت، وما تحتاجه من كوادر وتجهيزات وأدوية وميزانية، وكيف تحيل المرضى إلى المستوى الأعلى.

وتبدأ هذه الحزمة من الرعاية الصحية الأولية باعتبارها قاعدة النظام كله. وينبغي تحديد مستويات واضحة للمراكز الصحية والمراكز الشاملة ومستشفيات المحليات والمستشفيات المرجعية، مع تحديد الحد الأدنى من القوى العاملة والمعدات والأدوية لكل مستوى. وقبل التوسع الوطني يجب حساب تكلفة الحزمة واختبارها في مناطق مختلفة، ثم تعديلها بناءً على نتائج التنفيذ. ويجب أن يكون التحصين جزءاً مركزياً من الرعاية الأولية، وأن تستمر الجهود المتعلقة باللقاحات الروتينية واللقاحات الجديدة ذات الصلة بالأمراض ذات العبء المرتفع.

وتدمج الحزمة التغذية في الرعاية الصحية بدلاً من تركها لبرامج منفصلة. ويبدأ ذلك بالكشف المجتمعي المبكر عن سوء التغذية، ثم الإحالة السريعة للحالات الشديدة، وتوفير العلاج داخل المرافق أو على مستوى المجتمع بحسب شدة الحالة، مع معالجة الأسباب المحيطة مثل انعدام الغذاء والمياه الآمنة والأمراض المتكررة. كما يجب أن تكون خدمات الأمومة قائمة على الولادة المأمونة والمساعدة بواسطة كوادر مؤهلة وتوفير الرعاية التوليدية الطارئة والإحالة والنقل في الوقت المناسب.

وتولي الحزمة اهتماماً أكبر مما كان عليه النظام السابق للصحة النفسية، لأن الحرب خلقت أعداداً كبيرة من الأشخاص المعرضين للاضطرابات النفسية، والصدمات، والفقد، والعنف، والإعاقة. ولا يرى المقال أن الحل يكمن في بناء عدد محدود من المستشفيات النفسية المتخصصة، وإنما في دمج خدمات الصحة النفسية الأساسية في الرعاية الأولية، مع إحالة الحالات المعقدة إلى خدمات متخصصة، وتدريب العاملين غير المتخصصين تحت إشراف مهني. كما يجب إدماج خدمات الإعاقة وإعادة التأهيل في النظام الصحي، خصوصاً مع العدد الكبير المتوقع من إصابات الحرب.

أما المستشفيات، فيقترح المقال بناء شبكة مرجعية محدودة لكنها قوية بدلاً من توزيع الموارد على عدد كبير من المنشآت غير القادرة على تقديم خدمات متخصصة. ويجب أن تشمل الشبكة خدمات الطوارئ والجراحة والإصابات والرعاية التوليدية المعقدة والدم والتخدير والعناية المركزة بحسب مستوى المستشفى، مع إنشاء روابط واضحة للإسعاف والإحالة. وينبغي أن يبدأ ذلك بتقييم جاهزية كل مستشفى من حيث المبنى والمياه والكهرباء والكوادر والأدوية والمعدات ونظام الإحالة، ثم تحديد أولويات إعادة التأهيل.

وتحتل القوى العاملة الصحية مكانة مركزية في العقد الصحي الجديد. ويقترح المقال سياسة وطنية موحدة للرواتب والحوافز والتوزيع الجغرافي، بحيث لا يصبح العامل الحكومي أقل دخلاً بصورة كبيرة من العامل في منظمة دولية أو مشروع ممول خارجياً. ويجب أن تتضمن السياسة حوافز حقيقية للعمل في المناطق الريفية والنائية، مع استمرار الراتب الأساسي المنتظم باعتباره أهم عنصر في استبقاء العاملين. كما يجب إنشاء سجل وطني موحد للقوى العاملة الصحية يوضح العدد والتخصص والمكان والحالة الوظيفية والتدريب والاحتياج.

ويشمل النظام المقترح العاملين الصحيين المجتمعيين بوصفهم جزءاً منظماً من النظام، لا مجرد متطوعين يستخدمون عند حدوث الطوارئ. ويجب تحديد مهامهم وتدريبهم والإشراف عليهم وربطهم بالمراكز الصحية. كما ينبغي إنشاء منصة منظمة للاستفادة من الكوادر السودانية في الخارج، تسمح بالعودة المؤقتة أو الدائمة أو التدريب أو التعليم عن بعد أو العمل الاستشاري. ويشدد المقال على أن استقطاب الشتات يجب أن يكون منظماً وأخلاقياً وألا يؤدي إلى استنزاف أنظمة الدول التي تستضيف كوادر سودانية أو تعتمد عليها.

وفي مجال الأدوية والتقنيات الطبية، يدعو المقال إلى قائمة وطنية موحدة للأدوية الأساسية مرتبطة بالحزمة الصحية، ونظام شراء مركزي أو مجمع عندما تكون وفورات الحجم ممكنة، ومستودعات على مستويات متعددة، ونظام رقمي لمراقبة المخزون، ونظام صارم لضمان الجودة. ويجب أن تسبق الطموحات المتعلقة بتصنيع الأدوية محلياً معالجة المشكلات الأساسية في الشراء والتخزين والتوزيع والجودة. كما يجب إعطاء أولوية للأدوية المنقذة للحياة، وأدوية الأمراض المزمنة، والمضادات الحيوية، وأدوية الملاريا، ومستلزمات الولادة والجراحة، والدم ومستلزماته.

ويعتبر المقال نظام المعلومات أحد أهم أعمدة العقد الصحي الجديد. ويقترح إنشاء منصة صحية وطنية موحدة على مستوى المحليات والمرافق، تسمح بجمع بيانات الخدمات والأدوية والكوادر والأمراض والوفيات والإحالات. ولا ينبغي أن يكون الهدف جمع البيانات من أجل التقارير فقط، بل استخدامها يومياً في اتخاذ القرار. ويجب دمج الترصد الوبائي مع المعلومات المجتمعية، لأن اكتشاف المرض في المجتمع قبل وصوله إلى المستشفى يمكن أن يغير مسار التفشي.

ويجب كذلك إعادة بناء نظام التسجيل المدني والوفيات والولادات، وإنشاء آليات دورية لتقدير الوفيات عندما يكون التسجيل الكامل غير ممكن، وإجراء مسوح وطنية أو إقليمية للوفيات والتغذية والصحة. كما يجب تطوير استراتيجية للصحة الرقمية تحمي الخصوصية وتحدد بوضوح من يملك البيانات ومن يستطيع الوصول إليها وكيف تستخدم. ويرى المقال أن البيانات الصحية ينبغي أن تصبح مورداً وطنياً عاماً محكوماً بقواعد واضحة، لا ملكاً لمشروع أو منظمة أو جهة مانحة.

وفي مجال التمويل، يقترح المقال الانتقال من التمويل المجزأ إلى صندوق صحي وطني مجمع يجمع التمويل الحكومي والمساعدات الإنسانية والتمويل التنموي والمصادر الأخرى الممكنة ضمن قواعد واضحة. ولا يعني التجميع اختفاء الجهات الممولة، وإنما توجيه مواردها نحو أهداف وطنية متفق عليها بدلاً من إنشاء عشرات المشاريع المتوازية ذات أنظمة الشراء والبيانات والرواتب المختلفة.

ويقوم التمويل المقترح على الشراء الاستراتيجي، أي دفع الأموال بطريقة ترتبط بالحزمة الصحية والخدمات والجودة والنتائج، بدلاً من تمويل المدخلات وحدها. ويجب إعفاء الفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر من الرسوم عند نقطة الخدمة، خصوصاً الأمهات والأطفال والنازحين والعائدين والفئات الفقيرة في مناطق الأزمات. وعلى المدى المتوسط يمكن إعادة بناء التأمين الصحي الوطني بعد دراسة مؤسسية واكتوارية شاملة، وربطه تدريجياً بالنظام الوطني للتجميع والشراء والحماية المالية.

ويشدد المقال على ضرورة زيادة التمويل المحلي للصحة تدريجياً، وعدم بناء نظام يعتمد بصورة دائمة على التمويل الخارجي. لكن الانتقال إلى التمويل المحلي يجب أن يكون واقعياً، لأن الدولة الخارجة من الحرب ستواجه منافسة شديدة على الموارد بين الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والإعمار والأمن. ولذلك يقترح المقال مساراً تدريجياً يربط زيادة الإنفاق العام على الصحة بتحسن الإيرادات والقدرة الإدارية، مع إعطاء الأولوية للخدمات الأساسية والحماية المالية.

وفي مجال الحوكمة، يقترح المقال توزيعاً واضحاً للمسؤوليات بين المستوى الاتحادي والولايات والمحليات. تكون مسؤولية المستوى الاتحادي وضع السياسات والمعايير الوطنية وتنسيق التمويل والشراء والمعلومات والرقابة، بينما تتحمل الولايات مسؤولية إدارة الخدمات وتنفيذ السياسة وفق احتياجاتها، وتتولى المحليات إدارة المرافق والخدمات المجتمعية بالتعاون مع المجالس واللجان المحلية. ويجب أن يكون اللامركزية توزيعاً واضحاً للسلطات والموارد والمساءلة، لا مجرد نقل للمسؤوليات من دون نقل التمويل.

ويقترح المقال إنشاء مجلس وطني للتنسيق الصحي يضم الجهات الحكومية والشركاء والمجتمع المدني والجامعات والمهنيين، بحيث يعمل ضمن خطة وطنية واحدة وميزانية وإطار متابعة واحدين. كما يقترح استخدام أدوات المساءلة المجتمعية مثل بطاقات تقييم المجتمع ونشر مؤشرات أداء المرافق، حتى يصبح المواطن قادراً على معرفة ما الذي يفترض أن تقدمه المنشأة الصحية وما الذي قدمته فعلياً.

ويضع المقال غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية ضمن هذا الإطار بوصفها شريكاً لا بديلاً عن الدولة. ويمكن أن تقوم بدور مهم في اكتشاف الحالات، والإحالة، والتوعية، ومراقبة توافر الأدوية، ودعم الفئات الهشة، ونقل المعلومات من المجتمع إلى النظام الصحي. لكن ينبغي أن تقوم الشراكة على قواعد شفافة تمنع الاستغلال السياسي أو المالي، وتحافظ على استقلال المبادرات المجتمعية.

ويجمع المقال بين الصحة العامة والرعاية السريرية والمياه والغذاء والحماية الاجتماعية. فمكافحة الكوليرا، مثلاً، لا يمكن أن تعتمد على علاج المرضى والتطعيم فقط إذا لم تتم معالجة المياه والصرف الصحي والنظافة. وكذلك لا يمكن خفض سوء التغذية بعلاج الأطفال فقط إذا ظلت الأسر عاجزة عن الوصول إلى الغذاء. ولذلك يجب أن تصبح الاستجابة الصحية متعددة القطاعات، مع وجود آليات تنسيق محلية واضحة.

أما الأمراض غير السارية، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسرطان، فيجب ألا تختفي من أجندة إعادة الإعمار بسبب التركيز على الأوبئة. فقد أدى النزوح وانقطاع العلاج إلى فقدان عدد كبير من المرضى للرعاية المستمرة. ويقترح المقال إدخال إدارة الأمراض المزمنة تدريجياً ضمن الرعاية الأولية، مع إعطاء الأولوية للأدوية الأساسية والمتابعة المنتظمة، ثم توسيع الخدمات المتخصصة مع تحسن قدرة النظام.

ويخصص المقال محوراً مستقلاً لحماية الرعاية الصحية من الاعتداءات. ويقترح إنشاء نظام وطني موحد لتوثيق الهجمات على المرافق والعاملين والنقل الطبي، وربطه بآليات الرصد الدولية، وإدراج حماية الخدمات الصحية بوضوح في ترتيبات وقف إطلاق النار والاتفاقات الأمنية. كما يجب توثيق الاعتداءات بطريقة تصلح لاحقاً للمساءلة والعدالة الانتقالية. ويؤكد المقال أن حماية المستشفى لا ينبغي أن تكون مجرد نص قانوني، وإنما يجب أن تتحول إلى ممارسة عملية تشمل عدم استخدام المنشآت الصحية لأغراض عسكرية وضمان حرية حركة سيارات الإسعاف والعاملين والمرضى.

ويقترح المقال تنفيذ العقد الصحي الجديد على ثلاث مراحل متداخلة. تبدأ المرحلة الأولى بالاستقرار والحماية، وتركز خلال الأشهر الأولى على إنقاذ الأرواح، وإعادة الحد الأدنى من تشغيل المرافق، وحماية العاملين، وتوفير الأدوية، واستعادة الترصد الوبائي، وتسجيل المرافق والكوادر. وتأتي بعدها مرحلة التعافي والتوحيد التي تمتد تقريباً من سنة إلى ثلاث سنوات، وتركز على تطبيق الحزمة الأساسية، وتجميع التمويل، وإعادة تنظيم الإدارة الصحية، وتوحيد سياسة القوى العاملة، وبناء نظم المعلومات والإمداد. ثم تأتي مرحلة إعادة البناء والتحول التي تمتد لسنوات أطول وتركز على الجودة، والمستشفيات المرجعية، والتغطية الصحية الشاملة، والصحة الرقمية، والتصنيع الدوائي المحلي، والبحث الصحي.

لكن هذه المراحل لا ينبغي أن ترتبط بالتاريخ وحده. فقد تصل منطقة إلى مرحلة التعافي بينما لا تزال منطقة أخرى في مرحلة الطوارئ. ولذلك يجب استخدام مؤشرات جاهزية تحدد انتقال كل منطقة من مرحلة إلى أخرى، مثل مستوى الأمن، ونسبة تشغيل المرافق، وتوافر الكوادر والأدوية، وإمكانية الوصول، واستقرار التمويل، وقدرة النظام على إنتاج البيانات. وإذا تدهور الأمن، يجب أن يكون من الممكن الرجوع مؤقتاً إلى ترتيبات الطوارئ دون انهيار الخطة كلها.

