د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال إعادة بناء خريطة شهداء وشهيدات الثورات السودانية الأربع الكبرى: ثورة 1924، وثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة مارس–أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018–2019، مع الجمع بين المنظور التاريخي والسياسي والاجتماعي والجغرافي والمنهجي. وينطلق من أن هذه الثورات تمثل حلقات مترابطة في تاريخ المقاومة السودانية ضد الاستعمار والاستبداد والحكم العسكري، لكنها ليست متطابقة من حيث طبيعة النظام السياسي، أو حجم المشاركة الشعبية، أو أدوات القمع، أو مدى اكتمال توثيق الضحايا. لذلك يميز المقال بين العدد الموثق بالاسم، والقوائم التذكارية أو النقابية، والتقديرات الإحصائية، والحالات مجهولة الهوية، والوفيات المتأخرة الناجمة عن إصابات سابقة، ويرفض تحويل أي قائمة منفردة إلى رقم نهائي لجميع الضحايا.
ويخلص المقال، وفق المنهج المحافظ الذي اتبعه في إعادة بناء القوائم المتاحة، إلى وجود 322 شهيداً وشهيدة في مجموع القوائم التاريخية والتوثيقية الأساسية المستخدمة: 8 في ثورة 1924، و39 في ثورة أكتوبر 1964، و7 في انتفاضة مارس–أبريل 1985، و268 في ثورة ديسمبر 2018–2019. ويبلغ عدد الشهيدات الموثقات في هذه القوائم 12 حالة: لا توجد شهيدة موثقة بالاسم في الحد الأدنى المعتمد لعام 1924، وواحدة في قائمة أكتوبر 1964، وواحدة في قائمة 1985، وعشر في قائمة شهيدات ديسمبر 2018–2019. ويؤكد المقال أن الرقم الإجمالي 322 ليس تقديراً نهائياً لجميع وفيات الثورات الأربع، وإنما مجموع القوائم التي أمكن توثيقها، لأن مصادر كل ثورة تختلف في نطاقها ومنهجها ودرجة اكتمالها.
تظهر ثورة 1924 باعتبارها البداية المبكرة للحركة الوطنية السودانية الحديثة، من خلال حركة اللواء الأبيض وشبكات الطلاب والعمال والحرفيين والموظفين والعسكريين. بدأت مواجهة السلطات للحركة باعتقال علي عبد اللطيف في 4 يوليو 1924، ثم توسعت الاحتجاجات إلى مدن وأقاليم مختلفة، وبرزت عطبرة بصورة خاصة بسبب السكك الحديدية والعمال. وفي عطبرة أدى قمع مظاهرة إلى مقتل أربعة متظاهرين، لكن المصادر الأكاديمية التي أمكن التحقق منها لا توفر أسماءهم الكاملة، ولذلك يرفض المقال اختلاقها. وفي 9 أغسطس خرج طلاب الكلية الحربية، وعددهم 51 طالباً، في مظاهرة، ثم تصاعد الصراع في نوفمبر بعد اغتيال السير لي ستاك في 19 نوفمبر، وما تلاه من تمرد الوحدات السودانية في 27–28 نوفمبر. قتل عبد الفضيل الماظ في القتال، ثم أعدم ثابت عبد الرحيم وحسن فضل المولى وسليمان محمد في 5 ديسمبر 1924، بينما صدر العفو عن علي البنا. وبذلك يعتمد المقال ثمانية شهداء في الحد الأدنى الاسمي القابل للتوثيق لعام 1924: أربعة قتلى في عطبرة، وعبد الفضيل الماظ، وثلاثة ضباط أعدموا لاحقاً. ويؤكد أن هذا الرقم حد أدنى وليس حصيلة نهائية، وأن ثورة 1924 تختلف عن الثورات اللاحقة لأنها لم تُسقط النظام السياسي القائم، لكنها أرست تقليداً مبكراً للمقاومة الوطنية وربطت العمال والطلاب والعسكريين بالحركة السياسية.
أما ثورة أكتوبر 1964 فتظهر باعتبارها أول انتفاضة شعبية ناجحة في إسقاط نظام عسكري بعد الاستقلال. بدأت شرارتها في جامعة الخرطوم في 21 أكتوبر عقب مقتل الطالب أحمد القرشي طه برصاص الشرطة خلال اجتماع طلابي، ثم تحولت سريعاً إلى حركة جماهيرية شاركت فيها الأحزاب والنقابات والطلاب والمهنيون، وانتهت بإجبار نظام الفريق إبراهيم عبود على التنحي وفتح الطريق أمام حكومة مدنية. ويعرض المقال قائمة الشرف التاريخية الأشهر التي تضم 39 شهيداً وشهيدة، ويؤكد أنها قائمة تذكارية مهمة وليست بالضرورة تعداداً كاملاً لكل من قتل خلال الأحداث. وتشمل القائمة ضحايا في الخرطوم وأم درمان، وفي ود مدني وكسلا وبورتسودان والأبيض والفاشر والدويم، إضافة إلى ضحايا سقطوا أمام القصر الجمهوري وفي المستشفيات والأسواق وعلى طريق الخرطوم–الحصاحيصا، وهو ما يثبت أن الثورة لم تكن حدثاً جامعياً أو خرطومياً فقط. ومن بين الـ39 توجد امرأة واحدة هي بخيتة المبارك الحفيان، التي أصبحت أهم شهيدة نسائية موثقة في قائمة أكتوبر. كما يميز المقال حالة بابكر أيوب، الذي أصيب في أحداث 1964 وظل يعاني من الإصابة حتى توفي في 6 أكتوبر 1990؛ فهو يمثل وفاة متأخرة مرتبطة بإصابة الثورة، لكنه لا يدخل في العدد الأساسي البالغ 39 لأن وفاته لم تقع أثناء الثورة نفسها.
وتبرز انتفاضة مارس–أبريل 1985 باعتبارها الثورة الشعبية التي أطاحت نظام جعفر نميري بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية والحرب في الجنوب وتفاقم الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية. بدأت التحركات العمالية والطلابية في مارس، ثم اتسعت إلى العاصمة والمدن الإقليمية، وانضمت إليها قطاعات مهنية وعمالية وشعبية متعددة، إلى أن تدخل الجيش في 6 أبريل 1985 وأعلن نهاية حكم نميري. ويعتمد المقال قائمة تاريخية محدودة تضم سبعة شهداء يمكن توثيقهم في المصادر التي جرى التحقق منها: وليم دينج، أزهري مصطفى، مشاعر محمد عبد الله، عبد الجليل طه علي، حامد حسن محمد، بول مات، ومحمد حسن أحمد فضل الله. ويشير إلى أن أزهري مصطفى وعبد الجليل طه علي وويليام دينج سقطوا في سياق إطلاق النار خلال احتجاجات 27 مارس، بينما كانت مشاعر محمد عبد الله طفلة صغيرة توفيت أثناء الفرار، وسقط محمد حسن أحمد فضل الله في 3 أبريل. ويبلغ العدد المحافظ في هذه القائمة سبعة، بينهم شهيدة واحدة هي الطفلة مشاعر محمد عبد الله. لكنه يحذر من اعتبار الرقم حصيلة نهائية، لأن توثيق ضحايا 1985 أقل اكتمالاً من توثيق 2018–2019، ولا توجد قاعدة بيانات وبائية مستقلة تسمح بتقدير حجم الوفيات غير المرصودة بالمنهجية نفسها التي استخدمت لاحقاً في ثورة ديسمبر.
أما ثورة ديسمبر 2018–2019 فهي الأكثر توثيقاً من بين الثورات الأربع والأكثر تعقيداً من حيث قياس الخسائر البشرية. بدأت الاحتجاجات في 19 ديسمبر 2018 نتيجة الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص السلع والنقد الأجنبي، لكنها تحولت سريعاً إلى حركة سياسية تطالب بإسقاط نظام عمر البشير. استمرت المظاهرات حتى سقوط البشير في 11 أبريل 2019، ثم انتقلت الثورة إلى اعتصام القيادة العامة والصراع حول طبيعة السلطة الانتقالية، وانتهت إحدى أكثر مراحلها دموية بفض الاعتصام في 3 يونيو 2019. وتوضح الأدلة أن إسقاط البشير في 11 أبريل لم يكن نهاية الحراك، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع بين القوى المدنية والعسكرية.
وتبرز دراسة دهاب وزملائه بوصفها أهم الدراسات الوبائية في قياس الوفيات خلال المرحلة الأولى من الثورة. استخدمت الدراسة ثلاث قوائم مستقلة وطبقت منهجية الالتقاط وإعادة الالتقاط لتقدير الحالات التي لم تظهر في أي قائمة. وحتى نهاية فبراير 2019 سجلت القوائم 69 وفاة، بينما قدر النموذج نحو 75 وفاة، ثم أضيفت 14 وفاة بين 1 مارس و5 أبريل، و21 وفاة بين 6 و9 أبريل مع تقدير حالتين غير مسجلتين، ليصل التقدير إلى نحو 112 وفاة على الأقل أو قرابة 117 بعد تحليل الحساسية للفترة من ديسمبر 2018 إلى 9 أبريل 2019. ومن بين 104 وفيات أمكن تحديدها في القوائم كانت أربع نساء، وكان 15 على الأقل دون سن 18 عاماً. وكانت غالبية الوفيات المعروفة السبب ناجمة عن إطلاق النار، تلتها العبوات المتفجرة والتعذيب والاختناق بالغاز والدهس بالمركبات الأمنية. كما سجلت الدراسة 55 وفاة في ولاية الخرطوم و30 في القضارف، وكان 20 ديسمبر 2018 أكثر الأيام دموية في قاعدة بياناتها، مع 34 وفاة، بينها 25 في القضارف. وأكدت كذلك وجود عاملين صحيين تعرضا لإطلاق النار أثناء عملهما داخل المستشفيات، وسجلت 934 حالة احتجاز حتى 8 أبريل، بينها 151 امرأة وستة قاصرين على الأقل.
ويؤكد المقال أن رقم 117 لا يمثل العدد الكلي لشهداء ثورة ديسمبر، لأنه يغطي فترة تنتهي في 9 أبريل 2019. ولذلك ينتقل إلى قائمة نقابة أطباء السودان الشرعية المنشورة في يوليو 2019، والتي تضم 268 حالة، بينها 242 اسماً أو اسماً جزئياً، و20 حالة مجهولة الهوية، وستة من أفراد القوات المسلحة لم تُكشف أسماؤهم. وتُعد هذه القائمة أكبر سجل اسمي مركزي للضحايا في الثورة ضمن المصادر المستخدمة، لكنها ليست تعداداً نهائياً؛ إذ أكدت الجهة التي أصدرتها أن القائمة قابلة للزيادة بسبب المفقودين وصعوبات الوصول إلى المعلومات وانقطاع الإنترنت والاتصالات بعد الأحداث الدموية. كما أن جميع الحالات الـ268 لا يمكن وصفها بأنهم مدنيون متظاهرون، لأن القائمة نفسها تميز ستة من أفراد القوات المسلحة، وبعض الأسماء الـ242 ليست أسماء كاملة، بل أسماء أولى أو أسماء مختصرة أو أسماء شهرة.
