تاريخ المهديّة الاجتماعي، الجزء الثاني
المعارضون والمُسلَمون كرهاً والرقيق والجهادية وطريق كتشنر إلى كرري (1881–1898)
د. الرشيد خليفة
حين يصبح الخلاص خلافاً
في الجزء الأول رأينا مجتمعاً يُعاد تشكيله بالمنشور والسوط، وفي هذا الجزء نرى الوجه الآخر، الذين رفضوا، والذين أُكرهوا، والذين قُتلوا أو سُجنوا أو نُفوا، والذين بيعوا واشتُروا وجُنّدوا. وهي قصة تبدأ من السؤال الذي لا يحبه المتحمسون للمهديّة ولا يحسن خصومها الإجابة عنه، كيف تحولت ثورة استقطبت أغلب السودانيين في 1884 إلى دولة لم يدافع عنها كثير منهم في 1898؟ والجواب لا يكمن في كرري وحدها، بل، في ثلاث عشرة سنة سبقتها، كانت الدولة فيها تنفق رصيدها الاجتماعي كما ينفق الوارث الذي لا يخشى الفقر مال أبيه، ثم تستغرب حين تجد الخزانة خاوية يوم الحاجة.
خريطة المعارضين السودانيين، تصنيفٌ للرافضين
لم يكن معارضو المهديّة من السودانيين كتلة واحدة، بل، شرائح متباينة الدوافع، يمكن تصنيفها في فئات متداخلة، مع التنبيه إلى أن الفرد الواحد أو القبيلة الواحدة قد تنتمي إلى أكثر من فئة، وأن الموقف تغيّر عند كثيرين بين مرحلتي الثورة والدولة، فمن كان أنصارياً في شيكان قد يصير معارضاً في المتمة، ومن عارض في الأبيض قد يبايع في أم درمان حين لا يجد بداً من البيعة [1].
أهل الحكم السابق ومصالحه
في مقدمة المعارضين من ارتبطت أرزاقهم ومكانتهم بالحكم التركي المصري، من الموظفين والكتبة والجنود السودانيين في الجيش النظامي والباشبوزق، وأبرزهم الشايقية الذين كانوا منذ الفتح التركي حلفاء الحكومة وعماد فرسانها غير النظاميين، فقاتلوا المهديّة في الخرطوم وغيرها، ونال كثيرون منهم القتل عند سقوطها [2]. ولم يكن موقف الشايقية ولاء عاطفياً للترك، بل، حساباً واقعياً، فقد بنوا لأنفسهم موقعاً امتيازياً في النظام القديم، وكان سقوطه يعني سقوطهم. ويلحق بهم بعض المشايخ وزعماء القبائل الذين منحتهم الحكومة ألقاباً وأراضي وامتيازات ضريبية، كآل أبي سن زعماء الشكرية، الذين حمل كبيرهم عوض الكريم لقب «باشا» من الحكومة الخديوية، ولنا معه عودة.
التجار والجلابة
وقف التجار من المهديّة مواقف متقلبة. فجلابة الغرب وتجار الرقيق كان كثير منهم في طليعة المؤيدين، إذ رأوا في الثورة خلاصاً من حملات الحكومة التركية المصرية على تجارتهم. غير أن تجار النيل والمدن الكبرى الذين قامت تجارتهم على الصلة بمصر والبحر الأحمر، كتجار الخرطوم وبربر وسواكن، تضرّروا ضرراً بالغاً من قطع الطرق التجارية واحتكار بيت المال للسلع الكبرى ومصادرة الأموال وتدهور العملة [1]. فتحوّل كثير منهم إلى معارضين صامتين، يدفعون ما يُطلب منهم ويهرّبون ما يستطيعون ويراسلون مصر إن وجدوا سبيلاً، وكانوا من أول من رحّب بالجيش القادم من الشمال، لا حباً في الإنجليز، وإنما حباً في طريق مصر وسوقها.
العلماء الرسميون
وعارض المهديّة منذ ظهورها كثير من العلماء المرتبطين بالمؤسسة الدينية الرسمية للحكم التركي، وعلى رأسهم الشيخ الأمين محمد الضرير، شيخ علماء السودان في الخرطوم، والشيخ شاكر الغزي، والشيخ أحمد الأزهري ابن الشيخ إسماعيل الولي من علماء الأبيض، الذي كتب في تفنيد الدعوى، ثم خرج مع القوات الحكومية فقُتل في المواجهات الأولى عام 1882 [3]. وكان هؤلاء يرون في دعوى المهدية خروجاً على ما استقر عليه أهل السنة في علامات المهدي المنتظر، وفي إلغائه للمذاهب والكتب خطراً على العلم كله. وردّ المهدي عليهم في منشوراته ردوداً قاسية، واصفاً إياهم بعلماء السوء الذين باعوا دينهم للترك [4]. فكانت المعركة بين الطرفين معركة على من يملك تفسير الإسلام، وانتهت، كما تنتهي عادة مثل هذه المعارك، لصالح من يملك السيف.
الطرق الصوفية، وفي مقدمتها الختمية
لم تقف الطرق الصوفية موقفاً واحداً من المهديّة، فبعض مشايخها انضم إليها، كالشيخ الطاهر المجذوب من المجاذيب في الدامر، وبعضها انقسم، وبعضها عارضها معارضة صريحة [3]. ومن أعجب المعارضين الشيخ محمد شريف نور الدائم، شيخ المهدي نفسه في الطريقة السمانية، الذي طرده من الطريقة قبل ظهوره بسنوات بسبب خلاف مشهور، إذ أقام الشيخ احتفالاً بختان أبنائه فيه غناء ولهو، فاعترض المهدي وعدّه منكراً، فغضب شيخه وطرده، ولما أعلن المهدي دعوته أنكرها الشيخ محمد شريف، ثم عاش بعد انتصار المهدية في أم درمان تحت المراقبة [1]. والقصة تكاد تكون نكتة تاريخية مكتملة الأركان، فالمريد الذي طُرد لأنه اعترض على الغناء في حفل ختان، عاد بعد سنوات فحرّم الغناء على السودان كله، فكأن ثورة كاملة قامت، في بعض طبقاتها، لتصفية حساب قديم مع فرقة موسيقية.
أما الطريقة الختمية فكانت أشد الطرق عداءً للمهديّة وأكثرها تضرراً منها. فقد أدخلها إلى السودان السيد محمد عثمان الميرغني الختم في مطلع القرن التاسع عشر، وانتشرت في الشمال والشرق، وصارت كسلا مركزها الروحي، وربطتها بالحكم التركي علاقة وثيقة [3]. ولما قامت المهديّة، رفض السيد محمد عثمان الميرغني الثاني، زعيم الطريقة آنذاك، دعوى المهدي، ووقف أتباعه مع الحكومة، وانسحب هو إلى سواكن ثم إلى مصر، حيث توفي عام 1886 [5]. وحين سقطت كسلا في يد الأنصار عام 1885 لحق الخراب بمركز الختمية فيها، وتعرّض أتباعها للمطاردة والمصادرة، وصار الانتماء إلى الختمية تهمة تكفي للاتهام بموالاة الترك [5].
وللعداء بين الختمية والمهديّة جذور أعمق من الموقف الآني، فالمهديّة ألغت الطرق جميعاً، لكن الختمية كانت أكبرها وأغناها وأوثقها صلة بالسلطة، وكانت دعوى المهدي تهديداً مباشراً لمكانة البيت الميرغني بوصفه مرجعية روحية عليا [5]. ولم ينتهِ هذا العداء بسقوط الدولة المهدية، بل، ورثه القرن العشرون كله في صورة التنافس بين طائفتي الأنصار والختمية، ثم بين حزب الأمة والاتحاديين، فصارت الخصومة بين الراتب والوِرد الختمي من أطول الخصومات عمراً في التاريخ السياسي السوداني، تبدّلت فيها الوجوه والأحزاب والأنظمة، وبقيت الخصومة شابة لا تشيخ.
المتذمرون من الجباية والتهجير
وتشمل هذه الفئة الفلاحين في الجزيرة وضفاف النيل الذين تحمّلوا عبء إطعام العاصمة والجيش، والرعاة الذين صودرت مواشيهم، والقبائل التي أُمرت بالهجرة إلى أم درمان أو بترك ديارها لأسباب عسكرية [1]. وكانت سياسة «التهجير» التي اتبعها الخليفة، أي إلزام القبائل بالقدوم إلى أم درمان والإقامة فيها تحت عين الدولة، من أشد ما أثار السخط، إذ كانت تعني ترك الأرض والمرعى والمقابر والذاكرة، والعيش في مدينة جائعة غريبة [6]. وإذا كان الترك قد جاءوا إلى الناس في ديارهم ليجبوا الضرائب، فقد أصبح على الناس في عهد الخليفة أن يحملوا أنفسهم وأنعامهم وأطفالهم ويأتوا بها إلى الجابي، في أعجب نظام «جباية ذاتية» عرفه السودان.