ويشدد المقال على أهمية البدء بمشروعات تجريبية في مناطق مختلفة تمثل البيئات السودانية المتنوعة، ثم تقييم النتائج قبل التوسع. ويجب ألا يكون الاختيار قائماً على سهولة التنفيذ وحدها، بل يجب أن يشمل مناطق حضرية وريفية، ومناطق عودة ونزوح، ومناطق مستقرة نسبياً ومناطق انتقالية، حتى يكون النموذج الناتج قابلاً للتكيف مع التنوع السوداني.

ويعتبر المجتمع والجامعات والنقابات والمهن الصحية والمؤسسات البحثية جزءاً من عملية إعادة البناء. فالجامعات السودانية يمكن أن تقوم بأدوار في تدريب الكوادر، وإجراء المسوح، وتحليل البيانات، وتقييم البرامج، وإنتاج الأدلة المحلية. كما يمكن للنقابات والهيئات المهنية أن تشارك في وضع معايير الممارسة والتدريب المستمر. ويجب أن تكون الاتصالات العامة جزءاً من النظام، لأن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى إعلام السكان بوضوح بما يعمل وما لا يعمل، وما هي حقوقهم، وأين يمكنهم الحصول على الخدمة.

ويضع المقال نظاماً للمتابعة والتقييم يبدأ قبل تنفيذ البرامج، من خلال مسح خط أساس واضح. وتشمل المؤشرات الأساسية نسبة المرافق العاملة، وتغطية التحصين، ونسبة الولادات التي تتم بمساعدة كوادر مؤهلة، وعدد الأطفال الذين يتلقون علاج سوء التغذية الحاد، وتوافر الأدوية الأساسية، ونسبة العاملين الذين يتلقون رواتبهم في موعدها، وحجم الإنفاق المباشر للأسر، وتكرار الاعتداءات على الرعاية الصحية. ويجب إضافة مؤشرات الجودة، لأن وجود الخدمة لا يعني بالضرورة جودتها.

ويُقترح أن تتم المراجعة بصورة دورية على مستويات متعددة؛ مراجعات شهرية محلية بمشاركة المجتمع، ومراجعات فصلية على مستوى الولاية، ومراجعة وطنية سنوية تجمع الحكومة والشركاء والمجتمع والباحثين. كما يجب إجراء تقييمات مستقلة في منتصف البرامج ونهايتها، ونشر النتائج العامة. ولا ينبغي أن يكون التقييم أداة لمعاقبة العاملين فقط، بل آلية للتعلم واكتشاف المشكلات وتصحيح المسار.

ويرى المقال أن أبرز المخاطر أمام العقد الصحي الجديد هي استمرار الحرب أو عودتها، وانخفاض التمويل الدولي، وتسييس الموارد، والفساد، وضعف الشفافية، وهجرة الكوادر، وعودة الأوبئة، واستمرار الاعتداءات على الخدمات الصحية، وتزايد الفجوة بين المناطق المستقرة والمناطق المتضررة. ويجب أن يكون لكل خطر سيناريو بديل، بما في ذلك خطط الطوارئ وإعادة توزيع الموارد بسرعة وحماية المرافق والعاملين وإتاحة تمويل سريع عند حدوث صدمة جديدة.

وتعتمد الاستدامة في النهاية على انتقال تدريجي من الاعتماد على التمويل الإنساني إلى التمويل العام الوطني، مع الحفاظ على الشراكات الدولية خلال مرحلة الانتقال. كما تعتمد على بناء شرعية مؤسسية من خلال الخدمات الفعلية والشفافية والمساءلة. فالمواطن الذي يجد مركزاً صحياً يعمل، ودواءً متاحاً، وعاملاً صحياً يتقاضى راتبه، وإسعافاً يصل في الوقت المناسب، وبيانات واضحة، يكون أكثر قدرة على استعادة الثقة في الدولة من المواطن الذي يسمع فقط عن خطط سياسية وإدارية لا تنعكس على حياته اليومية.

ويخلص المقال إلى سبع أولويات عملية مترابطة: وضع حزمة صحية أساسية وطنية محسوبة التكلفة واختبارها قبل تعميمها؛ إنشاء تمويل صحي وطني مجمع مع إعفاء الفئات الأكثر احتياجاً من الرسوم؛ بناء سياسة موحدة للرواتب والحوافز والتوزيع الجغرافي للقوى العاملة مع الاستفادة المنظمة من الكفاءات السودانية في الخارج؛ دمج غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية كشركاء مع الحفاظ على استقلالها؛ إنشاء نظام وطني موحد للمعلومات والترصد مع إعادة بناء تسجيل الوفيات وإجراء المسوح الصحية والغذائية؛ إنشاء نظام فعال لحماية الرعاية الصحية وتوثيق الاعتداءات وربط ذلك بترتيبات وقف إطلاق النار والعدالة الانتقالية؛ وبناء منظومة مستقلة وعلنية للمتابعة والتقييم والتعلم المستمر.

والفكرة المركزية التي ينتهي إليها المقال هي أن إعادة بناء النظام الصحي السوداني لا ينبغي أن تعني إعادة بناء النظام الذي كان قائماً قبل الحرب، لأن ذلك سيعيد إنتاج نقاط الضعف التي جعلته أكثر هشاشة أمام الصدمات. فالهدف ينبغي أن يكون إنشاء نظام أكثر عدالة في توزيع الخدمات، وأكثر حماية للفئات الفقيرة والمتضررة، وأكثر اعتماداً على الرعاية الأولية، وأكثر قدرة على حماية العاملين والمرافق، وأكثر تكاملاً في التمويل والشراء والإمداد والمعلومات، وأكثر مشاركة للمجتمع، وأكثر قدرة على التعلم والتكيف.

وبذلك يصبح النظام الصحي جزءاً من عملية إعادة بناء الدولة والمجتمع وليس قطاعاً منفصلاً عن إعادة الإعمار. فالمستشفى الذي يعاد تشغيله، والمركز الصحي الذي يصل إلى قرية بعيدة، واللقاح الذي يصل إلى طفل، والدواء الذي يحصل عليه مريض مزمن، والمياه الآمنة التي تمنع الكوليرا، والعامل الصحي الذي يتلقى راتبه بانتظام، والبيانات التي تمنع انتشار وباء، كلها ليست خدمات صحية فقط، وإنما مؤشرات ملموسة على عودة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها. ومن ثم فإن العقد الصحي الجديد المقترح يقوم على انتقال السودان من نظام صحي مجزأ وهش يعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق المباشر والمساعدات المتفرقة إلى نظام وطني موحد تدريجياً، تقوده الدولة وتشارك فيه المجتمعات، وتموله آليات أكثر عدالة، وتدعمه بيانات موثوقة، وتنفذ خدماته عبر شبكة قوية من الرعاية الأولية والإحالة، ويجعل الحماية والكرامة والجودة والمساءلة عناصر أساسية في إعادة بناء السودان بعد الحرب.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: من إصلاح المرافق المدمرة إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والصحة والدولة

دخل السودان، في سبتمبر 2026، عامه الرابع من الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، في سياق صحي وإنساني لا يمكن اختزاله في عدد المستشفيات التي دُمّرت أو نسبة المرافق التي خرجت من الخدمة. فالأزمة الحالية هي في الوقت نفسه أزمة وفيات، ونزوح، وجوع، وأوبئة، ومياه وصرف صحي، وانهيار في سلاسل الإمداد، ونقص في القوى العاملة، وتراجع في التمويل، واضطراب في نظم المعلومات، وتآكل في قدرة الدولة على التنظيم والشراء والرقابة والمساءلة. وتقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 34 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية في السودان، وأن نحو 21 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة صحية، فيما لا يزال 37% من المرافق الصحية في الولايات الثماني عشرة غير عامل، مع تحقق المنظمة من 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ 15 أبريل 2023 أسفرت عن 2,052 وفاة و810 إصابات وفق تحديث أبريل 2026 (World Health Organization، 2026b؛ World Health Organization، 2026c).

لكن قراءة الكارثة بوصفها نتيجة للحرب وحدها تقود إلى سياسة ناقصة. فالحرب فجّرت نقاط ضعف تراكمت قبلها، ولم تكن البنية الصحية السودانية في أبريل 2023 نظاماً قوياً انهار فجأة، بل كانت منظومة تعاني من محدودية الإنفاق العام، وتجزؤ التمويل والشراء، واعتماد مهم على الإنفاق المباشر من الأسر، واختلال العلاقة بين المستوى الاتحادي والولايات، وضعف نظم تسجيل الوفيات والإحصاءات الحيوية، وهشاشة التوزيع الجغرافي للقوى العاملة، وتفاوت جودة الخدمات، واعتماد متزايد على المشروعات الخارجية المتعددة. ولذلك فإن إعادة بناء المباني والمستشفيات من دون إعادة بناء آليات التمويل والحوكمة والمعلومات والقوى العاملة ستعيد إنتاج النظام السابق في صورة أكثر كلفة وأقل قدرة على مقاومة الصدمات (International Labour Organization، 2025؛ Dahab، 2025).

وتنطلق هذه الدراسة من أطروحة مركزية مفادها أن السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى مجرد «إعادة إعمار صحية»، بل إلى عقد صحي جديد يحدد بوضوح ما الذي تضمنه الدولة لكل مواطن، وكيف تموّل هذه الخدمات، ومن يشتريها ومن يقدمها، وكيف تُحاسب الجهات المسؤولة عنها، وكيف يشارك المجتمع في تصميمها ومراقبتها، وكيف تتحول البيانات من منتج إحصائي متأخر إلى أداة يومية لاتخاذ القرار. ويعني ذلك الانتقال من منطق «إعادة ما دُمّر» إلى منطق «بناء ما كان ينبغي أن يوجد أصلاً».

وقد تم ترتيب المقال وفق منهجية علمية سردية تبدأ من تحديد حجم الصدمة والضرر الصحي، ثم تنتقل إلى جذور الهشاشة السابقة للحرب، ثم تستخرج المبادئ النظرية والدروس المقارنة، وبعد ذلك تحدد النظام الصحي المستهدف، وتنتقل إلى التمويل والقوى العاملة والإمداد والمعلومات والحوكمة، ثم إلى آليات التنفيذ والقياس والمخاطر والاستدامة، وتنتهي بتوصيات قابلة للتحويل إلى برنامج وطني. وتستند هذه المنهجية إلى مبدأ معروف في إعادة بناء النظم المعقدة: لا ينبغي تصميم الحلول المؤسسية قبل تحديد المشكلة، ولا ينبغي تقييم الإصلاحات قبل تحديد مؤشرات الأساس والنتائج المتوقعة (WHO، 2007؛ Witter، 2019).

ولا تفترض الدراسة أن السلام سيحدث في لحظة واحدة، أو أن الولايات الثماني عشرة ستنتقل من الحرب إلى الاستقرار في التاريخ نفسه. فواقع السودان بعد 2023 أظهر تبايناً مكانياً حاداً؛ إذ تحسنت الأوضاع نسبياً في أجزاء من الخرطوم والجزيرة وسنار عندما تراجعت حدة القتال، بينما بقيت دارفور وكردفان وأجزاء من النيل الأزرق أكثر تعرضاً للصراع والحصار وصعوبة الوصول الإنساني. وتؤكد التقييمات البريطانية الحديثة أن طبيعة النزاع وشدته تختلف بين الولايات، وأن التحولات العسكرية والجغرافية تعني أن التخطيط الصحي يجب أن يكون مرناً ومبنياً على الجغرافيا والمخاطر لا على تقويم زمني وطني واحد (UK Home Office، 2026).

وعليه، تقترح الدراسة نموذجاً ذا خمسة أعمدة مترابطة: حزمة سودانية أساسية موحدة للخدمات الصحية؛ وتمويل مجمّع وشراء استراتيجي وحماية مالية؛ وقوى عاملة مستقرة ومحمية وموزعة على أساس الحاجة؛ وحوكمة لا مركزية تشاركية تدمج غرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية من دون مصادرة استقلالها؛ ونظام معلومات وترصد ورصد وتقييم يجعل البيانات أساساً للقرار. وتُنفذ هذه الأعمدة عبر مراحل متداخلة من الاستقرار والحماية، إلى التعافي والتوحيد، ثم إعادة البناء والتحول، مع السماح لكل منطقة بالانتقال وفق مؤشرات جاهزية محددة.

الفصل الأول: الحرب الصحية غير المرئية — كيف تحوّل انهيار النظام إلى أزمة وفيات وجوع ومرض ونزوح

حجم الخسارة البشرية أكبر من الأرقام التي تسجلها الحرب

تُظهر الأدلة المتاحة أن قياس الوفيات في السودان أصعب بكثير من قياس الوفيات في الدول التي تمتلك سجلات مدنية منتظمة. فقد انهارت أجزاء من نظام التسجيل المدني، وتشتت السكان، وأصبح الوصول إلى مناطق واسعة مستحيلاً أو خطراً، كما توقفت أو تعطلت المؤسسات التي كانت تجمع البيانات بصورة روتينية. ولذلك فإن الأرقام الرسمية أو الأرقام المسجلة في قواعد بيانات النزاعات تمثل جزءاً من الواقع وليست تقديراً شاملاً لكل الوفيات.

وتكتسب دراسة دَحَب وزملائها أهمية خاصة لأنها استخدمت أسلوب التقدير متعدد الأنظمة، المعروف أيضاً بمنهج الالتقاط وإعادة الالتقاط، لمحاولة تقدير الوفيات غير المرصودة. وجمعت الدراسة قوائم للمتوفين من ثلاثة مصادر مستقلة، ثم قارنتها إحصائياً. وقدرت أن 61,202 وفاة من جميع الأسباب حدثت في ولاية الخرطوم وحدها بين أبريل 2023 ويونيو 2024، مع فاصل ثقة 95% بين 22,286 و209,151 وفاة، وقدرت 26,024 وفاة بسبب إصابات متعمدة، مع فاصل ثقة بين 12,571 و58,704. وتجاوز عدد الوفيات الناتجة عن الإصابات المتعمدة في الخرطوم وحدها ما سجلته قاعدة بيانات النزاعات المسلحة للبلاد كلها في الفترة ذاتها تقريباً (Dahab، 2025).

