حين تصبح الشبكة أغنى من المورد
كيف يمكن لصندوق معدني وشبكة معلومات أن يغيّرا اقتصاد العالم؟
منبر نور
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
نحن نميل، عندما نتحدث عن الثروة، إلى البحث عنها في الأشياء.
نبحث عن النفط تحت الأرض، والذهب في الصخور،
والماء في الأنهار، والأرض في السهول، والمصانع في المدن،
والآلات في المخازن، والأموال في المصارف.
لكن ماذا لو كانت قيمة الشيء لا تكمن في وجوده وحده، وإنما في الشبكة التي تجعله يتحرك ويتصل بغيره؟
ما قيمة محصول ممتاز إذا لم يصل إلى السوق في الوقت المناسب؟ وما قيمة مصنع حديث إذا لم تصله المواد الخام؟ وما قيمة سلعة جاهزة إذا كان نقلها إلى المستهلك مكلفاً إلى درجة تلتهم ربحها؟ وما قيمة المعرفة إذا بقيت محبوسة في رأس صاحبها ولم تجد طريقها إلى من يستطيع استخدامها؟
هنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر إثارة:
هل يمكن أن تكون الشبكة التي تربط الموارد ببعضها أهم أحياناً من المورد نفسه؟
للاقتراب من هذا السؤال، سنضع كتابين مختلفين جداً أمام بعضهما.
الأول هو كتاب الاقتصادي والصحفي الأمريكي مارك ليفنسون، The Box: How the Shipping Container Made the World Smaller and the World Economy Bigger، الصادر عام 2006 عن Princeton University Press. وتبلغ الطبعة الأولى نحو 376 صفحة. موضوعه يبدو للوهلة الأولى شديد البساطة: الحاوية البحرية. لكنه في الحقيقة يحكي كيف أدت هذه الصناديق المعدنية إلى خفض تكاليف النقل وإعادة تشكيل الموانئ والجغرافيا الاقتصادية والتجارة العالمية.
والثاني هو كتاب يوشاي بنكلر، The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedom، الصادر عام 2006 عن Yale University Press، ويقع في 528 صفحة. يتناول الكتاب تحول إنتاج المعلومات والمعرفة مع ظهور الإنترنت والشبكات الرقمية، وكيف أصبح بإمكان أفراد وجماعات أن يشاركوا في إنتاج قيمة لم تكن تحتاج بالضرورة إلى المؤسسة التقليدية التي تملك المصنع أو المطبعة أو شبكة التوزيع.
كتاب عن صندوق معدني، وكتاب عن شبكة معلومات.
لكن كليهما يقودنا إلى فكرة واحدة:
القيمة لا تولد فقط من المورد؛ إنها تولد أيضاً من طريقة اتصال الموارد ببعضها.
قبل انتشار الحاويات، كان نقل البضائع عملية مختلفة تماماً. كانت السلع تُحمل وتُفرغ بصورة منفصلة، ويحتاج التعامل معها في الموانئ إلى وقت طويل وأعداد كبيرة من العمال وعمليات متعددة للمناولة.
ثم جاءت فكرة تبدو متواضعة للغاية: لماذا لا نضع البضائع داخل صندوق موحد يمكن نقله من الشاحنة إلى القطار إلى السفينة دون إعادة التعامل مع كل قطعة داخله؟
الصندوق لا ينتج السلعة، ولا يزرع القمح، ولا يصنع السيارة، ولا يكتشف النفط.
لكنه غيّر طريقة اتصال السلعة بالعالم.
وهنا تكمن العبقرية الاقتصادية.
الحاوية لم تكن ابتكاراً في المنتج، بل في النظام.
حين أصبحت الوحدة التي تحمل البضاعة موحدة، أمكن تصميم السفن والموانئ والشاحنات والقطارات حولها. وأصبح بالإمكان تنظيم عمليات النقل بصورة أكثر تكاملاً.
وبالتالي لم تكن الحاوية مجرد وسيلة نقل؛ لقد أصبحت جزءاً من بنية اقتصادية جديدة.