أولاد البلد في مواجهة أولاد الغرب
ومن أعمق خطوط الانقسام في مجتمع الدولة المهدية الانقسام بين «أولاد البلد»، أي أهل النيل الشمالي والأوسط من الجعليين والدناقلة ومن إليهم، و«أولاد الغرب» أو «أولاد العرب»، أي البقارة من التعايشة وغيرهم [1]. فالمهدي نفسه دنقلاوي النسب من أهل النيل، وأقرباؤه «الأشراف» من أولاد البلد، وكان كثير من كبار قادة الثورة منهم. فلما آلت الخلافة إلى عبد الله التعايشي، وهو بقاري من غرب دارفور، أخذ يستند إلى قبيلته وحلفائه من البقارة، ويقرّبهم في المناصب والجيش، ويهمّش أولاد البلد، فتولّد لدى هؤلاء شعور بأن الثورة التي قادوها قد اختُطفت، وأنهم حرّروا البلد من الترك ليسلّموه إلى غيرهم. وسيكون هذا الشعور من أهم أسباب انفضاض كثيرين عن الدولة عند نهايتها.
الذين لم يصدّقوا الدعوة أصلاً
وتبقى فئة لم تتحدث عنها المصادر كثيراً لأنها لم تكن تملك منبراً، أولئك الذين لم يصدّقوا دعوى المهدية من الأساس، لا لمصلحة ولا لطريقة، وإنما لأن عقولهم لم تقتنع بأن هذا الرجل الخارج من جزيرة أبا هو المهدي المنتظر. وهؤلاء كانوا يبايعون حين يُكرهون، ويصلّون خلف الأنصار حين يُطلب منهم، ويحتفظون برأيهم لأنفسهم، وقد عبّر بعضهم عن ذلك بعد السقوط بصراحة لم تكن ممكنة قبله [7]. ومن أبلغ الأصوات التي عبّرت عن هذه الروح شاعر البطانة الحاردلو، الذي نفرد له ولشعره في الخليفة فصلاً خاصاً في هذا الجزء.
الأجانب وغير المسلمين، إسلامٌ تحت ظلّ السيف
حين سقطت الأبيض عام 1883 ثم الخرطوم عام 1885، وقع في يد الأنصار عدد من الأجانب وغير المسلمين الذين كانوا يعيشون في السودان، فخُيّروا في الغالب بين الإسلام والموت، أو عُرض عليهم الإسلام بصيغة لا تحتمل الرفض، فأعلن أغلبهم إسلامه وحمل اسماً إسلامياً ولبس الجبة المرقّعة [8]. وكانت أسباب وجودهم في السودان متعددة، فمنهم الموظفون والضباط الأوروبيون في خدمة الحكومة الخديوية، والمبشرون في الإرساليات الكاثوليكية، والتجار اليونانيون والشوام، والأقباط المصريون والسودانيون الذين عملوا كتبة ومحاسبين، وبعض الأسر اليهودية التي اشتغلت بالتجارة [6].
الأوروبيون
أشهر هؤلاء رودولف سلاطين، النمساوي الذي كان مديراً لدارفور زمن التركية، وكان قد أعلن إسلامه صورياً ليحفظ ولاء جنوده، ثم استسلم أواخر عام 1883، فحمل اسم عبد القادر، وعاش في أم درمان أحد عشر عاماً ملازماً للخليفة، يقف على بابه حافي القدمين، حتى هرب عام 1895 إلى مصر ليكتب «السيف والنار في السودان» [9]. ومنهم فرانك لوبتون، البريطاني الذي كان مديراً لبحر الغزال، فاستسلم عام 1884، وحمل اسم عبد الله، وعاش أسيراً في أم درمان حتى مات فيها عام 1888 [9]. ومنهم الأب جوزف أُروالدر، القس النمساوي من إرسالية فيرونا، الذي أُسر مع راهبات الإرسالية في جبال النوبة عام 1882، وعاش في الأسر عشر سنوات يعمل ويتحايل، حتى هرب عام 1891 مع راهبتين [10]. ومنهم التاجر الألماني كارل نيوفيلد، الذي أُسر عام 1887 وقضى جانباً كبيراً من أسره في سجن الساير مكبّلاً بالحديد، ولم يُطلق سراحه إلا حين دخل جيش كتشنر أم درمان عام 1898 [11]. وينبغي التمييز بين هؤلاء المُكرَهين وقلة جاءت طوعاً، كالصحفي الفرنسي أوليفييه بان الذي قصد المهدي عام 1884 متعاطفاً ومات في الطريق، والألماني غوستاف كلوتز، خادم سلاطين، الذي فرّ إلى معسكر المهدي بإرادته [9].
اليونانيون والشوام والأقباط واليهود
كان اليونانيون أكبر الجاليات الأوروبية في السودان، أغلبهم تجار صغار ومتوسطون في الخرطوم والأبيض وبربر، فأُسلم أكثرهم، وتزوّجوا نساء سودانيات أو زُوّجوا، واشتغلوا في السوق وبعض الحرف، وكان بعضهم يعمل للدولة في أعمال تحتاج إلى مهارة [10]. وكان الشوام والأقباط أقل عدداً لكنهم أكثر حضوراً في الكتابة والحساب، فاستعانت بهم الدولة في دواوينها، وقد ترك لنا القبطي السوداني يوسف ميخائيل مذكرات نادرة عن حياة الأقباط في تلك المرحلة، وكيف تعاملوا مع الإسلام المفروض عليهم، وكيف عاد كثيرون منهم إلى دينهم بعد السقوط [12]. أما اليهود فكانوا بضع أسر قليلة أُسلمت هي الأخرى، وعاد بعضها بعد سقوط الدولة إلى اليهودية، فكانت من نواة الجالية اليهودية التي عرفتها أم درمان والخرطوم في القرن العشرين.
وسكن كثير من هؤلاء المُسلَمين حياً في أم درمان عُرف بالمسالمة، وهي تسمية تحمل من الدلالة ما يغني عن التعليق، فالمجتمع لم ينسَ أنهم أسلموا حديثاً، ولم يدعهم ينسون [6]. وقد بقي الاسم بعد أن زال سببه، شاهداً على أن الأحياء تحفظ التاريخ أحسن مما تحفظه الكتب المدرسية.
الراهبات، خيارٌ بين زواجين
وكانت أصعب الحالات حالة راهبات إرسالية فيرونا اللواتي وقعن في الأسر، إذ كان مصيرهن المحتمل التوزيع على الأمراء بوصفهن غنيمة. فلجأت بعضهن، بتدبير من القساوسة الأسرى، إلى القبول بزيجات صورية من أسرى يونانيين مُسلَمين، حمايةً لهن من الزواج الحقيقي بالأنصار [10]. وأشهر هؤلاء وأشدّهن مأساة تيريزا قريقوليني، الراهبة الإيطالية من جمعية «الأمهات الورعات للنيقريزيا» أو جمعية الراهبات المرسلات الكمبونيات التي أسسها دانيال كمبوني في فيرونا. نذرت نذورها الرهبانية عام 1876، ووصلت إلى بربر في مارس 1878، ثم أقامت في الخرطوم حتى أبريل 1880، ومنها انتقلت إلى الأبيض رئيسةً لراهبات الإرسالية [13]. ولم تُؤسر لجرم ارتكبته، بل، لأنها كانت أوروبية مسيحية في الأبيض حين اجتاحتها الثورة، فوقعت مع رفاقها من رجال الإرسالية وراهباتها في يد الأنصار، في أواخر 1882 بحسب أغلب الروايات، وتؤرخه روايات أخرى بسقوط الأبيض في يناير 1883، وطولبت مع الأخريات بترك دينها فأبت. ثم أُكرهت الراهبات على الزواج، فعُقدت زيجات صورية مع أسرى يونانيين، حتى إذا مضت سنوات دون أن يولد لهن ولد صار لازماً، في تقدير الأب أُروالدر، أن يُتمّ أحد تلك الزيجات ويثبته مولود ينقذ الجماعة كلها، فوقع الاختيار على تيريزا بحكم رئاستها، فقبلت على كره، وتزوجت اليوناني ديمتري كوكوريمباس، ممثل الأسرى اليونانيين الذين أسلموا صوريا في أم درمان، وأنجبت منه ثلاثة أولاد ماتت منهم طفلة في الثالثة [14]. ولما سقطت الدولة عام 1898 عاد الأسرى إلى حياتهم السابقة، فرجعت الراهبات إلى ديرهن، ورجع الآخرون إلى أهلهم وبلدانهم، إلا تيريزا، إذ كتبت في مذكراتها أنه لم يعد لها دير ولا أسرة، وأن عبوديتها ستدوم حتى الموت [14]. ومرادها بالدير أنها لم تعد تستطيع الرجوع راهبةً إلى جمعيتها بعد أن صار زواجها زواجاً كنسياً قائماً، ومرادها بالأسرة بيت أبيها في فيرونا، إذ لم يعد في وسعها أن ترجع إليه ابنةً كما خرجت منه، وهي زوجة وأم. أما العبودية فقصدت بها ارتباطها مدى الحياة بديمتري كوكوريمباس، الرجل الذي لم تختره ولم تحبه، وإنما شدّها إليه الأولاد الذين أنجبتهم منه [14]. وقد صار كوكوريمباس رجلاً عنيفاً، فصبرت عليه وتولت تمريضه في مرضه الطويل حتى مات عام 1915، ثم طلبت أن تعود إلى جمعيتها فرفضت الجمعية طلبها، فعاشت آخر سنواتها في بيت أخيها القسيس بقريتها مامبروتا قرب فيرونا [13]. ولم تُقبل رفاتها في مقبرة الراهبات الكمبونيات إلا عام 1995، بعد أكثر من ستين عاماً على وفاتها [14]. فكانت من القلائل الذين لم يحررهم سقوط المهدية، لأن قيدها لم يكن من حديد الساير، بل، من رباط أمومة لم تختره.
