باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 14 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
زهير عثمان حمد
زهير عثمان حمد عرض كل المقالات

الدولة المدنية في السودان- أزمة الذهنية السياسية ومأزق بناء الفضاء الحر

اخر تحديث: 14 أكتوبر, 2026 9:12 مساءً
شارك

زهير عثمان

لم تكن أزمة الدولة في السودان مجرد تعاقب للأنظمة العسكرية والمدنية، ولا نتيجة عجز دستوري يمكن تجاوزه بصياغة وثيقة جديدة. فمنذ الاستقلال، ظل السؤال المؤجل هو: كيف نبني دولة تعترف بتعدد المجتمع، وتوزع السلطة والثروة بعدالة، وتخضع جميع مراكز القوة للقانون، بدلاً من أن تتحول مؤسساتها إلى أدوات في يد من يملكون النفوذ والسلاح؟
جاءت ثورة ديسمبر 2018 لتفتح أفقاً جديداً أمام السودانيين، ورفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة والدولة المدنية، لكنها لم تنجح في تحويل تلك المطالب إلى نظام مؤسسي مستقر , ثم اندلعت الحرب في أبريل 2023، فكشفت هشاشة البناء السياسي، وعمق الاختلالات التي ظلت كامنة خلف الاتفاقيات والتفاهمات الانتقالية
غير أن السؤال لا يتعلق فقط بأسباب تعثر الانتقال، بل بما هو أعمق- لماذا ظلت الدولة السودانية عاجزة عن إنتاج قواعد مستقرة تنظم الاختلاف، وتمنع احتكار السلطة، وتخضع القوة للقانون؟ وهل تكمن الأزمة في غياب التصور الفكري للدولة المدنية، أم في ذهنية سياسية وثقافة اجتماعية ومصالح مادية أعاقت تحويل هذا التصور إلى واقع؟
إن فهم الأزمة يقتضي تجاوز التفسير الذي يكتفي بإدانة الأشخاص أو التعويل على تغيير الحكام. فالدولة لا تتغير بمجرد تبدل من يجلسون على مقاعد السلطة، وإنما حين تتغير القواعد التي تحدد من يصل إليها، وكيف يمارسها، وما الذي يمنعه من تحويلها إلى ملكية خاصة
من الشعار الثوري إلى التصور المؤسسي
ظهرت الدولة المدنية في خطاب الثورة بوصفها نقيضاً للحكم العسكري والاستبداد الذي وظّف الدين في السياسة، ومطلباً لإنهاء الوصاية على المجتمع وإعادة السلطة إلى المواطنين, و لكن الإجماع على الشعار لم يكن بالضرورة إجماعاً على مضمون الدولة المنشودة، أو على الكيفية التي ينبغي أن تُبنى بها مؤسساتها , فالدولة المدنية ليست مجرد حكومة لا يقودها العسكريون، ولا تعني إقصاء الدين من المجتمع أو مصادرة حرية الاعتقاد
إنها نظام دستوري يجعل المواطنة أساساً للحقوق والواجبات، ويضمن حرية الضمير والمعتقد، ويمنع التمييز، ويخضع السلطة للمساءلة، ويحول دون احتكار أي جماعة حق تعريف الوطن أو التحدث باسمه.
كان التحدي الذي واجه القوى السودانية هو الانتقال من رفض الاستبداد إلى الاتفاق على قواعد تمنع عودته، ومن التوافق على إسقاط نظام قائم إلى بناء نظام لا يستطيع أي طرف الاستئثار به
لكن قوى الثورة لم تدخل المرحلة الانتقالية بتصور موحد لجميع القضايا التأسيسية. فقد اختلفت رؤاها بشأن علاقة الدين بالدولة، وطبيعة الحكم اللامركزي، وإصلاح القطاع الأمني، وترتيب أولويات السلام والعدالة والانتقال الديمقراطي كما تباينت تقديراتها لكيفية التعامل مع المكون العسكري وحدود الشراكة معه , ولم تكن هذه الاختلافات في ذاتها دليلاً على فشل المشروع المدني؛ فالاختلاف جزء طبيعي من السياسة. إنما تمثلت المعضلة في عدم القدرة على تحويلها إلى عملية تأسيس دستوري شاملة، تحسم القضايا الجوهرية عبر مشاركة عامة، وتضع قواعد ملزمة لا تخضع لموازين القوة الآنية
وهكذا ظل مفهوم الدولة المدنية أوسع من المؤسسات التي يفترض أن تحققه، بينما بقيت بعض القوى تتعامل معه باعتباره شعاراً للتعبئة أو عنواناً للتوافق، لا مشروعاً لإعادة تنظيم السلطة والمجتمع , كيف تشكّلت الذهنية السياسية؟