ومن هنا يمكن فهم ما يرويه ليفنسون: الثورة لم تكن في الصندوق وحده، وإنما في النظام الذي نشأ حول الصندوق.
وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها.
فالابتكار الاقتصادي ليس دائماً شيئاً جديداً نضعه في يد المستهلك.
أحياناً يكون الابتكار هو أن نجعل الأشياء الموجودة أصلاً تتحرك بصورة أفضل.
بعد نصف قرن تقريباً من بداية ثورة الحاويات، ظهرت ثورة أخرى لا يمكن لمسها باليد.
ثورة الشبكات الرقمية.
وهنا يدخل بنكلر.
في الاقتصاد الصناعي التقليدي، كانت عملية الإنتاج تحتاج غالباً إلى رأس مال مادي واضح: مصنع، آلات، مكاتب، مطابع، مخازن، وشبكات توزيع.
لكن الاقتصاد الشبكي فتح مجالاً آخر.
يمكن لأشخاص متفرقين جغرافياً أن يشاركوا في إنتاج المعرفة أو البرمجيات أو المحتوى أو المعلومات.
وقد لا يعملون في مؤسسة واحدة، ولا يجلسون في مبنى واحد، ولا يعرف بعضهم بعضاً بصورة مباشرة.
لكن الشبكة تجمع جهودهم.
وهنا يصبح السؤال:
إذا كان المصنع يجمع العمال والآلات داخل مكان واحد، فما الذي يجمع المنتجين في الاقتصاد الشبكي؟
الشبكة نفسها.
لقد أصبحت الشبكة نوعاً جديداً من البنية التحتية الاقتصادية.
والأهم أن بنكلر لا يتحدث فقط عن الإنترنت باعتباره وسيلة اتصال، بل عن تغير في طريقة إنتاج المعلومات والمعرفة، وما يترتب على ذلك من تغير في الأسواق والإنتاج.
وهنا نبدأ في رؤية العلاقة بين الكتابين.
الحاوية جعلت الأشياء تتحرك بسهولة أكبر.
الشبكة الرقمية جعلت المعلومات والمعرفة تتشارك وتنتقل بسهولة أكبر.
الأولى خفضت تكلفة حركة الأشياء.
والثانية خفضت كثيراً من تكاليف الاتصال والتنسيق والوصول إلى المعلومات.
والاثنتان أعادتا رسم الخريطة الاقتصادية.
والآن لنتخيل مزارعاً ينتج محصولاً ممتازاً.
هل أصبح غنياً بالضرورة؟
ليس بالضرورة.
إذا كان الطريق سيئاً، والنقل مكلفاً، والتخزين ضعيفاً، والمعلومات عن الأسعار ناقصة، والمشتري بعيداً، فإن جزءاً من قيمة المحصول قد يضيع قبل أن يصل إلى السوق.
المشكلة هنا ليست في الزراعة.
المشكلة في الشبكة التي تربط الزراعة بالسوق.
ولنتخيل مصنعاً ينتج سلعة جيدة.
إذا كان لا يستطيع الحصول على مدخلاته في الوقت المناسب، أو لا يستطيع الوصول إلى المستهلك، أو يواجه تكاليف لوجستية مرتفعة، فإن المصنع وحده لا يكفي.
المصنع أصل.
لكن الشبكة التي تحرك مدخلاته ومخرجاته هي التي تجعل الأصل منتجاً اقتصادياً بالكامل.
وهنا نصل إلى فكرة يمكن أن تكون شديدة الأهمية لاقتصاداتنا:
قد لا تكون المشكلة دائماً في نقص الموارد، بل في ضعف الروابط بين الموارد.
ولعلنا نحتاج إلى إضافة مفهوم جديد إلى قاموس التفكير التنموي:
اقتصاد الوصلات.
فالتنمية لا تعني فقط أن ننتج مزيداً من السلع، بل أن نخفض تكلفة انتقالها بين مراحل الإنتاج.
المزرعة تحتاج إلى الطريق.
والطريق يحتاج إلى السوق.
والسوق يحتاج إلى المعلومات.
والمعلومات تحتاج إلى الاتصالات.