كيف تحايلوا وماذا كانت خياراتهم
لم تكن أمام هؤلاء الأسرى المسيحيين خيارات كثيرة. فالرفض كان يعني القتل أو السجن الطويل، والقبول كان يعني الحياة مع الذل والمراقبة، والهرب كان مغامرة خطرة عبر الصحراء تحتاج إلى أدلاء ومال وصلة بالخارج [8]. فاختار أغلبهم الإسلام الظاهر مع الاحتفاظ بدينهم في السر، يصلّون مع الأنصار في المسجد ويؤدّون صلواتهم المسيحية في البيوت، ويحفظون الراتب ويرتّلونه بإتقان يحسدهم عليه بعض الأنصار، ويحيون أعيادهم سراً داخل بيوتهم بعيداً عن أعين الرقباء. وقد نسج مكتب الاستخبارات المصرية بقيادة ونجت شبكة من الأدلاء والتجار لتهريبهم، فنجح أُروالدر في الهرب عام 1891، والقس روسينيولي عام 1894، وسلاطين عام 1895 [8]. وكان هروبهم ضربة دعائية للدولة المهدية، إذ كتبوا كتباً صارت في أوروبا المصدر الأول عن السودان، ومهّدت الرأي العام البريطاني لحملة الاسترداد، فكان كل أسير هارب كتيبة إعلامية كاملة التسليح.
غير المسلمين من السودانيين
أما غير المسلمين من السودانيين، كجماعات من النوبة في الجبال، والدينكا والشلك والنوير وسواهم في الجنوب، فلم يكن إسلامهم مسألة عقيدة بقدر ما كان مسألة أسر واسترقاق. فمن وقع منهم في الأسر في حروب المهدية أو غاراتها صار رقيقاً في بيت المال أو لدى الأمراء، وجُنّد الرجال منهم في الجهادية، والنساء في البيوت، وكان الإسلام يُلحق بهم بحكم الوضع لا بحكم الاقتناع [15]. والمفارقة أن هؤلاء كانوا من أشد جنود الدولة بأساً في حروبها، وأنهم، حين جاء كتشنر، كانوا كذلك من أشد جنود جيشه بأساً، في الكتائب السودانية التي جُنّد كثير من أفرادها من أسرى المهدية والفارّين منها [15].
القبائل التي حاربتها المهدية
حاربت الدولة المهدية، ولا سيما في عهد الخليفة، طائفة واسعة من القبائل السودانية، وكانت الأسباب تتراوح بين رفض البيعة أو رفض الهجرة إلى أم درمان، والخروج على الدولة، وقطع الطرق، والامتناع عن دفع الزكاة والعشور، والاتهام بموالاة الترك [1]. ويمكن إجمالها فيما يلي.
الكبابيش في شمال كردفان، أكبر قبائل الإبل وأغناها، قامت حياتهم على تجارة القوافل مع مصر، فكانت الثورة التي قطعت طريق مصر قطعاً لرزقهم، فعارضوها منذ البداية، وأعدم المهدي منهم التوم وسالم ابني فضل الله بالأبيض عام 1883، ثم حاربهم الخليفة حتى قُتل زعيمهم صالح فضل الله عام 1887 [1].
والشكرية في البطانة، وناظرهم عوض الكريم باشا أحمد أبو سن، شقيق الشاعر الحاردلو، الذي استُدعي إلى أم درمان فلم يبايع كما أُريد له، فسُجن حتى مات في سجنه عام 1886 [1].
والرزيقات في جنوب دارفور، وزعيمهم مادبو علي، الذي كان من أوائل من رفعوا راية المهدية في دارفور، ثم وقع الخلاف بينه وبين قادة الخليفة، فقُتل عام 1887 [9].
والفور، إذ حاول السلطان يوسف إبراهيم إحياء سلطنة دارفور، فحاربته المهدية حتى قُتل في جبل مرة عام 1888 [1].
وتحالف القبائل الغربية الذي قاده أبو جميزة عام 1888، من المساليت والفور وغيرهم، في ثورة واسعة كان منع الحج من مظالمها، وانتهت بموت أبي جميزة بالجدري وهزيمة أتباعه أمام الفاشر في فبراير 1889 [1].
والبطاحين في شرق النيل الأزرق، الذين فرّ بعضهم من جيش النجومي في سنوات الجوع وقطعوا الطرق، فعاقبهم الخليفة بعقوبة الحرابة، القتل والصلب والقطع من خلاف، في سوق أم درمان [16].
والهبانية من البقارة، الذين طوردوا لرفضهم الهجرة، وهو ما يدل على أن عنف الدولة لم يكن موجهاً إلى أهل النيل وحدهم، بل، طال البقارة أنفسهم إذا عصوا [1].
والشلك على النيل الأبيض، الذين رفض ملكهم دفع ما طُلب منه في سنوات المجاعة، فحاربهم الزاكي طمل عامي 1890 و1891 وقُتل ملكهم [1].
والنوبة في جبال جنوب كردفان، إذ شنّ حمدان أبو عنجة حملات على الجبال التي رفضت الخضوع، ومنها جبل تقلي، وأُخذت منهم أعداد كبيرة رقيقاً وجنوداً للجهادية [1].
والجعليون في المتمة، الذين رفضوا أمر الخليفة بإخلاء مدينتهم ومخازن الذرة لجيش محمود ود أحمد عام 1897، فكانت «كتلة المتمة» في الأول من يوليو 1897، إذ اقتحم محمود المدينة واستباحها وقتل زعيمها عبد الله ود سعد وأعداداً كبيرة بالآلاف من أهلها، وألقت نساء كثيرات بأنفسهن في النيل وصار الأطفال غنيمة لبيت المال ثم هُجّر الآلاف من الجعليين والشايقية إلى أم درمان [16]. وهي الحادثة التي حفرت في ذاكرة الجعليين جرحاً لم يندمل، وجعلت كثيرين منهم بعد أشهر قليلة يقاتلون في صف كتشنر.
ويضاف إلى هؤلاء الأشراف، أقرباء المهدي أنفسهم، الذين ثاروا في أم درمان في نوفمبر 1891، وسنعود إليهم في حديث الأمراء. وإذا نظرنا إلى هذه القائمة مجتمعة، وجدنا أن الدولة التي قامت لطرد الغازي الأجنبي قضت جلّ عمرها تحارب رعاياها، حتى صار الجهاد في عهد الخليفة، في أغلب أيامه، جهاداً داخلياً بامتياز.
زعماء القبائل الذين سُجنوا أو نُفوا أو قُتلوا
وإذا جمعنا مصائر زعماء القبائل في قائمة واحدة ظهرت صورة لدولة تتعامل مع الزعامة المحلية بوصفها منافساً يجب احتواؤه أو استئصاله [1]. فمن القتلى التوم وسالم فضل الله من الكبابيش (1883)، وصالح فضل الله (1887)، ومادبو علي زعيم الرزيقات (1887)، والسلطان يوسف إبراهيم من بيت سلاطين الفور (1888)، وملك الشلك (1891)، وعبد الله ود سعد زعيم الجعليين في المتمة (1897). ومن الذين ماتوا في السجن عوض الكريم باشا أحمد أبو سن ناظر الشكرية (1886). وتذكر روايات سودانية آخرين طالتهم التصفية دون تاريخ موثّق أو تفصيل معروف، كعساكر أبو كلام ناظر الجمع، الذي كان قد آوى أسرة الخليفة نفسه في شبابه، والمنّا إسماعيل زعيم الجوامعة، وآدم أم دبالو ملك تقلي، وهي روايات تحتاج إلى مزيد من التحقيق الوثائقي.