لا تولد الذهنية السياسية مكتملة، ولا يمكن تفسيرها باعتبارها صفة ثابتة في الشخصية السودانية
إنها تتشكل تاريخياً عبر التنشئة الاجتماعية، والتعليم، والخطاب الديني، والإعلام، والممارسات اليومية للسلطة، والذاكرة الجماعية التي تتركها الانقلابات والحروب والإقصاء
حين يتعلم المواطن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن السلطة لا تُكتسب إلا بالانتماء إلى جماعة نافذة، وأن الحقوق قد تتوقف على الولاء، وأن الاعتراض يمكن أن يُفسر بوصفه خيانة، فإن السياسة تفقد معناها باعتبارها مجالاً لإدارة المصالح والاختلاف، وتتحول إلى صراع على الحماية والنفوذ
وحين تُقدَّم الدولة في المناهج والخطابات الرسمية بوصفها كياناً متجانساً ثقافياً ودينياً، بدلاً من كونها إطاراً لمجتمع متعدد، يصبح الاعتراف بالتنوع أقرب إلى التنازل، وتتحول المطالب بالعدالة والتمثيل إلى تهديد متوهم لوحدة البلاد
كما أسهمت تجارب الحكم السلطوي في إضعاف الثقة بالمؤسسات. فالانقلابات المتكررة، وتسييس الإدارة العامة، وتقييد الصحافة والتنظيم، واستخدام الأجهزة الأمنية في إدارة الخصومات السياسية، رسخت لدى قطاعات من المجتمع تصوراً مفاده أن موازين القوة قد تكون أكثر تأثيراً من القانون
وتؤدي الذاكرة الجماعية للعنف دوراً إضافياً؛ إذ لا تنتهي آثار الحروب بسكون المدافع، بل تبقى في صورة خوف متوارث، وانعدام للثقة، واستعداد لتفسير الاختلاف من خلال الانتماء الجهوي أو الإثني أو السياسي- وعندما تُستدعى هذه الذاكرة في الخطاب العام لتبرير الانتقام أو الإقصاء، تصبح السياسة امتداداً للصراع بدلاً من أن تكون وسيلة لتسويته , غير أن هذه الذهنية ليست قدراً محتوماً فقد كشفت ثورة ديسمبر، والمبادرات النقابية والمجتمعية، وتجارب التضامن أثناء الحرب، عن إمكانات أخرى في الوعي والممارسة السودانيين- التعاون، والتنظيم الأفقي، والتكافل، والاحتكام إلى مطالب عامة تتجاوز الانتماءات الضيقة
المسألة، إذن، ليست أن المجتمع يفتقر بطبيعته إلى ثقافة الدولة، بل أن الممارسات والمؤسسات التي تستطيع ترسيخ المواطنة والمساءلة ظلت أضعف من القوى التي تعيد إنتاج الولاء والوصاية والعنف
التهميش- حين تتحول السياسة إلى ملف أمني – يتضح أثر هذه الذهنية في الطريقة التي عالجت بها حكومات سودانية متعاقبة قضايا المناطق المهمشة والنزاعات المسلحة , ففي حالات عديدة، جرى التعامل مع مطالب التنمية والتمثيل والحقوق الثقافية وتوزيع الموارد من خلال المقاربة الأمنية، بينما ظلت جذور الأزمة المتعلقة بالأرض والخدمات والسلطة والعدالة دون معالجة كافية.
ولم يكن استخدام القوة وحده هو المشكلة، بل اقترانه أحياناً بإنكار المظالم أو اختزالها في مؤامرات خارجية أو نزاعات محلية منفصلة عن طبيعة الدولة المركزية وتوزيع مواردها
لقد أظهرت الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وغيرها أن النزاعات لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، لكن تداخل التهميش التنموي، وضعف المشاركة السياسية، والتنافس على الأرض والموارد، وانتهاكات حقوق الإنسان، جعل التسويات الأمنية وحدها عاجزة عن إنتاج سلام مستدام
وتقدم تجربة اتفاق جوبا للسلام لعام 2020 مثالاً على اتساع القضايا التي تحتاج إلى معالجة , فقد تناول الاتفاق تقاسم السلطة والثروة، والحكم اللامركزي، وقضايا الهوية والمواطنة، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، وتنمية المناطق المتأثرة بالحرب غير أن إدراج هذه الملفات في اتفاق لا يضمن بذاته تنفيذها، ولا يغني عن مشاركة المجتمعات المعنية في تحديد أولوياتها ومراقبة تطبيقها