والتمويل يحتاج إلى نظام مصرفي قادر على الحركة.
والمنتج يحتاج إلى نظام دفع.
والشركة تحتاج إلى معرفة الطلب.
كل حلقة من هذه السلسلة قد تبدو صغيرة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الاقتصاد يعيش من اتصالها.
وقد يكون بناء طريق جديد مهماً، لكن الأهم أحياناً أن نعرف أي طريق يربط أكبر عدد من الأنشطة الاقتصادية.
وقد يكون إنشاء مصنع مهماً، لكن الأهم أن نعرف هل المصنع متصل بمصادر مدخلاته وأسواق مخرجاته.
وهكذا يتحول السؤال من: ماذا نملك؟
إلى: كيف تتصل الأشياء التي نملكها؟
هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في السودان.
لدينا أرض واسعة، ومياه، وثروة حيوانية، وموارد معدنية، وموقع جغرافي، ومدن وموانئ، وقوة بشرية، وأسواق داخلية وخارجية.
لكن المورد المنفرد لا يصنع سلسلة قيمة.
القمح يحتاج إلى التخزين والطحن والنقل والتوزيع.
والماشية تحتاج إلى صحة بيطرية، وأسواق، ونقل، ومسالخ، وتبريد، وتمويل، ومعلومات.
والذهب يحتاج إلى منظومة إنتاج وتجميع وتمويل وتصنيع وتسويق.
والقطن لا يصبح صناعة بمجرد زراعته؛ فهناك سلسلة تمتد من المدخلات إلى الزراعة ثم الحلج والغزل والنسيج والتسويق.
كلما انقطعت حلقة، انخفضت القيمة التي يستطيع الاقتصاد الاحتفاظ بها.
وهنا تظهر قيمة الدرس الذي نستخرجه من الكتابين.
ليس المطلوب فقط أن نبحث عن مشروعات كبيرة.
أحياناً يكون المشروع الأكثر تأثيراً هو الذي يربط مشروعين موجودين أصلاً.
طريق يربط منطقة إنتاج بمركز تصنيعي.
مخزن حديث يربط المزارع بالسوق.
منصة معلومات تربط المنتج بالمشتري.
نظام دفع يربط النشاط الاقتصادي بالتمويل.
مركز لوجستي يربط الإنتاج بالنقل.
هذه قد تبدو مشروعات أقل بريقاً من مصنع ضخم، لكنها قد تكون أكثر أهمية في بعض الحالات لأنها تعالج فجوة في الشبكة.
ولنأخذ ولاية نهر النيل مثالاً.
القيمة الاقتصادية للنيل لا ينبغي أن تتوقف عند الماء.
النهر يمكن أن يكون جزءاً من شبكة اقتصادية أوسع: زراعة، إنتاج، تصنيع، نقل، تخزين، تجارة، سياحة، طاقة، وخدمات.
إذا أنتجت منطقة زراعية محصولاً جيداً، فإن القيمة لا تتوقف عند الحصاد.
السؤال التالي هو: كيف يصل المحصول إلى مصنع؟
وكيف يصل المصنع إلى السوق؟
وكيف تصل المعلومات إلى المنتج قبل أن يزرع؟
وكيف يصل التمويل إلى الموسم الزراعي في الوقت المناسب؟
هنا تصبح التنمية عملية بناء شبكة قيمة، وليس مجرد توزيع مشروعات منفصلة على الخريطة.
وهذا التفكير يمكن أن يغير حتى طريقة إعداد دراسات الجدوى.
بدلاً من أن ندرس المصنع باعتباره كياناً مستقلاً، ندرسه باعتباره عقدة في شبكة.
من أين تأتي مواده الخام؟
إلى أين يذهب إنتاجه؟
ما تكلفة النقل؟
ما زمن التخزين؟
من أين تأتي المعلومات؟
كيف تتم المدفوعات؟
أين توجد الحلقة التي يمكن أن تؤدي إلى تعطيل المشروع كله؟
عندها تصبح دراسة الجدوى أكثر قرباً من الواقع.