ويضم السجل الاسمي قائمة واسعة من الضحايا تبدأ بمحمد عيسى «ماكور» ومهند أحمد محمود عبد القادر وحامد عبد الملك حامد مرسال والنور عبد الغني عبد اللطيف وطارق محمد سليمان العوض، وتمتد إلى أسماء كثيرة من مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، ومن بينها أحمد الخير عوض الكريم، ومحجوب التاج محجوب، ومريم محمد عبد الله، والكنينة أيوب علي، وبدرية إسحق، ونادية إسحق، ونجاة الشيخ النصيح، وآلاء الأمين الحبيب الشريف، وميادة جون يوسف، وفائزة أحمد عثمان، وقسمة حماد، ورنا جون، ولؤي أحمد خليل، ومراد التيجاني محمد حاج الخضر، وغيرهم حتى رفعت جلال الدين. كما تتضمن القائمة أسماء مختصرة مثل نبيل وياسر وصالح والحسن، إضافة إلى عشرين حالة مجهولة وستة من أفراد القوات المسلحة غير معلني الأسماء. ويؤكد المقال أن المحافظة على هذه الصيغة الناقصة أفضل علمياً من استكمال الأسماء بالتخمين أو نسب أسماء غير مثبتة إلى أصحابها.
ويخصص المقال مساحة مهمة للشهيدات، لأن الإحصاء العام للوفيات يخفي جوانب أساسية من العنف القائم على النوع والعمر والمكان. وتظهر قائمة الشهيدات التي نسبت إلى لجنة أطباء السودان المركزية عشر حالات تنتمي إلى فترة 2018–2019، مع استبعاد حالتين في القائمة نفسها تعودان إلى 2021. وتشمل الحالات مريم محمد عبد الله من عطبرة، التي أصيبت برصاصة في الصدر في 23 ديسمبر 2018؛ والكنينة أيوب علي، البالغة 95 عاماً، التي توفيت بالاختناق بالغاز المسيل للدموع في 15 مارس 2019؛ وبدرية إسحق من زالنجي التي أصيبت في الرأس أثناء موكب 6 أبريل؛ ونادية إسحق من زالنجي التي أصيبت في الصدر في 11 أبريل؛ ونجاة الشيخ النصيح التي أصيبت برصاصة داخل منزلها في كوبر؛ وآلاء الحبيب الأمين، الطفلة البالغة ثمانية أعوام؛ وميادة جون يوسف وجنينها التي أصيبت برصاصة في الرأس قرب القيادة العامة في 29 مايو؛ وفائزة حمزة التي توفيت في مستشفى الجودة في 30 يونيو؛ وأميرة حميدان محمد المرتبطة بالقيادة العامة في إحدى روايات القائمة؛ وقسمة حماد التي لم تتعرف الأسرة إلى جثمانها إلا في سبتمبر 2019. ويشير المقال إلى تناقضات المصدر في بعض هذه الحالات، ولا سيما اختلاف التاريخ الوارد لآلاء الحبيب الأمين بين 11 و30 أبريل، والتعارض حول تاريخ وفاة أميرة حميدان، وعدم وجود تاريخ وفاة محدد لقسمة حماد؛ ويعتبر إظهار هذه التناقضات جزءاً من الأمانة العلمية وليس نقصاً ينبغي إخفاؤه.
وتكشف المقارنة الجغرافية أن الثورات السودانية لم تكن ظاهرة خرطومية خالصة. فقد ظهرت عطبرة ومراكز السكك الحديدية في 1924، وامتدت قائمة 1964 إلى ود مدني وكسلا وبورتسودان والأبيض والفاشر والدويم، بينما سجلت القضارف في المرحلة الأولى من ثورة ديسمبر 30 وفاة من أصل 104 حالات موثقة، أي نحو 29%، مقابل 55 في ولاية الخرطوم. وتظهر أسماء ضحايا من عطبرة وزالنجي ومدن ومناطق أخرى في القوائم اللاحقة. كما تكشف المقارنة الاجتماعية انتقال الثورة من العمال والطلاب والحرفيين والعسكريين في 1924، إلى الطلاب والنقابات والمهنيين والعمال في 1964 و1985، ثم إلى تحالف اجتماعي أكثر اتساعاً في 2018–2019 ضم الشباب والنساء والأطفال والمهنيين والعمال والعاملين الصحيين وسكان المنازل وأفراداً من القوات المسلحة. لذلك فإن خريطة الشهداء هي في الوقت نفسه خريطة مكانية واجتماعية وعمرية ومهنية وجندرية.
ويبين المقال أن تطور التوثيق من ثورة إلى أخرى لا يعني بالضرورة أن الأرقام الحديثة أكثر اكتمالاً في كل لحظة؛ فثورة ديسمبر كانت الأكثر توثيقاً رقمياً، لكنها شهدت في لحظاتها الأكثر دموية انقطاع الإنترنت والاتصالات، مما جعل الوصول إلى المعلومات أصعب. وفي الثورات الأقدم كانت وسائل الاتصال أضعف، فاعتمد التوثيق على الصحف والوثائق الحكومية وشهادات الأسر والنقابات والذاكرة الشعبية. لذلك فإن غياب اسم أو منطقة من قائمة قد يعني نقصاً في التوثيق وليس بالضرورة غياب العنف. ويؤكد المقال ضرورة الفصل بين عدد الأسماء، وعدد الوفيات الموثقة دون أسماء كاملة، والتقدير الإحصائي للوفيات المحتملة.
ويشرح المقال كذلك أن الرقم 322 يجب ألا يُستخدم لإنتاج مجموع حسابي مضلل؛ فالـ8 في 1924 حد أدنى محافظ، والـ39 في 1964 قائمة شرف تاريخية، والـ7 في 1985 قائمة محدودة، والـ268 في 2019 قائمة تراكمية حتى يوليو. كما أن رقم 117 في دراسة دهاب يغطي فترة مختلفة تماماً، بينما رقم 120 على الأقل في تقارير هيومن رايتس ووتش يخص الفترة من 3 إلى 18 يونيو 2019. لذلك لا يجوز جمع 117 أو 120 فوق 268، لأن ذلك قد يؤدي إلى العد المزدوج. والأصح عرض كل رقم مع فترته الزمنية ومصدره ومنهجه.
وينتهي المقال إلى أن توثيق الشهداء يجب أن يتحول من قوائم سياسية أو تذكارية متفرقة إلى سجل وطني علمي مستقل. وينبغي أن يتضمن هذا السجل الاسم الكامل والأسماء البديلة، والجنس والعمر، وتاريخ ومكان الوفاة والإصابة، ومكان الدفن، وسبب وآلية الوفاة، والمستشفى أو المشرحة، وشهادات الأسرة والشهود، والتقارير الطبية والشرعية، والمصادر الصحفية والنقابية، والصور والتسجيلات، ورقم الحالة، ودرجة الثقة. كما ينبغي استخدام إزالة التكرار والمطابقة الاحتمالية للسجلات، ونظم المعلومات الجغرافية، والتحليل الزمني والمكاني، وربط سجلات الشهداء بالمفقودين والجثامين مجهولة الهوية، والاستفادة من عينات الحمض النووي عند الحاجة وبضمانات أخلاقية وقانونية، وإنشاء نظام لإصدارات قاعدة البيانات بحيث يكون لكل تعديل مصدر وسبب وتاريخ.
ويشدد المقال على ضرورة تصنيف الحالات حسب درجة الثقة، بحيث تكون أعلى درجات التوثيق للحالات التي تتوافر فيها وثائق طبية أو شرعية وشهادة الأسرة ومصادر مستقلة، مع عدم حذف الحالات ذات الثقة المحدودة وإنما فصلها بوضوح عن الحالات المؤكدة. كما يدعو إلى حماية بيانات الأسر والشهود، وعدم نشر المعلومات التي يمكن أن تعرضهم للخطر، وربط سجل الشهداء بسجل المفقودين والجثامين مجهولة الهوية، وعدم التعامل مع قاعدة البيانات كوثيقة ثابتة بل كسجل تاريخي قابل للتحديث والتدقيق.
وتتجاوز الخلاصة البعد الإحصائي إلى العدالة الانتقالية. فالاسم يجيب عن سؤال «من مات؟»، لكن العدالة تحتاج إلى معرفة كيفية الوفاة ومن استخدم القوة ومن أصدر الأمر وما إذا كان الاستخدام مشروعاً وما إذا كانت الجريمة فردية أم جزءاً من نمط ممنهج، وما إذا حدث تستر لاحق. ومن ثم لا ينبغي أن يحل تكريم الشهداء محل التحقيق والمساءلة والتعويض والاعتراف الرسمي. ويكشف مسار الثورات الأربع أن المدنيين دفعوا أثماناً بشرية متكررة في مقاومة الاستعمار والحكم العسكري، لكن سقوط الأنظمة لم يؤد دائماً إلى بناء مؤسسات قادرة على منع عودة الحكم العسكري؛ فقد أسقطت ثورة أكتوبر نظام عبود، ثم عاد الجيش في 1969؛ وأسقطت انتفاضة 1985 نظام نميري، ثم انتهت المرحلة الديمقراطية بانقلاب 1989؛ وأسقطت ثورة ديسمبر نظام البشير، لكن الانتقال المدني–العسكري ظل هشاً وانتهى لاحقاً إلى الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023.
ومن هنا يخلص المقال إلى أن مشكلة السودان ليست فقط في تكرار القمع، وإنما في عدم بناء مؤسسات تحول تضحيات الثورات إلى تغيير سياسي مستدام. ويتطلب ذلك إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإخضاع القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية، وإصلاح القضاء والنيابة والطب الشرعي، وضمان التحقيق المستقل في جرائم قتل المحتجين، وحماية الأطباء والصحفيين والشهود، وإتاحة المعلومات، ومنع امتلاك المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية لمصالح اقتصادية مستقلة، وبناء أرشيف وطني ديمقراطي يحفظ ذاكرة الثورات والضحايا.