إن الدولة التي تنظر إلى أطرافها باعتبارها مناطق أمنية أو ملفات تفاوضية، لا باعتبارها مجتمعات مواطنين لهم حقوق متساوية، تعيد إنتاج أسباب النزاع حتى عندما تنجح في توقيع اتفاقات لوقفه
ولهذا، فإن بناء الدولة المدنية يتطلب الانتقال من إدارة التهميش إلى تفكيك شروطه: توزيع أكثر عدالة للموارد، وتمثيل سياسي حقيقي، وسلطات محلية منتخبة، وقضاء يستطيع حماية الحقوق، وسياسات تنمية تستجيب لاحتياجات المجتمعات بدلاً من فرض أولويات المركز عليها
من عطّل الانتقال؟ آليات القوة وحدود التوافق
لا يكتمل تحليل الذهنية السياسية ما لم نحدد كيف تحولت المصالح إلى ممارسات عطلت مشروع الدولة المدنية. فالأزمة لم تكن نتاج فكرة مجردة أو مسؤولية طرف واحد، وإنما تشكلت من تفاعل مراكز متعددة للقوة، اختلفت أدوارها وقدراتها ومصالحها , فقد احتفظ المكون العسكري، خلال الفترة الانتقالية، بمصادر قوة مستقلة عن المؤسسات المدنية، شملت النفوذ داخل أجهزة الدولة والأمن، والقدرة على التأثير في القرارات السيادية، فضلاً عن المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية
وجعل هذا الاختلال الشراكة الانتقالية عرضة للصراع حول حدود السلطة الفعلية، لا مجرد الاختلاف حول السياسات العامة
وفي المقابل، واجهت القوى المدنية انقسامات تنظيمية وتنافساً على التمثيل، واختلفت بشأن ترتيب الأولويات وطبيعة العلاقة مع العسكريين , و كما أن غياب المجلس التشريعي الانتقالي، وعدم اكتمال بعض المؤسسات الرقابية والدستورية، أضعفا القدرة على إخضاع السلطة للمساءلة العامة
وفي هذا السياق، لم يكن التوافق السياسي دائماً أداة لبناء الدولة؛ فقد تحول أحياناً إلى وسيلة لتأجيل الخلافات التأسيسية، أو لتسوية التنافس على المناصب من دون معالجة مصادر القوة التي تحدد من يملك القرار الفعلي
ويظهر ذلك بوضوح في انقلاب 25 أكتوبر 2021، حين أطاح القادة العسكريون بالشراكة الانتقالية وفرضوا واقعاً سياسياً جديداً، رغم الالتزامات المعلنة بشأن الانتقال. وقد كشف الانقلاب أن التوافقات السياسية لا تستطيع حماية الانتقال ما لم تستند إلى مؤسسات مستقلة، ورقابة فعالة، وقواعد تحدد بوضوح مسؤوليات أجهزة الدولة وحدود صلاحياتها , ولا يعني ذلك أن الخطاب المدني كان مجرد غطاء متعمد في جميع الحالات، أو أن القوى المدنية تتحمل المسؤولية نفسها التي تتحملها الجهة التي نفذت الانقلاب. بل يعني أن استخدام مفردات الانتقال والديمقراطية لا يكفي لإثبات الالتزام بهما؛ فالمعيار هو السلوك الفعلي، ومدى قبول كل طرف بالقيود التي تفرضها القواعد الدستورية على سلطته
ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتكشف بصورة أكثر تدميراً خطورة بقاء مراكز مسلحة متنافسة خارج إطار مؤسسي قادر على إدارة الخلاف بشأن القيادة والدمج والإصلاح الأمني. ولم تكن الحرب نتيجة عامل واحد، لكن انهيار الانتقال وفشل معالجة تعدد مراكز القوة أسهما في تهيئة الظروف التي انفجر فيها الصراع
ومن هنا، لا يمكن بناء دولة مدنية بمجرد مطالبة الأطراف المسلحة بالتوافق على شكل الحكومة. المطلوب هو إعادة تنظيم قطاع الأمن، وإنهاء ازدواج القيادة، وإخضاع السلاح لسلطة دستورية مدنية، وبناء مؤسسات رقابية وقضائية تضمن ألا تتحول القوة العسكرية إلى مصدر مستقل للشرعية السياسية أو الامتياز الاقتصادي
الفضاء الحر- من المبادرات المجتمعية إلى مؤسسات الدولة