الحاوية لم تغيّر العالم لأنها صندوق ممتاز.
غيّرت العالم لأن العالم أعاد تنظيم نفسه حولها.
وهذه ربما هي الفكرة التي نحتاج إلى نقلها من النقل البحري إلى التنمية الاقتصادية.
قد نبني مصنعاً ممتازاً ولا يتغير الاقتصاد كثيراً إذا بقي المصنع معزولاً.
وقد نزرع آلاف الأفدنة ولا تتغير القيمة المضافة إذا بقيت المحاصيل تخرج خاماً.
وقد نملك جامعة كبيرة إذا بقيت المعرفة بعيدة عن الصناعة والسوق.
وقد ننشئ منصة رقمية رائعة إذا لم تدخل إليها المؤسسات والمستهلكون والمنتجون.
الابتكار لا يعيش في الأداة وحدها؛ يعيش في النظام الذي يستخدم الأداة.
وبالمثل، فإن الشبكة الاقتصادية أوسع من الإنترنت.
قد تكون شبكة نقل، أو شبكة تمويل، أو شبكة معلومات، أو شبكة موردين، أو شبكة معرفة، أو شبكة مؤسسات.
والميزة الاقتصادية تظهر عندما تخفض الشبكة تكلفة الوصول والتنسيق والتبادل.
ولهذا فإن دولة قد تملك موارد أكثر من دولة أخرى، لكن الدولة الثانية قد تحصل على قيمة أكبر من موارد أقل إذا كانت شبكاتها أكثر كفاءة.
وهنا تظهر المفارقة:
الثروة ليست دائماً في كثرة الأشياء؛ قد تكون في جودة العلاقات بين الأشياء.
بعد أن تركنا الكتابين يتحدثان، يمكن أن نخرج بفكرة ثالثة ليست نسخة من أي منهما:
التنمية الحديثة ليست فقط عملية تراكم موارد، وإنما عملية بناء روابط تجعل الموارد أكثر قابلية للحركة والتكامل والتحول إلى قيمة.
وهذا يعني أن قياس التنمية لا ينبغي أن ينظر فقط إلى عدد المصانع أو حجم الإنتاج أو كمية الموارد.
ينبغي أن يسأل أيضاً:
كم يكلف نقل السلعة؟
كم يستغرق وصولها؟
كم يكلف الوصول إلى المعلومة؟
كم يستغرق الحصول على التمويل؟
كم عدد الحلقات بين المنتج والمستهلك؟
كم مرة تنتقل السلعة قبل أن تصل إلى قيمتها النهائية؟
وأين تضيع القيمة في الطريق؟
هذه الأسئلة قد تكشف ثروة غير مرئية.
فربما لا يحتاج الاقتصاد دائماً إلى مورد جديد.
ربما يحتاج إلى وصلة جديدة.
ومن هنا نستطيع أن نقرأ اقتصادنا بطريقة مختلفة.
قد نملك الأرض ولا نملك الشبكة التي تصلها بالسوق.
وقد نملك الماء ولا نملك الشبكة التي تحوله إلى إنتاج.
وقد نملك المصنع ولا نملك الشبكة التي تمده بالمدخلات.
وقد نملك المعرفة ولا نملك الشبكة التي تحولها إلى ابتكار.
إذن ليست الثروة دائماً ما نراه في المخزن أو تحت الأرض.
أحياناً تكون الثروة في الطريق بين الأشياء.
وقد يكون المشروع الذي نحتاج إليه غداً ليس مصنعاً جديداً، وإنما جسراً بين مصنع ومزرعة، أو بين منتج وسوق، أو بين جامعة وصناعة، أو بين معلومة وقرار.
وهنا يصبح الدرس الأعمق من الكتابين:
اقتصاد قوي ليس هو الاقتصاد الذي يملك أكثر فقط، بل الاقتصاد الذي يستطيع أن يجعل ما يملكه يتصل ببعضه بأقل تكلفة وأقصر زمن وأعلى قيمة.
فالشيء المنفرد مورد.
أما الشيء المتصل بغيره في شبكة فعّالة، فقد يصبح ثروة
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
