د.مهدي تاج الدين
في الحروب، قد تضيع أشياء كثيرة: البيوت، الأمن، المال، الذكريات، وحتى الأحلام. لكن أكثر ما يوجع القلب أن تضيع حرمة الإنسان، وأن يصبح قتل النفس البشرية أمراً عابراً، وكأن حياة الناس لا قيمة لها.
وفي السودان، حملت الحرب مشاهد قاسية من القتل والانتهاكات التي طالت المدنيين، ووردت تقارير أممية موثقة عن عمليات قتل وإعدامات ميدانية وانتهاكات خطيرة ارتكبتها قوات الدعم السريع، ولا سيما في دارفور والجزيرة ، وقد وثّقت الأمم المتحدة في هجوم الدعم السريع على الفاشر في أكتوبر 2025 آلاف حالات القتل خلال الأيام الأولى، ووصفت أفعالاً عديدة بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
لكن وراء كل رقم في التقارير إنسان، وراء كل قتيل أمٌّ تنتظر عودة ابنها، وطفلٌ فقد أباه، وزوجةٌ انطفأ في بيتها شيء لا يعوّض، وأسرةٌ ستظل تسأل: لماذا قُتل؟ وما ذنبه؟
ما أقسى أن يُقتل إنسان لأتفه الأسباب، أو لمجرد الاشتباه، أو بسبب انتمائه، أو لأنه وجد نفسه في المكان الخطأ في زمنٍ اختلطت فيه البنادق بالأحقاد. وما أقسى أن يرى الإنسان أخاه يُقتل أمام عينيه، ثم لا يملك إلا أن يهرب حاملاً خوفه وذكرياته.
أيها الذين يحملون السلاح… تذكروا أن البندقية لا تمنح صاحبها حق الحياة ولا تسلب الآخرين حقهم فيها.
تذكروا أن الدماء ليست غنائم حرب، وأن المدني الذي لا يحمل سلاحاً ليس عدواً، وأن الشيخ والمرأة والطفل والطالب والعامل والمزارع ليسوا أهدافاً مشروعة.
إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على قتل الضعيف، وإنما في القدرة على كبح الغضب حين تكون الرصاصة جاهزة. وليست الشجاعة أن تقتل إنساناً أعزل، وإنما الشجاعة أن تحفظ حياته حتى في أشد لحظات الخصومة.
وقد تتغير موازين الحرب، وتتبدل المواقع، وتتغير الرايات؛ لكن حقوق الضحايا لا تتغير بتغير المنتصر والمهزوم.
وما ينبغي أن يدركه كل من تورط في قتل الأبرياء أن الإفلات من العقوبة في الدنيا، إن حدث، ليس إفلاتاً من الحساب. قد يغيب الشاهد، وقد يختفي الدليل، وقد تُغلق الأبواب، وقد يظن القاتل أن القضية انتهت؛ لكن هناك محكمة لا تُغلق أبوابها، ولا تضيع فيها شهادة، ولا يُدفن فيها حق مع صاحبه.
هناك يومٌ لا تنفع فيه القوة ولا السلاح ولا المال ولا النفوذ… يوم يقف القاتل أمام ضحيته، ويقف الظالم أمام المظلوم.
هناك عند الله تجتمع الخصوم.
ولذلك فإن العظة ليست للقاتل وحده، بل لنا جميعاً: لا تجعلوا الحرب سبباً لموت الضمير، ولا تسمحوا للخصومة السياسية أو القبلية أو العسكرية أن تحول الإنسان إلى رقم، والدم إلى خبر، والموت إلى مشهد معتاد.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً من دم أبنائه، وما يحتاجه اليوم ليس مزيداً من الانتقام، وإنما وقف نزيف الدم، وحماية المدنيين، ومحاسبة من ارتكب الجرائم، وردّ المظالم إلى أهلها. وتؤكد الأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب ظل مشكلة مستمرة في الحرب السودانية، مع استمرار الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
فلنتعظ قبل أن يفوت الأوان.
فربما ينام قاتلٌ الليلة آمناً، بينما أمٌّ لا تنام منذ يوم قتل ابنها.
وربما ينسى الجندي وجهاً قتله في لحظة غضب، لكن أسرة ذلك الوجه لن تنساه ما بقيت الحياة.
فاحذروا الدماء… فإن للدماء حرمة، وللمظلوم دعوة، وللتاريخ ذاكرة، ولله يومٌ لا يضيع فيه حق.