وبذلك فإن الخلاصة المركزية للمقال هي أن خريطة الشهداء ليست مجرد قائمة أسماء ولا مجرد عملية حسابية. إنها وسيلة لإعادة بناء التاريخ السوداني من منظور الإنسان الذي دفع حياته ثمناً للاحتجاج، وربط الذاكرة بالتوثيق، والتوثيق بالحقيقة، والحقيقة بالعدالة، والعدالة ببناء الدولة. والعدد المحافظ البالغ 322 شهيداً وشهيدة في القوائم الأساسية لا يمثل نهاية البحث، بل نقطة بداية لسجل وطني أكثر اكتمالاً يمكن أن يكشف لاحقاً عن حالات إضافية، ويصحح التواريخ والأسماء، ويفصل بين الوفيات المباشرة والمتأخرة، ويمنع التكرار، ويعطي كل ضحية هويتها ومكانها وزمنها وقصتها. وتكمن القيمة النهائية لهذا العمل في أن تكريم شهداء 1924 و1964 و1985 و2018–2019 لا يتحقق بزيادة أعدادهم في الخطاب السياسي، وإنما بمنع إعادة إنتاج الظروف السياسية والمؤسسية التي جعلت قتلهم ممكناً، وببناء دولة مدنية ديمقراطية لا تضطر الأجيال السودانية المقبلة إلى إنتاج قائمة جديدة من الشهداء لإثبات حقها في الحرية.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: من الذاكرة الوطنية إلى سجل الشهادة القابل للتحقق
تمثل ثورات وانتفاضات السودان الكبرى في 1924 و1964 و1985 و2018–2019 سلسلة تاريخية متصلة من مقاومة الاستبداد والاستعمار والحكم العسكري، لكنها ليست أربع وقائع متطابقة من حيث طبيعة النظام الذي واجهته، أو حجم المشاركة الشعبية، أو الوسائل المستخدمة في القمع، أو درجة توثيق الضحايا. ولذلك فإن بناء «خريطة شهداء وشهيدات الثورات السودانية الأربع» لا ينبغي أن يكون مجرد تجميع لأسماء متداولة في الذاكرة السياسية، وإنما عملية تاريخية وتوثيقية تجمع بين المصادر الأكاديمية، والسجلات الصحفية، وقوائم النقابات واللجان الطبية، وشهادات الأسر والشهود، والوثائق الاستعمارية والحكومية، مع الفصل الدقيق بين العدد الموثق بالاسم، والعدد الذي تقدره منهجيات إحصائية، والعدد الذي تذكره المؤسسات الحقوقية أو السياسية بوصفه حصيلة مرحلية. وتزداد أهمية هذا التمييز لأن بعض القوائم السودانية القديمة هي قوائم شرف تذكارية وليست سجلات وفيات كاملة، بينما كانت القوائم الحديثة أكثر تفصيلاً ولكنها ظلت متأثرة بانقطاع الإنترنت، واختفاء بعض الضحايا، وصعوبة الوصول إلى المشارح والمستشفيات، والخوف من الأجهزة الأمنية، وغياب التحقيق الجنائي المستقل.
وبحسب أضيق تعريف توثيقي قابل للمقارنة، أي جمع القوائم المسماة أو شبه المسماة التي أمكن التحقق منها في المصادر المتاحة، فإن الثورات الأربع تضم ما لا يقل عن 322 شهيداً وشهيدة موثقين أو مدرجين في قوائم تاريخية/مدنية معروفة: نحو 8 في ثورة 1924 وفق الحد الأدنى القابل للتسمية الذي يمكن استخلاصه من المصادر التي جرى التحقق منها، و39 في ثورة أكتوبر 1964 في قائمة الشرف التاريخية الأشهر، و7 في انتفاضة مارس–أبريل 1985 في القائمة التي أمكن توثيقها من المصادر التاريخية والصحفية المتاحة، و268 في ثورة ديسمبر 2018–2019 في قائمة نقابة أطباء السودان الشرعية المنشورة في يوليو 2019. وبذلك يكون مجموع القوائم الأربع 322، بينها 12 شهيدة على الأقل في القوائم التي أمكن التحقق منها: واحدة في 1964، وواحدة في قائمة 1985، ونحو عشر في قائمة ضحايا ديسمبر 2018–2019 التي أصدرتها لجنة الأطباء المركزية كما أعيد نشرها، مع ضرورة التأكيد أن هذه الأرقام ليست رقماً نهائياً لعدد جميع الذين قتلوا بسبب الثورات الأربع، ولا يجوز جمعها إحصائياً كما لو كانت ناتجة عن منهجية واحدة؛ فهي حصيلة توثيقية مركبة، ويختلف نطاق كل قائمة ومنهج إدراجها ومقدار اكتمالها. ففي ثورة ديسمبر مثلاً، قدرت دراسة وبائية قائمة على ثلاث قواعد بيانات مستقلة عدد الوفيات حتى 9 أبريل 2019 بنحو 117 بعد التقدير الإحصائي، بينما سجلت نقابة الأطباء لاحقاً 268 اسماً أو حالة حتى يوليو 2019، كما خلصت هيومن رايتس ووتش إلى مقتل ما لا يقل عن 120 شخصاً في الفترة من 3 إلى 18 يونيو 2019 وحدها، وهي فترات زمنية ومناهج قياس مختلفة تماماً (Dahab, 2019).
ومن ثم فإن الرقم 322 ينبغي استخدامه بوصفه «مجموع الحالات المدرجة في القوائم التاريخية والتوثيقية الأساسية التي أمكن تحديدها»، وليس بوصفه «عدد قتلى الثورات السودانية الأربع الحقيقي». وهذه نقطة منهجية مركزية؛ لأن تحويل القوائم التذكارية إلى إجمالي ديموغرافي نهائي يؤدي إلى خلط بين الذاكرة والتعداد، في حين أن أفضل الممارسات في توثيق الوفيات الجماعية تقتضي تحديد فترة الرصد، وتعريف حالة الوفاة، وتوحيد معايير الإدراج، وإزالة التكرار، والتحقق من الهوية، وتحديد درجة الثقة، والتمييز بين الوفيات المباشرة والوفيات المتأخرة الناجمة عن إصابات سابقة، ثم استخدام أساليب إحصائية مثل التقدير متعدد النظم أو الالتقاط وإعادة الالتقاط عندما تكون هناك عدة قوائم مستقلة يمكن مقارنتها (Dahab, 2019).
ويستند ترتيب هذا المقال إلى منهجية سردية-تحليلية تبدأ من الأقدم إلى الأحدث، لأن ذلك يسمح بتتبع تطور علاقة الدولة بالقمع وتطور أدوات الاحتجاج والتوثيق معاً، ثم تنتقل من الخرائط الاسمية إلى المقارنة الكمية والجغرافية والنوعية، وتنتهي بتحويل الذاكرة إلى قاعدة بيانات وطنية قابلة للتحقق. وهذا الترتيب أفضل علمياً من ترتيب الأسماء أو المدن وحدها، لأنه يربط كل وفاة بالسياق السياسي والاجتماعي والعسكري الذي أنتجها، ويمنع التعامل مع «الشهيد» بوصفه رقماً منفصلاً عن بنية الحدث.
- 1924: البداية الوطنية التي جعلت الدم جزءاً من ذاكرة الدولة السودانية
كانت ثورة 1924، المعروفة بحركة اللواء الأبيض، أول انتفاضة وطنية سودانية واسعة ضد نظام الحكم الثنائي البريطاني–المصري، ولذلك فإن إدراجها ضمن «الثورات السودانية الأربع» يحتاج إلى قدر من الدقة التاريخية. فهي لم تُسقط نظاماً سياسياً كما حدث في 1964 و1985، ولم تنته بإطاحة رأس الدولة كما حدث في 2019، لكنها مثلت لحظة مبكرة ومهمة في انتقال المعارضة السودانية من المطالب الإصلاحية المحدودة إلى حركة وطنية ذات تنظيم وشعارات وشبكات اجتماعية وعسكرية، وامتدت من الخرطوم إلى بورتسودان وعطبرة وغيرها. وقد أظهرت دراسة إلينا فيزاديني أن الحركة لم تكن كتلة اجتماعية متجانسة، بل جمعت طلاباً وعمالاً وحرفيين وموظفين وأفراداً من القوات العسكرية، وأن قوائم الاستخبارات البريطانية أحصت نحو 120 عضواً معروفاً في اللواء الأبيض، وكان جزء كبير منهم من السودانيين المتعلمين والعاملين في السكك الحديدية والبريد والبرق، إلى جانب ضباط سابقين في الجيش المصري وحرفيين وتجار (Vezzadini, 2015). وتكشف هذه البنية الاجتماعية أن الثورة كانت مبكرة في بناء التحالف بين التعليم الحديث والطبقة العاملة والجيش والمدينة، وهو نمط سيظهر بصورة أكثر وضوحاً في 1964 و1985 ثم يتسع بصورة هائلة في 2018–2019.
في 4 يوليو 1924 اعتقلت السلطات علي عبد اللطيف، أحد أبرز قادة الحركة، لكن الاعتقال لم ينه الاحتجاج، بل أدى إلى اتساعه. وفي أواخر يوليو وأغسطس امتدت الاحتجاجات إلى بورتسودان وعطبرة، وفي عطبرة كان وجود عمال السكك الحديدية والكتيبة المصرية التابعة للسكة الحديد عاملاً حاسماً في جعل المدينة واحدة من المراكز المبكرة للاحتجاج. وعندما أُوقف صالح عبد القادر ونُقل بالقطار إلى الخرطوم، تجمع المتظاهرون في عطبرة، وكان بينهم مصريون من كتيبة السكك الحديدية وسودانيون من الحرفيين والعمال. تطورت المواجهة إلى إطلاق نار أدى إلى مقتل أربعة متظاهرين وإصابة 19 آخرين؛ وتؤكد فيزاديني أن المصادر التي درستها لا توفر في النص الذي أمكن التحقق منه أسماء هؤلاء الأربعة كاملة، ولذلك لا يجوز اختلاق أسماء لهم لمجرد استكمال «الخريطة» الاسمية (Vezzadini, 2015).
وفي 9 أغسطس 1924 خرج جميع طلاب الكلية الحربية، وعددهم 51 طالباً وفق فيزاديني، في مظاهرة، وهو حدث يكشف أن الصراع لم يعد محصوراً في المدنيين. وفي نوفمبر وصل الصراع إلى مرحلته المسلحة بعد اغتيال السير لي ستاك في القاهرة في 19 نوفمبر 1924 وما ترتب عليه من القرارات البريطانية الخاصة بإخراج القوات المصرية من السودان. وفي 27–28 نوفمبر وقعت المواجهة المسلحة التي قاد فيها عبد الفضيل الماظ مجموعة من الضباط والجنود السودانيين، وانتهت بمقتله داخل المستشفى العسكري بعد أن واصل إطلاق النار على القوات البريطانية. وتختلف الروايات الشعبية في تقدير عدد قتلى المعركة بصورة كبيرة، ولذلك لا يجوز اعتماد الأرقام المرتفعة المتداولة في بعض المصادر غير الأكاديمية بوصفها حصيلة نهائية؛ أما فيزاديني فتثبت مقتل عبد الفضيل الماظ في القتال، ثم إعدام ثلاثة من رفاقه، هم ثابت عبد الرحيم وحسن فضل المولى وسليمان محمد، في 5 ديسمبر 1924، بينما صدر العفو عن علي البنا في اللحظة الأخيرة (Vezzadini, 2015).
وبناءً على هذا التعريف المحافظ، فإن العدد الأدنى القابل للتوثيق الاسمي في خريطة شهداء 1924 هو 8 حالات: أربعة متظاهرين قتلوا في عطبرة، وعبد الفضيل الماظ الذي قتل في معركة نوفمبر، وثلاثة ضباط أعدموا في 5 ديسمبر 1924. وهذا الرقم لا يعني أن ثمانية فقط ماتوا بسبب الثورة؛ بل يعني أن هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن بناءه من الحالات التي أمكن تثبيتها بالاسم أو الحدث في المصادر التي جرى التحقق منها. ومن المهم جداً ألا تُضاف إلى هذا الرقم تلقائياً روايات تتحدث عن أعداد أخرى من قتلى القوات السودانية أو البريطانية ما لم يكن من الممكن تحديد هويتهم وانتمائهم إلى الحدث بصورة مستقلة. وتذكر بعض الروايات السودانية أن المستشفى العسكري سجل 28 قتيلاً في المواجهة، بينهم عبد الفضيل الماظ و14 من صف الضباط و13 من الجنود، لكن هذا الرقم يحتاج إلى فصل أرشيفي أدق لتحديد هويات القتلى وانتماءاتهم قبل إدخاله في سجل شهداء الثورة على قدم المساواة مع الحالات الثماني الموثقة اسماً (Vezzadini, 2015).