وكان نقل الأسر الحاكمة المهزومة إلى أم درمان أسلوباً مألوفاً، فقد نُقلت أميرات بيت سلاطين الفور إلى أم درمان بعد سقوط الفاشر، وانتهت كثيرات منهن في بيوت الأمراء [9]. وهكذا كانت أم درمان عاصمة وسجناً في آن، يجتمع فيها أبناء الزعماء المقتولين وأراملهم تحت عين الدولة، لا يُسمح لهم بالعودة إلى ديارهم خشية أن يعودوا بثأرهم، فكانت المدينة المقدسة، في أحد وجوهها، أكبر معتقل مفتوح في أفريقيا.
الحاردلو، شاعر البطانة في حضرة الخليفة
وإذا كانت المصادر المكتوبة قد حفظت لنا أسماء المعارضين ومصائرهم، فقد حفظ لنا الشعر الشعبي ما هو أثمن، مشاعرهم. وأبلغ من عبّر عن تلك المشاعر شاعر البطانة الأشهر محمد أحمد عوض الكريم أبو سن، المعروف بالحاردلو، المولود عام 1830 والمتوفى عام 1916 في أشهر الروايات [17]، وتذكر رواية أخرى أن وفاته كانت عام 1918 [18]. وأبوه أحمد بك عوض الكريم أبو سن (1790–1870)، من أكبر شخصيات البطانة في العهد التركي، منحته الحكومة لقب «بك» وجعلته شيخ مشايخ، وكان أول سوداني يتولى مديرية الخرطوم [19]. أما جده فهو عوض الكريم بن علي، ناظر الشكرية من 1779 إلى 1802، الذي عُرف بأبي سن لأن إحدى أسنانه الأمامية كانت سوداء، فصار اللقب اسماً للبيت كله، وقد قُتل في معركة مع البطاحين في شمبات عام 1802 [20]، أي قبل مولد حفيده الشاعر بنحو ثلاثين عاماً، وقبل ظهور المهدي بنحو ثمانين. فلا الجد قُتل في المهدية، ولا حمل لقب الحاردلو، وإنما كان الذي مات في عهد الخليفة شقيق الشاعر الأكبر، عوض الكريم باشا أحمد أبو سن، ناظر الشكرية، الذي استدعاه الخليفة إلى أم درمان ليقدّم فروض الولاء فأعرض، فاعتُقل وحُبس حتى مات في سجنه عام 1886 [20]. ومن مفارقات التاريخ أن البطاحين الذين قتلوا الجد في شمبات عادوا بعد قرن تقريباً ضحايا لسيف الخليفة في سوق أم درمان، فكأن الدولة المهدية قضت، دون أن تدري، ثأراً قديماً لبيت أبي سن، ثم أضافت إلى سجلّ البيت ثأراً جديداً.
ويروي أسعد الطيب العباسي أن زعماء الشكرية تخلّصوا في عهد المهدي من ولائهم للعهد التركي في لباقة وهدوء، فلم يصبهم أذى كبير، لكن الخليفة نكّل بهم قتلاً واعتقالاً بعد وفاة المهدي، لأنهم وقفوا مع الأشراف في خلافهم معه، فاعتُقل الحاردلو، ثم أُطلق سراحه بعد أن نال رضا الخليفة، فجعله الخليفة تابعاً يحمل إبريق وضوئه وفروة صلاته ويمشي خلف دابته [19]. فتأمّل شاعراً نشأ في نعيم البادية وسلطانها، يمشي خلف حمار الخليفة حاملاً الإبريق، ثم تأمّل ما يمكن أن يجول في رأسه من قوافٍ وهو يمشي.
وتكشف رسالة كتبها الزاكي عثمان، أمير بربر، إلى الخليفة في الثاني من يناير 1891 عن الدرك الذي بلغه الحال، إذ يذكر أن الحاردلو، وكان يومئذ في طوكر مع عثمان دقنة، ألجأته الضرورة في أيام الضيق إلى بيع سيفه الأصيل المعروف بأبي نامة بثلاثة أرباع من العيش، فتداولته الأيدي حتى بلغ ثمنه مئة ريال، فاشتراه الأمير على ذمة ردّه إلى صاحبه، فأمر الخليفة بإعادة السيف إليه ومعه هدية مئة ريال، ووصفه في خطابه بأنه من «رجال الدين المحبين» [21]. فالسيف الذي ورثه فارس من بيت زعامة يُباع بربع جوال ذرة، ثم يعود إليه منّة من الدولة، وهي صورة مكثفة لما فعلته المهديّة بأعيان البادية، أفقرتهم ثم تكرّمت عليهم بما أخذت منهم.
ولحكاية سيف الحاردلو أخت جاءت بعدها بنحو ثلاثين عاماً، تُقرأ معها كما يُقرأ صدر البيت مع عجزه. ففي عام 1919 سافر إلى لندن وفد من أعيان السودان برئاسة السيد علي الميرغني ليهنئ الملك جورج الخامس بانتصار بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان بين أعضاء الوفد السيد عبد الرحمن المهدي، ابن الإمام محمد أحمد المهدي الذي وُلد بعد وفاة أبيه بأسابيع. ويروي السيد عبد الرحمن في مذكراته أنه قابل ملك الإنجليز وقدّم إليه سيفاً هديةً ورمزاً للصداقة، فقبل الملك السيف ثم ردّه إليه قائلاً: «احتفظ بهذا السيف لك ولأولادك» [22]. ولا يذكر السيد عبد الرحمن في روايته أن السيف سيف أبيه، غير أن المصادر تذكر أنه سيف الإمام المهدي [23]، وهو المرجح، فالسيد عبد الرحمن لم يكن له سيف من سيوف المهدية إلا ما ورثه، إذ كان في الثالثة عشرة من عمره يوم كرري. فهذان سيفان خرجا من يدي صاحبيهما ثم عادا إليهما بأمر صاحب السلطان. خرج سيف الحاردلو بالجوع، فردّه الخليفة الذي أفقر الحاردلو. وخرج سيف المهدي بالسياسة، فردّه الملك الذي أسقط جيشُه دولةَ المهدي في كرري. وفي المرتين كان ردّ السيف أبلغ من أخذه، لأن السلطان لا يعيد السيف إلى صاحبه إلا حين يطمئن إلى أن صاحبه لن يرفعه في وجهه.
ثم أكمل السيد عبد الرحمن الدائرة بعد سبعة وعشرين عاماً، فاستأذن ونستون تشرشل عام 1946 في ترجمة كتابه «حرب النهر»، وهو الكتاب الذي كتبه تشرشل بعد أن شهد معركة كرري ضابطاً في جيش كتشنر، ووصفه السيد عبد الرحمن لتشرشل بأنه كتاب “عادل نسبياً” رغم الظرف العدائي الذي كُتب فيه، فأهدى تشرشل نسخة بإمضائه للسيد عبد الرحمن وطلب منه نسخه مترجمة عليها توقيعه [22]. فالسيف الذي هُزم في كرري ذهب هديةً إلى ملك المنتصرين، والكتاب الذي أرّخ لتلك الهزيمة صار في نظر ابن المهدي جديراً بأن يُقرأ بالعربية. وفي ذلك سياسة رجل أدرك أن زمن السيف قد انقضى، وأن معركة الاستقلال ستُخاض بالقلم والتفاوض، فأهدى السيف واستأذن في ترجمة الكتاب.