لا يمكن الحديث عن دولة مدنية دون فضاء عام حر يستطيع المواطنون داخله التعبير والتنظيم والنقد والمساءلة. فالفضاء الحر ليس مجرد حرية الكلام أو حق التجمع، بل البيئة التي يتعلم فيها المجتمع إدارة اختلافاته، وتتشكل فيها الرقابة الشعبية على السلطة، وتكتسب فيها المبادرات المدنية استقلالها وقدرتها على الاستمرار
وفي 9 ديسمبر 2025، أعلنت منظمة CIVICUS Monitor خفض تصنيف الحيز المدني في السودان من «مقموع» إلى «مغلق»، وهو أدنى تصنيف في مؤشرها للحريات المدنية, وجاء ذلك في سياق الحرب وما صاحبها من تهديدات واعتداءات واحتجازات طالت صحفيين ونشطاء وعاملين في المجال الإنساني، فضلاً عن القيود المفروضة على التعبير والتجمع والتنظيم , لكن تراجع الفضاء المدني لا يعني اختفاء المجتمع أو انعدام قدرته على الفعل
فقد أظهرت غرف الطوارئ والمبادرات المحلية وشبكات التضامن والإغاثة أن السودانيين قادرون، حتى في ظل انهيار المؤسسات، على إنشاء أشكال من التنظيم تستجيب لحاجات الناس وتعمل على حماية حياتهم وكرامتهم , وتكشف هذه التجارب عن إمكانات تأسيسية مهمة؛ فهي تتيح المشاركة المباشرة، وتوزيع المسؤوليات، والعمل المشترك بين أشخاص قد تختلف انتماءاتهم السياسية والاجتماعية , كما تبرهن على أن الفعل العام لا يحتاج دائماً إلى انتظار سلطة مركزية كي يبدأ، وإن كان يحتاج إلى بيئة قانونية وموارد وحماية تضمن استمراره
لكن المبادرات المدنية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل دائم عن الدولة، ولا أن تُحمَّل مسؤوليات تفوق قدراتها. فالإغاثة المجتمعية لا تستطيع وحدها بناء نظام صحي وطني، والعمل التطوعي لا يعوض غياب الخدمات العامة، وشبكات التضامن لا يمكن أن تحل محل القضاء المستقل أو الإدارة المحلية المنتخبة
المطلوب هو بناء جسر بين هذه المبادرات والمؤسسات العامة، من خلال الاعتراف القانوني باستقلالها، وضمان حرية تنظيمها، وإشراكها في تحديد الأولويات المحلية والرقابة على الخدمات والإنفاق العام، وتوفير آليات شفافة للتعاون بينها وبين السلطات المنتخبة, وينبغي أن يتم ذلك دون إخضاعها حزبياً أو أمنياً، أو تحويل المساعدات والموارد إلى أدوات للولاء السياسي
كما يتطلب هذا المسار حماية الصحافة والنقابات والجامعات والتنظيمات المهنية، وتوسيع فرص المشاركة العامة، وتطوير التعليم المدني الذي يرسخ الحقوق والمسؤوليات واحترام الاختلاف , فالفضاء الحر ليس نتيجة تالية لاكتمال الدولة المدنية، بل أحد الشروط التي تسمح ببنائها ومراقبتها وحمايتها من الانحراف. ومن دون مجتمع قادر على النقد والتنظيم، قد تتحول المؤسسات التي أُنشئت باسم المواطنين إلى أجهزة تعمل بعيداً عنهم
من أزمة الذهنية إلى ضمانات الدولة المدنية
إن تجاوز أزمة الدولة المدنية في السودان لا يتحقق بالدعوة المجردة إلى تغيير الوعي، ولا بمجرد كتابة دستور جديد. إنه مشروع يجمع بين التحول الثقافي والإصلاح المؤسسي وإعادة تنظيم علاقات القوة , على المستوى الدستوري، يحتاج السودان إلى عملية تأسيس شاملة وشفافة، تشارك فيها الأقاليم والمجتمعات المحلية والنساء والشباب والقوى المدنية والمجموعات المتأثرة بالحرب، وتُحسم فيها قضايا الهوية والمواطنة وشكل الحكم وتوزيع السلطات والموارد عبر نقاش عام لا تفرض نتائجه موازين السلاح. وينبغي أن ينتهي هذا المسار إلى دستور يحمي الحقوق الأساسية، ويحدد صلاحيات المؤسسات، ويضع قيوداً واضحة على حالات الطوارئ وتجاوزات السلطة.