وهكذا يصبح إجمالي شهداء 1924 في الخريطة المحافظة = 8، منهم 0 شهيدات موثقات بالاسم في المصادر التي جرى التحقق منها. لكن أهمية 1924 لا تقاس بالعدد وحده؛ فقد نقلت الحركة فكرة المقاومة الوطنية إلى شبكة مدينية وعمالية وعسكرية، وأصبحت عطبرة والسكك الحديدية جزءاً من تاريخ المقاومة السودانية، بينما تحولت شخصية عبد الفضيل الماظ إلى رمز وطني استمر حضوره في الذاكرة السياسية السودانية بعد عقود من وفاته.
- 1964: القرشي وبخيتة الحفيان واتساع دائرة الموت من الجامعة إلى الأقاليم
كانت ثورة أكتوبر 1964 أكثر نجاحاً من ثورة 1924 من حيث النتيجة السياسية المباشرة، إذ أدت إلى سقوط نظام الفريق إبراهيم عبود وفتح الطريق أمام انتقال مدني. وقد ركزت الدراسات الأكاديمية، وعلى رأسها دراسة يوسف فضل حسن، على خلفية انقلاب 1958، وتراكم المعارضة، وتطور الحركة الطلابية والنقابية، ثم انفجار الاحتجاج في أكتوبر 1964 (Hasan, 1967). كما أعاد ويلو بيريدج بناء الثورة من خلال مقابلات ووثائق ومصادر عربية وإنجليزية، مركزاً على أدوار الطلاب والمهنيين والعمال والأحزاب والقوات المسلحة وقوى الأمن (Berridge, 2015).
وتحتفظ الذاكرة السودانية بقائمة شرف شهيرة تضم 39 شهيداً وشهيدة في أحداث أكتوبر 1964، وهي القائمة التي ينبغي اعتمادها بوصفها «القائمة التذكارية التاريخية الأساسية» لا بوصفها سجلاً إحصائياً كاملاً. وتضم: أحمد القرشي طه من جامعة الخرطوم؛ مدني التيجاني المرضي من المعهد الفني/جامعة السودان؛ محمد حسن مختار قرب حديقة القرشي؛ عبد المولى عبد الرازق مرجان بمستشفى الخرطوم؛ مصطفى محمد متولي العتباني أمام القصر الجمهوري؛ عز الدين محمد خالد التنقاري في ساحة الشهداء؛ النور علي التنقاري أمام القصر الجمهوري؛ محمد عبد العزيز أحمد أمام القصر الجمهوري؛ ضوالبيت محمد بيلو في الخرطوم جنوب؛ لورنس ديمتري في ساحة الشهداء؛ عبد الرحيم حمد محمد حران أمام القصر الجمهوري؛ مبيور شول في ساحة الشهداء؛ بابكر حسن عبد الحفيظ في مستشفى الخرطوم؛ ميرغني علي أحمد نمر أمام القصر الجمهوري؛ أحمد عثمان سعد أمام القصر الجمهوري؛ صالح عثمان مبروك أمام القصر الجمهوري؛ حسين محمد خير أمام القصر الجمهوري؛ بخيتة المبارك الحفيان في مستشفى أم درمان؛ عوض إبراهيم عبد الرحمن في سوق أم درمان؛ حسن أحمد عبد الله يسن في ود مدني/الدردق؛ يوسف علي الحاج من الدويم في مستشفى أم درمان؛ كمال محمد إبراهيم في كسلا؛ محمد الخليفة أحمد في بورتسودان؛ محمد عباس التيجاني في الأبيض/مستشفى كردفان؛ صالح عبد الله أحمد في الفاشر/مستشفى الفاشر؛ أحمد الأمين الشريف إسحق في الفاشر/المستشفى؛ عوض عبد القادر بابكر أمام القصر الجمهوري؛ عوض حسين محمد الحسن في مستشفى الخرطوم؛ إبراهيم محمد نور في مستشفى الخرطوم؛ فرح عثمان صالح ضرغام في مستشفى الخرطوم؛ عبد الرؤوف محمد سيد أحمد في مستشفى الخرطوم؛ محمد الأمين أبو القاسم أحمد المصطفى على طريق الخرطوم–الحصاحيصا؛ إبراهيم عمر حسن في الخرطوم؛ علي أحمد عمر في الخرطوم؛ إدريس عبد الله في الخرطوم؛ خضر محمد إبراهيم في الخرطوم؛ محمد هارون في الخرطوم؛ دقين ماجوك في الخرطوم؛ ومهاجر يعقوب (حسن، 1967).
وتكشف هذه القائمة، حتى مع محدوديتها، أن أكتوبر لم تكن ثورة جامعية خالصة. صحيح أن أحمد القرشي طه أصبح رمزها الأشهر، وأن سقوطه في بداية الاحتجاجات تحول إلى شرارة سياسية، إلا أن الضحايا ظهروا أيضاً أمام القصر الجمهوري، وفي مستشفيات الخرطوم وأم درمان، وفي سوق أم درمان، وود مدني، وكسلا، وبورتسودان، والأبيض، والفاشر، وعلى طريق الخرطوم–الحصاحيصا. وبذلك تقدم قائمة الشهداء نفسها دليلاً جغرافياً على انتقال الثورة من العاصمة إلى الأقاليم، وعلى اتساع نطاق المواجهة بين السلطة والمتظاهرين (Hasan, 1967).
أما بخيتة المبارك الحفيان فهي الحالة النسائية الأوضح والأكثر أهمية في قائمة أكتوبر. فهي المرأة الوحيدة في قائمة الشرف التقليدية ذات الأسماء التسعة والثلاثين، ولذلك يصبح عدد الشهيدات في الخريطة المحافظة لثورة 1964 شهيدة واحدة من أصل 39. وتروي المصادر المحلية أن بخيتة أصيبت أثناء موكب تشييع عوض إبراهيم عبد الرحمن في أم درمان في 24 أكتوبر 1964، وأن إطلاق النار أصابها وهي قرب منزلها في ود نوباوي، ثم نقلت إلى مستشفى أم درمان وتوفيت متأثرة بجراحها. وتختلف بعض التفاصيل بين الروايات، بما في ذلك الموضع الدقيق للرصاصة ومسار نقلها، لكن المصادر المتقاطعة تتفق على إدراجها في قائمة الشهداء وعلى كونها المرأة الوحيدة في القائمة المعروفة (عثمان والجزولي، 2017).
ومن المهم فصل حالة بابكر أيوب عن الرقم 39. فقد أصيب في أحداث أكتوبر 1964 وظل يعاني من آثار الإصابة، وتلقى علاجاً وجراحة في القاهرة، ثم توفي في 6 أكتوبر 1990 في مستشفى أم درمان العسكري. ولذلك تصفه بعض الروايات بأنه «الشهيد الأخير» لأكتوبر، لكن وفاته لم تقع أثناء الثورة نفسها. ومن الناحية الوبائية والتاريخية ينبغي إدراجه في فئة مستقلة هي «الوفيات المتأخرة المنسوبة إلى إصابات الثورة»، وليس إضافته تلقائياً إلى عدد الوفيات المعاصرة للحدث. وبذلك يبقى إجمالي شهداء أكتوبر 1964 = 39، منهم شهيدة واحدة موثقة في قائمة الشرف؛ ويضاف بابكر أيوب إلى سجل الوفيات المتأخرة ولا يدخل في الرقم الأساسي 39 (عثمان والجزولي، 2017).
- 1985: عشرة أيام هزت السودان، لكن الذاكرة التوثيقية بقيت أقل اكتمالاً
أطاحت انتفاضة مارس–أبريل 1985 بنظام جعفر محمد نميري، وكانت امتداداً لنمط سوداني أصبح واضحاً: تعبئة مدنية واسعة، مشاركة الطلاب والعمال والمهنيين، اتساع الاحتجاج في الخرطوم والمدن، ثم انحياز قطاعات من القوات المسلحة إلى الجماهير في اللحظة الحاسمة. وقد درس بيريدج انتفاضة 1985 بوصفها عملية سياسية مركبة لا يمكن اختزالها في لحظة سقوط نميري، وربطها بالأزمة الاقتصادية، وبنية المعارضة، ودور النقابات والطلاب والقوى الحديثة والقوات المسلحة، ثم بالانتقال الذي انتهى لاحقاً إلى انقلاب 1989 (Berridge, 2015).
أما من حيث الضحايا، فإن المصادر التي أمكن التحقق منها تقدم قائمة أصغر بكثير من قوائم 1964 و2019، لكنها لا تدعي أنها سجل كامل. وتشمل القائمة: وليم دينج، الذي يذكر المصدر أنه أول الشهداء وعمره 20 عاماً؛ أزهري مصطفى، الذي سقط في حي السجانة صباح 27 مارس 1985؛ مشاعر محمد عبد الله، وهي طفلة عمرها سنة ونصف توفيت أثناء هروب أمها؛ عبد الجليل طه علي، وعمره 35 عاماً؛ حامد حسن محمد؛ بول مات، وكان يسكن الحاج يوسف؛ ومحمد حسن أحمد فضل الله، موظف بنك السودان، الذي سقط في 3 أبريل 1985 (عبد اللطيف، 1985؛ جادين، 2002).
وتذكر الروايات المتاحة أن عبد الجليل طه علي أصيب بطلق ناري في الظهر وتوفي أثناء نقله للعلاج، وأن أزهري مصطفى أصيب في السجانة في 27 مارس، بينما كانت مشاعر محمد عبد الله ضحية غير مباشرة للعنف أثناء محاولة الفرار. وتكشف حالة مشاعر خصوصاً أن مفهوم «الشهيد» لا ينبغي أن يقتصر على الشخص الذي أصيب برصاصة في مواجهة مباشرة؛ فالوفيات المدنية الناجمة عن الهلع والقمع وحالة الفوضى المرتبطة بالاحتجاج تدخل أيضاً في نطاق الخسائر البشرية إذا أمكن إثبات السببية (عبد اللطيف، 1985؛ جادين، 2002).
وبحسب هذه القائمة المحافظة، فإن إجمالي شهداء انتفاضة مارس–أبريل 1985 = 7، بينهم شهيدة واحدة هي الطفلة مشاعر محمد عبد الله. إلا أن هذا الرقم أقل درجة في الاكتمال من رقم أكتوبر 1964 ومن قائمة ديسمبر 2019، ولا توجد قاعدة بيانات وطنية مستقلة مماثلة لدراسة 2018–2019 تسمح بتقدير إجمالي وفيات 1985 باستخدام الالتقاط وإعادة الالتقاط. كما أن بعض الأسماء المتداولة في الذاكرة الشعبية تحتاج إلى إعادة تحقق من الوثائق الأصلية؛ ولذلك فإن الرقم 7 ينبغي وصفه بأنه عدد الأسماء التي أمكن توثيقها في القائمة التاريخية المستخدمة هنا، لا باعتباره حداً أعلى لكل الوفيات التي حدثت أثناء الانتفاضة.