وحين سُجن الخليفة محمد شريف حامد ابن عم المهدي، وقف الحاردلو أمام الخليفة عبد الله يشفع له، فأنشد [18]:
فوقْ لَقَى فوق مَحَنْ في الجَّاية ما بتتمحَّنْ
وفرَّاج كُربة الهمَّ القَبايلُو يزحَّنْ
وَكِتْ حَسَانتك أسّيتن قِبيل ما صَحَّن
صَبر أيوب بتتقلبُو الليالي إن شَحَّنْ
يمدح الشاعر هنا الخليفة بانه ثابتاً ومقداماً، فيقول إنه مترفع ومستعلٍ سواء في حال “اللقى” (الرخاء والغنيمة) أو في حال “المحن” (المصائب والشدائد). وفي الأيام القادمة لن تتمكن منه الظروف والشدائد. وعندما واجه السيئات والشدائد “أسّيتن”، أي عالجها واستوى أمرها فاصبحت صحيحة بحكمته وصبره، فاستقامت الأمور. ويمتدح صبره بأنه كصبر أيوب عليه السلام، يتقبل به تقلبات الليالي حتى وان شحّت باليسر. وهي أبيات تتلطف في الشفاعة، تذكّر الخليفة بأنه فرّاج الكرب. غير أن الخليفة، كما تقول الرواية، غضب وأشاح بوجهه، فمرّ الحاردلو أمامه مرة ثانية فنقض ما قاله، على طريقة ما يسميه أهل البطانة «الفسخو الحاردلو» [18]:
عِجل البُرْبُرْ الوقَّف قُرُونو شَرَاتي
نَطَح الصومَعة ولاماتُو جَايي يِتاتي
وَقتْ الطار مَرَقْ رِكبَ السَّديس العَّاتي
واللهِ البِوَاردَك في مَشارعَكْ رَاتي
فالشفيع الذي رُدّت شفاعته نقض كلامه في اللحظة نفسها، فهجا من شفع له ومدح من غضب منه. فالبيتان الأولان في الخليفة محمد شريف، يصوّره الشاعر عجلاً رفع قرونه متحفزاً للشر، ثم نطح الصومعة، أي المئذنة، ويريد بها سلطان الدولة وقلعتها الدينية، فلم يمت، بل، رجع يتأتّى، أي يمشي متثاقلاً منكسراً، وفي ذلك إشارة إلى خروج محمد شريف مع الأشراف على الخليفة عبد الله عام 1891، ثم نجاته من القتل وانتهائه إلى السجن. ثم ينتقل البيتان الأخيران إلى الخليفة عبد الله، فهو الذي إذا خرج الطار، أي طبل الحرب، ركب السديس العاتي، والسديس من الإبل أو البقر ما بلغ تمام قوته، والعاتي الجامح، ثم يلتفت الشاعر إليه بالخطاب فيقسم أن من يرد مشارعه، أي موارد مائه، راتي، أي هالك يُرثى له. فالمعنى أن من تحرّش بك يا خليفة كان مصيره مصير هذا العجل، وهو مدح يحمل في طيّه اعتذاراً عن الشفاعة. ويذكر يوسف عمارة أبو سن أن الحاردلو انشق عن المهديّة في العام 1895 بعد اتهام الشكرية بالضلوع في مؤامرة الأشراف، فوُضع في الإقامة الجبرية، ثم فرّ من أم درمان مع عدد من آل أبي سن في العام 1896، بينما بقي أخوه الشيخ عبد الله في الإقامة الجبرية ملازماً لمحمود ود أحمد [21]. ومن هذه المرحلة وما بعدها جاءت أشعاره التي نختار منها ثلاثة نماذج.
النموذج الأول، في الخليفة ودعاوى الكرامات
ما قلت الخدر البارح معاك في الخلوة
وماقلت أرواح الترك عندي تحت الفروة
تتسوَّد عليك المن الكضب ما بتروي
درب السبعتين سويتو ضحوة وسروة؟
وجّه الحاردلو هذه الأبيات إلى الخليفة عبد الله [21]، وهو يخاطبه فيها بضمير المخاطب دون أن يذكر له لقباً، فلا خليفة ولا أمير، كأنه ينزع عنه جبّته قبل أن يحاسبه. والأبيات سلسلة من الأسئلة الإنكارية، ألم تقل إن الخِدر، أي الخِضر عليه السلام في نطق البادية، كان معك البارحة في الخلوة، في إشارة إلى دعاوى الحضرات والمجالس الغيبية التي قامت عليها شرعية المهدية؟ ألم تقل إن أرواح الترك عندك تحت الفروة، أي في قبضتك، وأن النصر عليهم مضمون بحكم الإلهام؟ ثم يأتي البيت الثالث بالدعاء القاسي، «تتسوّد عليك»، أي يسودّ وجهك خزياً، يا من لا يرتوي من الكذب، فالمخاطَب هنا هو الخليفة نفسه، والكذب الذي لا يرتوي منه هو دعاوى الإلهام والكرامات التي عدّدها البيتان الأولان، ويختم بسؤال ساخر عن «درب السبعتين»، أي الطريق الطويل الذي يُقطع في أسبوعين، كيف قطعته في ضحوة وسروة، والضحوة أول النهار والسروة السير بالليل، سخرية من دعاوى الخوارق التي تطوي المسافات. ولا تحدد الرواية المنشورة تاريخ إنشادها، ويرجّح سياقها أنها قيلت بعد انشقاق الشاعر وفراره، حين صار الكلام ممكناً، إذ لم يكن أحد، مهما بلغت جرأته، يقول هذا في أم درمان ورأسه على كتفيه.
النموذج الثاني، إلى أخيه عبد الله بعد أتبرا
يا عبد الله أخوي سيتو الدحيح والدي
قطعتوا الاتبراوي لا سعن لا ري
قايلنو كسير خمامير وشراب عجينا ني
ده طرش الحديد الجانا من بومبي
قالها الحاردلو لأخيه الشيخ عبد الله حين عاد إلى ريرة في وسط البطانة، بعد أن ظل ملازماً لمحمود ود أحمد في الإقامة الجبرية حتى هزيمة محمود واستسلامه في معركة النخيلة على نهر أتبرا في أبريل 1898 [21]. والأبيات هجاء مرير لجيش الخليفة وقادته، فقد عبروا الأتبراوي، أي نهر أتبرا، بلا سعن ولا ري، أي بلا قِرب ماء ولا زاد، وحسبوا الحرب مع الإنجليز شيئاً هيّناً، سحق وضرب وهلاك متواصل، من قبيل «كسير الخمامير» و«شراب العجين النيء». ولعل في الصورة غمزاً لا تخطئه أذن من عاش تلك الأيام، فالدولة التي أمضت سنواتها في تكسير جرار المريسة ومصادرة الخمائر ظنت أن حرب الإمبراطورية البريطانية من جنس تلك الغارات على المطابخ. ثم يأتي البيت الأخير كالصفعة، هذا طرش الحديد الذي جاءنا من بومبي، والطرش هنا الرشّة والوابل، كما يُقال طرشة المطر، فالمقصود وابل الرصاص والقذائف، لا الصمم، في إشارة إلى الهند البريطانية التي كانت في المخيال الشعبي مصدر السلاح والجيوش الإنجليزية. فهي، في أربعة أبيات، أدقّ تحليل عسكري لهزيمة أتبرا، سوء الإمداد، والاستخفاف بالعدو، والفارق الحاسم في السلاح.
النموذج الثالث، بعد كرري وشماتة الشاعر
يبهت في الرسول قال الأمر بي ايدي
يجمع في الديوش قاليهم اتو عبيدي
جيداً جو الانجليز وروني جرية سيدي
اضحك وانبسط كل يوم اجر في قصيدي
قالها الحاردلو بعد كرري في سبتمبر 1898 [21]، وهي أشد النماذج الثلاثة قسوة وأوضحها شماتة. فالخليفة في البيت الأول «يبهت في الرسول»، أي يفتري عليه، حين يزعم أن الأمر في يده بتفويض نبوي، وفي البيت الثاني يجمع الجيوش، والديوش هي الجيوش في نطق البادية، ظاناً أنهم عبيده، وهي إشارة لاذعة إلى معاملة الخليفة للقبائل والأعيان معاملة الأتباع، وإلى الشاعر نفسه الذي حمل إبريقه ومشى خلف دابته. ثم ينقلب البيت الثالث إلى فرح صريح، حسناً أن جاء الإنجليز فأروني «جرية سيدي»، أي هروب سيدي، وفي كلمة «سيدي» سخرية مضاعفة، فهو يسمّيه سيده ليذكّر بما كان من إذلاله، ويصف فراره ليشفي غليله. ويختم بأنه يضحك وينبسط، ويجرّ القصيد كل يوم. ومن الإنصاف أن نقول إن هذه الشماتة لم تكن فرحاً بالإنجليز بقدر ما كانت فرحاً بزوال الخليفة، وهي عاطفة شاركه فيها كثيرون ممن ذُكروا في هذا المقال، ولم يملكوا موهبته في التعبير عنها.
ويحسن التنبيه إلى أن شعر الحاردلو شعر شفاهي تناقلته الصدور قبل أن تحفظه الكتب، فتتعدد رواياته وتختلف ألفاظه من راوٍ إلى آخر، وقد أشار عبد الله الشقليني إلى أن بعض الأبيات البسيطة المعنى قد يُشكّك في نسبتها إليه لاختلاف مستواها عن شعره المصنوع، وإن كان يرى أنها جميعاً من تنوّع شاعريته وارتجاله في مجاراة الأحداث [18]. وقد نقلنا النماذج الثلاثة كما نشرها يوسف عمارة أبو سن، وهو من أحفاد هذا البيت. وأياً ما كان الأمر، فإن هذه الأبيات تقدّم ما لا تقدّمه وثائق بيت المال ولا مذكرات الأسرى، صوت سوداني من داخل المجتمع يقول في الدولة المهدية ما كان كثيرون يهمسون به، ويقوله بلغة البطانة التي لا تعرف المجاملة.
