صلاح شعيب
ليس أمام جيش مصر أي مبرر أمني أو أخلاقي لقصف معدّنين سودانيين عُزل بهذه البشاعة، سواء نقبوا داخل حدودها أم داخل حدود السودان. الحادثتان، الأولى والأخيرة، تنمان عن استخفاف القاهرة الواضح بأرواح السودانيين. استخفافٌ لا يحتاج إلى كثير من التأويل، ولا إلى بيانات دبلوماسية ملتوية. وحتى لو كان بجانب المعدّنين السودانيين نيجيريون أو ماليون، فالروح واحدة، عربية كانت أم أفريقية. وهنا يجب أن يخرس سودانيون تابعون للبرهان، وأولئك الذين قلّلوا من قيمة هذا الحدث الباطش، وبرّروه بذرائع واهية. فالدفاع عن قتل مدنيين عُزّل ليس موقفاً سياسياً، بل انحيازاً صريحاً ضد قيمة الحياة نفسها.
هذه الحادثة ليست استثناءً، بل حلقة جديدة من سلسلة طويلة يُسترخص فيها دم السوداني، وتُجهل فيها حالته الكئيبة في بلاد الغربة. وكثير من هذه الحوادث التي ألمّت بالسودانيين في الخارج لم تحرّك حكومة الحركة الإسلامية المتنفذة سابقاً، ولا حكومة بورتسودان الحالية، ساكناً حقيقياً للتدخل. فبخلاف القصف الذي تعرض له المعدّنون داخل وطنهم – أو قل داخل ما بعد الحدود – عبر الجيش المصري، برزت أحداث اعتقال، وضرب السودانيين في ليبيا قبل أسابيع قليلة، دون أن تجد أي تحرّك سوداني يُذكر. لا على مستوى قيادة بورتسودان، ولا على مستوى سفيرها في طرابلس. وما زال هناك آلاف الأسر، والأفراد، يبحثون عن طريق للعودة، براً، أو بحراً، أو جواً. إنهم يتنقلون بين الخوف والضياع، ولا تجد حكومة الأمر الواقع في معاناتهم أولوية تُذكر. كأن المواطن السوداني خارج الحدود قد سقط من حساب الدولة، أو كأن غربته قد أعفت السلطة من أي واجب أخلاقي، أو سياسي، تجاهه.
والآن تعيد هذه الحادثة الجديدة إلى الأذهان مقتل سودانيين في ميدان مصطفى محمود في النصف الأول من العقد الماضي. يومها لم تكلّف حكومة البشير نفسها حتى إدانة الحادث المصري. وعلى منهج برهان الحالي باللجوء إلى حبكة اللجنة، سيّست الخرطوم الموضوع حتى نسيه الرأي العام. واليوم يتكرر المشهد نفسه مع سلطة البرهان، التي لم تتحرك إلا بعد ضغط إعلامي كثيف، فأصدرت قراراً بتكوين لجنة لتقصي الحقائق. قرارٌ متأخر، باهت، لا يرقى إلى مستوى الجريمة، ولا إلى مستوى المسؤولية القيادية. لجنة تُشكَّل تحت ضغط الميديا لا تمنح طمأنينة للرأي العام مما جرى، ولا تعيد كرامة لمعدّنين ساموا الشقاء، ولا تردع تكراراً محتملاً للقصف الجوي على مواطنين مساكين.
لقد بدا أداء وزارة الخارجية السودانية باهتاً، ومتردداً، كالعادة. فبدلاً من موقف واضح يدين مبدأ القصف مبتداًً، ويطالب بمحاسبة فورية، اكتفت الخارجية بلغة دبلوماسية باهتة لا ترقى إلى حجم الدم المراق. فالصمتٌ، وتأخير إذاعة بيانات عامة لا تسمّي الأشياء بأسمائها، كلها أشكال مختلفة من تواطؤ الوزارة بالصمت. وزارة يُفترض أن تكون صوت المواطن السوداني في الخارج، تتحول في مثل هذه اللحظات إلى جهاز يخشى إغضاب الجار أكثر مما يخشى ضياع أرواح مواطنين سودانيين. ومثلما هو حال سفاراتٍ همّها الأساس إشباع نهم سفرائها للنقد الأجنبي، فإن السفارة السودانية في القاهرة أيضاً تجاهلت الأمر. ولم تسعَ لدى السلطات المصرية للتأكد من أوضاع هؤلاء السودانيين الذين عبروا الحدود، وفقاً لرواية لتصريحات قادة جيش، مسؤولين مصريين.
دم السوداني ليس رخيصاً، لا في الداخل ولا في الخارج. والاستخفاف به، سواء جاء من جيش جار أو من سلطة لا تتحرك إلا تحت ضغط إعلامي، أو من خارجية تفضّل اللغة الرمادية على الموقف الواضح، يبقى تهاوناً لا يُغتفر. هؤلاء المعدّنون لم يكونوا مقاتلين، ولا يمثلون تهديداً أمنياً. فهم لا يملكون إلا معاول الحفر، وبعض غذاء لا يقيم الأود. بل كانوا يبحثون عن رزق حلال في ظروف قاسية.
إن قتلهم بهذه الطريقة يضع علامات استفهام كبيرة على حدود الاحترام بين الشعوب، وعلى قدرة ما تبقى من الدولة السودانية على حماية مواطنيها، حتى بالكلمة، حتى بالإدانة، حتى بالموقف الذي يماثل بشاعة الحادث.
على أن هذا الحادث الذي أودى بأرواح عزيزة لمواطنينا الفقراء لم يأتِ معزولاً عن سياق الهوان الجماعي الذي نحن فيه. فالدولة السودانية الآن تتآكل في مركزها بعد أن فقدت تأثيراً على أطرافها بسبب الحرب. وليس هناك ما ينبئ بأنها تملك القدرة، بشقها المسيطر على نصف البلاد تقريباً، أن تسترد هيبتها وسيادتها عبر التوافق المجتمعي. فلو أن البرهان الذي يمثل رمز السيادة في الجزء الذي يفرض فيه سلطته يُهان استقباله في مطارات العالم، فما بالك بمواطنيه داخل البلاد، وخارجها.
ومن هنا ربما يأتي التصرف المصري فردياً، دون الارتكاز على قاعدة تعاون عسكري مشترك بين القاهرة وبين بورتسودان لحماية ثروات البلدين. هذا إذا سلّمنا جدلاً أن المعدّنين السودانيين تجاوزوا الحدود. ولأن رد فعل بورتسودان كان بارداً بعد تعدّي الجيش المصري الأول على المعدّنين السودانيين، فإن ليس لدى القاهرة ما يحملها على تجنّب تكرار الحدث.
ومع ذلك، فإن بعض المراقبين – مصريين، وسودانيين – يشيرون إلى أن الجيش المصري لم يخطُ خطوتيه إلا بعد التنسيق الكامل مع سلطة بورتسودان. وفي كلا الحالين، لم يبقَ لدى الغاضبين على إهدار دماء المعدّنين – بشكل يرقى إلى جريمة حرب ضد الإنسانية – سوى تحميل البرهان المسؤولية الكاملة في هذا الشأن. وكذلك والصبر المرّ على وجوده الكارثي في قمة سلطة يريد بمواصلة الحرب شرعنتها لنفسه على حساب دماء مئات الآلاف من السودانيين.