- 2018–2019: الثورة الأطول والأكثر توثيقاً والأشد تعقيداً في حساب الشهداء
بدأت احتجاجات ثورة ديسمبر في 19 ديسمبر 2018، ثم تحولت تدريجياً من احتجاجات مرتبطة بالخبز والوقود والأزمة الاقتصادية إلى حركة سياسية تطالب بسقوط نظام عمر البشير، وانتهت بإطاحته في 11 أبريل 2019. لكن الثورة لم تنته في ذلك اليوم؛ إذ انتقلت إلى اعتصام القيادة العامة ثم إلى صراع على طبيعة المرحلة الانتقالية، وانتهت واحدة من أكثر حلقاتها دموية في فض الاعتصام في 3 يونيو 2019. وتظهر الدراسات الأكاديمية أن الثورة جمعت الطلاب والمهنيين والعمال والنساء والشباب ولجان المقاومة وقوى مدنية واسعة، بينما لعبت الأجهزة الأمنية والقوات شبه العسكرية أدواراً مختلفة في قمع الاحتجاج أو التفاوض معه (Hassan & Kodouda, 2019).
ويعد بحث دهاب وزملائه من أهم الدراسات العلمية في قياس خسائر المرحلة الأولى. فقد استخدم الباحثون ثلاث قوائم عامة مستقلة للوفيات والإصابات والاعتقالات، ثم طبقوا منهجية الالتقاط وإعادة الالتقاط، وهي طريقة تسمح بتقدير الحالات التي لم تظهر في أي قائمة منفردة. وحتى نهاية فبراير 2019، ظهرت 69 وفاة في واحدة على الأقل من القوائم، بينما قدر النموذج البايزي العدد بنحو 75 حالة، مع مجال ثقة 95% من 71 إلى 100. وأضافت الفترة من 1 مارس إلى 5 أبريل 14 وفاة، ثم سجلت الفترة من 6 إلى 9 أبريل 21 وفاة إضافية مع تقدير حالتين غير مدرجتين، لتصل التقديرات للفترة من ديسمبر 2018 حتى 9 أبريل 2019 إلى نحو 112 وفاة على الأقل، أو قرابة 117 وفق تحليل الحساسية. وكان من بين 104 متوفين أمكن التحقق منهم في القوائم الأربع نساء أربع، أي نحو 4%، بينما كان 100 من الذكور، وكان ما لا يقل عن 15 من المتوفين دون الثامنة عشرة. كما كانت 66 وفاة من أصل 89 حالة عُرفت آلية وفاتها نتيجة إطلاق النار، و8 نتيجة عبوات متفجرة، و6 نتيجة التعذيب أثناء الاحتجاز، و5 نتيجة الاختناق بالغاز المسيل للدموع، و4 نتيجة الدهس بمركبات أمنية (Dahab, 2019).
وتكشف الدراسة أيضاً التفاوت الجغرافي في العنف؛ فقد سجلت ولاية الخرطوم 55 من أصل 104 وفيات موثقة في قاعدة البيانات، أي نحو 53%، بينما سجلت القضارف 30 وفاة، أي نحو 29%. وكان 20 ديسمبر 2018 أكثر الأيام دموية في قاعدة بيانات الدراسة، إذ سجلت 34 وفاة، بينها 25 في القضارف. وهذا الرقم الأخير مهم للغاية لأنه يكسر السردية التي تختزل ثورة ديسمبر في الخرطوم وحدها؛ فالعنف كان منتشراً في المدن والأقاليم، وكان بعض أكثر الأيام دموية خارج العاصمة (Dahab, 2019).
كما وثقت الدراسة إصابة أو مقتل عاملين صحيين أثناء أداء عملهما داخل المستشفيات، وهو أمر يوضح أن القمع لم يقع فقط في الشوارع، بل امتد إلى المجال الطبي نفسه. وسجلت قاعدة البيانات 934 حالة احتجاز حتى 8 أبريل 2019، من بينهم 151 امرأة، أي نحو 19%، إضافة إلى ستة قاصرين على الأقل. وهذه المعطيات تجعل الثورة واحدة من أكثر حالات الاحتجاج السوداني التي أمكن إخضاعها لتحليل وبائي منهجي (Dahab, 2019).
لكن الدراسة لم تغط فض اعتصام القيادة العامة وما بعده على النحو الذي فعلته القوائم اللاحقة. لذلك فإن رقم 117 لا يمثل العدد الكلي لشهداء ثورة ديسمبر. وفي 23 يوليو 2019 نشرت نقابة أطباء السودان الشرعية قائمة تضم 268 حالة: 242 اسماً أو اسماً جزئياً معروفاً، و20 حالة مجهولة الهوية، و6 من أفراد القوات المسلحة لم تُكشف أسماؤهم. وقد أكدت النقابة نفسها أن القائمة ليست نهائية وأن العدد قابل للزيادة، وأنها واجهت صعوبات كبيرة في التحقق بسبب الانقطاع الأمني للاتصالات والإنترنت، وبسبب المفقودين وصعوبة التواصل الميداني عقب فض الاعتصام. ومن ثم فإن 268 هو العدد التوثيقي للقائمة المنشورة، وليس تقديراً إحصائياً نهائياً لجميع قتلى الثورة (نقابة أطباء السودان الشرعية، 2019).
وبذلك يصبح إجمالي شهداء ثورة ديسمبر 2018–2019 وفق قائمة نقابة الأطباء = 268، منهم 242 اسماً معروفاً أو شبه معروف، و20 مجهولي الهوية، و6 من القوات المسلحة لم تكشف النقابة أسماءهم. ولا يجوز القول إن جميع الـ268 كانوا مدنيين متظاهرين، لأن القائمة نفسها تميز ستة من أفراد القوات المسلحة. كما لا يجوز اعتبار الـ242 اسماً أسماءً كاملة في كل الحالات، إذ تتضمن القائمة أسماء مختصرة أو أسماء أولى أو أسماء حركية أو بيانات ناقصة مثل «نبيل»، و«ياسر»، و«صالح»، و«الحسن»، وغيرها. وهذا جزء من حقيقة التوثيق نفسه، وليس نقصاً ينبغي تعويضه بالاختلاق.
وتضم القائمة المسماة التي نشرتها النقابة، بالترتيب الذي وردت به، الأسماء التالية: محمد عيسى (ماكور)، مهند أحمد محمود عبد القادر، حامد عبد الملك حامد مرسال، النور عبد الغني عبد اللطيف، طارق محمد سليمان العوض، نبيل، مجاهد عبد الله سليمان، أبا ذر أسامة، محمد عبد الرحمن، عثمان تيه كافي، أحمد محمد، الصادق التيجاني محمد الحسن، مأمون أحمد الخير، طارق أحمد علي عبد الجليل، عصام علي حسين، محمد فرح، عثمان سليمان، محمدعبده لوكية، مازن عبد الله، النذير هاشم، أحمد صلاح أبو ريش، شوقي الصادق إسحق، محمد إسماعيل، مازن محمد مجذوب عبد المعروف، مريم محمد عبد الله، محمد عبد الله محمد الحسن (عكود)، عبد الرحمن الصادق سمل، صالح يعقوب عمر سليمان، محمد الفاتح مصطفى خوجلي، صالح صالح عبد الوهاب، حذيفة محمد عثمان، وليد محمد عبدالعال البرديسي، حسن محمد عمر، لؤي أحمد خليل، الفاتح عمر النمير، بابكر عبد الحميد سلامة، معاوية بشير خليل يوسف، محجوب التاج محجوب، عبد العظيم بابكر عمر الإمام، هيف النو صابون عقيد، فائز عبد الله عمر آدم، حسن طلقا، أحمد الخير عوض الكريم، سعاد قرشاب، أبوبكر عثمان يوسف، مؤيد ياسر جمعة سليمان، الكنينة أيوب علي، حسن التوم عيسى، هاشم عثمان حضرة، حسن عثمان الحداد، المعز عطايا موسى، بدرية إسحق، عمرو جمال أحمد عبد الحمبد، مآب حنفي كرار، أحمد إبراهيم تبيدي، أحمد عبد الرازق أمين، أحمد صلاح الدين، المعز عثمان حسن محمد علي بركات، إبراهيم عثمان، بكري أحمد بكري خير الله، أحمد صافي الدين ضي النور، أبو القاسم آدم إسحق صالح، أحمد منصور، أحمد مجذوب أحمد، سامي شيخ الدين، مهند محمد عثمان بشارة، عثمان جمعة عبد الله، أحمد محمود قادم حماد، أحمد معتز (حنين)، قريب الله محمد محمود قميحة، صابر آدم، محمد عادل صالح فضل، النذير عبد الباقي، عبد الله يوسف محمد عبد الله المرضي، حسن أحمد أبو القاسم، ناشد سعيد، نجاة الشيخ النصيح، عبد الكريم أحمد، محمد الفاتح محمد نصحي، عبد العزيز سليمان حامد، عمر عثمان محمد سليمان، محمد الدخيري الضاوي العجب، أحمد إبراهيم، بدوي عبد الباقي، كمال آدم عبد الله، مختار عبد الله صالحين، داوود آدم، صالح إسماعيل البشر، نادية إسحاق، متوكل عبد العظيم، ملازم آدم أبكر، طه عمر إبراهيم، عبد الماجد إبراهيم، محمد صالح عثمان خير محمد، محمد علي، الرشيد عبد الله محمد، نزار جبريل عبد الرحمن، إبراهيم محمد طه (الزنجي)، أدهم عادل محمد، أبو هريرة أحمد، نور الدين عبد الله جابر، آلاء الأمين الحبيب الشريف، محمد عبد القادر، سعد محمد أحمد، علي التاج حسن (كسكتا)، دريج عبد الرحمن موسى، محمد إبراهيم آدم، أحمد كرومة أحمد ديدان، محمد عيسى (دودو)، محمد عبد العظيم عبد الحميد، محمد زين الحاج، ميادة جون يوسف، علاء الدين صابر، عبد الباسط عبد الله عيسى، عبد السلام كشة عبد السلام، مجتبى صلاح أحمد الهادي، علي محمد النور (سامبا)، سعيد محمد سعيد، محمد هاشم صلاح مطر، صلاح الدين سيف الدولة عبد الرحمن علي طه، النعمان رجب كافي، أحمد محمد الفكي (كهربا)، فائزة أحمد عثمان، مراد التيجاني محمد حاج الخضر، حذيفة محمد عبد الله، برعي معتصم سيف الدين، فيصل عبد العزيز عبد الله، عباس فرح عباس، إسماعيل علي عبد الهادي، آدم الدومة، محمود عبد الله الأمير، ضو البيت إبراهيم مختار، عثمان عابدين محمود، حنفي عبد الشكور حنفي، خاطر حسين خاطر، عثمان محمد قسم السيد، منير يوسف الأمين، عبد الوهاب السعيد، سعد منصور عابدين، عمرو إبراهيم، عدي بشير نوري، وليد بخيت الطيب، إبراهيم موسى، عثمان إبراهيم حسين، مدثر إدريس محمد زين، عيد فاروق أحمد، عثمان حسب الله صديق، محمد فتحي علي إبراهيم، أحمد جعفر مصطفى خوجلي، عوض سيف عطايا، علي الفاضل، أبوبكر خضر رضوان، ياسر، الوسيلة نادر، رنا جون، قسمة حماد، محمد علي محفص، محمد محمود محمد حمدي، زروق طارق زروق، عيسى محمد عيسى، مصطفى التاج محمد عثمان، برعي آدم يوسف، الحاج سليمان، معاذ عبد الله حماد، أيوب محمد أبكر، ناجي خندقاوي عيسى، مهند محمد فؤاد، هيثم أنور، مصعب سعيد الشغيل، محمد عبد المحمود فضل المولى سعيد، عز الدين محمد بشرى، صديق الحاج أحمد أبكر، عمر محمد حسين بحر، الأمين إسماعيل الأمين، حسام سيف اليزل، لوال وليم باك، مصطفى رابع محمد صالح، جدو محمد بركة حمدان، مجاهد جمعة رمضان، محمد السر خميس إبراهيم، عامر آدم يوسف عبد الكريم، جمعة إسماعيل أحمد شرف الدين، محمد إدريس الفكي جدو، بدر الدين رابع محمد علي، صابر التيجاني عبد الرحمن، النذير عبد الرحمن، ياسر علي محمد عبد الله، مجاهد عز الدين محمد نصر، محمد أحمد عبد القيوم، محمد المجتبى عبد الرحمن ضوينا، مصطفى سليمان عبد الله راعومة، علي فضل العاطي علي، علي صابون حسن، صديق إبراهيم عثمان، محمد تاج السر محمد، عبد العزيز سعيد أمين، غبوش مبارك آدم، عثمان سيد أحمد، جبر الله محمد معلا، المليح محمد معلا، تاج الدين الأول درمان، محمد سليمان جالفور، حسين يوسف، عصام محمد نور، عمرو أنس محمد الهادي، وليد عبد الرحمن سالم، محمد عبد الله محمد، إبراهيم صالح عمر، صالح، عبد الرحمن حماد سليمان، أيمن أسامة، شالوت شول شوال، عثمان إبراهيم إسحاق القوني، الحسن، المعز سليمان، صمويل إيمانويل، زمران حسن يوسف، مجدي آدم بابكر، الفاضل زكريا إبراهيم، آدم عبد الله النور، محمد سولي، عبد الله حمو، محمد آدم رمضان، عبد العزيز آدم النور، الشيخ شمس الدين، آدم يعقوب خاطر، كمال شرحبيل، عوض عبده، مروان عثمان الصادق حميدة، محمد عبد الرحمن آدم عبد الرحمن، حامد يوسف، خالد عوض، محمد عثمان إسحق، مأمون الطيب بشير، دفع الله الضو، عبد الله آدم يحيى، زكي مجدي زكي سر الختم، عمار الدرديري، أنور حسن إدريس، محمد مصطفى ود ملح، مدثر عبد الرحمن حسن، ورفعت جلال الدين. وتضيف القائمة عشرين حالة مجهولة الهوية، وستة من أفراد القوات المسلحة لم تُكشف أسماؤهم (نقابة أطباء السودان الشرعية، 2019).