ذوو المكانة، بين المعارضة المبكّرة والغضب المتأخر
وإذا تركنا زعماء القبائل جانباً وجدنا طائفة من ذوي المكانة الدينية والاجتماعية كان لهم مع المهدية شأن. فمن الذين عارضوها منذ البداية الشيخ الأمين الضرير والشيخ أحمد الأزهري كما سبق، والسيد محمد عثمان الميرغني الثاني زعيم الختمية، والشيخ محمد شريف نور الدائم شيخ المهدي السابق [3]. ومن الذين ناصروها ثم غضب عليهم الخليفة أحمد علي، قاضي الإسلام، الذي عُزل وسُجن عام 1894 ومات في سجنه، ثم خلفه الحسين إبراهيم ود الزهراء، الذي لم تشفع له مكانته في العلم حين أبدى رأياً لا يرضي الخليفة، فسُجن ومات في السجن عام 1895 [1]. فكان منصب قاضي الإسلام في دولة الخليفة من أخطر المناصب على حياة صاحبه، وكان القاضي يدخل مجلس القضاء وعينه على باب السجن، يحكم في الناس وهو يعلم أن الحكم الأخير عليه لم يصدر بعد.
ومن هؤلاء أيضاً إلياس أم برير، التاجر الجعلي الكبير في الأبيض، الذي كان من أوائل من ناصروا المهدي من أعيان كردفان، ثم انتهى إلى الظل والمصادرة في عهد الخليفة، شأنه شأن كثير من أعيان أولاد البلد الذين موّلوا الثورة ثم وجدوا أنفسهم ضيوفاً غير مرغوب فيهم في دولتها [22].
الأمراء الذين تخلّصت منهم الدولة
وإذا كان مصير الزعماء المعارضين مفهوماً، فإن مصير كثير من أمراء المهدية أنفسهم، الذين قاتلوا في صفوفها وحملوا راياتها، يكشف عن طبيعة الحكم في عهد الخليفة، إذ كان الولاء وحده لا يكفي، وكانت الكفاءة والشعبية أحياناً سبباً للهلاك لا للنجاة [1].
فأول هؤلاء محمد خالد زقل، قريب المهدي وعامله على دارفور، الذي قُبض عليه بأمر الخليفة بعد وفاة المهدي بقليل وجُرّد من أمواله وقواته، في إطار سياسة إزاحة الأشراف من المواقع العسكرية الكبرى [1].
وأحمد سليمان، أمين بيت المال في عهد المهدي، وكان من المحسوبين على الأشراف، فعُزل وصودرت أمواله، وانتهى به الأمر في رواية منفياً إلى الرجّاف في أقصى الجنوب حيث مات [1].
وعبد الرحمن النجومي، أشهر قادة المهدية وأحد أبطال الأبيض وشيكان والخرطوم، الذي أُرسل عام 1889 لغزو مصر بجيش ضعيف التموين يجرّ النساء والأطفال، فقُتل في توشكي في أغسطس 1889. ويرى بعض الباحثين أن الخليفة أرسله في حملة يعلم فشلها ليتخلص من قائد جعلي واسع الشعبية بين أولاد البلد، ويرى آخرون أن الحملة كانت خطأ استراتيجياً لا مؤامرة شخصية، وأن عناد النجومي نفسه أسهم في مصيره [1].
والزاكي طمل، قائد الجهادية المنتصر في حروب الحبشة والشلك، الذي اتُّهم بالطموح والتآمر، فسُجن في أم درمان وتُرك يموت جوعاً في سجنه في مطلع التسعينيات، وهي من أشنع حوادث العهد [9].
والخليفة محمد شريف، ابن عم المهدي وصهره وأحد خلفائه الثلاثة، الذي قاد حركة الأشراف في نوفمبر 1891، فانتهت بصلح لم يلبث الخليفة أن نقضه، فأُعدم عدد من الأشراف ونُفي آخرون إلى فشودة، وجُرّد محمد شريف من سلطته، ثم سُجن عام 1895 [1]. وبقي في السجن حتى سقوط الدولة، ثم أُعدم بعد أحداث الشكابة عام 1899، فكان من القلائل الذين سجنهم الخليفة وقتلهم الإنجليز، في اتفاق غير مكتوب بين خصمين على رجل واحد.
والخليفة علي ود حلو، ثالث الخلفاء، الذي لم يُقتل ولم يُسجن، لكنه أُزيح إلى الظل حتى صار اسماً بلا سلطان، وهي عقوبة أرحم من الموت وأقسى على من ذاق طعم المكانة [1].
ويُلاحظ أن أغلب هؤلاء كانوا من الأشراف أو من أولاد البلد أو من القادة الذين صارت لهم قاعدة مستقلة، وأن الذين حلّوا محلهم كانوا في الغالب من أقرباء الخليفة وقبيلته، كأخيه يعقوب، وابنه عثمان شيخ الدين، وابن عمه محمود ود أحمد [2]. فكانت «تطهيرات» الخليفة تطهيراً سياسياً بلبوس ديني، كما نقول الآن لل”للصالح العام”, وتحويلاً للدولة من دولة المهدي إلى دولة الخليفة، ومن دولة الأنصار إلى دولة الأقارب.
الرقيق والجهادية، دولةٌ تحارب الترك بعبيد الترك
من المفارقات الكبرى أن المهديّة، التي كان من أسباب قيامها سخط تجار الرقيق على حملات الحكومة الخديوية ضد تجارتهم، لم تُلغِ الرق، بل، احتكرته. فقد صار الرقيق في الدولة المهدية من أهم موارد بيت المال، يؤول إليه نصيب الدولة من الغنائم ومن ضمنها الأسرى، ويُباع ويُشترى في سوق في أم درمان تحت إشرافه [23]. وحرصت الدولة على التحكم في تجارة الرقيق وتقييد تصديره، لا لأسباب إنسانية، بل، لأنها أرادت أن تحتفظ بالرجال الأقوياء لجيشها، وتمنع وصولهم إلى مصر حيث يجنّدهم خصومها [23]. وكانت أسعار الرقيق تتقلب بحسب الحروب والمجاعات، فتنخفض في سنوات الجوع حين يعجز السادة عن إطعام عبيدهم، وترتفع حين تتوقف الغارات، وهو سوق لا يختلف منطقه عن سوق الذرة إلا في أن البضاعة فيه تبكي.
أما الجهادية فكانت الذراع الضاربة للجيش المهدي. وقد نشأت نواتها من الجنود السود في الجيش التركي المصري، وهم في الأصل رقيق مجنّدون من الجنوب وجبال النوبة، فلما انتصر الأنصار في الأبيض وشيكان انضم كثير منهم إلى المهدي أو أُسروا فأُلحقوا بجيشه، وصاروا حملة البنادق فيه، بينما كان الأنصار من القبائل يحملون الحراب والسيوف [15]. ثم نُمّيت الجهادية بالتجنيد المستمر من الأسرى والرقيق، ولا سيما من جبال النوبة، وقادها قادة من طراز حمدان أبو عنجة والزاكي طمل، وكلاهما من أصول الرقيق العسكري، فكانت الجهادية فرصة نادرة للصعود الاجتماعي لمن وُلد بلا نسب في مجتمع يقدّس النسب [15].
وأما الرواتب، فلم يكن للجهادية في الغالب رواتب نقدية منتظمة بالمعنى الحديث، بل، كانوا يتلقّون «الجراية» من الحبوب من بيت المال، ونصيباً من الغنائم، وقد يُعطون نساء وسراري، وكان وضعهم المعيشي يتدهور في سنوات الجوع كغيرهم، وربما أكثر [15]. أما الملازمون، حرس الخليفة الخاص الذي قاده ابنه عثمان شيخ الدين وضمّ أعداداً كبيرة من الجهادية، فكان لهم بيت مال خاص ومخصصات أفضل، وهو ما يعكس الأولوية التي أولاها الخليفة لحراسته الشخصية على حساب الجيش كله [1]. فالجهادي كان عبداً للدولة وجندياً لها في آن، يقاتل من أجل الجنة ويأكل من أجل البقاء، ولا يعرف أحياناً أن كان عليه أن يشكر الله أو بيت المال أو قائده.
وتكتمل المفارقة حين نعلم أن الجيش المصري الذي أعاد كتشنر وأسلافه تنظيمه كان يضم كتائب سودانية جُنّد أفرادها من أسرى المهدية والفارّين منها، ومن بقايا جهادية العهد التركي، وأن بعض الجنود الذين قاتلوا مع الخليفة في حروبه الأولى عادوا يقاتلونه في أتبرا وكرري، بالمهارة نفسها والشجاعة نفسها، وتحت راية أخرى [15]. فالرقيق العسكري في السودان كان يغيّر الراية ولا يغيّر المهنة، ويغيّر السيد ولا يغيّر القيد.
ما غاب عن السؤال، قضايا لا ينبغي إغفالها
وثمة قضايا جديرة بالذكر لم يشملها التصنيف السابق، أولاها الهجرة إلى المهدي بوصفها فريضة، فقد عدّ المهدي الهجرة إليه واجبة على كل مؤمن، على غرار هجرة الصحابة إلى المدينة، وكان ذلك في أصل قيام أم درمان وتكدّسها، ثم حوّلها الخليفة إلى سياسة تهجير قسري للقبائل [1]. وثانيتها أن أم درمان، بكل ما فيها من بؤس، صارت أول بوتقة انصهار وطنية في السودان، تجتمع فيها قبائل من كل الأقاليم، وتتزاوج وتتبادل اللهجات والعادات، فكانت المدينة التي صنعتها الحرب هي التي أنجبت فيما بعد رجال الحركة الوطنية [6].
