فدوى عبد الرحمن علي طه
بين يدي القارئ كتابٌ بعنوان مقالات مترجمة عن سكك حديد السودان ترجمة البروفيسور/ بدر الدين حامد الهاشمي مراجعة/ الدكتور محمد الصادق جعفر صاحب دار باركود الناشر للكتاب. وهو كتاب يتناول بعضاً مما كتب عن السكة الحديد في السودان والحركة العمالية فيه. ولا يفوت على القارئ الصلة الوثيقة بين الاثنين؛ فالحركة العمالية نتجت عن تطور مرفق السكة الحديد. وقد سبق لمؤلف الكتاب ترجمة عدد من المقالات عن السكة حديد منها: “قصة بناء خط السكة حديد عبر الصحراء” و”نهاية السكة حديد” و”تلخيص واستعراض لكتاب “أم درمان 1898م: قصة المعركة”، أبان المؤلف الروابط الإلكترونية التي نشرت بها. ونستعرض في هذا التقديم بعضاً من محتويات هذا الكتاب.
حظيت السكك الحديدية باهتمام ليس فقط في السودان، بل حول العالم باعتبارها نقلة نوعية غيرت العالم ولذا كثرت الكتابات عنها وقد شمل الكتاب الذي بين أيدينا مقالا ًبعنوان “مقتطفات من كتاب “الدم والحديد والذهب: كيف غيرت السكة حديد العالم” للكاتب كريستيان وولمار، وبه اشارة للسودان. فقد تعرض بتفصيل لمد الخط الحديدي لتنفيذ عملية اعادة غزو السودان بين الأعوام 1896 – 1898، والصعوبات التي واجهته ومنها ارتفاع درجة الحرارة والعمالة غير الكافية.
وعلى صعيد الأبحاث نال الأستاذ عبد المنعم خليفة خوجلي كما ذكر المؤلف درجة الماجستير من جامعة ليدز ببريطانيا عن أطروحته بعنوان “القطاع العام في السودان”، أبان فيها تطوير السودان بفعل السكة حديد وقدم لها الهاشمي ترجمة مختصرة. وأضيف لفائدة القارئ أنها كانت موضوع رسالة دكتوراه البروفيسور عمر محمد عثمان، مدير جامعة الخرطوم الأسبق، الصادرة من جامعة لندن عام 1960 بعنوان “تطور المواصلات والتنمية الاقتصادية في السودان 1899 – 1957”. شملت الترجمات مقالات عن التطورات الاجتماعية والسياسية التي لازمت مد الخطوط الحديدية ومنها تطور الحركة العمالية، وترجم المؤلف عدداً من المقالات عن هذه الحركة مؤلفها الدكتور عبد الرحمن الطيب علي طه وهي مقالات مستلة من رسالته للدكتوراه المجازة عام 1970 من جامعة لوس أنجلوس، كاليفورنيا بعنوان: “الحركة العمالية السودانية: دراسة عن النقابات العمالية في مجتمع نامٍ”، ونشرت في دوريات محكمة مثل مجلة السودان في رسائل ومدونات، ومجلة كلية الآداب جامعة الخرطوم. وابان أحد المقالات الدور السياسي للحركة العمالية بالسودان بين عامي 1946 – 1969م وتأثير الحزب الشيوعي السوداني على الحركة العمالية، وتكوين اتحاد العمال عام 1950 وانهماك الحركة العمالية في السياسة. وأضاف عبد الرحمن أن الفترة الأولى والثانية من الديمقراطية البرلمانية اتسمت بطابع المواجهة السياسية والعمالية في العلاقات بين العمال والحكومة.
ويلاحظ من الترجمات المختارة أن الاهتمام بدراسة الطبقة العاملة لم يتوقف بعد، فقد كتب بيتر كروس عام 1997: “مواقف البريطانيين حيال الطبقة العاملة السودانية: سجلات وزارة الخارجية كمصادر للتاريخ الاجتماعي في السودان” وقال الكاتب إن دافعه لنشر هذا العمل كان هو النقص الواضح في الكتابات الموثقة عن تاريخ الطبقة العاملة السودانية (التي وصفها بالمهمة تاريخياً رغم صغرها)، وهو يهدف للمساهمة في سد هذا النقص بالكتابة عن مواقف البريطانية حيال هذه الطبقة، معتمداُ على ما ورد في سجلات وزارة الخارجية البريطانية. وتواصل الاهتمام ففي عام 2013 نشر غاريث كيرليس وهو محاضر وباحث من جامعة اكستر بحثاً بعنوان “السودان ليس مستعداً بعد لقيام نقابات عمالية: إضرابات عمال السكة حديد بين عامي 1947 و1948م”.
ركز المؤلف، مترجم هذا الكتاب، على ترجمة بعض مما كتبه ريتشارد ليزلي هيل الذي عمل بمصلحة المواصلات في السودان، وألف كتاباً عنها بعنوان “المواصلات في السودان” صدر عام 1965، والأعمال المترجمة مقتطفات من هذا الكتاب ومنها “خط سكة حديد سواكن – بربر 1885، و” خط السكة حديد الأول بالسودان”، وفيه أشار هيل إلى السُخرة وإحضار مجموعة من الرجال قسرا إلى وادي حلفا لمد الخط الحديدي واحتجاج سكان وادي النيل من حلفا إلى دنقلا على تلك السُخْرَة وتقديمهم التماساً إلى القاهرة.. ولم يفت على المترجم التعريف بريتشارد هيل. ونضيف أنه اشتهر بإنشاء ارشيف السودان بجامعة درهام عام 1967، ومرتكز الأرشيف ايداع أوراق من خدموا في حكومة السودان في شتى المجالات. وكتب أيضاً عن خط السكة الحديد الأول بالسودان هنري جنستون “أول قطار سكة حديد في السودان: بعثة إغاثة غوردون وحملة دنقلا”.