ولا تعني هذه الأرقام أن 61,202 وفاة كلها نتجت مباشرة عن القتال. بل على العكس، تكمن أهميتها في إظهار أن «الأثر الصحي للحرب» يتجاوز الوفيات الناتجة عن الرصاص والقصف. فالوفاة الناتجة عن عدم الوصول إلى غسيل الكلى، أو عدم توفر الإنسولين، أو توقف علاج الملاريا، أو الولادة المتعسرة في منطقة لا توجد فيها جراحة، أو سوء التغذية المصحوب بالعدوى، أو تلوث مياه الشرب، تظل وفاة مرتبطة بانهيار البيئة الصحية للحرب حتى وإن لم يكن سببها المباشر انفجاراً أو إطلاق نار (Dahab، 2025؛ Spiegel، 2010).

وتتسق هذه النتيجة مع أدبيات النزاعات المسلحة التي تميز بين الوفيات المباشرة والوفيات غير المباشرة. ففي الحروب طويلة الأمد قد تصبح الأمراض المعدية، وسوء التغذية، ونقص الأدوية، وانهيار التحصين، وتعطل خدمات الأمومة والطفولة، وانهيار المياه والصرف الصحي، أهم من الإصابة القتالية نفسها في تفسير الزيادة الكلية في الوفيات (Spiegel، 2010). ولذلك فإن إعادة بناء النظام الصحي لا ينبغي أن تُقاس بعدد المستشفيات التي أعيد افتتاحها، وإنما أيضاً بعدد الوفيات التي كان يمكن منعها لو ظلت الخدمات الأساسية مستمرة.

وتكتسب المسألة بعداً إضافياً لأن البيانات الحالية لا تسمح بإعطاء رقم وطني واحد موثوق لوفيات الحرب. فقد أظهرت مراجعات مستقلة أن تقديرات الوفيات في السودان تختلف اختلافاً واسعاً بحسب التعريف والمنهجية ومجال التغطية، وأن بعض التقديرات تشمل الوفيات المباشرة فقط، بينما تشمل أخرى الوفيات غير المباشرة (EUAA، 2025). ولهذا فإن الرقم الأكثر علمية ليس بالضرورة رقماً واحداً، وإنما نظام مستمر لتقدير الوفيات ومراجعة عدم اليقين وتحسين تسجيل الوفيات بمرور الوقت.

المرافق الصحية: الدمار المادي جزء من المشكلة وليس كل المشكلة

تؤكد منظمة الصحة العالمية أن 37% من المرافق الصحية في الولايات الثماني عشرة لا تزال غير عاملة وفق تقييم أبريل 2026، بينما تعاني مرافق أخرى من التشغيل الجزئي أو نقص الأدوية والكهرباء والمياه والكوادر (WHO، 2026b). وتختلف حالة المرافق اختلافاً كبيراً من منطقة إلى أخرى، ما يعني أن الرقم الوطني المتوسط يخفي تفاوتاً شديداً بين مناطق أكثر استقراراً ومناطق ما زالت فيها المستشفيات تعمل بقدرة محدودة أو لا تعمل على الإطلاق.

ولا يقتصر الضرر على مباني المستشفيات. فحتى المستشفى الذي بقي هيكله سليماً يمكن أن يصبح غير عامل إذا فقد الجراحين والممرضين وأطباء التخدير وفنيي المختبر والصيادلة أو انقطعت عنه الكهرباء والمياه أو لم تعد سيارات الإسعاف قادرة على الوصول إليه أو لم تتوفر له أدوية التخدير والمضادات الحيوية والدم ومستلزمات العمليات. لذلك ينبغي تعريف «المرفق العامل» تعريفاً وظيفياً لا إنشائياً: المرفق العامل هو الذي يستطيع تقديم مجموعة محددة من الخدمات بجودة وسلامة مقبولتين بصورة مستمرة.

وهذا التعريف أكثر أهمية في السودان من أي وقت مضى لأن إعادة بناء مبنى بملايين الدولارات لن تعيد الخدمة إذا لم تكن هناك ميزانية تشغيلية ورواتب وأدوية ومياه وكهرباء وإدارة وسلسلة إحالة. ولذلك يجب أن ينتقل التخطيط من «عدد المباني المرممة» إلى «عدد الخدمات الأساسية القابلة للعمل».

الهجمات على الرعاية الصحية أصبحت جزءاً من انهيار النظام

تحققت منظمة الصحة العالمية، حتى أبريل 2026، من 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ بداية الحرب، أدت إلى 2,052 وفاة و810 إصابات (WHO، 2026c). ويشمل ذلك الاعتداء على المرافق والعاملين والمرضى ووسائل النقل والإمدادات، ويعني أن الضرر لا يتوقف عند الضحايا المباشرين للهجوم، لأن الهجوم على مستشفى قد يؤدي إلى توقف خدمة الجراحة أو الولادة أو غسيل الكلى أو علاج سوء التغذية لمئات أو آلاف الأشخاص.

وفي 2 أبريل 2026، أدى هجوم على مستشفى الجبلين التعليمي في ولاية النيل الأبيض إلى مقتل عشرة من العاملين الصحيين وإصابة 22 شخصاً، كما دُمرت غرفة الطوارئ وغرفة العمليات بالكامل، وفق منظمة الصحة العالمية واليونيسف (WHO، 2026c). وهذا المثال يوضح كيف تتحول ضربة واحدة إلى خسارة متعددة المستويات: فقدان العاملين، فقدان البنية التحتية، فقدان قدرة الجراحة، تعطيل الإحالة، وإجبار السكان على البحث عن خدمة في مكان أبعد وأكثر خطورة.

وقد وثقت الأدبيات السورية كيف يؤدي استهداف الرعاية الصحية إلى إضعاف الثقة في المؤسسات الصحية وهجرة الكوادر وظهور أنماط جديدة من تقديم الرعاية خارج المؤسسات التقليدية (Fouad، 2017). ولا ينبغي نقل التجربة السورية إلى السودان حرفياً، لكن المقارنة توضح أن حماية الصحة في الحرب ليست قضية أمنية منفصلة عن النظام الصحي، بل شرط أساسي لبقائه.

ويقدم قرار مجلس الأمن 2286 إطاراً دولياً لحماية المرضى والعاملين والمرافق ووسائل النقل الطبي، وهو ما ينبغي أن يتحول في السودان من مبدأ دولي إلى التزام عملي قابل للرصد والتوثيق والمساءلة (United Nations Security Council، 2016).

المرض لا ينتظر انتهاء الحرب

أظهرت منظمة الصحة العالمية في يناير وأبريل 2026 أن السودان يواجه مجموعة متزامنة من الأوبئة تشمل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا والحصبة وشلل الأطفال المشتق من اللقاح والتهاب الكبد هـ والتهاب السحايا والدفتيريا. وكانت الكوليرا قد أُبلغ عنها في الولايات الثماني عشرة، وحمى الضنك في 14 ولاية، والملاريا في 16 ولاية وفق تحديث يناير 2026 (WHO، 2026a).

وتنبع خطورة هذه الصورة من التفاعل بين الأمراض لا من كل مرض منفرداً. فالإسهال الناجم عن الكوليرا يزيد الجفاف لدى طفل يعاني أصلاً سوء التغذية، وسوء التغذية يزيد خطر الوفاة من العدوى، وانخفاض التمنيع يزيد خطر الحصبة، وتعطل خدمات التشخيص والعلاج يجعل الحالات التي كانت بسيطة قبل الحرب أكثر احتمالاً للتحول إلى حالات خطرة.

وتوضح تقارير منظمة الصحة العالمية أن استمرار نقص المياه المأمونة والصرف الصحي والنظافة يجعل مكافحة الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه مرتبطة مباشرة بإعادة بناء البنية التحتية وليس فقط بتوفير المضادات الحيوية أو محاليل الإماهة. وفي مايو 2026، أبلغت منظمة الصحة العالمية عن 518 حالة كوليرا أو إسهال مائي حاد في السودان خلال ذلك الشهر ضمن الإقليم، مع 61 وفاة، مع استمرار الرصد على مستوى الإقليم (WHO، 2026).

الجوع وسوء التغذية ليسا ملفاً غذائياً منفصلاً عن الصحة

يواجه نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة 41% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق تحليل التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي للفترة من فبراير إلى مايو 2026. ويشمل ذلك نحو 135 ألف شخص في المرحلة الخامسة، أي مرحلة الكارثة، وأكثر من خمسة ملايين في المرحلة الرابعة، ونحو 14 مليوناً في المرحلة الثالثة (IPC، 2026).

وتتوقع تقديرات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد خلال 2026، بزيادة 7% عن 2025 وبنحو 25% فوق مستويات ما قبل الحرب خلال 2021–2023 (IPC، 2026).

وفي أم برو بشمال دارفور بلغت نسبة سوء التغذية الحاد الشامل بين الأطفال من 6 إلى 59 شهراً 52.9%، مع 18.1% من سوء التغذية الحاد الشديد، وهي مستويات تتجاوز بوضوح عتبات المجاعة الخاصة بسوء التغذية (IPC، 2026).

كما أكدت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي وجود المجاعة في الفاشر بولاية شمال دارفور وكادقلي بولاية جنوب كردفان في سبتمبر 2025، مع وجود مناطق أخرى معرضة لخطر المجاعة، في حين وثقت تقارير التصنيف استمرار مخاطر شديدة مرتبطة بالنزاع والوصول الإنساني والمياه والخدمات الصحية (IPC، 2025).

وهذا يعني أن برنامج التغذية لا يمكن أن يكون برنامج توزيع غذاء فقط. فالعلاج الناجح لسوء التغذية الحاد يحتاج إلى الكشف المبكر، وإحالة الحالات المعقدة، والمضادات الحيوية عند الحاجة، ومياه مأمونة، وعلاج الإسهال، والتطعيم، ودعم الرضاعة، ومتابعة الأطفال بعد الخروج من العلاج. وكلما انخفضت قدرة النظام الصحي زادت نسبة الأطفال الذين يصلون إلى العلاج في مراحل متأخرة.

النزوح والعودة يخلقان خريطة صحية مزدوجة

في أبريل 2026 كان نحو 8.9 مليون شخص لا يزالون نازحين داخلياً، مع عودة قرابة أربعة ملايين شخص إلى مناطقهم، خصوصاً في أجزاء أكثر استقراراً من شرق السودان، بينما استمر نزوح جديد في دارفور وكردفان والنيل الأزرق (FEWS NET، 2026).

والعودة لا تعني انتهاء الاحتياج الصحي. فالأسرة العائدة قد تجد منزلها مدمراً أو شبكة المياه متوقفة أو المركز الصحي مغلقاً أو المدرسة مستخدمة للإيواء. ولذلك يجب ألا يُفهم انخفاض أعداد النازحين على أنه انخفاض تلقائي في الاحتياج الصحي. وقد تؤدي العودة غير المخططة إلى نقل العبء الصحي من المخيم إلى المجتمع الأصلي.

ومن هنا يجب أن تقوم إعادة البناء على مبدأ «الخريطة الصحية المتحركة»: أماكن النزوح، والعودة، والاستقرار، والقتال، وممرات الحركة، والأسواق، ومصادر المياه، والمرافق الصحية يجب أن تُرصد بصورة دورية، لا أن تعتمد الخطة على خريطة سكانية ثابتة أُعدت قبل الحرب.

الفصل الثاني: ما الذي كان هشاً قبل الحرب؟ الجذور البنيوية التي جعلت الانهيار سريعاً وعميقاً

لم تبدأ مشكلة النظام الصحي السوداني في أبريل 2023. فقد دخلت الحرب منظومة صحية تعاني أصلاً من قيود تمويلية ومؤسسية وبشرية. وتكمن أهمية هذا الاستنتاج في أن إعادة البناء التي تتجاهل أسباب الهشاشة السابقة للحرب يمكن أن تعيد إنتاج الظروف التي جعلت النظام قابلاً للانهيار.

التمويل المجزأ والدفع المباشر

كان التمويل الصحي السوداني يعتمد على مزيج من الإنفاق الحكومي، والتأمين الصحي، والدعم الخارجي، والمدفوعات المباشرة من الأسر. وتوضح دراسة منظمة العمل الدولية لصندوق التأمين الصحي الوطني أن السودان كان يستهدف الوصول إلى التغطية الصحية الشاملة بحلول 2030، وأن قانون التأمين الصحي لعام 2016 جعل صندوق التأمين الصحي الوطني المؤسسة المسؤولة عن إدارة نظام التأمين الصحي الوطني، مع إلزامية التسجيل للسكان وفق الإطار القانوني، لكن الصندوق واجه تحديات مؤسسية ومالية تتعلق بالتغطية والاستدامة (International Labour Organization، 2025).

وتبقى المشكلة الأساسية أن وجود التأمين لا يعني تلقائياً الحماية المالية. فإذا كانت حزمة المنافع محدودة، أو كانت الخدمات غير متاحة، أو كان المريض مضطراً إلى شراء الدواء من السوق الخاص، فإن العبء المالي ينتقل إلى الأسرة حتى في وجود نظام تأمين.

وتوضح الأدلة الدولية أن الدفع المباشر من الجيب من أكثر آليات التمويل الصحي تعرضاً لإحداث عدم مساواة مالية، لأن الأسرة الفقيرة قد تضطر إلى تقليل الإنفاق على الغذاء أو التعليم أو السكن للحصول على علاج (Xu، 2003). كما أظهرت المراجعات أن فرض رسوم المستخدمين قد يؤدي إلى انخفاض استخدام الخدمات الأساسية، ولا سيما بين الفئات الأشد فقراً (Lagarde، 2008؛ Yates، 2009).