وثالثتها لغة الدولة المهدية الرمزية، من الرايات الملونة لكل خليفة، والأمباية والنحاس، وألقاب «الأنصار» و«الخليفة» و«الأمير» و«العامل»، وهي منظومة رمزية محكمة تستعير من صدر الإسلام وتصنع منه شرعية جديدة [24]. ورابعتها التأثير الطويل للمهدية في السياسة السودانية، فقد أحيا السيد عبد الرحمن المهدي، ابن المهدي الذي وُلد بعد وفاته، حركة الأنصار في القرن العشرين، ومن حولها قام حزب الأمة، فصار تراث المهديّة مرجعية سياسية حية إلى اليوم [5]. وخامستها الحروب الخارجية مع الحبشة ومصر، التي استنزفت الموارد والرجال، ولاسباب غير منطقية تتعارض مع الوضع السياسي في إقليم تحت تهديد الغزو الأروبي، ومنها معركة القلابات في مارس 1889 التي قُتل فيها الإمبراطور يوحنا الرابع، في وقت سعت فيه إثيوبيا إلى التحالف مع السودان ضد إيطاليا، وهي من أعجب انتصارات المهدية وأكثرها كلفة [2].
الطريق إلى كرري، لماذا لم يدافع السودانيون عن دولتهم؟
حين بدأت حملة كتشنر زحفها جنوباً عام 1896، بدءاً من دنقلا، ثم أبو حمد وبربر عام 1897، ثم أتبرا في أبريل 1898، وأخيراً كرري في الثاني من سبتمبر 1898، لم تواجه انتفاضة شعبية في صف الخليفة، بل، وجدت في كثير من الأحيان ترحيباً صامتاً أو معلناً من السكان المحليين [25]. فالجعليون، بعد كتلة المتمة، كانوا يترقّبون الثأر، والتحقت أعداد منهم بالجيش الزاحف قوة غير نظامية، والشايقية كانوا خصوم المهدية من البداية، والعبابدة كانوا أدلّاء الجيش في الصحراء، والكبابيش والشكرية والبطاحين لم تجف دماؤهم بعد، والختمية كانوا يرون في سقوط الدولة خلاصاً، وأولاد البلد المهمّشون ينتظرون من يخلّصهم من سلطان البقارة، والتجار يريدون عودة طريق مصر [2]. بل، إن الأمير النور عنقرة، أحد قادة المهدية، انحاز إلى الجيش الزاحف، فكان شاهداً على عمق التصدع في داخل الدولة نفسها.
وكان الجيش الذي زحف به كتشنر إلى كرري يضم نحو ثمانية آلاف ومئتي جندي بريطاني، ونحو سبعة عشر ألفاً وستمئة من الجيش المصري بكتائبه المصرية والسودانية، أي نحو خمسة وعشرين ألفاً وثمانمئة في المجموع، تدعمهم المدافع والرشاشات والبواخر المسلحة [26]. وكان المكوّن السوداني في هذا الجيش كبيراً، إذ ضم ست كتائب سودانية نظامية، هي التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة، يُقدَّر مجموع أفرادها بنحو أربعة آلاف وخمسمئة إلى خمسة آلاف رجل، فضلاً عن سرايا سودانية في سلاح الهجانة، وعن قوة غير نظامية من القبائل المعادية للخليفة، أغلبها من الجعليين، تُقدّر بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف رجل، عملت على الضفة الشرقية للنيل [25]. ويمكن تقدير مجموع السودانيين في صف كتشنر بنحو سبعة إلى ثمانية آلاف، أي قرابة ربع الجيش أو أكثر قليلاً، وهو تقدير تقريبي تختلف فيه المصادر، لكنه يدل على أن كرري لم تكن معركة بين السودانيين والغزاة فحسب، بل، كانت أيضاً معركة بين سودانيين وسودانيين، يتقاتلون على أرض واحدة تحت رايتين، ويتكلمون في الخنادق المتقابلة اللهجة نفسها [26].
أما جيش الخليفة فكان يقدّر بنحو خمسين ألفاً، من الأنصار والملازمين والجهادية، يحمل كثير منهم الحراب والسيوف وبنادق قديمة، في مواجهة جيش يملك رشاشات مكسيم والمدفعية الحديثة. وكانت النتيجة مذبحة، إذ قُتل من الأنصار نحو أحد عشر ألفاً وجُرح نحو ستة عشر ألفاً في ساعات، بينما لم تتجاوز خسائر الجيش الزاحف بضع مئات بين قتيل وجريح [26]. وقد قاتل الأنصار في كرري بشجاعة شهد بها خصومهم، ومنهم تشرشل الذي كتب عنهم بإعجاب لا يخلو من الأسف [25]. وانسحب الخليفة إلى كردفان، حيث قُتل في أم دبيكرات في الرابع والعشرين من نوفمبر 1899، جالساً على فروته مع أمرائه، في مشهد صار في الذاكرة السودانية رمزاً للثبات حتى النهاية.
ولم تكن عزلة الدولة عزلة داخلية فقط، فقد عزلت الدولة نفسها في الخارج أيضاً قبل كرري بعشر سنوات. ففي يناير 1888 اجتاح جيش الأمير حمدان أبو عنجة مدينة قندر، عاصمة الحبشة القديمة، ونهبها، وفي ديسمبر من العام نفسه كتب الإمبراطور الحبشي يوحنا الرابع إلى أبي عنجة رسالة طويلة يدعو فيها إلى إنهاء الحرب بين البلدين، وإلى أن تتحد الحبشة والسودان في وجه عدوهما المشترك، أي الأوروبيين [29]. وكان يوحنا يومئذ يقاتل على جبهتين، فالإيطاليون يزحفون على أرضه من مصوّع، والإنجليز يحكمون مصر ويتربصون بالسودان، وقد كرر دعوته إلى تجنب حرب بين دولتين أفريقيتين لهما عدو مشترك في القوى الأوروبية [30]. فرفض الخليفة عبد الله العرض، وأبى أن يعقد صلحاً مع الحبشة [1].
ولرفض الخليفة أسباب ثلاثة. أولها أن عقيدة الدولة لم تكن تعرف في التعامل مع الملوك غير المسلمين إلا دعوتهم إلى الإسلام أو قتالهم، وقد رفض المهدي ثم الخليفة من قبل التعامل مع يوحنا لأنه غير مسلم [30]، وكان الخليفة يرى الجهاد وسيلة لنشر دعوته في العالم كله [1]. وثانيها أن يوحنا لم يكن في نظر الخليفة حليفاً محتملاً، بل، عدواً قديماً، فهو الذي عقد مع الإنجليز والمصريين معاهدة عدوة في يونيو 1884، وسمح بموجبها بانسحاب الحاميات المصرية المحاصرة في السودان عبر أرضه، ثم هزمت جيوشه الأنصار في القلابات والجيرة وكوفيت على الحدود [30]، فكيف يتحالف الخليفة ضد الترك والإنجليز مع من أنقذ حامياتهم؟ وثالثها أن نهب قندر بواسطة قوات حمدان أبو عنجة أغرى الخليفة بأن النصر حليفه، فلم ير حاجة إلى صلح مع ملك هزمه جيشه قبل أشهر.
فكانت النتيجة أن زحف يوحنا بنفسه على القلابات، فقُتل في المعركة في مارس 1889 وانسحب جيشه [1]، وخسر الأنصار فيها خسائر فادحة. وبعد شهرين فقط وقّع منليك، الذي خلف يوحنا على العرش، معاهدة وتشالي مع إيطاليا. هكذا أنهك البلدان الأفريقيان أحدهما الآخر، والأوروبيون يتفرجون، ثم جاء كل منهما دوره، فهُزمت إيطاليا أمام منليك في عدوة عام 1896، وهُزمت المهدية أمام كتشنر في كرري عام 1898، فنجت الحبشة لأن منليك عرف كيف يختار حلفاءه وأعداءه، وسقطت المهدية لأنها فشلت في قراءة الوضع السياسي والقوى العسكرية في المنطقة فجعلت الجميع أعداءها.
نقدٌ عام، بين الثورة والدولة
ينبغي عند تقويم التاريخ الاجتماعي للمهدية التمييز بين مرحلتين. ففي مرحلة الثورة، من 1881 إلى 1885، كانت المهديّة حركة تحرير ذات مشروع ديني أخلاقي، استطاعت أن توحّد السودانيين من قبائل وأقاليم مختلفة ضد حكم أجنبي ثقيل، وهو إنجاز لم يسبقها إليه أحد في تاريخ السودان [1]. وكانت الإصلاحات الاجتماعية في هذه المرحلة، على صرامتها، تعبيراً عن حماسة جماعية يشارك فيها كثيرون عن اقتناع، وكان تحريم التمباك والمريسة والغناء جزءاً من ثورة أخلاقية يحملها أتباعها على أكتافهم كما حملوا الحراب، ويرون فيها طهارة للثورة لا قيداً عليها، ولكن عرفوا كيف يتحايلون عليها.
