القارئ العربي والافريقي يجد نفسه في فلسفة بورديو وفوكو اكثر من دريدا ودولوز وليوتار
نسبة الي انحياز دريدا ودولوز الي
المشروع الثقافي الغربي ومحدودية
مخاطبة جنوب الكرة الارضية والهامش
هذه الملاحظة تحفر عميقاً في سوسيولوجيا التلقي؛ فهي تنفذ من المقولات الفلسفية المجردة لتسأل عن “الواقع المادي” الذي يجعل خياراً فكرياً ما مرغوباً ومستوعَباً في الجنوب العالمي (العالم العربي وإفريقيا)، بينما يبدو خيار آخر كأنه “ترف فكري غريب”.
إن انحياز القارئ العربي والإفريقي لـ بيير بورديو وميشيل فوكو على حساب (دريدا، دولوز، وليوتار) ليس مصادفة ثانوية، بل هو انعكاس لـ طبيعة المعاناة التاريخية والتركيبة الاجتماعية والمؤسسية للمنطقة.
يمكن تفكيك أسباب هذا التفضيل العميق عبر الأبعاد التالية:
- التماس المباشر مع “الجسد والمؤسسة والمكان” (فوكو وبورديو)
القارئ في مجتمعاتنا الكولونيالية وما بعد الكولونيالية يصحو يومياً على مواجهة مادية مع جهاز الدولة، قسم الشرطة، المدرسة المتهالكة، البيروقراطية، والتفاوت الطبقي الفاقع.
مع فوكو: يرى القارئ العربي والإفريقي نفسه في تحليل “المؤسسة العقابية، السجن، العيادة، المشفى، والجسد المحكوم بالسلطة”. سلطة فوكو ليست فكرة هائمة؛ إنها الشرطي الذي يقف في الشارع، وتأديب أجساد الطلاب في المدارس، والمقررات التي تفرضها الدولة. فوكو يعطيه أدوات تشريحية لـ “العنف المؤسسي العاري”.
مع بورديو: يرى القارئ كيف يعمل “التهميش، الهامش والمركز، التفاوت في رأس المال الثقافي، والتوريث الطبقي”. عندما يقرأ الإفريقي أو العربي بورديو، فهو لا يقرأ نظرية باردة، بل يقرأ قصة حياته وحياة أبنائه في دخول الجامعة، والتمييز اللغوي، والطبقية المتسترة بالشعارات. - “التجريد اللغوي” في مقابل “المادية السوسيولوجية” (دريدا ودولوز)
تتحرك فلسفات (دريدا، دولوز، وليوتار) في فضاء شديد المركزية الأوروبية (Eurocentric)، حيث صُمِّمت لتفكيك “أوهام الحداثة الغربية الفائقة”:
جاك دريدا (التفكيك اللغوي): أغرق الفلسفة في “النصية” (النص ولا شيء غير النص). القارئ الذي يعيش تحت وطأة الشح الاقتصادي وغياب الحريات والمؤسسات الصارمة يرى أن نقد النص واللعب بالدلالات والـ Différance هي “رفاهية لغوية”؛ فالجوع والتهميش السياسي ليسَا “نصاً يتفكك”، بل هما واقع مادي يضغط على الأجساد!
جيل دولوز (الريزوم والتعدد الأفقية): يفكك مفهوم “الذات الرأسمالية الغربية والتنوير”. لكن بالنسبة لإفريقي أو عربي يحاول “بناء الذات والمؤسسة والوطن” ابتداءً، فإن التفكيك الدائم لكل النوى والمراكز يبدو وكأنه يستهدف أداة التحرر نفسها قبل أن تكتمل!
