زهير عثمان
في بلدنا العجيب ده، الحاجات بقت مقلوبة بصورة ما بتتصدق. قوانين الفيزياء ذاتا ممكن تتغير بقرار جمهوري، والمنطق ممكن يتعدل بفتوى معمولة على مقاس الكرسي , يعني تصحى الصباح تلقى الدولة كلها دخلت خلوة صوفية إجبارية، لكن ما خلوة الزهد والروحانية البنعرفها؛ دي خلوة من نوع تاني، خلوة بتدار بالعصاية، وببخور النفاق، وبدرواشة مؤسسية منظمة
في الجمهوريات العجيبة دي، الكراسي ما بقت مكان لاتخاذ القرارات بعد دراسة وحساب، بقت زي مصاطب للذكر العشوائي
المسؤول ما بسأل- الدراسة قالت شنو؟ والأرقام بتقول شنو؟ والناس محتاجة شنو؟
لا يمكن يقول ليك- «والله جاتني رؤيا» أو- «الشيخ قال» , أو «دي بركة»
أو حتى- «اصبروا، الأمور ماشّة بي حكمتها»
الاقتصاد واقع؟ ما مشكلة , البنك المركزي يتعالج بالرقية , العملة منهارة؟ يمكن العين ضربتها
الأسعار مولعة؟ أكيد في حساد , الأمن سايب؟ جيبوا ليكم حجاب وتميمة، وربنا بستر
وهنا تبدأ المصيبة الأكبر- الفساد ذاتو بقى عندو نفحات وبركات , لو المليارات اختفت من خزينة الدولة، ما تسألوا القروش مشت وين؟–فتشوا عن الحسد –ولو المشاريع اتعطلت، ما تسألوا عن الفساد وسوء الإدارة , يمكن يكون في «أيدٍ خفية» , أما المسؤول العندو نصيب الأسد من النهب، فتلقاهو طالع في التلفزيون بوجه مليان ورع مصطنع، يوزع على الناس صكوك الوطنية والأخلاق، ويقول ليهم- اصبروا على الجوع، الصبر مفتاح الفرج، ويمكن كمان باب الجنة
المواطن ما لاقي حق الرغيف، لكن المسؤول وأولادو عايشين في نعيم العواصم، والشركات والمصالح ماشّة من بلد لبلد
وبعدين يقول ليك- «المهم الوطن» , لكن المصيبة الحقيقية ما في الدراويش الجدد ديل بس.
المصيبة إنو الآية كلها اتقلبت
في زمن الدرواشة المقدسة، العقل والحكمة ذاتم بقوا الجن الكلكي
الزول البسأل سؤال منطقي بقى مشبوه , بالجد كدا , الزول البقول- «يا جماعة، ورونا الحسابات» بقى عامل مشكلة
الزول البسأل الحكومة- «القروش مشت وين؟» ممكن تلقاهو مارق عن الصف, والزول البقول- «خلونا نفكر شوية قبل ما نقرر» ممكن يتعاملوا معاهو كأنو جاب ليهم مصيبة
هم عايزين المواطن يكون مغمض عيونو، داير في حلقة ذكر سلطانية، يردد الهتاف حتى لو البلد ماشّة على الهاوية
العقل عندهم بقى تهمة , والحكمة بقت خروجاً على الطاعة , والسؤال بقى وقاحة , أما التصفيق، فبقى أعلى درجات الوطنية , عشان كده بقينا نشوف الحاجات العجيبة دي– كل ما زول حاول يستخدم عقله، يجيك واحد يقول ليك– «إنت مالك؟ خلّي الناس في حالها»,وكل ما زول بطالب بالشفافية والمحاسبة، تلقى الجماعة بدلاً من ما يردوا على السؤال، يقلبوا عليك السؤال ذاتو – , أنت تابع منو؟» ولا إنت عايز شنو؟ والاخطر انت , «إنت ضد البلد؟»
يا أخي نحن ما ضد البلد , نحن بس عايزين نعرف البلد دي ماشّة وين! , لكن في زمن الدرواشة، السؤال ذاتو بقى جريمة- والكارثة إنو الجهل ما بقى بس جهل؛ بقى عندو سلطة، وسلاح، ومنبر، وميزانية , بقى الجاهل ممكن يأمر العالم، والسارق ممكن يحاضر الناس عن الأمانة، والفاشل ممكن يديك درس في الوطنية، والناس المفروض تصفق , وبعد دا كلو، يقولوا ليك—– «دي حكمة القيادة»
أي حكمة دي؟ _ دي ما حكمة – دي درواشة لابسة بدلة، وماسكة قلم، وقاعدة فوق كرسي
وباختصار، بقينا عايشين في سيرك كبير- السراق فيه لابسين جلابيب الورع، والدراويش ماسكين مفاتيح الدولة، والحقيقة واقفة في النص ما لاقية زول يسمعها , الخرافة بتدخل من الباب الكبير، والعقل بطلع من الشباك
والزول البقول «خلونا نفكر» بقى محتاج يثبت إنو ما مجنون _ أما الزول البصدق أي حاجة طالما جاية من فوق، فده بقى العاقل , ياخ، في الزمن البقت فيهو الدرواشة دولة، العقل ذاتو ممكن يحتاج واسطة عشان يثبت إنو صاحي , ولله في خلق كراسينا شؤون!