قدم الهاشمي عرضا مختصرا لكتاب “مدينة الحديد والنار: التاريخ الاجتماعي لأتبرا، مدينة سكك حديد السودان بين عامي 1906 – 1984م” لمؤلفه الدكتور أحمد العوض سيكنجة، وهو عرض يناسب غرض الكتاب. وقال أحمد. “نذكر أيضاً أن أتبرأ هي المدينة التي ولدت بها الحركة العمالية السودانية، ومنذ أعوام أربعينيات القرن الماضي فقد عرفت تلك المدينة العمالية بأنها مركز مهم للنشاط العمالي والتضامن والسياسة الراديكالية.”
ومن المفيد أن نذكر هنا أن تطور عطبرة كمركز للسكك الحديدية لم يفت على واضعي المناهج بمعهد التربية ببخت الرضا، فقد شمل منهج سبل كسب العيش في السودان الذي أُعد عام 1946 لتلاميذ الصف الثالث ابتدائي، وارتكز على زيارات حقيقية لمختلف مناطق السودان، زيارة إلى “أتبرأ” جسدها عبد الرحمن علي طه ضمن قصيدته “في القولد التقيت بالصديق”، وكانت الزيارة الأخيرة “وآخر الرحلات كانت أتبرا حيث ركبت من هناك القاطرة”. ويلفت طه النظر في قصيدته هذه إلى الانضباط في أداء السكك الحديدية ويعجبه تنفيذ الأوامر من عبد الحميد سائق القاطرة. “أعجبني تنفيذه الأوامر بدقة ليسلم المسافر”.
كما أبانت الدكتورة إلينا فيزديني أهمية “أتبرأ” في مقالها بعنوان “مهمة عسيرة تتطلب صبرا لا حدود له”: تأسيس النقابات العمالية وصراعات التنمية بالسودان (1946 – 1952م)” وأوضحت العوامل التي أدت إلى ظهور أول حركة عمالية بأتبرا، وبروز المدينة كمركز لنشاط الحركة العمالية.
والقارئ في سياحة مع السكك الحديدية منشأها وتطورها وأهميتها وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية، رأى المؤلف ضرورة أن يلم القارئ بما آل إليه الوضع بالنسبة لها. فأورد ترجمة لما كتبه البروفيسور مصطفى خوجلي بعنوان: نهاية السكة حديد: عصر تشييد الطرق البرية والجسور في السودان (1980 – 2009م). ذكر كاتب المقال أنه لم ينقض وقت كاف لتقييم تأثير شبكة الطرق تقييماًً شاملاً، ولكن توجد بعض المؤشرات على وجود تأثيرات ملحوظة. لا شك أن السكة حديد -والحديث للبروفيسور مصطفى خوجلي- قد خسرت معظم ركابها لمصلحة النقل البري، فقد تناقص عدد ركاب السكة حديد في الخمسة وعشرين عاما بين 1970م – 1995م تناقصاً ملحوظاً أورده مصطفى بالأرقام ولا شك إذاُ في تفضيل الركاب للنقل البري على النقل بالسكة حديد، إذ أن المركبات الحديثة توفر قدراً من الراحة أكبر مما توفره السكة حديد، وبسرعة أكبر وبوتيرة أعلى. وكما فقدت السكة حديد معظم زبائنها من الركاب، فإنها فقدت الكثير في مجال نقل البضائع.
ترجم الهاشمي مقالاً شاملاً كتبه البريطاني (إيان كاميرون كليف) عن تاريخ إنشاء السكة حديد بالسودان في الـ 150 عاماً الأخيرة، احتوى مقال الكاتب على عدد كبير من الرسومات التاريخية والصور الفتوغرافية، بالإضافة للخرائط التي وضحت تشييد خطوط السكة حديد عبر السنوات منذ عام 1900م حتى 2010م. وشمل المقال المواجهة خلال نظام نميري واضعافه لهيئة السكة الحديد، كما تطرق لأوضاع السكة حديد في سنوات حكم الإنقاذ.
ختام القول إن ما أورده الهاشمي من مقالات وكتب يبين أن مرفق السكة حديد وما تبعه من تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية قد وجد اهتماماً كبيراً ونشرت حوله مقالات في مجلات محكمة. وأجاد الهاشمي ترجمتها ترجمة دقيقة رصينة وموفقة وبأسلوب علمي، وأفلح في جمعها في كتاب، وبذلك أسدى خدمة جليلة للمكتبة السودانية. وهذه ترجمات تأخذ أجيالاً عاصرت الأحداث وتطوف بها حول حدث مهم. كما أنها تفسح المجال المعرفي أمام أجيال جديدة للتعرف على تطورات مهمة ونوعية في تاريخ السودان الحديث رافقت مرفقاً حيوياً. وهي باختصار اضافة حقيقية للدارسين في تاريخ السودان الحديث والمعاصر.
بروفيسور/ فدوى عبد الرحمن علي طه
أستاذة التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة الخرطوم
drfadwa@hotmail.com