أما في مرحلة الدولة، من 1885 إلى 1898، فقد تحوّلت المهديّة إلى سلطة تعيش على الإكراه أكثر مما تعيش على الاقتناع. فصارت المحرّمات أداة حكم لا دعوة إصلاح، والجهاد حرباً على القبائل السودانية أكثر منه حرباً على الترك، وبيت المال جهاز جباية لا يختلف كثيراً عما ثار عليه الناس، والتهجير سياسة تفكيك للمجتمعات المحلية، والتصفيات أداة لحصر السلطة في دائرة ضيقة من الأقارب والحلفاء [2]. وتجلّى في هذه المرحلة التناقض الأكبر، أن الدولة التي قامت باسم المساواة بين المؤمنين تحوّلت إلى دولة تفضّل قبيلة على أخرى، وأن الدولة التي حررت السودانيين من الترك أثقلت عليهم حتى صار بعضهم يترحّم على أيام الترك، وهي أقسى شهادة يمكن أن تُكتب على قبر ثورة.
ولماذا لم تسانده مجموعات كثيرة عند النهاية؟ لأن الخليفة، في سعيه إلى توطيد سلطته، كان قد أنفق رصيده الاجتماعي كله، فقتل زعماء القبائل، وأذلّ الأشراف، وهمّش أولاد البلد، وجوّع الفلاحين، وهجّر الرعاة، وضرب الجعليين في المتمة، وحارب الطرق الصوفية، وأغلق طرق التجارة. فلما جاء الامتحان الأكبر لم يبق حوله إلا قبيلته وحرسه وجيشه، وجمهور من الأنصار المخلصين الذين ظلّوا على إيمانهم رغم كل شيء، وهؤلاء قاتلوا حتى الموت في كرري وأم دبيكرات [1]. أما الباقون فوقفوا متفرجين، أو انضموا إلى الزاحف، أو انتظروا ليروا من ينتصر، وهو موقف لا يحتاج إلى نظرية في الخيانة لتفسيره، بل، يكفي لتفسيره ثلاث عشرة سنة من الخوف والجوع.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يقودنا هذا النقد إلى تبنّي رواية المنتصر كاملة. فالكتابات الاستعمارية، من ونجت إلى سلاطين وتشرشل، صُمّمت في جانب كبير منها لتبرير الغزو، وضخّمت مساوئ المهدية لتقدّم الاحتلال البريطاني في صورة المخلّص [8]. والحقيقة أن المهدية، بكل عيوبها، كانت تجربة سودانية أصيلة في بناء دولة مستقلة، وأن فشلها الاجتماعي لم يكن فشلاً في الفكرة وحدها، بل، في الظروف أيضاً، من حصار خارجي، وحروب متصلة، ومجاعة كاسحة، وجهاز إداري ضعيف، ونخبة لا تعرف من إدارة الدول إلا ما تعلمته في المعسكرات [2].
الدرس الذي لم يُتعلّم
لقد حاولت المهديّة أن تصنع مجتمعاً جديداً بالمنشور والسوط، فخرجت من التجربة بمجتمع يتظاهر في العلن ويعيش في السر، ودولة تحكم بالخوف في الداخل وتسقط بالعزلة في الخارج. وحين سقطت، عادت الطبول والزغاريد والتمباك والمريسة والطار والقباب والطرق الصوفية، وعاد التجار إلى طريق مصر، وعاد الختمية إلى كسلا، وبقي من المهديّة شيئان، ذكرى ثورة حررت السودان، وذكرى دولة أرهقته.
والدرس الذي تقدّمه هذه التجربة، ويبدو أن السودان لم يستوعبه بعد، أن الدولة التي تقوم على فكرة واحدة وقبيلة واحدة وسلطة واحدة، مهما كانت نبيلة في أصلها، تنتهي إلى أن تحارب مجتمعها بدلاً من أن تخدمه، وأن المجتمع السوداني، بتعدده الواسع، أكبر من أي منشور، وأطول عمراً من أي خليفة، وأصبر على التمباك من أي سلطة تحاول انتزاعه منه.
المراجع
[1] P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow, 2nd ed., Oxford: Clarendon Press, 1970.
[2] P. M. Holt and M. W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 5th ed., Harlow: Longman, 2000.
[3] Ali Salih Karrar, The Sufi Brotherhoods in the Sudan, London: C. Hurst & Co., 1992.
[4] محمد إبراهيم أبو سليم (جمع وتحقيق)، منشورات المهدية، بيروت: دار الجيل، 1979.
[5] Gabriel Warburg, Islam, Sectarianism and Politics in Sudan since the Mahdiyya, London: Hurst & Company, 2003.
[6] Robert S. Kramer, Holy City on the Nile: Omdurman during the Mahdiyya, 1885–1898, Princeton: Markus Wiener Publishers, 2010.
[7] بابكر بدري، تاريخ حياتي، الجزء الأول، 1959.
[8] F. R. Wingate, Mahdiism and the Egyptian Sudan, London: Macmillan and Co., 1891.
[9] Rudolf C. Slatin, Fire and Sword in the Sudan: A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes, 1879–1895, trans. F. R. Wingate, London: Edward Arnold, 1896.
[10] Joseph Ohrwalder, Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp, 1882–1892, ed. F. R. Wingate, London: Sampson Low, Marston & Company, 1892.
[11] Charles Neufeld, A Prisoner of the Khaleefa: Twelve Years’ Captivity at Omdurman, London: Chapman & Hall, 1899.
[12] يوسف ميخائيل، مذكرات يوسف ميخائيل: التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان، تحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك، أم درمان: مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، 2004.
[13] Suore Missionarie Comboniane, «Teresa Grigolini: una vita di missione, speranza e sofferenza», comboniane.org, 4 giugno 2024.
https://www.comboniane.org/teresa-grigolini-una-vita-di-missione-speranza-e-sofferenza/
[14] «Teresa Grigolini Cocorempas», La Fedeltà, 23 ottobre 2015.
https://www.lafedelta.it/2015/10/23/teresa-grigolini-cocorempas/
[15] Douglas H. Johnson, “The Structure of a Legacy: Military Slavery in Northeast Africa,” Ethnohistory, vol. 36, no. 1 (1989), pp. 72–88.
[16] نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، بيروت: دار الجيل، 1981.
[17] خالد محمد فرح، «ملامح من ثقافة التعليم والحداثة في شعر الحاردلو»، سودانايل، 14 يونيو 2015.
https://sudanile.com/%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D9%85%D9%86-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B9%D8%B1/
[18] عبد الله الشقليني، «الحاردلو أمام خليفة المهدي»، سودانايل، 9 أغسطس 2020.
https://sudanile.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%84%D9%88-%D8%A3%D9%85%D8%A7%D9%85-%D8%AE%D9%84%D9%8A%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%87%D8%AF%D9%8A-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84/
[19] أسعد الطيب العباسي، «الحاردلو وبكائية العمر والدنيا»، سودانايل، 7 سبتمبر 2009.
https://sudanile.com/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%84%D9%88-%D9%88%D8%A8%D9%8C%D9%83%D8%A7%D8%A6%D9%90%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%82%D9%84/
[20] جون أودال، «تاريخ الشكرية وآل أبو سن»، ترجمة بدر الدين حامد الهاشمي، عن مجلة الدراسات السودانية (Sudan Studies)، العدد 38، يوليو 2008.
[21] يوسف عمارة أبو سن، «البطانة .. حوبات النوازل وجراتق السيوف»، موقع النيلين، 13 مايو 2025.
https://www.alnilin.com/13375664.htm
[22] عبد الرحمن المهدي، مذكرات الإمام عبد الرحمن المهدي، القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1995، ص 43 و109.
[23] Abdel Salam Sidahmed, Politics and Islam in Contemporary Sudan, New York: St. Martin’s Press, 1996, pp. 25–26.
[24] Richard Hill, A Biographical Dictionary of the Sudan, 2nd ed., London: Frank Cass, 1967.
[25] Ahmad Alawad Sikainga, Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan, Austin: University of Texas Press, 1996.
[26] Kim Searcy, The Formation of the Sudanese Mahdist State: Ceremony and Symbols of Authority, 1882–1898, Leiden: Brill, 2011.
[27] Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, 2 vols., London: Longmans, Green and Co., 1899.
[28] عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكري لمعركة أم درمان، الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1973.
[29] The Lost Words of Yohannes IV and Abiy Ahmed!, Awate.
https://awate.com/lost-words-yohannes-iv-abiy-ahmed/
[30] Yohannes IV, Encyclopaedia Africana.
https://encyclopaediaafricana.com/yohannes-iv/