ومن ثم فإن حماية الأسر بعد الحرب لا تتطلب فقط زيادة الإنفاق الصحي، بل إعادة تصميم طريقة تدفق الأموال. والهدف ليس مجرد «زيادة الميزانية»، وإنما جعل الموارد قابلة للتجميع، والشراء قابلاً للتفاوض، والخدمات الأساسية مجانية عند نقطة الاستخدام للفئات التي لا تستطيع تحمل تكلفتها.

تجزؤ الحوكمة بين المركز والولايات

أحد جذور المشكلة هو عدم وضوح العلاقة بين السياسة الاتحادية والتنفيذ الولائي والمحلي. فوزارة الصحة الاتحادية تحتاج إلى القدرة على وضع المعايير والسياسات وتنسيق التمويل والمعلومات، بينما تحتاج الولايات إلى مساحة كافية للتكيف مع الاختلافات الجغرافية والوبائية والاجتماعية. وإذا كان المركز شديد السيطرة تعطلت الاستجابة المحلية، وإذا كانت الولايات تعمل من دون معايير أو تمويل وطني كافٍ أصبحت الخدمات شديدة التفاوت.

وتؤكد أدبيات الحوكمة الصحية أن قدرة النظام على الصمود ترتبط بالتنسيق الأفقي بين القطاعات والمؤسسات، وبوجود آليات للتعلم والتكيف وليس فقط بتوزيع الصلاحيات على الورق (Blanchet، 2017). ولذلك فإن اللامركزية المطلوبة للسودان ليست تفكيكاً للدولة الصحية، بل توزيعاً واضحاً للمسؤوليات داخل نظام وطني موحد المعايير.

نقص المعلومات قبل الحرب وأثناءها

لا يمكن إدارة النظام الصحي إذا لم يكن معروفاً كم عدد العاملين، وأين توجد المرافق، وما حالتها، وما الخدمات التي تقدمها، وما الأدوية المتاحة، وعدد الوفيات، وأين تنتشر الأمراض، ومن يملك القدرة على الاستجابة.

وتصبح هذه المشكلة أكثر خطورة أثناء الحرب. فإذا لم يعرف صانع القرار ما إذا كان مركز صحي في محلية معينة يعمل فعلياً، فقد يوجه الإمدادات إلى منشأة مغلقة ويترك منشأة مكتظة من دون دواء. وإذا لم يعرف عدد الولادات في منطقة نزوح، فلن يستطيع تقدير احتياجات التوليد. وإذا لم تُسجل الوفيات والأسباب المحتملة للوفاة، فإن أولويات الصحة العامة تصبح رهينة التخمين.

ولهذا فإن الاستثمار في نظام التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية ليس مشروعاً إحصائياً هامشياً، بل جزء من الأمن الصحي الوطني. وقد بينت التقييمات العالمية أن ضعف نظم التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية مشكلة واسعة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، وأن تحسينها يتطلب استثماراً مؤسسياً طويل الأمد (Mikkelsen، 2015).

الفصل الثالث: المبدأ الحاكم — لا تعِد السودان إلى النظام القديم بل ابنِ نظاماً أكثر صموداً وعدالة

ينبغي أن تقوم إعادة البناء على تصور للنظام الصحي بوصفه منظومة مترابطة لا مجموعة مشروعات منفصلة. وقد حدد إطار منظمة الصحة العالمية ستة مكونات أساسية للنظام الصحي: تقديم الخدمات، والقوى العاملة الصحية، ونظم المعلومات الصحية، والأدوية والتقنيات الطبية، والتمويل، والقيادة والحوكمة (WHO، 2007). ويجب أن تكون هذه المكونات مترابطة، لأن تحسين واحد منها لا يعوض انهيار الآخر.

فالمستشفى الذي يملك مبنى وأجهزة ولا يملك طبيب تخدير ليس مستشفى جراحياً. والمركز الصحي الذي يملك ممرضاً ولا يملك أدوية أو مياهًا آمنة ليس خدمة رعاية أولية مكتملة. ونظام معلومات ممتاز لا يؤدي وظيفته إذا لم توجد مؤسسات تستخدم البيانات. وصندوق تمويل كبير لا يحمي السكان إذا كان الشراء غير فعال أو كانت الخدمات غير متاحة.

وقد صممت منظمة الصحة العالمية مؤشرات لمتابعة هذه المكونات (WHO، 2010)، ويمكن للسودان أن يستخدمها أساساً لبناء لوحة وطنية موحدة.

الصمود ليس مجرد القدرة على العودة إلى الوضع السابق

تعرّف أدبيات الصمود الصحي النظام القادر على الصمود بأنه النظام الذي يستطيع امتصاص الصدمة والتكيف معها والتحول عند الحاجة (Kruk، 2015). وهذا التفريق بالغ الأهمية للسودان. فالنظام الذي «يعود» إلى نمط ما قبل 2023 من التمويل المجزأ وضعف البيانات والتفاوت الجغرافي قد يكون قادراً على العمل في ظروف عادية، لكنه سيظل عرضة لانهيار جديد عند أول وباء أو جفاف أو نزاع.

والصمود يتطلب أيضاً الثقة. فالناس يستخدمون الخدمات عندما يثقون بأنها متاحة وعادلة وآمنة. ولذلك تصبح المشاركة المجتمعية جزءاً من البنية الصحية، وليس نشاطاً إعلامياً إضافياً.

الجودة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد التغطية

قد يبدو من المنطقي في ظروف ما بعد الحرب التركيز على «الوصول» قبل «الجودة»، لكن هذا الفصل يجب ألا يكون مطلقاً. فقد بينت لجنة الأنظمة الصحية عالية الجودة أن الوصول إلى خدمة منخفضة الجودة قد لا يحقق الأثر الصحي المطلوب، وأن أخطاء التشخيص والعلاج ونقص سلامة المرضى يمكن أن تتحول إلى سبب مستقل للوفيات والإعاقة (Kruk، 2018).

وعليه فإن إعادة تشغيل المرفق يجب أن تتضمن منذ البداية معايير أساسية للسلامة: مكافحة العدوى، المياه، الكهرباء، التعقيم، إدارة النفايات الطبية، سلامة الأدوية، التدريب، ونظام إحالة واضح.

الصحة جزء من بناء السلام وليس نتيجة له فقط

تدعو مقاربة الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام إلى تجاوز الفصل الصارم بين الاستجابة الإنسانية والتنمية الطويلة الأمد وبناء السلام (Organisation for Economic Co-operation and Development، 2019). وفي السودان يمكن أن يكون المركز الصحي أحد الأماكن القليلة التي يلتقي فيها المواطنون من خلفيات مختلفة حول خدمة مشتركة.

وتوضح الأدبيات أن الخدمات الصحية المنتظمة يمكن أن تسهم في بناء الثقة بين المواطن والدولة، خصوصاً عندما تكون الخدمات عادلة وشفافة وقابلة للمساءلة (Kruk، 2010a؛ Waters، 2007). لكن هذا الأثر ليس تلقائياً؛ فالمرفق الصحي قد يصبح أيضاً مصدراً لعدم الثقة إذا كان الوصول إليه قائماً على المحسوبية أو الانتماء السياسي أو القدرة على الدفع.

الفصل الرابع: ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟ من أفغانستان وليبيريا ورواندا وإثيوبيا وسوريا إلى النموذج السوداني

أفغانستان: الحزمة الأساسية عندما تصبح الموارد محدودة

اعتمدت أفغانستان بعد 2002 حزمة أساسية للخدمات الصحية حددت مجموعة من الخدمات ذات الأولوية، وربطتها بمستويات محددة من المرافق والكوادر والأدوية (Newbrander، 2014). وأهمية التجربة بالنسبة للسودان لا تكمن في نسخ محتوى الحزمة الأفغانية، وإنما في فكرة تحديد «الحد الوطني المضمون» للخدمات.

وقد ساعد تحديد الحزمة في جعل شراء الخدمات والتعاقد مع المنظمات غير الحكومية أكثر وضوحاً، وربط الأداء بمؤشرات قابلة للقياس (Loevinsohn، 2005؛ Peters، 2007). كما أظهرت بطاقات الأداء المجتمعية إمكان استخدام المواطنين أنفسهم في تقييم الخدمات وتعزيز المساءلة (Edward، 2015).

لكن تجربة أفغانستان تحمل تحذيراً مهماً أيضاً: التعاقد الخارجي لا يعفي الدولة من مسؤولية وضع السياسة والمعايير والرقابة، كما أن الاعتماد الكبير على التمويل الخارجي يمكن أن يجعل النظام معرضاً للخطر إذا انخفض التمويل الدولي.

ليبيريا وسيراليون: المال وحده لا يبني قوة عاملة مستقرة

أظهرت ليبيريا بعد الحرب فجوات كبيرة بين المناطق في توافر الخدمات الأساسية (Kruk، 2010b)، كما كشفت دراسة السياسة الصحية الوطنية لعام 2007 أهمية الربط بين إصلاح النظام والخدمات الأساسية والأمراض المزمنة (Lee، 2011).

وتبرز هنا مسألة القوى العاملة. ففي البلدان المتأثرة بالنزاع قد تنشأ فروق كبيرة في الرواتب بين العاملين الحكوميين والعاملين في المنظمات الدولية، مما يشجع العاملين على ترك النظام العام. وحذرت أدبيات الموارد البشرية في البيئات المتأثرة بالنزاع من أن القرارات المبكرة المتعلقة بالأجور والتوزيع الوظيفي يمكن أن تخلق مسارات مؤسسية يصعب عكسها لاحقاً (Pavignani، 2011).

ولهذا ينبغي للسودان أن يتجنب نظاماً تصبح فيه الممرضة أو الطبيب أكثر ارتباطاً بالمشروع الذي يدفع راتبه من ارتباطه بالنظام الوطني.

رواندا: الاستثمار الطويل في الرعاية الأولية

تقدم رواندا مثالاً مهماً على إمكان بناء نظام صحي أقوى بعد كارثة وطنية كبرى عندما يقترن الالتزام السياسي بالاستثمار المستمر في الرعاية الأولية والعاملين الصحيين المجتمعيين والتأمين الصحي (Farmer، 2013؛ Binagwaho، 2014).

وأظهر تقييم للتمويل القائم على الأداء تحسناً في بعض خدمات صحة الأم والطفل، مثل الولادات في المؤسسات وزيارات الأطفال الوقائية (Basinga، 2011)، بينما أظهر تقييم نظام التأمين المجتمعي ارتباطه بزيادة الاستفادة من الخدمات وانخفاض الإنفاق المباشر (Lu، 2012).

لكن السودان يجب ألا يتعامل مع رواندا كقالب جاهز. فالتاريخ السياسي والبنية الاتحادية والاجتماعية والجغرافية والاقتصادية السودانية مختلفة. الدرس القابل للنقل هو أهمية الاستمرارية المؤسسية، وتحديد المنافع، وربط التمويل بالنتائج، والاستثمار في المستوى المحلي.

إثيوبيا: العامل الصحي المجتمعي كجسر بين الدولة والمجتمع

وسعت إثيوبيا برنامج العاملين الصحيين الموسعين على نطاق واسع، وأسهم البرنامج في زيادة الوصول إلى خدمات الرعاية الأولية، مع استمرار تحديات تتعلق بالجودة والتغطية الفعلية (Assefa، 2019).

وتؤكد المراجعات الدولية أن العاملين الصحيين المجتمعيين يمكن أن يكونوا فعالين في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل إذا توافرت لهم رواتب ودعم وإشراف وتدريب مناسب (Perry، 2014). كما تظهر مراجعة منهجية أن مشاركة المجتمع في تطوير الخدمات وتنفيذها وتقييمها يمكن أن ترتبط بتحسين النتائج الصحية والتمكين (Haldane، 2019).

وهذا يجعل غرف الطوارئ والشبكات التطوعية السودانية مورداً مؤسسياً مهماً، ولكن يجب عدم تحميل المتطوعين وظائف دولة دائمة من دون أجور وتدريب وحماية.

سوريا: عندما يصبح المستشفى نفسه هدفاً للحرب

تكشف سوريا الجانب الأكثر قسوة من إعادة البناء الصحي في النزاعات: لا يمكن إعادة بناء نظام صحي مستدام إذا لم تُحمَ الرعاية الصحية نفسها. وقد أظهرت دراسة فوآد وزملائها كيف أدى استهداف العاملين والمرافق إلى تقويض النظام الصحي وهجرة الكوادر وإعادة تشكيل طرق تقديم الخدمة (Fouad، 2017).

ويعني هذا للسودان أن حماية المستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف والمخازن والكوادر ينبغي أن تكون جزءاً من تصميم النظام الصحي، لا ملفاً أمنياً منفصلاً عنه.

الدرس المشترك: لا توجد وصفة واحدة، لكن توجد مبادئ قابلة للنقل

تجتمع التجارب السابقة حول خمسة مبادئ: تحديد الخدمات الأساسية؛ وضوح مستويات تقديم الخدمة؛ تمويل أكثر عدلاً؛ استثمار مستمر في القوى العاملة؛ ووجود قيادة وطنية تنسق الشركاء والمجتمع. وفي المقابل، تؤكد مراجعات البحث في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاع أن الأدلة لا تزال محدودة، وأن الحاجة ليست إلى استيراد حلول جاهزة بل إلى بناء أجندة بحثية سودانية تطبيقية (Woodward، 2016).

الفصل الخامس: العقد الصحي الجديد — ماذا يجب أن تضمنه الدولة لكل مواطن؟

الرؤية المقترحة هي نظام صحي سوداني عادل ومرن وموحد، يحمي الحياة، ويضمن حداً وطنياً من الخدمات الأساسية، ويقلل الإنفاق المباشر، ويحمي العاملين، ويجعل المجتمع شريكاً، ويستخدم البيانات لاتخاذ القرار، ويستطيع الاستمرار في ظروف النزاع والكوارث والأوبئة.

وتتحول هذه الرؤية إلى خمسة أهداف مترابطة: استعادة الخدمات الأساسية؛ حماية الأسر من الإنفاق الكارثي؛ تثبيت القوى العاملة وتطويرها؛ بناء حوكمة شفافة ولا مركزية؛ وإقامة نظام معلومات موثوق.