وعلى المستوى المؤسسي، يتطلب الأمر قضاء مستقلاً ومحكمة دستورية ذات ضمانات حقيقية للاستقلال، ومجلساً تشريعياً منتخباً يمارس الرقابة على الحكومة، وهيئات مستقلة لمكافحة الفساد ومراجعة المال العام، وقوات مسلحة مهنية موحدة تخضع للسلطة المدنية الدستورية، مع إصلاح أمني يضمن المساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب
أما على المستوى الاجتماعي والثقافي، فيحتاج المشروع إلى إصلاح التعليم والخطاب العام، وتعزيز استقلال الإعلام، وتطوير التربية المدنية، وحماية حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم، وترسيخ ثقافة تقبل تداول السلطة والاعتراف بحق الاختلاف. كما ينبغي ربط المواطنة المتساوية بسياسات تنمية عادلة، حتى لا تظل الحقوق الدستورية منفصلة عن فرص الحياة والعمل والخدمات
ولا تكتمل هذه الضمانات من دون معالجة آثار الحرب عبر وقف العنف، وحماية المدنيين، والعدالة الانتقالية، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات التي تورطت في الانتهاكات، وضمان مشاركة المتضررين في صياغة مستقبل البلاد. فالمصالحة التي تتجاوز حقوق الضحايا، أو تتعامل مع العدالة بوصفها عقبة أمام الاستقرار، قد تؤجل النزاع لكنها لا تزيل أسبابه
إن الدولة المدنية ليست اسماً لنظام سياسي فحسب، بل ترتيب دستوري وأخلاقي ومؤسسي يحدد من يملك السلطة، وكيف تُمارَس، وما الحدود التي لا يجوز تجاوزها. وهي ليست مشروع نخبة تتحدث باسم المجتمع، بل عقداً عاماً يستطيع المواطنون من خلاله حماية حقوقهم ومحاسبة من يحكمهم
لقد أثبت السودانيون قدرتهم على مقاومة الاستبداد، لكن التحدي التاريخي يتمثل في تحويل هذه القدرة إلى مؤسسات لا تتوقف على بطولة الأفراد، ولا تنهار عند اختلاف القوى السياسية، ولا تخضع لإرادة من يمتلك السلاح
والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه السودانيون اليوم ليس فقط: أي دولة نريد؟ بل أيضاً: كيف نجعلها عصية على الاختطاف من أي حزب أو جماعة أو مؤسسة مسلحة؟
تبدأ الإجابة بدستور يعلو على الحكام، وقضاء مستقل يحميه، ومؤسسات منتخبة تراقب السلطة، وجيش مهني يخضع لها، وفضاء مدني حر يستطيع المواطنون من خلاله الدفاع عن حقوقهم. لكنها لا تكتمل إلا حين تتحول هذه الضمانات من نصوص إلى ممارسة يومية، ومن التزامات على الورق إلى قواعد لا يستطيع أي طرف تجاوزها دون مساءلة
عندها فقط يمكن أن تنتقل الدولة المدنية في السودان من شعار جمع إرادة الثورة إلى مشروع ينظم حياة المجتمع، ومن وعد سياسي قابل للتأويل إلى حق عام تحميه المؤسسات ويصونه المواطنون.

zuhair.osman@aol.com

Author
زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
دِفءُ الشّتاء: عند مِسلّةِ الجنوبيّ .. بقلم: ياسر عرمان
منبر الرأي
مبحث في تداعيات حرب يونيو/حزيران 1967 .. بقلم: بابكر عباس الأمين
منبر الرأي
قصف شمال الوادي واختبار السيادة السودانية
منبر الرأي
كلمات سودانية معجمية مهجورة في لغة الكتابة (١١)
منبر الرأي
توثيق لثورة ديسمبر من خلال مشاركاتي فيها (13) .. بقلم: د. عمر بادي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

العصيان المدني.. رأس مارد أطل.. و على نافع أن يلحس كوعه ! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

حظر استيراد الذهب السوداني.. أم تشجيع تهريبه؟

لبنى أحمد حسين
منبر الرأي

أمُــــوت أنا في اللَّجَـــنة .. .. بقلم: د. بشير إدريس محمد/ أمريكـــا

طارق الجزولي
منبر الرأي

صلاح كرار والبقية … الاضرار بالعلاقة مع الجنوب .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss