ليست هذه المرة الأولى التي تتقدم فيها الجرأة في نقد الأشخاص على مساءلة بنية السلطة في المجال الصحفي السوداني. فقد عرفت سنوات الإنقاذ صحافةً استطاعت أن تنتقد بعض المسؤولين، وأن تكشف إخفاقات وفسادًا وتناقضات، بينما ظلت الحدود التي تفصل نقد الأداء عن مساءلة النظام نفسه شديدة الحساسية. ولم تكن المسألة دائمًا رقابة مباشرة أو منعًا صريحًا للنشر؛ فقد أسهمت بيئة الملكية والتمويل والضغط الأمني والسياسي في رسم حدود ما يمكن قوله، وفي تكوين أنماط من الرقابة الذاتية والتكيف مع موازين القوة.
والمشكلة أن سقوط الإنقاذ لم يكن كافيًا، في حد ذاته، لتغيير هذه الثقافة. فقد انتقلت البلاد إلى مرحلة جديدة، ثم جاء انقلاب أكتوبر 2021، ثم الحرب، من دون أن يشهد المجال العام تحولًا متناسبًا مع حجم الانهيار الذي أصاب الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، ينبغي أن تُفحص مواقف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية من الثورة، والانقلاب، والحرب، وخطاب «بل بس»، وفق نصوصهم ومواقفهم الموثقة، لا وفق الانطباعات أو التصنيفات الجاهزة.
فمن حقنا أن نسأل عما إذا كان بعض الخطاب الإعلامي قد أسهم في إجهاض التحول المدني، أو في تسويغ الانقلاب، أو في توفير غطاء سردي لاستمرار الحرب. لكن هذه المساءلة ينبغي أن تنطلق من الأدلة: ماذا كتب الصحفي؟ ما الذي دافع عنه؟ ما الذي تجاهله؟ وهل حافظ على معايير واحدة في محاسبة القوى المتنافسة؟ إن الحديث عن المسؤولية المهنية والأخلاقية لا يستقيم إذا تحول بدوره إلى إدانة جماعية لا تميز بين المواقف ولا تزن الأدلة.
من هنا تكتسب الانتقائية أهميتها. فقد يكون الكاتب شديدًا في نقد مسؤول مدني، لكنه أقل وضوحًا حين يتعلق الأمر بمراكز القوة المسلحة التي تحدد مجال عمل ذلك المسؤول. وقد تكون هذه الانتقائية مناورة سياسية واعية، إذا توافرت قرائن على أنها نمط مقصود؛ وقد تعكس محدودية في المنهج، حين يختزل الكاتب السياسة في أداء الأشخاص ولا ينفذ إلى العلاقات التي تنتج الإخفاقات. وقد يكون الأمر مزيجًا من العوامل المهنية والسياسية والاقتصادية. وليس من الإنصاف حسم هذه الاحتمالات قبل فحص مسيرة الكاتب ونصوصه عبر مراحل مختلفة.
ومع ذلك، فإن الأثر السياسي للكتابة يستحق المساءلة حتى عندما يتعذر إثبات النية. فقد يؤدي النقد الحاد وظيفة تنفيسية: يمنح الجمهور شعورًا بأن المسؤولين يخضعون للمحاسبة، بينما تبقى بنية السلطة التي أنتجت الإخفاق بعيدة عن الفحص. وعندما يتكرر هذا النمط، يصبح السؤال مشروعًا: هل تساعدنا الصحافة على فهم من يحكم فعلًا، أم تكتفي بتقديم شخصيات يمكن تحميلها غضب الناس؟
الأزمة أخلاقية وبنيوية ومؤسسية
أزمة السودان ليست مجرد أزمة سلوك سياسي، وإن كان السلوك جزءًا منها. إنها أزمة أخلاقية تتجلى في انفصال السلطة عن المسؤولية، وفي استخدام المنصب والمصلحة العامة لتبرير ممارسات لا تخضع للمحاسبة؛ وأزمة بنيوية تتعلق بتوزيع القوة والثروة والنفوذ، وبقدرة مراكز مسلحة وسياسية على فرض إرادتها خارج إطار دستوري جامع؛ وأزمة مؤسسية تتمثل في ضعف الدولة المدنية، وتآكل استقلال المؤسسات، وغياب آليات فعالة لضبط القرار ومحاسبة أصحابه.
لهذا لا يكفي أن نطالب رئيس الوزراء بأن يكون أكثر انضباطًا، أو أن يحسن التواصل، أو أن يتوقف عن الاستعراض، أو أن يضع خطة أفضل. كل ذلك مهم، لكنه لا يعالج وحده سؤال الدولة: هل توجد مؤسسات تستطيع تنفيذ الخطة؟ وهل توجد قواعد تلزم مراكز القوة باحترامها؟ وهل توجد جهة مستقلة تراجع الإنفاق والتعيينات والقرارات؟ وهل يستطيع المواطن أن يعرف من اتخذ القرار، ومن يتحمل مسؤوليته، وكيف يمكن مساءلته؟
إن الدولة لا تُبنى بمؤهلات شاغلي المناصب وحدها، ولا تُصلحها البلاغة السياسية، ولا ينقذها استبدال شخص بآخر إذا بقيت العلاقات التي أنتجت الأزمة على حالها. تُبنى الدولة حين تصبح السلطة مقيدة بالقانون، والموارد خاضعة للرقابة، والقوة المسلحة خاضعة لسلطة دستورية، والمسؤولية متناسبة مع القدرة الفعلية على اتخاذ القرار.
وهنا تكمن المفارقة: قد يكون كامل إدريس موضع نقد مشروع بسبب سلوكه أو أدائه، لكنه قد يصبح في الوقت نفسه حيطة النظام القصيرة التي تتجمع عليها تبعات إخفاقات أوسع منه. ولا يتناقض الأمران؛ فقد يتحمل المسؤول مسؤولية أخطائه، بينما يتحمل النظام مسؤولية إنتاج الشروط التي تجعل تلك الأخطاء جزءًا من أزمة مستمرة، أو تجعل مساءلة شخص واحد بديلًا عن مساءلة المنظومة.
ليس السؤال لماذا فشلت حكومة كامل إدريس وحدها، بل لماذا يُطلب من رئيس حكومة أن يحكم دولةً لا يملك أدواتها، ثم يُقدَّم إخفاقه بوصفه تفسيرًا كافيًا لفشلها، بينما تبقى مراكز القوة التي صنعت شروط هذا الإخفاق خارج دائرة المساءلة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يقودنا إلى ما وراء كامل إدريس، وما وراء عادل الباز أيضًا. فالأول لا ينبغي أن يكون نهاية التحقيق في أزمة الدولة، والثاني لا ينبغي أن يكون موضوع خصومة شخصية تحجب السؤال عن وظيفة الصحافة وحدود نقدها. المطلوب أن ننتقل من محاكمة الوجوه إلى فحص البناء، ومن الانفعال تجاه الوقائع إلى تفسير شروط إنتاجها، ومن توزيع اللوم بحسب الظهور إلى توزيع المسؤولية بحسب السلطة الفعلية.
فإذا كانت حيطة النظام مائلة، فإن إصلاحها لا يبدأ بسبّها، ولا بإلقاء كل الأثقال عليها، بل بكشف من أقامها على هذا الأساس، ومن أضعف أعمدتها، ومن يملك قرار إصلاحها. وإلا فإننا سنظل نبدل الحيطان، بينما يبقى البناء نفسه قائمًا، منتظرًا أن يميل من جديد.