ولا ينبغي تطبيق هذه الأهداف وفق جدول زمني جامد. فولاية البحر الأحمر، على سبيل المثال، قد تكون قادرة على الدخول في إصلاحات طويلة الأمد في وقت تكون فيه محلية في دارفور بحاجة إلى خدمات طوارئ متنقلة، بينما قد تحتاج الخرطوم إلى إعادة تشغيل واسعة للخدمات الحضرية وإعادة تأهيل شبكات المياه والمستشفيات. لذلك تقترح الدراسة ثلاثة مستويات من الجاهزية: استقرار وحماية، وتعافٍ وتوحيد، وإعادة بناء وتحول.

وتبدأ المرحلة الأولى من الصفر إلى 12 شهراً في المنطقة التي تتوفر فيها درجة كافية من الأمان، وتركز على الخدمات المنقذة للحياة، وإعادة تشغيل المرافق الأساسية، وحماية العاملين، والتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وتسجيل المرافق والكوادر، وضمان الإمدادات.

وتنتقل المنطقة إلى مرحلة التعافي والتوحيد، من سنة إلى ثلاث سنوات، عندما تصبح قادرة على تشغيل الحزمة الأساسية بصورة مستقرة، وتوحيد الأجور، وتطبيق نظام المعلومات، وتفعيل الإحالة، وإعادة تنظيم التمويل والشراء.

أما مرحلة إعادة البناء والتحول، من ثلاث إلى عشر سنوات، فتشمل بناء المستشفيات المرجعية، والتغطية الصحية الشاملة، والتصنيع الدوائي، والصحة الرقمية، والجودة، والتعليم الطبي، والبحث الصحي.

وهكذا تصبح «المرحلة» وظيفة في النظام وليست تاريخاً على التقويم.

الفصل السادس: البنية السريرية للنظام الجديد — حزمة أساسية موحدة ورعاية أولية قوية ومستشفيات إحالة قابلة للعمل

الحزمة السودانية الأساسية للخدمات الصحية

تقترح الدراسة إنشاء حزمة سودانية أساسية للخدمات الصحية، مستوحاة من منطق التجربة الأفغانية ولكن مصممة وفق العبء المرضي السوداني، وتشمل صحة الأم والوليد، والتمنيع، والتغذية، والأمراض المعدية، والصحة النفسية، والإصابات والإعاقة، والأمراض غير السارية، والأدوية الأساسية.

ويجب ألا تكون الحزمة قائمة أمنيات. فكل خدمة ينبغي أن ترتبط بمستوى محدد من المرافق، وبعدد من العاملين، وبالأدوية والتجهيزات اللازمة، وبكلفة تقديرية لكل مستفيد. وتُحسب الكلفة على مستوى الولاية والمحلية، ثم تُجمع وطنياً، بحيث يعرف صانع القرار ما تكلفة توفير الحد الأدنى من الخدمات لكل مواطن.

وتُقسم المرافق إلى مستويات وظيفية: مركز صحي يقدم خدمات وقائية وعلاجية أساسية؛ مركز صحي شامل قادر على خدمات تشخيصية وتغذوية وأمومة أوسع؛ مستشفى محلية يقدم خدمات الطوارئ والولادة والجراحة الأساسية؛ ومستشفيات إحالة إقليمية ووطنية تقدم خدمات تخصصية محدودة لكنها عالية الجودة.

التمنيع باعتباره العمود الفقري للوقاية

يجب أن يحتل التمنيع موقعاً مركزياً لأن انهيار التطعيم يخلق أوبئة يمكن منعها بتكلفة أقل كثيراً من تكلفة علاجها. وتستند الخطة إلى أجندة التمنيع 2030 التي تؤكد الوصول إلى كل شخص وعدم ترك المناطق الهشة خارج النظام (WHO، 2020a).

وقد أظهرت منظمة الصحة العالمية أن السودان أدخل لقاح الملاريا ضمن برامج التمنيع الروتيني، في سياق توسع الجهود لمكافحة المرض، كما دعمت حملات تطعيم واسعة ضد أمراض أخرى (WHO، 2026b). ويجب أن تستخدم هذه المنظومة قنوات متعددة: المرافق، والفرق المتنقلة، والعاملون المجتمعيون، والمدارس عندما تكون مفتوحة، ومواقع النازحين والعائدين.

التغذية ليست توزيع أغذية فقط

تحتاج الاستجابة إلى سلسلة متكاملة تبدأ بالكشف المجتمعي عن سوء التغذية، ثم تصنيف الأطفال، ثم علاج الحالات غير المعقدة في المجتمع، وإحالة الحالات المعقدة إلى مراكز الاستقرار، ومتابعة التعافي بعد الخروج، وربط التغذية بالمياه والتطعيم وعلاج الإسهال والملاريا (WHO، 2013؛ Bhutta، 2013).

وفي مناطق مثل أم برو وكيرنوي، حيث تجاوز سوء التغذية عتبات المجاعة، تصبح القدرة على إيصال العلاج نفسه جزءاً من تحديد ما إذا كانت البرامج الصحية فعالة أم لا (IPC، 2026).

صحة الأم والوليد

ينبغي أن تشمل الحزمة رعاية الحمل، والكشف عن الخطر، والولادة بإشراف عامل مؤهل، ورعاية الولادة الطارئة، ورعاية حديثي الولادة، وتنظيم الإحالة، ونظام نقل يمكن الاعتماد عليه. وتظهر الأدلة أن زيادة الولادات تحت إشراف مؤهل وتحسين خدمات الطوارئ التوليدية من التدخلات الأساسية لخفض وفيات الأمهات (Campbell، 2006).

وفي السودان، لا يكفي بناء غرف ولادة. فالخدمة تحتاج إلى قابلات وممرضات وأطباء، ودم، ومضادات حيوية، ومياه، وكهرباء، ومواصلات، وإمكانية إحالة الحالات التي تحتاج إلى عملية قيصرية.

الصحة النفسية

تفرض الحرب عبئاً نفسياً واسعاً على السكان والنازحين والعاملين الصحيين والأطفال. ولذلك يجب دمج الصحة النفسية في الرعاية الأولية بدلاً من بناء نظام منفصل لا يستطيع تغطية السكان. ويوفر دليل منظمة الصحة العالمية للتدخلات النفسية الإنسانية إطاراً يمكن تكييفه مع الرعاية الأولية (WHO، 2015c).

وقد أظهرت المراجعة العالمية التي أجراها تشارلسون وزملاؤه ارتفاع انتشار الاضطرابات النفسية في مناطق النزاع (Charlson، 2019)، بينما تشير مراجعات أخرى إلى إمكان توسيع خدمات الصحة النفسية في الدول محدودة الموارد باستخدام عاملين غير متخصصين تحت إشراف مهني مناسب (Eaton، 2011؛ Patel، 2018).

الأمراض غير السارية والإصابات والإعاقة

أدى التركيز على الطوارئ والأوبئة إلى خطر إهمال الأمراض المزمنة. فمرضى السكري وارتفاع ضغط الدم والصرع والسرطان وأمراض القلب والكلى لا يتوقفون عن الحاجة إلى العلاج أثناء الحرب. كما أن الحرب ترفع أعداد المصابين بإعاقات دائمة وإصابات تحتاج إلى إعادة تأهيل.

لذلك يجب أن تتضمن الحزمة منذ البداية الحد الأدنى من علاج الأمراض غير السارية، ثم تتوسع في مرحلة التعافي. ويجب إنشاء مسار واضح لإعادة التأهيل البدني والسمعي والبصري والنفسي، وربطه بالحماية الاجتماعية.

المستشفيات والإحالة

تحتاج السودان إلى شبكة مستشفيات إحالة أقل عدداً وأكثر موثوقية، بدلاً من توزيع الاستثمار على عدد كبير من المستشفيات التي لا تستطيع جميعها توفير الحد الأدنى من الجودة. ويجب استخدام تقييمات جاهزية الخدمات والمرافق لتحديد ما يمكن إصلاحه سريعاً وما يحتاج إلى إعادة بناء كاملة (WHO، 2015a).

وتعطى الأولوية في البداية للمستشفيات التي تستطيع تقديم الجراحة الأساسية، والولادة الطارئة، والتخدير، والدم، وعلاج الإصابات، ثم تُوسع الخدمات التخصصية تدريجياً. ولا ينبغي إعادة إنشاء كل الخدمات في كل ولاية، بل بناء شبكة إحالة متدرجة.

الفصل السابع: المال والدواء والعاملون — تحويل النظام من مشاريع متفرقة إلى منظومة وطنية قابلة للاستمرار

صندوق تمويل صحي مجمّع

تقترح الدراسة إنشاء صندوق وطني لتجميع التمويل الصحي، يضم تدريجياً الموارد الحكومية والمنح الإنسانية والتنموية وبعض الموارد الموجهة للتأمين الصحي. ولا يعني ذلك إلغاء أدوار المانحين، بل منع تحويل التمويل إلى عشرات المسارات غير المنسقة.

وتقوم الفكرة على أن تجميع الأموال يزيد القدرة على الشراء، ويسمح بتوزيع الموارد بحسب الحاجة، ويقلل ازدواجية المشروعات، ويجعل الدولة والمجتمع قادرين على معرفة إجمالي الموارد المتاحة للنظام.

ويتفق هذا مع مبدأ تجميع الموارد لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، حيث يرتبط الأداء المالي للنظام بقدرته على تجميع المخاطر بدلاً من تحميلها لكل أسرة بصورة منفردة (Kutzin، 2013).

الشراء الاستراتيجي

لا يكفي توفير المال؛ يجب أن يعرف النظام ماذا يشتري، ومن أي مزود، وبأي سعر، وبأي مستوى جودة. ويعني الشراء الاستراتيجي ربط التمويل بالحاجة والخدمة والجودة والنتائج، بدلاً من تمويل المدخلات وحدها (Mathauer، 2017).

ويمكن للسودان أن يستخدم مزيجاً من التمويل حسب عدد السكان، والتمويل حسب الحاجة، والمدفوعات المرتبطة بأداء محدد، بشرط ألا تتحول مؤشرات الأداء إلى حافز للتلاعب بالبيانات.

إلغاء الحواجز المالية عن الخدمات الأساسية

ينبغي أن تكون الخدمات الأساسية، على الأقل للفئات الأكثر تعرضاً للمخاطر، مجانية عند نقطة الاستخدام. ويشمل ذلك الأمهات والأطفال والنازحين والعائدين والحالات الطارئة والأمراض المعدية ذات الأولوية.

وتدعم الأدلة إزالة رسوم المستخدمين في الخدمات الأساسية عندما تكون الرسوم عائقاً أمام الوصول، لكن الاستدامة تتطلب أن يحل التمويل العام أو التأمين محل الإيرادات التي كانت تأتي من الرسوم (Lagarde، 2008؛ Yates، 2009).

إعادة بناء التأمين الصحي الوطني

لا ينبغي إلغاء صندوق التأمين الصحي الوطني بسبب الحرب، كما لا ينبغي افتراض أن إعادة تشغيله كما كان ستكفي. بل يحتاج إلى تقييم مؤسسي واكتواري جديد، وربط المنافع بالحزمة الأساسية، وتحديد علاقة واضحة بينه وبين الصندوق الوطني لتجميع التمويل، وإعادة بناء قدرته على التعاقد والشراء.

وتشير دراسة منظمة العمل الدولية إلى أن السودان لديه أساس قانوني ومؤسسي للتأمين الصحي الوطني، لكنه يحتاج إلى تعزيز الأداء المؤسسي والاستدامة المالية وتوسيع التغطية (International Labour Organization، 2025).

التمويل المحلي والالتزام الأفريقي

تظل زيادة التمويل المحلي شرطاً للاستدامة. وقد نص إعلان أبوجا لعام 2001 على التزام الدول الأفريقية بالسعي إلى تخصيص 15% من الموازنة للصحة (Organization of African Unity، 2001). ولا ينبغي التعامل مع نسبة 15% كحل سحري، لأن قيمة الإنفاق تعتمد أيضاً على حجم الموازنة وكفاءة التنفيذ، لكنها توفر معياراً سياسياً لمقارنة الالتزام المالي.

وينبغي كذلك تتبع مؤشرات التغطية الصحية الشاملة والحماية من الإنفاق الكارثي باستخدام الأطر الدولية (World Health Organization، 2023a؛ Xu، 2003).

سياسة وطنية للقوى العاملة

العاملون الصحيون هم أصل النظام الأكثر صعوبة في الاستبدال. فالمبنى يمكن إعادة بنائه خلال أشهر أو سنوات، لكن إعداد طبيب اختصاصي أو ممرض ذي خبرة أو فني مختبر يستغرق سنوات.

لذلك يجب أن تتضمن السياسة الوطنية للموارد البشرية: راتباً أساسياً منتظماً؛ نظام حوافز موحداً؛ حوافز للمناطق الريفية والنائية؛ سكن العاملين عندما تكون الحاجة كبيرة؛ تدريباً مستمراً؛ ترقية مهنية واضحة؛ حماية من الاعتداء؛ وسجلاً وطنياً للقوى العاملة (WHO، 2016؛ WHO، 2021b).

ويجب تجنب تفاوت الرواتب بين المنظمات بدرجة تدفع العاملين إلى ترك الوظائف الحكومية. ولا يعني ذلك منع المنظمات من دفع أجور تنافسية، بل إنشاء إطار وطني يضمن ألا يؤدي التمويل الخارجي إلى تفريغ النظام العام (Pavignani، 2011).

عودة الكفاءات المهاجرة

يمتلك السودان جالية واسعة من الأطباء والصيادلة والممرضين والعلماء والعاملين الصحيين في أوروبا والخليج وأمريكا الشمالية وأفريقيا. ويمكن إنشاء برنامج عودة طوعية مؤقتة أو دائمة، يتضمن الاعتراف بالمؤهلات، والتعاقد الشفاف، والحوافز، والتدريب، والبحث العلمي، والعمل الجزئي أو الدوري.