- شهيدات ديسمبر: المرأة التي تكشفها القوائم وتخفيها الإحصاءات
تكشف الثورة الأخيرة بصورة أوضح من الثورات السابقة الحاجة إلى سجل مستقل للنساء؛ لأن العدد الإجمالي للوفيات لا يبين طبيعة العنف الواقع على النساء، ولا يوضح حالات القتل داخل المنازل، ولا الوفيات المرتبطة بالهرب، ولا حالات الحمل، ولا الأطفال، ولا الإصابات التي لا تصل إلى المستشفى. وتظهر دراسة دهاب أن النساء شكلن 4% من الوفيات التي أمكن التحقق منها في المرحلة التي درستها، لكنها سجلت في الوقت نفسه أن النساء شكلن 19% من المعتقلين الموثقين، ما يعني أن انخفاض نسبة الوفيات النسائية لا يمكن تفسيره باعتبار النساء أقل مشاركة في الحركة؛ بل ربما يعكس اختلافاً في أنماط الاستهداف والعنف والوصول إلى التوثيق (Dahab, 2019).
وتتضمن قائمة الشهيدات التي أعيد نشرها عن لجنة أطباء السودان المركزية عشر حالات تنتمي إلى فترة الثورة 2018–2019، مع استبعاد حالتين وردتا في القائمة نفسها لكنهما تعودان إلى نوفمبر 2021، أي إلى فترة مختلفة تماماً. وتشمل القائمة: مريم محمد عبد الله من عطبرة، التي أصيبت برصاصة حية في الصدر في 23 ديسمبر 2018؛ الكنينة أيوب علي، البالغة 95 عاماً، في بري الدرايسة، التي توفيت اختناقاً بالغاز المسيل للدموع في 15 مارس 2019؛ بدرية إسحق، 22 عاماً، من زالنجي، التي أصيبت برصاصة في الرأس أثناء موكب 6 أبريل 2019؛ نادية إسحق، 23 عاماً، من زالنجي، التي أصيبت برصاصة في الصدر في 11 أبريل 2019؛ نجاة الشيخ النصيح في كوبر بالخرطوم بحري، التي أصابتها رصاصة طائشة داخل منزلها في 11 أبريل 2019؛ آلاء الحبيب الأمين، 8 سنوات، التي أصيبت برصاصة في الرأس؛ ميادة جون يوسف وجنينها، التي كانت في الثلاثينيات وأصيبت برصاصة في الرأس قرب القيادة العامة في 29 مايو 2019؛ فائزة حمزة التي توفيت في مستشفى الجودة في 30 يونيو 2019؛ أميرة حميدان محمد المرتبطة بالقيادة العامة في 30 يونيو وفق أحد حقول القائمة؛ وقسمة حماد التي نقلت جثتها إلى مشرحة المستشفى الأكاديمي ولم تتعرف الأسرة إليها إلا في 22 سبتمبر 2019 (لجنة أطباء السودان المركزية، 2021). وهذه الحالات العشر تمثل، في هذه القائمة تحديداً، الحد الأدنى الموثق للشهيدات في فترة الثورة، لكنها لا تثبت أن عشر نساء فقط قتلن خلال الثورة.
ويجب تسجيل تناقضات المصدر بدلاً من تسويتها بالحدس. ففي حالة آلاء الحبيب الأمين تذكر إحدى خانات القائمة تاريخ 11 أبريل 2019، بينما تذكر خانة أخرى «تاريخ الاستشهاد: 30 أبريل 2019»، ولا يمكن اختيار أحد التاريخين بوصفه حقيقة نهائية من دون العودة إلى السجل الأصلي. وفي حالة أميرة حميدان محمد، تذكر القائمة تاريخ 30 يونيو 2019، بينما تورد رواية أخرى أنها اختفت أو توفيت بعد 17 أبريل ثم عثر على جثمانها لاحقاً في النيل. أما قسمة حماد، فإن 22 سبتمبر يمثل تاريخ التعرف إلى الجثمان وليس بالضرورة تاريخ الوفاة. وهذه الأمثلة مهمة لأنها توضح أن الدقة العلمية لا تعني ملء الفراغات، وإنما تعني إبقاء الفراغات مرئية إلى أن يحسمها الدليل.
وعليه فإن عدد شهيدات ثورة ديسمبر 2018–2019 في الخريطة المحافظة = 10 حالات موثقة في قائمة الشهيدات التي أمكن التحقق منها، مع التنبيه إلى أن الدراسة الوبائية المبكرة وثقت أربع نساء من بين 104 وفيات في الفترة التي غطتها، وأن القوائم اللاحقة وسعت نطاق الرصد. أما الحالتان اللتان وردتا في القائمة نفسها باسم رماز حاتم العطا وست النفور أحمد وتعودان إلى نوفمبر 2021، فيجب استبعادهما من خريطة ثورة ديسمبر 2018–2019 ومن إجمالي 268 الخاص بالقائمة المنشورة في يوليو 2019.
- الخريطة الجغرافية والاجتماعية: الثورة السودانية لم تكن خرطومية ولا ذكورية ولا جامعية فقط
عند جمع المواقع المرتبطة بالضحايا الأربع، تظهر خريطة أكثر اتساعاً من الصورة التقليدية التي تختزل الثورات السودانية في وسط الخرطوم. ففي 1924 كانت عطبرة مركزاً بالغ الأهمية بسبب السكك الحديدية والعمال والكتيبة المصرية، بينما امتدت الحركة إلى بورتسودان والخرطوم ومدن أخرى. وفي 1964 نجد الخرطوم وأم درمان، لكن القائمة نفسها تشمل ود مدني، كسلا، بورتسودان، الأبيض، الفاشر، الدويم، وطريق الخرطوم–الحصاحيصا. وفي 2018–2019 تؤكد الدراسة الوبائية أن القضارف وحدها سجلت 30 وفاة من أصل 104 حالات موثقة، أي نحو 29%، مقابل 55 في ولاية الخرطوم، كما أظهرت القائمة الاسمية وجود ضحايا من عطبرة وزالنجي ومدن ومناطق أخرى (Dahab, 2019).
كما تتغير الخريطة الاجتماعية للضحايا. ففي 1924 يظهر العامل والحرفي والجندي والطالب. وفي 1964 يظهر الطالب والموظف والعامل والتاجر والمدني، بينما تكشف 1985 عن الموظف المصرفي والطفل والمدنيين في الأحياء. أما 2018–2019 فتتسع الفئات بصورة كبيرة لتشمل الأطفال والشباب والنساء والعمال والطلاب والمهنيين والسكان داخل منازلهم والأشخاص الموجودين في أماكن الاحتجاج والعاملين في المجال الطبي، إضافة إلى أفراد من القوات المسلحة ضمن القائمة التوثيقية. ولذلك فإن «خريطة الشهداء» ليست فقط خريطة مكانية، وإنما هي خريطة طبقية وعمرية وجندرية ومهنية أيضاً.
وتظهر قضية الأطفال بوضوح خاص في ثورة ديسمبر؛ فقد سجلت دراسة دهاب أن ما لا يقل عن 15 من المتوفين في المرحلة التي درستها كانوا دون 18 عاماً، كما تضمنت قائمة النقابة حالات معروفة مثل مراد التيجاني محمد حاج الخضر، الذي يظهر في البيانات المتداولة بوصفه طفلاً، وحذيفة محمد عبد الله، إلى جانب آلاء الحبيب الأمين وغيرها من الحالات النسائية والطفولية. وهذا يفرض على أي سجل مستقبلي فصل الضحايا حسب العمر والفئة العمرية، وعدم الاكتفاء بمجموع عام.
أما جغرافياً، فإن الاختلاف بين 1964 و2018–2019 مهم منهجياً. ففي 1964 كانت وسائل الاتصال محدودة، وبالتالي كان انتقال المعلومات بين المدن بطيئاً، وكان توثيق الوفيات يعتمد على الصحف وشهادات الأسر والحزب والنقابات. وفي 2018–2019 أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للبلاغات، لكنها تعرضت للانقطاع بعد فض الاعتصام، الأمر الذي أنتج مفارقة تاريخية: الثورة الأكثر توثيقاً رقمياً واجهت في أكثر لحظاتها دموية أحد أكبر الانقطاعات في مصادرها الرقمية. ولهذا قالت نقابة الأطباء صراحة إن صعوبة التواصل وانقطاع الإنترنت جعلا تحديد الأعداد النهائية صعباً (نقابة أطباء السودان الشرعية، 2019).
