بقلم دكتور حسين إسماعيل نابري
باريس فرنسا. الأربعاء 07 أكتوبر 2026
في النقاشات الدائرة حول مستقبل التحول الديمقراطي، يبرز رأيٌ يرى أن “الديمقراطية المجتمعية” تتعارض بطبيعتها مع العمل الحزبي، باعتبار أن الأحزاب تميل إلى النخبوية والانغلاق، بينما تقوم الديمقراطية المجتمعية على المشاركة الواسعة والانفتاح. غير أن هذا الطرح، رغم ما يبدو فيه من وجاهة أولية، يقوم على خلطٍ بين واقعٍ تاريخي للأحزاب في بعض السياقات، وبين ماهية الحزبية بوصفها أداة سياسية.
فالحزبية، في أصلها، ليست نقيضًا للمجتمع، بل هي إحدى أهم آليات تنظيمه سياسيًا. والمشكلة حقيقة لا تكمن في وجود الأحزاب، بل في انفصالها عن قواعدها الاجتماعية، وتحولها إلى هياكل مغلقة تديرها نخب محدودة. هنا تحديدًا تتدخل الديمقراطية المجتمعية، لا بوصفها بديلًا عن الأحزاب، بل بوصفها قوة تصحيح وإعادة تأسيس.
إن الديمقراطية المجتمعية، حين تتجذر في وعي الناس، تفرض واقعًا جديدًا على الأحزاب. فهي تدفعها إلى توسيع عضويتها، والانفتاح على قضايا المجتمع الحقيقية، والتخلي عن أنماط العمل المغلقة. فالمجتمع الواعي لا يقبل أن يكون مجرد كتلة تصويتية تُستدعى في المواسم الانتخابية، بل يسعى لأن يكون شريكًا دائمًا في صناعة القرار.
ومن هذا المنظور، لا تُضعف الديمقراطية المجتمعية الأحزاب، بل تعيد إليها وظيفتها الأصلية: التمثيل. فالحزب الذي يرتكز على قاعدة اجتماعية حقيقية، ويعبر عن مصالحها، يصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير، مقارنةً بحزبٍ يعيش في عزلةٍ عن مجتمعه.
بل إن أثر الديمقراطية المجتمعية يتجاوز إصلاح الأحزاب القائمة، ليشمل إنتاج قوى سياسية جديدة تنشأ من داخل المجتمع نفسه. فالحركات الاجتماعية، والنقابات، والمبادرات المدنية، يمكن أن تتحول — في ظل بيئة ديمقراطية مجتمعية — إلى أطر سياسية منظمة، تعبر عن فئات لم تكن ممثلة من قبل. وهنا يتحقق تجديد حقيقي في الحياة الحزبية، يقطع مع احتكار النخب التقليدية.
كما أن العلاقة بين الديمقراطية المجتمعية والحزبية تتجلى بوضوح داخل الأحزاب نفسها. إذ لا يمكن لحزب أن يعمل في مجتمع يتجه نحو الديمقراطية، دون أن يعكس هذا الاتجاه في بنيته الداخلية. فتصبح الشفافية، وتداول القيادة، والمشاركة القاعدية، شروطًا للبقاء، لا مجرد شعارات.
إن التعارض الحقيقي، إذن، ليس بين الديمقراطية المجتمعية والحزبية، بل بين الديمقراطية المجتمعية والحزبية المغلقة. أما الحزبية المنفتحة، المرتكزة على المجتمع، فهي امتداد طبيعي للديمقراطية المجتمعية، وأداة أساسية لترجمة إرادة الناس إلى سياسات وبرامج.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن مستقبل الديمقراطية لا يكمن في تجاوز الأحزاب، بل في إعادة بنائها على أسس مجتمعية صلبة. فكلما اتسعت قاعدة المشاركة، وتعزز الوعي، تحولت الأحزاب من أدوات للنخبة إلى مؤسسات للمجتمع.
إن الرهان الحقيقي، إذن، ليس على إلغاء الحزبية، بل على تحريرها من عزلتها، وربطها من جديد بنبض المجتمع. فهناك فقط، حيث يلتقي التنظيم بالوعي، يمكن للديمقراطية أن تتحول من فكرةٍ نظرية إلى واقعٍ حي.
قريبا تكتمل المعالجة بمقالي الثاني حول الموضوع بعنوان : (كيفية إعادة هيكلة النظام الحزبي في السودان).
Email: husseinabri@gmail.com