لكن يجب ألا تتحول عودة الكفاءات إلى شعار سياسي؛ فالبرنامج يحتاج إلى بيانات عن الاختصاصات المطلوبة ومواقع النقص، وآليات لحماية حقوق العاملين، وتجنب استنزاف الأنظمة الصحية في البلدان المضيفة.

العاملون الصحيون المجتمعيون

يمكن أن يصبح العاملون الصحيون المجتمعيون حلقة الوصل بين الدولة والمجتمع، خصوصاً في المناطق الريفية ومواقع النزوح والعودة. لكن نجاح النموذج يتطلب تدريباً وإشرافاً وإمداداً وأجراً مناسباً (Perry، 2014).

الفصل الثامن: الأدوية والمياه والمعلومات — البنية غير المرئية التي تجعل المرفق الصحي يعمل فعلاً

سلسلة إمداد وطنية موحدة

ينبغي اعتماد قائمة وطنية للأدوية الأساسية تستند إلى قائمة منظمة الصحة العالمية (WHO، 2023b)، مع تحديد مستويات المخزون الدنيا والقصوى، وإنشاء مخازن مركزية وولائية، ونظام رقمي لتتبع المخزون.

ويجب أن يكون الشراء المركزي ممكناً عندما تكون الكميات كبيرة والأسعار قابلة للتفاوض، مع السماح بشراء محلي مرن في الحالات الطارئة. وتوفر أدلة إدارة الوصول إلى الأدوية والتقنيات إطاراً عملياً لتحسين سلسلة الإمداد (Management Sciences for Health، 2012).

وفي المدى الطويل، يمكن للسودان تطوير قدرات تصنيع محلية للأدوية الأساسية والمحاليل وبعض المستلزمات، لكن التصنيع يجب أن يبدأ وفق تحليل اقتصادي وتنظيمي يضمن الجودة والاستدامة، لا بمجرد إنشاء مصانع لا تستطيع المنافسة أو الالتزام بالمعايير.

المياه والصرف الصحي والنظافة جزء من النظام الصحي

أظهرت الأزمة أن الصحة والمياه والغذاء لا يمكن فصلها. ويحتاج نحو 17 مليون شخص إلى مياه شرب مأمونة، بينما يفتقر نحو 24 مليوناً إلى خدمات صرف صحي مناسبة وفق التقديرات الواردة في تقارير الاستجابة الإنسانية لعام 2026 (FAO، 2026). ولذلك فإن المستشفى الذي يحصل على أدوية ولكنه لا يحصل على مياه آمنة يظل معرضاً للفشل.

ويجب أن تدمج خطط المستشفيات أنظمة المياه، والصرف، والنفايات الطبية، ومكافحة العدوى، ومصادر الطاقة الاحتياطية، ضمن تكلفة إعادة البناء.

نظام معلومات صحي وطني

يجب إنشاء منصة معلومات صحية موحدة تبدأ من المحلية والمديرية، وتصل إلى الولاية والمستوى الاتحادي. ويمكن الاستفادة من أنظمة المعلومات الصحية على مستوى المديريات، ومنها نظام معلومات الصحة على مستوى المديريات المستخدم في دول عديدة، مع الانتباه إلى تحديات التشغيل والموارد البشرية وجودة البيانات (Dehnavieh، 2019).

ويجب أن تجمع المنصة، بحد أدنى، بيانات المرافق، والكوادر، والخدمات، والأدوية، والتحصين، والأمراض الوبائية، وسوء التغذية، والوفيات، والإحالات، والهجمات على الرعاية الصحية.

الترصد الوبائي

ينبغي أن يجمع السودان بين الترصد القائم على المرافق والترصد المجتمعي والترصد القائم على الأحداث. ويمكن استخدام الشبكات المجتمعية القائمة للوصول إلى مناطق لا تستطيع الأنظمة التقليدية الوصول إليها، كما تظهر تجربة السودان في الترصد المجتمعي للأوبئة إمكانية استخدام المعرفة المحلية لسد فجوات النظام الرسمي (Ibrahim، 2023).

ويجب أن يرتبط الترصد مباشرة بفرق الاستجابة السريعة. فالبيانات التي لا تؤدي إلى استجابة لا تحقق القيمة الصحية الكاملة.

الكوليرا والملاريا والأمراض المنقولة بالنواقل

تحتاج مكافحة الكوليرا إلى مزيج من المياه والصرف الصحي والتطعيم والاستجابة السريعة، وهو ما يتفق مع خارطة الطريق العالمية لإنهاء الكوليرا بحلول 2030 (Global Task Force on Cholera Control، 2017).

أما الملاريا فتحتاج إلى مكافحة النواقل، والتشخيص والعلاج السريع، والناموسيات، والترصد، واستخدام اللقاح ضمن السياسة الوطنية وفق الاستراتيجية التقنية العالمية للملاريا (WHO، 2015b).

تسجيل الوفيات والإحصاءات الحيوية

ينبغي أن يصبح تسجيل الولادات والوفيات جزءاً من البنية الأساسية للدولة الصحية. ويمكن البدء بنظام إلكتروني مبسط، ثم ربطه تدريجياً بالسجل المدني.

وفي مرحلة الانتقال، عندما تكون البيانات ناقصة، يمكن استخدام المسوح الدورية والتقدير غير المباشر وأساليب التقدير الإحصائي، لكن يجب أن تُعرض النتائج دائماً مع حدود عدم اليقين، كما في دراسة دَحَب وزملائها (Checchi، 2017؛ Dahab، 2025).

الصحة الرقمية وحماية البيانات

يمكن للصحة الرقمية أن تساعد في الإحالة، والمواعيد، ومخزون الأدوية، والمتابعة، والتطبيب عن بعد، لكن يجب ألا تتحول إلى مشروع تقني منفصل عن الواقع. وتحتاج إلى كهرباء واتصالات وتدريب وحماية للبيانات (WHO، 2021a).

وفي بلد خرج لتوه من حرب واسعة، يجب أن تكون حماية بيانات المرضى قضية أخلاقية وأمنية في الوقت نفسه. ولا ينبغي جمع بيانات شخصية أكثر مما يحتاجه النظام لأداء وظيفته.

الفصل التاسع: الحوكمة اللامركزية والمجتمع — كيف تصبح غرف الطوارئ شريكاً لا بديلاً عن الدولة؟

توزيع الأدوار بين الاتحاد والولاية والمحلية

تقترح الدراسة أن تتولى وزارة الصحة الاتحادية السياسات والمعايير الوطنية والتنسيق والتمويل والشراء الاستراتيجي والمعلومات، بينما تتولى وزارات الصحة الولائية إدارة الخدمات وتوزيع الموارد وفق الاحتياج، وتتولى المستويات المحلية الإشراف اليومي على المرافق وتنفيذ الخدمات والمشاركة المجتمعية.

واللامركزية هنا لا تعني أن لكل ولاية نظاماً صحياً مستقلاً، بل أن النظام الوطني يحدد الحد الأدنى من الخدمة والجودة والتمويل، بينما يسمح للولايات بالتكيف مع الظروف المحلية.

مجلس وطني لتنسيق النظام الصحي

ينبغي إنشاء مجلس وطني لتنسيق النظام الصحي يضم وزارة الصحة، والولايات، والتأمين الصحي، والجامعات، والنقابات المهنية، والمجتمع المدني، والجهات المجتمعية، والشركاء الدوليين، مع قواعد واضحة لتضارب المصالح والإفصاح المالي.

وتكون وظيفة المجلس التنسيق وليس استبدال الوزارة. ويجب نشر محاضر القرارات والميزانيات والمؤشرات الأساسية بما يتيح للمجتمع مراقبة النظام.

غرف الطوارئ: أحد أهم الأصول التي أوجدتها الحرب

نشأت غرف الطوارئ من شبكات لجان المقاومة والمبادرات المجتمعية، ثم توسعت لتوفير الغذاء والدواء والإخلاء والدعم الصحي والخدمات الأساسية. وتشير تقديرات كورد إيد إلى نحو 700 غرفة طوارئ، مع وصول تقديري إلى ملايين الأشخاص على المستوى الوطني، وتؤكد المؤسسة أن دعم هذه البنية المجتمعية استمر خلال 2026 (Cordaid، 2026).

وتظهر دراسة أولسون ودَحَب وباركر أن غرف الطوارئ تطورت باعتبارها شبكات للمساعدة المتبادلة، وأنها قامت بأدوار في ظل غياب أو ضعف الخدمات الرسمية، لكنها تواجه أيضاً مخاطر الاستهداف والإرهاق والتمويل غير المستقر والتحديات المتعلقة بالشراكات (Olson، 2024).

ولذلك ينبغي دمج غرف الطوارئ في المنظومة الرسمية كشريك مجتمعي، لا تحويلها إلى جهاز حكومي تابع. ويمكن أن يشمل ذلك عقوداً شفافة، وتمويلاً قابلاً للتدقيق، ومشاركة في تحديد الاحتياجات، وآليات إحالة، وتدريباً، ونظم حماية، مع الاحتفاظ باستقلاليتها التنظيمية.

المساءلة المجتمعية

يمكن استخدام بطاقات الأداء المجتمعية التي تسمح للسكان بتقييم توفر الخدمات واحترام المرضى وسلوك العاملين وتوافر الأدوية، مع ربط النتائج بقرارات الإدارة (Edward، 2015).

لكن يجب ألا تتحول المشاركة المجتمعية إلى تحميل السكان مسؤولية مراقبة دولة لا تمول خدماتها. المشاركة تكون فعالة عندما تترافق مع صلاحية حقيقية للتأثير، وبيانات متاحة، وآلية استجابة للشكاوى.

الجودة

يحتاج السودان إلى سياسة وطنية للجودة تتضمن سلامة المرضى، ومكافحة العدوى، وتوافر الأدوية، ودقة التشخيص، واستمرارية الرعاية، ورضا المرضى، والنتائج السريرية (WHO، 2018).

الفصل العاشر: التنفيذ في بلد لا ينتهي فيه النزاع في اليوم نفسه — إدارة التغيير والتنسيق والتعلم

التنفيذ على أساس المناطق لا على أساس إعلان سياسي واحد

ينبغي اختيار مناطق رائدة وفق مجموعة من المعايير: درجة الاستقرار، وعدد السكان، ووجود مرافق يمكن إعادة تشغيلها، وتوفر كوادر، وإمكانية الوصول، ووجود شريك مجتمعي، وحجم الاحتياج.

ثم تطبق الحزمة الأساسية بصورة كاملة نسبياً في المناطق المختارة، وتُقاس النتائج، وتُراجع التكلفة، وتُحدد الاختناقات قبل التوسع.

وهذا يقلل خطر إطلاق إصلاح وطني ضخم قبل معرفة ما إذا كانت آليات التمويل والشراء والإمداد قابلة للتشغيل.

منصة واحدة وخطة واحدة وإطار رصد واحد

ينبغي تجميع المبادرات الإنسانية والتنموية حول خطة وطنية واحدة قدر الإمكان، مع إبقاء المرونة المطلوبة للعمل الإنساني. ويساعد ذلك على تقليل ازدواجية شراء الأدوية، وتكرار المسوح، وتضارب النماذج، واختلاف تعريف المؤشرات.

ويتوافق ذلك مع مقاربة الترابط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام التي تدعو إلى تحقيق نتائج جماعية تقلل الاحتياجات تدريجياً (Organisation for Economic Co-operation and Development، 2019).

الجامعات السودانية كمؤسسات إعادة بناء

يمكن للجامعات أن تؤدي أدواراً أكبر في تدريب العاملين، وإجراء المسوح، وتحليل البيانات، وتقييم البرامج، وإعداد الكوادر، وبناء برامج للصحة العامة وعلم الوبائيات وإدارة الخدمات.

كما ينبغي تمويل أبحاث تنفيذية صغيرة وسريعة تجيب عن أسئلة عملية: ما تكلفة الحزمة الأساسية؟ ما أفضل نموذج لتوزيع الأطباء؟ ما أثر العاملين الصحيين المجتمعيين؟ ما أكثر السلع التي تنقطع؟ ما أسباب الإحالة الفاشلة؟ أين تتركز الوفيات غير المبلغة؟

وتنسجم هذه المقاربة مع الدعوات إلى تطوير أجندة لأبحاث النظم الصحية في الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات (Woodward، 2016).

إدارة التغيير

قد يفشل الإصلاح حتى عندما يكون تصميمه جيداً إذا لم تُدار المصالح المؤسسية. فإعادة توزيع الموارد قد تواجه مقاومة من جهات اعتادت الحصول على التمويل، وتوحيد الأجور قد يواجه اعتراضات من جهات تستفيد من فروق الرواتب، ونقل بعض الخدمات إلى مراكز إقليمية قد يواجه مقاومة محلية.

ولذلك يجب أن تكون إدارة التغيير جزءاً من الخطة، وأن تتضمن شرحاً للأهداف، ونشر البيانات، وإشراك العاملين، وتحديد المسؤوليات، وإعطاء فترة انتقالية، وربط الإصلاحات بحوافز واضحة.

الفصل الحادي عشر: كيف نعرف أن النظام يتعافى؟ إطار للرصد والتقييم والتعلم والمساءلة

يجب تصميم الرصد والتقييم قبل بدء التنفيذ وليس بعده. ويُبنى الإطار على المكونات الستة للنظام الصحي، وعلى مؤشرات الجودة والتغطية والحماية المالية (WHO، 2010؛ Kruk، 2018؛ World Health Organization، 2023a).

وتشمل لوحة المؤشرات الوطنية، على سبيل المثال، نسبة المرافق العاملة وظيفياً، وتغطية التمنيع، ونسبة الولادات بإشراف عامل مؤهل، وعدد الأطفال الذين يتلقون علاج سوء التغذية، وتوافر الأدوية الأساسية، ونسبة العاملين الذين يتلقون رواتبهم في الموعد، ونسبة المرافق التي تتوافر فيها المياه والكهرباء، وعدد الإحالات الناجحة، ونسبة الأسر التي تتعرض لإنفاق صحي كارثي، وعدد الاعتداءات على الرعاية الصحية.