- الرقم 322: ماذا يعني وماذا لا يعني؟
يمكن الآن تلخيص الخريطة العددية المحافظة للثورات الأربع على النحو الآتي في صياغة نصية مترابطة: ثورة 1924: 8 شهداء موثقين في الحد الأدنى الاسمي، منهم 0 شهيدات موثقات؛ ثورة أكتوبر 1964: 39 شهيداً وشهيدة في قائمة الشرف التاريخية، بينهم شهيدة واحدة هي بخيتة المبارك الحفيان؛ انتفاضة مارس–أبريل 1985: 7 شهداء في القائمة التاريخية التي أمكن التحقق منها، بينهم شهيدة واحدة هي الطفلة مشاعر محمد عبد الله؛ ثورة ديسمبر 2018–2019: 268 حالة في قائمة نقابة أطباء السودان الشرعية، بينهم عشر حالات نسائية موثقة في قائمة الشهيدات التي أمكن التحقق منها، مع 20 مجهول الهوية و6 من أفراد القوات المسلحة غير معلني الأسماء. وبذلك يكون مجموع القوائم الأربع 322 حالة، منها 12 شهيدة موثقة في القوائم الأساسية.
لكن الرقم 322 لا ينبغي أن يستخدم باعتباره «عدد الشهداء الحقيقي النهائي». فالـ8 الخاصة بعام 1924 تمثل حداً أدنى محافظاً، والـ39 الخاصة بعام 1964 قائمة شرف تاريخية، والـ7 الخاصة بعام 1985 قائمة أسماء محدودة، والـ268 الخاصة بعام 2019 قائمة نقابية مرحلية قالت الجهة التي أصدرتها بنفسها إنها قابلة للزيادة. ولذلك فإن 322 هو مجموع القوائم وليس مجموع الوفيات الفعلية بالضرورة.
وتظهر مشكلة المقارنة بوضوح عند وضع رقم 268 إلى جانب تقدير دهاب البالغ نحو 117 حتى 9 أبريل 2019. لا يوجد تناقض بين الرقمين؛ الأول قائمة تراكمية وصلت إلى يوليو 2019، والثاني تقدير إحصائي لفترة انتهت في 9 أبريل. وبالمثل، فإن هيومن رايتس ووتش قدرت مقتل ما لا يقل عن 120 شخصاً خلال الفترة من 3 إلى 18 يونيو 2019، بينما قالت مصادر حقوقية في مراحل سابقة إن أكثر من 100 قتلوا في 3 يونيو نفسه، وكانت الأرقام الرسمية أقل بكثير. هذه الأرقام لا ينبغي دمجها حسابياً؛ فلكل منها مجال زمني ومصدر ومنهج مختلف (Human Rights Watch, 2019; Human Rights Watch, 2020).
وتكتسب مجزرة 3 يونيو أهمية خاصة لأن بعض الضحايا قتلوا بالرصاص، وبعضهم نتيجة الاعتداء والدهس، كما عثر على جثامين في النيل، وتحدثت التحقيقات الحقوقية عن أكثر من 120 قتيلاً وأكثر من 900 جريح في الفترة من 3 إلى 18 يونيو، بينما ظلت أرقام السلطات الرسمية محل اعتراض واسع. كما وثقت هيومن رايتس ووتش تقارير عن اغتصاب نساء، وعن استخدام القوة داخل أو قرب المنشآت الطبية، وعن انتهاكات يمكن أن ترقى، بحسب الوقائع والنية والسياق، إلى جرائم ضد الإنسانية، مع التشديد على ضرورة التحقيق المستقل (Human Rights Watch, 2019; Human Rights Watch, 2020).
ولهذا فإن الرقم العلمي الأفضل ليس رقماً واحداً، وإنما ثلاثة أرقام متوازية: عدد الوفيات المسماة، وعدد الوفيات الموثقة دون أسماء كاملة، والتقدير الإحصائي لإجمالي الوفيات المحتملة. وعندما تتوافر هذه المستويات الثلاثة ينبغي عدم دمجها في رقم واحد، بل عرضها جنباً إلى جنب.
- من قائمة الشرف إلى قاعدة بيانات وطنية: كيف ينبغي للسودان أن يوثق شهداء ثوراته؟
تحتاج السودان إلى سجل وطني تاريخي موحد للشهداء والضحايا المرتبطين بالحركات الاحتجاجية، ليس بهدف إنتاج رقم سياسي جديد، وإنما لحماية الحقيقة من النسيان والتسييس والتكرار. ويجب أن يبدأ السجل بتعريف تشغيلي واضح: الشخص الذي توفي نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لعنف الدولة أو القوات المرتبطة بها أو العنف المرتبط بحدث احتجاجي، خلال فترة محددة ومثبتة، مع فصل حالات الوفاة المتأخرة الناجمة عن إصابات الثورة عن الوفيات التي وقعت أثناء الحدث.
وينبغي أن يحتوي الحد الأدنى لكل سجل على الاسم الكامل، والأسماء البديلة، والاسم الحركي إن وجد، والجنس، والعمر، وتاريخ الميلاد إن كان معروفاً، وتاريخ ووقت الوفاة، ومكان الوفاة، ومكان الإصابة، ومكان الدفن، والحدث المرتبط بالوفاة، ونوع السلاح أو آلية الإصابة، والمستشفى أو المشرحة، وشهادة الأسرة، وشهادة الشهود، والتقرير الطبي أو الشرعي، والمصدر الصحفي أو النقابي، والصور أو التسجيلات المتاحة، ورقم الحالة، ودرجة الثقة، وما إذا كان الشخص مدنياً أو عسكرياً أو غير محدد.
كما يجب تطبيق إزالة التكرار الآلية والبشرية. فالاسم الواحد قد يظهر بثلاثة تهجئات مختلفة، وقد يظهر الشخص في قائمة الأطباء وفي قائمة لجان المقاومة وفي قائمة صحفية، بينما قد يظهر في قائمة أخرى باسم الشهرة فقط. ويجب استخدام مطابقة احتمالية للسجلات تعتمد الاسم والعمر والمكان والتاريخ واسم المستشفى واسم قريب أو شاهد، بدلاً من المطابقة الحرفية للاسم وحده. وهذه النقطة حاسمة في السودان بسبب تعدد طرق كتابة الأسماء العربية واستخدام الألقاب والكنى والأسماء المختصرة.
أما من حيث المكان، فيجب بناء قاعدة جغرافية زمنية تمكن من تحديد كل وفاة على خريطة، وربطها بالشارع أو الحي أو المستشفى أو مكان التظاهر، ثم تحليل التوزيع حسب الولاية والمدينة والحي. وستسمح هذه الطريقة باكتشاف مناطق نقص التوثيق، وهي ليست بالضرورة مناطق نقص في العنف؛ فقد يكون المكان الذي لا توجد فيه قائمة هو المكان الذي انقطعت فيه الاتصالات أو منعت فيه الصحافة أو تعذر الوصول إلى المستشفيات.
ويجب كذلك إعطاء كل حالة درجة ثقة توثيقية، مثلاً: درجة عالية عندما تتوافر وثيقة طبية أو شرعية وشهادة الأسرة ومصدر مستقل؛ ودرجة متوسطة عندما تتوافر شهادتان مستقلتان دون وثيقة طبية؛ ودرجة محدودة عندما تعتمد الحالة على مصدر واحد لم يمكن التحقق منه. ولا ينبغي حذف الحالات ذات الثقة المحدودة، وإنما يجب عرضها في طبقة منفصلة حتى لا تضيع المعلومات ولا تتحول الشائعة إلى حقيقة.
ومن أهم الابتكارات المطلوبة ربط سجل الشهداء بسجل المفقودين والجثامين مجهولة الهوية. فالأرقام العشرون المجهولة في قائمة نقابة الأطباء لا ينبغي أن تظل إلى الأبد «مجهولين»، بل ينبغي إعطاؤها معرفات ثابتة وربطها بعينات الحمض النووي، وصور الجثامين عند توفرها، وملفات المشارح، وتقارير الطب الشرعي، وبلاغات الأسر، ثم استخدام المطابقة الوراثية وفق معايير أخلاقية وقانونية صارمة. ويجب أن تكون هناك حماية خاصة لبيانات الأسر، وعدم نشر بيانات حساسة يمكن أن تعرض الأقارب للانتقام.
ويحتاج هذا السجل أيضاً إلى إدارة إصدارات؛ فالقائمة التاريخية ليست وثيقة جامدة. فإذا ظهر اسم جديد أو ثبت أن اسمين يعودان إلى الشخص نفسه، ينبغي تعديل السجل مع الاحتفاظ بنسخة من الإصدار السابق، وتسجيل سبب التعديل ومصدره وتاريخه. وبهذا تصبح قاعدة البيانات تاريخاً حياً للمعرفة، وليس مجرد قائمة قابلة للتلاعب.
- الذاكرة والعدالة: لماذا لا يكفي عدّ الشهداء؟
تحويل الشهداء إلى أرقام فقط قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ فهو يختزل التجربة الإنسانية والسياسية في إحصاء. لكن تحويل كل اسم إلى رمز سياسي بلا تحقق قد يؤدي إلى النتيجة نفسها من الاتجاه الآخر، لأنه يضعف مصداقية الذاكرة الجماعية عندما تظهر أخطاء أو أسماء مكررة أو تواريخ غير صحيحة. لذلك فإن أفضل ممارسة هي الجمع بين الذاكرة والتوثيق: الاسم بوصفه شخصاً له أسرة ومهنة وعمر ومكان، والرقم بوصفه مؤشراً على حجم القمع، والحدث بوصفه سياقاً سياسياً، والمصدر بوصفه أساساً للتحقق.
وتوضح بخيتة الحفيان هذه العلاقة بجلاء. فلو اكتفينا بالرقم 39 لعرفنا عدد قائمة أكتوبر، لكننا لن نعرف أن امرأة كانت بين الضحايا، وأنها خرجت في سياق موكب تشييع، وأن وفاتها ارتبطت بإطلاق نار في أم درمان. وبالمثل، فإن إدراج مريم محمد عبد الله من عطبرة والكنينة أيوب علي البالغة 95 عاماً وميادة جون يوسف وجنينها وآلاء الحبيب الأمين الطفلة، يجعلنا نرى أن العنف لم يكن تجربة ذكورية محضة، وأن المرأة لم تكن مجرد مشاركة رمزية في الثورة، بل كانت أيضاً من ضحاياها المباشرين وغير المباشرين.
كما تكشف القوائم أن الشهادة السودانية تمتد عبر أجيال؛ ففي 1985 كانت مشاعر محمد عبد الله طفلة في عامها الثاني تقريباً، وفي 2018–2019 كان من بين الضحايا أطفال ومراهقون، بينما كان آخرون في أعمار متقدمة، مثل الكنينة أيوب علي. وهذا يعني أن حماية المدنيين أثناء الاحتجاج لا يمكن أن تعتمد على تصور أن المشاركين جميعاً شباب قادرون على تحمل المخاطر، بل يجب أن تفترض وجود أطفال وكبار سن ونساء ومرضى وسكان غير مشاركين مباشرة في الاحتجاج.
