محمد عبد المنعم صالح
تأتي لحظاتٌ في عمر الإنسان، يختلي فيها بنفسه بعيدًا عن صخب الدنيا وضجيج الناس، يُطيل النظر في أعماق روحه، فيتساءل بذهولٍ صامت:
أحقًا مرّت كل تلك السنين؟
ومتى تبدّلنا إلى هذا الحد دون أن نطلق نداء استغاثة واحد؟..
لم تكن وطأة الأيام في مرورها السريع، بل في ذلك الثقل الخفيّ الذي كانت تتركه خلفها.
أدركتُ بعد كل هذا المسير أننا لا نكبر أبدًا بعدد السنوات التي تُطوى في سجلّات أعمارنا….
إنما نكبر بعدد الخيبات التي ابتلعناها بصمت….
وبالدموع التي جفّت في أعيننا قبل أن يراها أحد….
وبذاك الجزء البريء والمندفع الذي فقدناه في كل محطّة خُذلنا فيها..
لقد هدأت تلك العواصف التي كانت تُشعلني….
زهدتُ في صغائر الأمور….
وتلاشت رغبتي في خوض معارك الإثبات وتبرير الوجود ..
سقطت بهرجة المظاهر من حساباتي..
ولم يعد يشغلني ما يقال عن تمردي ،بقدر ما يشغلني ما تحمله الروح من نقاء وستر..
تبدّل التعلّق بالخلق إلى استئناسٍ بالخالق، وتيقّنتُ من عمق الحقيقة القرآنية الخالدة:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
كل ندبة حُفرت في قلوبنا لم تكن عبثًا.بل كانت تصحيحًا لمسار…
وإيقاظًا لبصيرة ….
وتربيةً إلهية تهذّب تعلّقنا بالدنيا الفانية..
لقد حوّلتنا الأوجاع من الهشاشة إلى الرسوخ، ومن التشتت إلى استشعار السكينة التي لا يملكها بشر.
وكيف نحزن على ما مضى من زينة الدنيا ورسول الهدى ﷺ يقول بلسان العارف بحقيقتها:
«لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ».
فما أقصرها من رحلة، وما أجدرنا بأن نبحث فيها عن السلام لا عن الركام، وعن راحة الضمير لا عن تصفيق العابرين.
كبرنا يا رب…
لا لنهرم، بل لترتفع همّتنا إليك، ولتستقرّ غايتنا في رضاك؛ فليس بعد عواصف العمر مطلبٌ سوى قلبٍ مطمئن، ونفسٍ راضية، وأثرٍ طيّب يُذكر بعد الرحيل.
اللهم يا جابر القلوب الكسيرة، ويا من لا يخفى عليه حنين الأرواح المجهدة في جنح الظلام؛ نسألك من فيض كرمك أن تجعل كل ما فقدناه في مسيرنا عوضًا ورفعةً في موازيننا، وأن تبدّل ذلك الذبول في أرواحنا نضارةً ورضوانًا.
اللهم اغفر لنا ما سلف من تقصير، وتولّنا بحنانك وعطفك فيما بقي من أعمارنا، ولا تحوجنا إلا لوجهك الكريم، واختم بالصالحات أعمالنا حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا، غير خزايا ولا مفتونين.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وتكرّم، صلاةً تملأ أرجاء الوجود وتليق بقدره العظيم عندك، على حبيب القلوب وشافي صدور المحزونين، سيّدنا ومولانا محمد؛ باب الأمل لكل تائه، وبلسم الرجاء لكل مكروب، صلاةً تنحلّ بها عُقد النفوس، وتُكشف بها كرب الأيام، وتُشرق بها ظلمة الدروب، وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الأبرار، وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين..