ولا ينبغي وضع أهداف رقمية اعتباطية قبل مسح أساس وطني. فمثلاً، إذا كانت تغطية التطعيم الفعلية في منطقة ما غير معروفة بسبب غياب البيانات، فإن الإعلان عن هدف 95% لا يمثل خطة علمية قبل معرفة نقطة البداية.

وتوزع المتابعة على ثلاثة مستويات. يقوم المستوى المحلي بالمتابعة الشهرية ويناقش النتائج مع المجتمع. ويجري المستوى الولائي مراجعة ربع سنوية للأداء والتمويل والإمدادات والقوى العاملة. وتجري الوزارة الاتحادية مراجعة سنوية شاملة تشارك فيها الولايات والشركاء والجامعات والمجتمع المدني.

وتجرى تقييمات مستقلة في منتصف المدة وفي نهاية كل مرحلة. ويجب أن تسمح النتائج بتعديل الخطة، لا أن تستخدم فقط للحكم على المسؤولين. وهذا جوهر التعلم التكيفي في إصلاح النظم الصحية (Witter، 2019).

ويجب نشر المؤشرات الأساسية علناً، بما في ذلك التمويل، وتوفر الأدوية، وأداء المرافق، والتغطية، والوفيات والأوبئة، مع حماية البيانات الشخصية. فالشفافية لا تعني نشر أسماء المرضى، بل نشر المعلومات التي تمكن المواطن من معرفة ما إذا كانت الدولة والشركاء ينفذون ما وعدوا به.

الفصل الثاني عشر: المخاطر والاستدامة والخلاصة النقدية — إعادة البناء لا تنجح إذا أعادت إنتاج أسباب الانهيار

المخاطر الرئيسية

يواجه النظام الجديد مخاطر متعددة، أهمها استمرار الحرب أو عودتها، وانخفاض التمويل الخارجي، وتسييس المؤسسات، والفساد، وهجرة العاملين، وظهور أوبئة جديدة، والاعتداءات على المرافق، وتغير خريطة النزوح والعودة، والتضخم، وانخفاض قيمة العملة، وضعف قدرة الدولة على تمويل الخدمات.

وتحتاج كل مخاطرة إلى خطة تخفيف محددة. فاستمرار النزاع يتطلب مرافق بديلة وفرقاً متنقلة ومخزوناً استراتيجياً. وانخفاض التمويل الخارجي يتطلب زيادة التمويل المحلي تدريجياً. وهجرة العاملين تتطلب أجوراً وحوافز ومساراً مهنياً. والفساد يتطلب شفافية المشتريات وتدقيقاً مستقلاً. وتغير خريطة النزوح يتطلب تحديثاً مستمراً للبيانات.

الاستدامة المالية

لا يمكن بناء نظام يعتمد بصورة دائمة على المنح الإنسانية. فالمنح ضرورية في مرحلة الطوارئ، لكنها لا يمكن أن تحل محل التمويل العام والتأمين والشراء الوطني. لذلك ينبغي أن تتضمن الخطة مساراً تدريجياً لزيادة الموارد المحلية، مع ربط الزيادة بتحسن التحصيل الضريبي وكفاءة الإنفاق وليس فقط بزيادة النسب الاسمية.

ويجب كذلك فصل تكلفة «إعادة البناء الرأسمالي» عن تكلفة «تشغيل النظام». فقد تمول جهة دولية بناء مستشفى، لكن الحكومة ستحتاج إلى دفع رواتب العاملين وشراء الأدوية والكهرباء والمياه لعقود. ولذلك يجب أن تخضع كل منشأة جديدة لتحليل تكلفة دورة الحياة قبل اعتمادها.

الاستدامة السياسية والمؤسسية

لن تستمر الإصلاحات إذا أصبحت مرتبطة بشخص وزير أو جهة مانحة أو مشروع واحد. ولذلك ينبغي تحويل المبادئ الأساسية إلى قوانين ولوائح، وتحديد المسؤوليات المؤسسية، وإنشاء نظم بيانات مستقلة، وتطوير القدرات الإدارية في الولايات والمحليات.

الاستدامة الاجتماعية

تحتاج الدولة إلى استعادة الثقة. ويمكن للخدمات الصحية أن تساعد في ذلك إذا كانت عادلة وشفافة ومتاحة للنازح والعائد والمقيم، وللمدينة والريف، وللنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة، من دون تمييز.

لكن الثقة لا تُبنى بالدعاية. إنها نتيجة تراكمية لتجارب المواطنين: هل وجد الدواء؟ هل وصلت سيارة الإسعاف؟ هل عومل المريض بكرامة؟ هل يستطيع الفقير العلاج؟ هل يحاسب من يسرق أموال المستشفى؟ وهل يستطيع العامل الصحي الحصول على راتبه في موعده؟

سبع توصيات تنفيذية مركزية

  1. اعتماد حزمة سودانية أساسية وطنية محسوبة التكلفة، تشمل صحة الأم والطفل، والتمنيع، والتغذية، والأمراض المعدية، والصحة النفسية، والإصابات والإعاقة، والأمراض غير السارية، والأدوية الأساسية، ثم إطلاقها في مناطق رائدة قبل التوسع الوطني.
  2. إنشاء صندوق وطني مجمّع للتمويل الصحي والشراء الاستراتيجي يجمع الموارد الحكومية والإنسانية والتنموية تدريجياً، ويحد من تجزؤ التمويل، ويزيل رسوم الخدمات الأساسية عن الفئات الأشد احتياجاً.
  3. إقرار سياسة وطنية موحدة للقوى العاملة الصحية تشمل الأجور المنتظمة، والحوافز الجغرافية، والتدريب المستمر، وحماية العاملين، والسجل الوطني للكوادر، وبرنامجاً منظماً للعودة الطوعية للكفاءات المهاجرة.
  4. إدماج غرف الطوارئ والشبكات المجتمعية كشركاء مؤسسيين في التخطيط والتنفيذ والمراقبة، مع تمويل شفاف يحافظ على استقلاليتها ولا يحولها إلى بديل دائم عن الدولة.
  5. بناء منصة وطنية موحدة للمعلومات والترصد والإحصاءات الحيوية تربط المرافق والمديريات والولايات والمستوى الاتحادي، وتدمج بيانات الأمراض والوفيات والتغذية والأدوية والقوى العاملة والهجمات على الرعاية الصحية.
  6. إقرار نظام وطني لحماية الرعاية الصحية يتضمن توثيق الهجمات، وحماية المرافق والعاملين وسيارات الإسعاف، وإدراج الحماية الصحية في ترتيبات وقف إطلاق النار، وربط التوثيق بمسارات العدالة والمساءلة وفق القانون الدولي.
  7. إنشاء نظام مستقل للرصد والتقييم والتعلم ينشر المؤشرات الأساسية والتمويل والأداء، ويجري مراجعات دورية وتقييمات مستقلة، ويتيح تعديل السياسات وفق الأدلة بدلاً من التمسك بخطط أثبت الواقع عدم صلاحيتها.

الخاتمة النقدية

إن إعادة بناء النظام الصحي السوداني بعد الحرب لا ينبغي أن تبدأ بالسؤال: «كم مستشفى دُمّر؟» بل بالسؤال الأكثر عمقاً: «أي نظام صحي يريد السودان أن يملكه عندما يتوقف هذا النزاع، وكيف يمكن جعله أكثر قدرة على حماية الإنسان من الحرب والوباء والجوع والفقر في الوقت نفسه؟».

تكشف الأدلة أن النظام السابق للحرب لم يكن مجرد ضحية للحرب، بل كان يحمل هشاشات بنيوية جعلت الصدمة أكثر عمقاً: تمويل غير كافٍ ومجزأ، إنفاق مباشر يحمّل الأسر مخاطر مالية، نقص وتفاوت في القوى العاملة، ضعف في المعلومات، وتباين في القدرة المؤسسية بين المناطق. ولذلك فإن إعادة المباني والمخازن من دون إصلاح هذه البنية ستعيد إنتاج هشاشة النظام.

وفي المقابل، أظهرت الحرب وجود أصول سودانية لا ينبغي تجاهلها. فقد استمرت قطاعات من وزارة الصحة والكوادر المهنية، وتوسعت شبكات المجتمع المحلي، وأظهرت غرف الطوارئ قدرة على التنظيم والتعبئة، واستمرت الجامعات ومراكز البحث في إنتاج المعرفة، كما تمكن الشركاء من تقديم ملايين الخدمات رغم القيود. وهذه الأصول يمكن أن تصبح أساساً لنظام جديد إذا جرى دمجها بطريقة مؤسسية عادلة.

وتشير المقارنة الدولية إلى أن السودان يستطيع التعلم من الحزمة الأساسية في أفغانستان، ومن الاستثمار في الرعاية الأولية والتأمين في رواندا، ومن العاملين الصحيين المجتمعيين في إثيوبيا، ومن دروس ليبيريا في بناء المؤسسات والقوى العاملة، ومن التجربة السورية في ضرورة حماية الرعاية الصحية، لكن لا توجد تجربة يمكن نسخها حرفياً. فالسودان يحتاج إلى نموذج خاص به، يستند إلى جغرافيته، وتنوعه السكاني، ونظامه الاتحادي، وتجربته الطويلة مع النزوح والنزاعات، وقدراته المجتمعية، وواقعه المالي.

كما أن التمويل الدولي، مهما كان كبيراً، لا يمكن أن يكون أساس النظام إلى الأبد. فالمنح يمكن أن تنقذ الأرواح في مرحلة الطوارئ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمول نظاماً صحياً وطنياً لعقود. ولذلك فإن العقد الصحي الجديد يجب أن يتضمن منذ البداية مساراً للانتقال من التمويل الإنساني إلى التمويل العام والتأمين والشراء الوطني، مع زيادة الكفاءة والشفافية.

ولا ينبغي أيضاً النظر إلى اللامركزية باعتبارها بديلاً عن الدولة. المطلوب هو دولة صحية أكثر قرباً من المواطن، لا دولة أضعف. فالوزارة الاتحادية تحتاج إلى وضع المعايير وتجميع الموارد وحماية البيانات وشراء الخدمات الاستراتيجية، بينما تحتاج الولايات والمحليات إلى سلطة تنفيذية حقيقية، ويحتاج المجتمع إلى وسائل للمشاركة والمساءلة.

وأخيراً، فإن البيانات ليست ملحقاً تقنياً لهذا المشروع. إن عدم معرفة عدد الوفيات أو مكان انتشار المرض أو حالة المرافق أو عدد العاملين أو توافر الدواء يعني أن النظام يعمل في الظلام. ولذلك فإن الاستثمار في التسجيل المدني والإحصاءات الحيوية والترصد ونظم المعلومات ينبغي أن يعامل باعتباره استثماراً في الأمن الصحي والسيادة المؤسسية للدولة.

لقد أثبتت الحرب أن المستشفى ليس مبنى فقط، وأن الطبيب ليس وظيفة فقط، وأن الدواء ليس سلعة فقط، وأن البيانات ليست أرقاماً فقط. كل هذه العناصر هي أجزاء من عقد بين المجتمع والدولة. وإذا كانت مرحلة ما بعد الحرب ستعيد بناء السودان، فإن الصحة يمكن أن تكون أحد المجالات التي تتحول فيها إعادة البناء من مجرد استعادة لما كان موجوداً إلى تأسيس لما ينبغي أن يكون موجوداً: نظام صحي موحد المعايير، لا مركزي في التنفيذ، عادل في التمويل، محمي في النزاعات، شريك فيه المجتمع، ومبني على البيانات، وقادر على العمل في السلم والأزمة معاً.

إن نجاح هذا التحول لن يقاس بعدد المستشفيات التي افتتحت في الاحتفالات، بل بقدرة أم في قرية بعيدة على الوصول إلى قابلة مؤهلة، وبقدرة طفل على الحصول على لقاحه، وبقدرة مريض سكري على الحصول على دوائه، وبقدرة مصاب على الوصول إلى الجراحة، وبقدرة أسرة فقيرة على تلقي العلاج من دون أن تفقد ما تبقى من دخلها، وبقدرة العامل الصحي على العمل آمناً والحصول على راتبه، وبقدرة الدولة على اكتشاف الوباء قبل أن يتحول إلى كارثة، وبقدرة المواطن على معرفة أين ذهبت الأموال وما الذي تحقق بها.

وبهذا المعنى، فإن إعادة بناء النظام الصحي ليست قطاعاً من قطاعات إعادة إعمار السودان فحسب؛ إنها واحدة من الأدوات التي يمكن من خلالها إعادة بناء الدولة نفسها، واستعادة الثقة، وتقليل الفقر، وحماية رأس المال البشري، وتحويل السلام من توقف للقتال إلى قدرة مؤسسية مستدامة على حماية حياة الناس.