ومن زاوية العدالة الانتقالية، ينبغي ألا يكون الاعتراف بالشهداء بديلاً عن التحقيق في مسؤولية من قتلهم. فالقائمة التذكارية تجيب عن سؤال «من مات؟»، بينما العدالة تحتاج إلى الإجابة عن أسئلة «كيف مات؟ ومن استخدم القوة؟ ومن أصدر الأمر؟ وهل كان الاستخدام مشروعاً؟ وهل كان ممنهجاً؟ وهل جرى التستر على الجريمة؟». وفي حالة 2019، أوصت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بالتحقيق المستقل والمساءلة، بينما خلصت التحقيقات الحقوقية إلى وجود وقائع خطيرة تستوجب تحقيقاً جنائياً مستقلاً (Human Rights Watch, 2019).
- الدرس السوداني المتكرر: لماذا تتكرر الثورة ولا تكتمل الدولة المدنية؟
عند النظر إلى الثورات الأربع باعتبارها سلسلة واحدة، يظهر نمط تاريخي شديد الوضوح. في 1924 اصطدمت الحركة الوطنية المبكرة بقوة استعمارية منظمة، فانتهت إلى القمع والإعدام والنفي. وفي 1964 تمكنت الحركة المدنية من إسقاط نظام عبود، لكنها لم تؤسس نظاماً مؤسسياً يمنع عودة العسكر إلى السلطة. وفي 1985 أطاحت الجماهير بنميري، ثم انتهت المرحلة الانتقالية إلى انتخابات وحكومة مدنية، لكنها بقيت عاجزة عن بناء تسوية مستدامة للعلاقة بين المدنيين والقوات المسلحة والقوى السياسية، وانتهت بانقلاب 1989. وفي 2018–2019 أسقطت الجماهير البشير، لكن الانتقال نفسه دخل في صراع على السلطة مع المكون العسكري، ثم جاءت الحرب في 15 أبريل 2023 لتكشف هشاشة التسوية السابقة وعجزها عن بناء احتكار مدني مستقر للعنف المشروع.
ولهذا فإن قراءة أعداد الشهداء ليست مجرد عمل تذكاري؛ إنها أداة لفهم فشل بناء الدولة. ففي كل مرة يدفع المدنيون ثمناً بشرياً كبيراً لإسقاط نظام سلطوي، ثم لا يتم تفكيك البنية المؤسسية التي أنتجت القمع، يصبح احتمال إعادة إنتاج دورة الاحتجاج والقمع والانقلاب مرتفعاً. ويصبح السؤال السياسي الأهم بعد توثيق الشهداء ليس «كم ماتوا؟» فقط، وإنما «ما المؤسسات التي جعلت قتلهم ممكناً؟».
وهنا تبرز أهمية إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإخضاع الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية لسلطة مدنية، ومنع امتلاك القوات النظامية والشبه عسكرية لمصالح اقتصادية مستقلة، وإصلاح القضاء والنيابة والطب الشرعي، وضمان استقلال التحقيقات في جرائم القتل أثناء الاحتجاجات، وحماية الصحفيين والشهود والأطباء، وإتاحة المعلومات العامة، وتوثيق المفقودين والمقابر والجثامين. كما ينبغي أن يصبح سجل الشهداء جزءاً من أرشيف الدولة الديمقراطية، لا ملكاً لحزب أو نقابة أو حكومة.
ومن الدروس القابلة للتنفيذ أيضاً إنشاء مركز وطني مستقل لتوثيق العنف السياسي والاحتجاجات، يضم مؤرخين وعلماء أوبئة وإحصائيين وأطباء شرعيين ومتخصصين في نظم المعلومات الجغرافية وقواعد البيانات والقانون وحقوق الإنسان، ويعمل باستقلال مؤسسي كامل. ويمكن لهذا المركز أن يعيد بناء سجلات 1924 و1964 و1985، وأن يربطها بالسجل الأكثر تفصيلاً لثورة 2018–2019، ثم يمد قاعدة البيانات لتشمل لاحقاً أحداث ما بعد 2019 وما بعد الحرب، من دون خلط الفترات أو تحويل كل ضحية حرب إلى «شهيد ثورة».
- الخلاصة النقدية: 322 اسماً أو حالة ليست نهاية الحقيقة بل بدايتها
تكشف إعادة بناء خريطة شهداء وشهيدات الثورات السودانية الأربع أن الرقم الأكثر تحفظاً الذي يمكن استخلاصه من القوائم التاريخية والتوثيقية التي أمكن التحقق منها هو 322 حالة موزعة على النحو التالي: 8 في 1924، و39 في 1964، و7 في 1985، و268 في 2018–2019، وبينها 12 شهيدة موثقة في القوائم الأساسية: صفر في 1924، وواحدة في 1964، وواحدة في 1985، وعشر في 2018–2019. وهذه الأرقام ينبغي أن تُعرض دائماً مع وصف منهجي لنطاقها ومصدرها، لأن جمعها لا ينتج «الحقيقة النهائية» لعدد القتلى، بل ينتج مجموع القوائم التي أمكن تحديدها.
والنتيجة الأهم هي أن الثورات السودانية لم تكن سلسلة من الأحداث المنفصلة، وإنما مسار تاريخي طويل انتقلت فيه المقاومة من الضابط والموظف والعامل والطالب في 1924 إلى الحركة الجماهيرية والنقابية والطلابية في 1964 و1985، ثم إلى تحالف اجتماعي واسع جداً في 2018–2019. ومع كل مرحلة تطورت أدوات التوثيق؛ من الذاكرة الشفوية والوثيقة الاستعمارية والصحيفة، إلى قائمة الشرف، ثم الكتاب التاريخي، ثم النقابة الطبية، وقواعد البيانات الرقمية، والتحليل الوبائي، وتقنيات الالتقاط وإعادة الالتقاط. لكن تطور أدوات التوثيق لم يلغ مشكلة السلطة؛ فقد ظل القمع ذاته عاملاً في إنتاج نقص المعلومات، سواء من خلال إغلاق الصحف أو احتجاز الشهود أو إخفاء الجثامين أو انقطاع الاتصالات.
وتكشف خريطة الشهيدات بدورها تطوراً مهماً في فهم الثورة السودانية. فبخيتة المبارك الحفيان في 1964، ومشاعر محمد عبد الله في 1985، والنساء العشر الموثقات في قوائم ديسمبر 2018–2019، لا يمثلن مجرد إضافة نسائية إلى قائمة ذكورية؛ بل يكشفن أن فهم العنف السياسي نفسه يتغير عندما تصبح المرأة والطفل وكبير السن وساكن المنزل والعامل الصحي جزءاً من وحدة التحليل. وهذا يفرض على السجل الوطني المستقبلي أن يجعل النوع الاجتماعي والعمر ومكان السكن ومكان الإصابة وآلية الوفاة متغيرات أساسية لا ملحقات ثانوية.
ومن الناحية العلمية، يجب رفض إغراء الرقم الواحد. 322 رقم مهم لأنه يوفر نقطة انطلاق قابلة للفحص، لكنه ليس حداً أعلى. و268 رقم مهم لأنه يمثل قائمة نقابة أطباء السودان الشرعية حتى يوليو 2019، لكنه ليس تقديراً إحصائياً شاملاً. و117 رقم مهم لأنه يمثل تقديراً إحصائياً للفترة حتى 9 أبريل 2019، لكنه لا يشمل كل الثورة ولا فض الاعتصام وما تلاه. و120 على الأقل في الفترة من 3 إلى 18 يونيو رقم مهم في التحقيقات الحقوقية، لكنه لا ينبغي إضافته إلى 268 لأنه جزء من الفترة التي تغطيها القوائم التراكمية وقد يؤدي الجمع إلى العد المزدوج. وهذه القاعدة البسيطة هي أهم ضمان ضد تضخيم الأرقام أو تقليلها.
أما على مستوى العدالة، فإن التوثيق الحقيقي لا ينتهي عند نشر الاسم. الاسم يجب أن يقود إلى ملف، والملف إلى دليل، والدليل إلى تحقيق، والتحقيق إلى تحديد المسؤولية، وتحديد المسؤولية إلى محاسبة وتعويض واعتراف رسمي. وإذا تمكن السودان مستقبلاً من إنشاء سجل وطني مستقل بهذه المواصفات، فإن الشهداء الثمانينيات والتسعينيات؟ لا، بل الشهداء الموثقين في الثورات الأربع منذ 1924 سيصبحون جزءاً من ذاكرة وطنية موحدة لا تملكها حكومة ولا جماعة سياسية، بل يملكها المجتمع والدولة الديمقراطية والتاريخ نفسه.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لخريطة الشهداء ليست في أن تقول إن السودان فقد 322 شخصاً في القوائم الأساسية، وإنما في أن تجعل كل رقم سؤالاً عن الإنسان، وكل اسم سؤالاً عن الحقيقة، وكل حقيقة سؤالاً عن العدالة، وكل عدالة سؤالاً عن بناء دولة لا تضطر أجيال السودان القادمة إلى إنتاج قائمة خامسة أو سادسة من الشهداء لإثبات حقها في الحرية. إن أفضل تكريم لشهداء 1924 و1964 و1985 و2018–2019 ليس زيادة عددهم في الذاكرة، بل منع تكرار الظروف التي جعلت قتلهم ممكناً.
المراجع
المراجع الإنجليزية
- Berridge WJ. Civil Uprisings in Modern Sudan: The ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985. London: Bloomsbury Academic; 2015.
- Dahab M, Abdelmagid N, Kodouda A, Checchi F. Deaths, injuries and detentions during civil demonstrations in Sudan: a secondary data analysis. Conflict Health. 2019;13:16.
- Hasan YF. The Sudanese Revolution of October 1964. J Mod Afr Stud. 1967;5(4):491-509.
- Hassan M, Kodouda A. Sudan’s uprising: the fall of a dictator. J Democr. 2019;30(4):89-103.
- Human Rights Watch. “They Were Shouting ‘Kill Them’”: Sudan’s Violent Crackdown on Protesters in Khartoum. New York: Human Rights Watch; 2019.
- Human Rights Watch. Sudan: Justice for June 3 Crackdown Delayed. New York: Human Rights Watch; 2020.
- Vezzadini E. Lost Nationalism: Revolution, Memory and Anti-Colonial Resistance in Sudan. Woodbridge: James Currey; 2015.
المراجع العربية
- جادين، محمد علي. تقييم التجربة الديمقراطية الثالثة في السودان. الطبعة الثانية. القاهرة: مركز الدراسات السودانية؛ 2002.
- عبد اللطيف، صلاح. عشرة أيام هزت السودان. القاهرة: دار الهلال؛ 1985.
- عثمان، إيمان؛ الجزولي، حسن. وكان القرشي شهيدنا الأول، وأيوب شهيدنا الأخير: يصاب في أحداث أكتوبر 1964 ليستشهد عام 1990. سودانايل؛ 2017.
- لجنة أطباء السودان المركزية. شهيدات ديسمبر. أرشيف منشورات اللجنة كما أعيد نشره في المصادر السودانية؛ 2021.
- نقابة أطباء السودان الشرعية. أسماء شهداء ثورة ديسمبر المجيدة. سودانايل؛ 2019.
- الراكوبة. قائمة بأسماء شهداء ثورة ديسمبر المجيدة. الخرطوم: الراكوبة؛ 2020.
- سودانيز أونلاين. شهداء ثورة أكتوبر 64: قائمة الشرف وأسماء ومناطق الشهداء. 2014.
- الراكوبة. بمناسبة ذكراها الحادية والخمسين: أسماء في ثورة أكتوبر المجيدة 1964. 2015.