جان فرانسوا ليوتار (موت السرديات الكبرى): يُعلن ليوتار موت “مشروعات التحرر الشامل والعدالة والمواطنة”. بينما الشعوب العربية والإفريقية ما زالت في أشد الحاجة لـ “سرديات كبرى” تمنحها الأمل في التحرر والتنمية والعدالة؛ وموت السرديات الكبرى عنده يترجم محلياً كـ “دعوة للاستسلام للواقع القائم”. - قابلية “الترجمة والنقل إلى أزمات الواقع”
مشروع فوكو وبورديو “قابل للاستخدام الميداني”:
أعطى فوكو وبورديو مفاهيم قابلة للتطبيق فوراً في أطروحات الماجستير والدكتوراة، والنقد السياسي المحلي: (الهابيتوس، رأس المال الرمزي، العنف الرمزي، الأجهزة الانضباطية، الميكرو-فيزياء للسلطة). الباحث في الخرطوم، القاهرة، الجزائر، أو نيروبي يستطيع التفكير بهذه الأدوات لكتابة دراسة ميدانية عن “المدرسة” أو “السجن” أو “الصحة”.
مشروع التفكيك ودولوز “عصي على الاستزراع الميداني”:
من الصعب تحويل مفهوم “التفكيك الكلي للغة” عند دريدا إلى استراتيجية نقدية لبنية الدولة الاستبدادية أو نمط الإنتاج الريعي دون الوقوع في التجريد الفلسفي المحض الذي ينفصل عن الشارع. - المسار التاريخي: السوسيولوجيا كـ “سلاح تحرر”
في العالم الثالث، تُطلب الفلسفة والسوسيولوجيا لسبب أساسي: “التغيير والتحرر” (Emancipation).
فوكو وبورديو: برغم سوداوية فوكو وتفكيكية بورديو، إلا أنهما يقدمان “كشفاً فاضحاً لآليات الهيمنة”. وعي الفاعل الاجتماعي بالهيمنة عند بورديو، وتفكيك الخطاب عند فوكو، يمنحان المفكر الإفريقي والعربي “وعياً بالمرض” تمهيداً لمقاومته.
ما بعد الحداثة المطلقة (دريدا/ليوتار): تُتهم غلباً في الجنوب العالمي بأنها تقع في “العدمية والنسبية الأخلاقية”؛ فإذا كانت كل الحقائق مجرد تأويلات، ولا توجد قضية عادلة مركزية، يتساوى المستعمِر والمستعمَر، والدكتاتور والضحية، تحت غطاء “تعدد القراءات”!
القارئ العربي والإفريقي يفضل فوكو وبورديو لأنهما يمنحانه “مشرطاً جراحياً لتشريح الواقع والمؤسسة والجهاز الطبقي”، بينما يرى في دريدا ودولوز وليوتار “فلاسفة رفاهية غربية”؛ يقفون على أنقاض الحداثة المكتملة في باريس ليفككوا اللغويات والأنظمة الذهنية، في وقتٍ ما زال فيه العالم الثالث يقاتل للوصول إلى أبسط مقومات العقلانية والعدالة والمؤسسة.
نفس الظاهرة تنتقل بتمظهر اخر ، هو اهتمام النخبة العربية بفوكو علي حساب بورديو والتي نفككها هنا:
- “عقدة باريس” والتمايز باللغة
بورديو نفسه حلل في كتابه “إعادة الإنتاج”
كيف تُمثّل اللغة والأناقة الأسلوبية سلاحاً
للتمييز الطبقي والأكاديمي.
النخبة العربية التي درست في باريس
عادت وهي تحمل “اللغة المعقدة” و”المصطلحات
الفلسفية الباريسية” كـ رأس مال رمزي يمنحها
التميز في الجامعات العربية والندوات الثقافية.
تطبيق أطروحة بورديو على هذه الظاهرة يعني
اعترافهم بأن امتيازهم اللغوي والفلسفي ليس
سوى “عنف رمزي” يمارسونه على بقية المثقفين
أو الطلاب الذين لم تسعفهم ظروفهم الاجتماعية
بالوصول إلى “الربيع الباريسي”.
لقد هرب المثقف والنخبوي العربي إلى
“فوكو” لأنه يمنحه سيفاً يقاتل به الدولة والشرطة
والأنظمة، بينما تجنب “بورديو” لأنه مرآة فاضحة
تعري امتيازاته الطبقية والثقافية!
لقد كان فوكو يتيح للنخبة أن تتحدث بلسان
“الضحية المقاومة”، بينما كان بورديو يهدد
بتحويلها—في قاعة الدرس والمؤسسة
الثقافية—إلى “شريك في الجريمة وفي
إعادة إنتاج الهيمنة”!
عبداللطيف سويكت