المراجع

  1. Al Jazeera. Why do Sudan’s humanitarian truces keep failing and who is to blame? Al Jazeera. 2026 Sep 21.
  2. Assefa Y, Gelaw YA, Hill PS, Taye BW, Van Damme W. Community health extension program of Ethiopia, 2003–2018: successes and challenges toward universal coverage for primary healthcare services. Global Health. 2019;15:24.
  3. Basinga P, Gertler PJ, Binagwaho A, Soucat ALB, Sturdy J, Vermeersch CM. Effect on maternal and child health services in Rwanda of payment to primary health-care providers for performance: an impact evaluation. Lancet. 2011;377(9775):2143-51.
  4. Bhutta ZA, Das JK, Rizvi A, Gaffey MF, Walker N, Horton S, et al. Evidence-based interventions for improvement of maternal and child nutrition: what can be done and at what cost? Lancet. 2013;382(9890):452-77.
  5. Binagwaho A, Farmer PE, Nsanzimana S, Karema C, Gasana M, Ngirabega JD, et al. Rwanda 20 years on: investing in life. Lancet. 2014;384(9940):371-5.
  6. Blanchet K, Nam SL, Ramalingam B, Pozo-Martin F. Governance and capacity to manage resilience of health systems: towards a new conceptual framework. Int J Health Policy Manag. 2017;6(8):431-5.
  7. Campbell OMR, Graham WJ. Strategies for reducing maternal mortality: getting on with what works. Lancet. 2006;368(9543):1284-99.
  8. Charlson F, van Ommeren M, Flaxman A, Cornett J, Whiteford H, Saxena S. New WHO prevalence estimates of mental disorders in conflict settings: a systematic review and meta-analysis. Lancet. 2019;394(10194):240-8.
  9. Checchi F, Warsame A, Treacy-Wong V, Polonsky J, van Ommeren M, Prudhon C. Public health information in crisis-affected populations: a review of methods and their use for advocacy and action. Lancet. 2017;390(10109):2297-313.
  10. Cordaid. ‘We’re already there’: Sudan’s community-led response to the world’s largest humanitarian crisis. The Hague: Cordaid; 2026.
  11. Dahab M, AbuKoura R, Checchi F, Ahmed A, Abdalla O, Ibrahim M, et al. War-time mortality in Sudan: a multiple systems estimation analysis. Lancet Glob Health. 2025;13(9):e1583-e1590.
  12. Dehnavieh R, Haghdoost A, Khosravi A, Hoseinabadi F, Rahimi H, Poursheikhali A, et al. The District Health Information System (DHIS2): a literature review and meta-synthesis of its strengths and operational challenges based on the experiences of 11 countries. Health Inf Manag. 2019;48(2):62-75.
  13. Eaton J, McCay L, Semrau M, Chatterjee S, Baingana F, Araya R, et al. Scale up of services for mental health in low-income and middle-income countries. Lancet. 2011;378(9802):1592-603.
  14. Edward A, Osei-Bonsu K, Branchini C, Yarghal TS, Arwal SH, Naeem AJ. Enhancing governance and health system accountability for people centered healthcare: an exploratory study of community scorecards in Afghanistan. BMC Health Serv Res. 2015;15:299.
  15. European Union Agency for Asylum. Sudan: Security Situation, February 2025. Valletta: EUAA; 2025.
  16. Famine Early Warning Systems Network. Famine thresholds no longer met, but credible risk of Famine persists in parts of Sudan: Sudan food security outlook, February 2026. Washington (DC): FEWS NET; 2026.
  17. Farmer PE, Nutt CT, Wagner CM, Sekabaraga C, Nuthulaganti T, Weigel JL, et al. Reduced premature mortality in Rwanda: lessons from success. BMJ. 2013;346:f65.
  18. Food and Agriculture Organization of the United Nations, World Food Programme, United Nations Children’s Fund. Risk of famine persists as nearly 19.5 million people face acute food insecurity in Sudan. New York/Port Sudan; 2026 May 15.
  19. Fortnam M, Hailey P, Witter S, et al. Resilience in interconnected community and formal health (and connected) systems. SSM Health Syst. 2024;3:100027.
  20. Fouad FM, Sparrow A, Tarakji A, Alameddine M, El-Jardali F, Coutts AP, et al. Health workers and the weaponisation of health care in Syria: a preliminary inquiry for The Lancet–American University of Beirut Commission on Syria. Lancet. 2017;390(10111):2516-26.
  21. Global Conference on Primary Health Care. Declaration of Astana. Geneva: World Health Organization, United Nations Children’s Fund; 2018.
  22. Global Task Force on Cholera Control. Ending cholera: a global roadmap to 2030. Geneva: World Health Organization; 2017.
  23. Haldane V, Chuah FLH, Srivastava A, Singh SR, Koh GCH, Seng CK, et al. Community participation in health services development, implementation, and evaluation: a systematic review of empowerment, health, community, and process outcomes. PLoS One. 2019;14(5):e0216112.
  24. Integrated Food Security Phase Classification. Sudan: acute food insecurity situation for September 2025 and projections for October 2025–January 2026 and for February–May 2026. Rome: IPC; 2025.
  25. Integrated Food Security Phase Classification. Sudan: IPC special report on acute food insecurity analysis, February 2026–January 2027. Rome: IPC; 2026.
  26. Inter-Agency Working Group on Reproductive Health in Crises. Inter-agency field manual on reproductive health in humanitarian settings. 2018 revision. Geneva: IAWG; 2018.
  27. International Crisis Group. Divided Sudan, elusive peace. Africa Briefing No. 211. Brussels: International Crisis Group; 2026.
  28. International Labour Organization. Sudan National Health Insurance Fund (NHIF): assessment of institutional arrangements and analysis of income and expenditure as of 2022. Geneva: ILO; 2025.
  29. Kruk ME, Freedman LP, Anglin GA, Waldman RJ. Rebuilding health systems to improve health and promote statebuilding in post-conflict countries: a theoretical framework and research agenda. Soc Sci Med. 2010;70(1):89-97.
  30. Kruk ME, Rockers PC, Williams EH, Varpilah ST, Macauley R, Saydee G, et al. Availability of essential health services in post-conflict Liberia. Bull World Health Organ. 2010;88(7):527-34.
  31. Kruk ME, Myers M, Varpilah ST, Dahn BT. What is a resilient health system? Lessons from Ebola. Lancet. 2015;385(9980):1910-2.
  32. Kruk ME, Gage AD, Arsenault C, Jordan K, Leslie HH, Roder-DeWan S, et al. High-quality health systems in the Sustainable Development Goals era: time for a revolution. Lancet Glob Health. 2018;6(11):e1196-252.
  33. Kutzin J. Health financing for universal coverage and health system performance: concepts and implications for policy. Bull World Health Organ. 2013;91(8):602-11.
  34. Lagarde M, Palmer N. The impact of user fees on health service utilization in low- and middle-income countries: how strong is the evidence? Bull World Health Organ. 2008;86(11):839-48.
  35. Lee PT, Kruse GR, Chan BT, Massaquoi MB, Panjabi RR, Dahn BT, et al. An analysis of Liberia’s 2007 national health policy: lessons for health systems strengthening and chronic disease care in poor, post-conflict countries. Global Health. 2011;7:37.
  36. Loevinsohn B, Harding A. Buying results? Contracting for health service delivery in developing countries. Lancet. 2005;366(9486):676-81.
  37. Lu C, Chin B, Lewandowski JL, Basinga P, Hirschhorn LR, Hill K, et al. Towards universal health coverage: an evaluation of Rwanda Mutuelles in its first eight years. PLoS One. 2012;7(6):e39282.
  38. Management Sciences for Health. MDS-3: managing access to medicines and health technologies. Arlington (VA): MSH; 2012.
  39. Mathauer I, Dale E, Meessen B. Strategic purchasing for universal health coverage: key policy issues and questions. Geneva: World Health Organization; 2017.
  40. Mikkelsen L, Phillips DE, AbouZahr C, Setel PW, de Savigny D, Lozano R, et al. A global assessment of civil registration and vital statistics systems: monitoring data quality and progress. Lancet. 2015;386(10001):1395-406.
  41. Newbrander W, Ickx P, Feroz F, Stanekzai H. Afghanistan’s Basic Package of Health Services: its development and effects on rebuilding the health system. Glob Public Health. 2014;9(Suppl 1):S6-28.
  42. Olson SK, Dahab M, Parker M. Key considerations: mutual aid lessons and experiences from Emergency Response Rooms in Sudan. Brighton: Social Science in Humanitarian Action Platform; 2024.
  43. Organisation for Economic Co-operation and Development. Recommendation of the Council on the Humanitarian-Development-Peace Nexus. OECD/LEGAL/5019. Paris: OECD; 2019.
  44. Organization of African Unity. Abuja Declaration on HIV/AIDS, tuberculosis and other related infectious diseases. Abuja; 2001.
  45. Patel V, Saxena S, Lund C, Thornicroft G, Baingana F, Bolton P, et al. The Lancet Commission on global mental health and sustainable development. Lancet. 2018;392(10157):1553-98.
  46. Pavignani E. Human resources for health through conflict and recovery: lessons from African countries. Disasters. 2011;35(4):661-79.
  47. Perry HB, Zulliger R, Rogers MM. Community health workers in low-, middle-, and high-income countries: an overview of their history, recent evolution, and current effectiveness. Annu Rev Public Health. 2014;35:399-421.
  48. Peters DH, Noor AA, Singh LP, Kakar FK, Hansen PM, Burnham G. A balanced scorecard for health services in Afghanistan. Bull World Health Organ. 2007;85(2):146-51.
  49. Sphere Association. The Sphere handbook: humanitarian charter and minimum standards in humanitarian response. 4th ed. Geneva: Sphere Association; 2018.
  50. Spiegel PB, Checchi F, Colombo S, Paik E. Health-care needs of people affected by conflict: future trends and changing frameworks. Lancet. 2010;375(9711):341-5.
  51. Sudan Crisis Coordination Unit. Sudan’s Emergency Response Rooms: overview and recommendations. Publication No. 13. Shabaka; 2023.
  52. United Nations Security Council. Resolution 2286 (2016) on the protection of the wounded and sick, medical personnel and humanitarian personnel engaged in medical duties, their means of transport and equipment, as well as hospitals and other medical facilities. S/RES/2286. New York: United Nations; 2016.
  53. Waters H, Garrett B, Burnham G. Rehabilitating health systems in post-conflict situations. Research Paper No. 2007/06. Helsinki: UNU-WIDER; 2007.
  54. Witter S, Palmer N, Balabanova D, Mounier-Jack S, Martineau T, Klicpera A, et al. Health system strengthening: reflections on its meaning, assessment, and our state of knowledge. Int J Health Plann Manage. 2019;34(4):e1980-9.
  55. Woodward A, Sondorp E, Witter S, Martineau T. Health systems research in fragile and conflict-affected states: a research agenda-setting exercise. Health Res Policy Syst. 2016;14:51.
  56. World Health Organization. Everybody’s business: strengthening health systems to improve health outcomes: WHO’s framework for action. Geneva: WHO; 2007.
  57. World Health Organization. Monitoring the building blocks of health systems: a handbook of indicators and their measurement strategies. Geneva: WHO; 2010.
  58. World Health Organization. Guideline: updates on the management of severe acute malnutrition in infants and children. Geneva: WHO; 2013.
  59. World Health Organization. Service availability and readiness assessment (SARA): an annual monitoring system for service delivery: reference manual. Geneva: WHO; 2015a.
  60. World Health Organization. Global technical strategy for malaria 2016–2030. Geneva: WHO; 2015b.
  61. World Health Organization, United Nations High Commissioner for Refugees. mhGAP humanitarian intervention guide (mhGAP-HIG). Geneva: WHO; 2015c.
  62. World Health Organization. Global strategy on human resources for health: workforce 2030. Geneva: WHO; 2016.
  63. World Health Organization. Handbook for national quality policy and strategy: a practical approach for developing policy and strategy to improve quality of care. Geneva: WHO; 2018.
  64. World Health Organization. Immunization agenda 2030: a global strategy to leave no one behind. Geneva: WHO; 2020a.
  65. World Health Organization, United Nations Children’s Fund. Primary health care: operational framework: transforming vision into action. Geneva: WHO; 2020b.
  66. World Health Organization. Global strategy on digital health 2020–2025. Geneva: WHO; 2021a.
  67. World Health Organization. WHO guideline on health workforce development, attraction, recruitment and retention in rural and remote areas. Geneva: WHO; 2021b.
  68. World Health Organization, World Bank. Tracking universal health coverage: 2023 global monitoring report. Geneva: WHO; 2023a.
  69. World Health Organization. Model list of essential medicines: 23rd list. Geneva: WHO; 2023b.
  70. World Health Organization. Sudan: 1000 days of war deepen the world’s worst health and humanitarian crisis [news release]. Geneva/Cairo/Port Sudan: WHO; 2026 Jan 9. (2026a)
  71. World Health Organization. After three years of conflict, Sudan faces a deeper health crisis [news release]. Geneva: WHO; 2026 Apr 14. (2026b)
  72. World Health Organization, United Nations Children’s Fund. Attacks against hospitals and health facilities must end [press release]. Port Sudan: WHO; 2026 Apr. (2026c)
  73. Yates R. Universal health care and the removal of user fees. Lancet. 2009;373(9680):2078-81.
  74. UNICEF. Famine conditions confirmed in Sudan’s El Fasher and Kadugli, but hunger and malnutrition ease where conflict subsides. New York: UNICEF; 2025 Nov.
  75. UNICEF Sudan. North Darfur (Al Fasher) and Kordofan Crisis. Khartoum: UNICEF Sudan; 2025.
  76. FEWS NET. Famine (IPC Phase 5) is underway in Al-Fasher and Kadugli, and possibly Dilling. Washington (DC): FEWS NET; 2025.
  77. IPC. Sudan: Famine Review Committee report. Rome: Integrated Food Security Phase Classification; 2025.
  78. World Health Organization. Sudan emergency. Geneva: WHO; 2026.
  79. World Health Organization. Weekly Epidemiological Record, volume 101, issue 26. Geneva: WHO; 2026.
  80. United Kingdom Home Office. Country policy and information note: security situation, Sudan, July 2026. London: UK Home Office; 2026.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تكريم الدكتور حيدر إبراهيم: سنتعلم الحرب في الظلام
منبر الرأي
تقديم لكتاب “مقالات مترجمة عن سكك حديد السودان” ترجمة البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي
منبر الرأي
صراع البابوية والمؤسسية بين الإمام والأمين!! .. بقلم: تيسير حسن إدريس
منبر الرأي
هذا هو حيدر إبراهيم !
منبر الرأي
حسين خوجلى ورسائله المسمومه…!! .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

تكريم المكرم منصور خالد .. بقلم: صلاح محمد احمد

السفير: صلاح محمد احمد
منبر الرأي

حكومات نهضت .. بقلم: أمل أحمد تبيدي

طارق الجزولي
منبر الرأي

جمعية التآخي بين مواطني السودان و جنوب السودان .. بقلم: د. عمر بادي

د. عمر بادي
منبر الرأي

رياح الخماسين في الربيع السوداني .. بقلم: علي أنوزلا

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss