وداعًا أمير البورتريه وسلطان الواقعيّة
رحيل الفنان التشكيلي محمد فضل فاجعة لأهل الفن في السودان
د. محمد بدوي مصطفى
ما أصعب أن نكتب يا سادتي عن فنان رحل، ولا تزال ألوانه تنبض في دوالينا، وملامح شخوصه تحدّق فينا من وراء الفضاءات التي رسمها لنا، كأنها تستعصي على الغياب، وترفض أن تصدّق أن اليد التي أبدعتها قد كفّت عن ملامسة الريشة! برحيل الفنان التشكيلي محمد فضل ، يفقد السودان واحد من مبدعيه الذين وهبوا الفن أسرارهم وأنفسهم، وجعلوا من اللون وحدة سيميائية كلغة للإنسان، ومن الريشة ذاكرة جماعية تسجل ملامح الوطن وأهله على أهداب الأغنيات.
أشعر اليوم يا سادتي بغصّة الفقد، وأنا أستعيد واستذكر تلك البدايات التي عرّفني فيها الفنان الشمولي عميق الإحساس والودود بكري خضر، بهذه الشخصية الفنية والإنسانية الفريدة. أرسل إليّ يومها أعمالا متباينة للفنان محمد فضل، فوجدتني أمام عوالم تشكيلية ثرّة وكوكبية، تتعدد فيها الموضوعات والثيمات، وتتآلف فيها عناصر التكوين في انسجام وهرمنة لون-ربانية يلفت النظر والبصر على حد سواء. ثم توالت بيننا المراسلات والاتصالات عبر الأسافير، وأرسل إليّ محمد فضل ما يزيد على مائة صورة للوحاته، كانت كل واحدة منها تفتح أمامي نافذة جديدة على موهبته، وتدعوني إلى مزيد من التأمل في قدرته على التقاط أنفاس اللحظة وتطويعها في فضاء التصوير.
ولم يكن إعجابي بأعماله منفصل عن إعجابي بالإنسان الذي يقف وراءها. فقد لمست فيه، عبر أحاديثنا المطوّلة، هدوء الطبع، ودماثة الخلق، وكرم الروح، وتواضع الفنان الذي يعرف قيمة موهبته من غير أن يتخذ منها حاجز بينه وبين الناس. وحين أخبرني أنه من مدينة بربر، بولاية نهر النيل، وجدت في ذلك مدخل آخر إلى الألفة، إذ تمتد جذور بعض أهلي إلى تلك المدينة العريقة.
أما فنه، فقد كان حديثا آخر لا تنقضي أسئلته. في أعمال محمد فضل تتبدّى دقة التفاصيل، وحسن توزيع المسافات والأبعاد، ومزج ألوان الطيف وتطويعها لخدمة بيئة الموضوع ومزاجه. وتنبع من هذه العناصر قدرة على تجاوز المحاكاة المباشرة إلى ما وراء الواقعية؛ حيث لا تعود اللوحة نقلا لما تراه العين فحسب، بل تصبح استبطانا لما يختبئ خلف المرئي من إحساس ودلالة. وفي بورتريهاته، على وجه الخصوص، لا تقف الملامح عند حدود الشبه، بل تنفتح على عوالم أصحابها، فتغدو الوجوه صفحات من الحياة، تحفظ ما تعجز الكلمات أحيانا عن الإفصاح عنه.
ولعلّ هذا ما جعلني أطلق عليه، في مقالات سابقة، لقب أمير البورتريه وسلطان الواقعية؛ تقديرا لاقتداره الفني، ولما تنطوي عليه تجربته من صبر ومراس ودأب. فقد درس الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وتخرّج فيها عام 1994، ثم خاض تجربة التدريس الفني في السودان والمملكة العربية السعودية، قبل أن تتسع رحلته عبر المعارض والمشاركات، وصولا إلى الصين، حيث عرض أعماله في بكين ومدن أخرى. وهي محطات تشهد على فنان لم يحصر تجربته في مكان واحد، ولم يجعل من حدود الجغرافيا سقفًا لخياله.
كان محمد فضل يحب السودان بأقاليمه ومجتمعاته المتنوعة، ويوثّق بريشته وجوه الناس واحتفالاتهم وتفاصيل حياتهم. وقد حدثني عن شغفه بشرق السودان، وعن مشاهد احتفالات الطرق الصوفية التي استوقفته فيها تجمعات النسوة وما تحمله من دلالات إنسانية وجمالية. هكذا كانت ريشته تطوف البلاد، لا لتسجل المشهد فحسب، بل لتصون شيئا من روح المكان وذاكرة أهله التي تنثر عبقها في كل لمحة ونفس.
وكان يحدوني الأمل أن تتوّج معرفتي به بمعرض لأعماله في مدينة كونستانس الألمانية، بعد أن تتهيأ الظروف لذلك. غير أن رحيله سبق اللقاء الذي تمنيناه، فبقي المشروع أمنية موجعة، وبقيت أعماله شاهدا على حوار فني وإنساني لم يقل كلمته الأخيرة.
رحم الله محمد فضل، وألهم أسرته وأصدقاءه ومحبيه الصبر والسلوان. ستظل لوحاته جزء من الذاكرة التشكيلية السودانية، وسيظل أثره حاضرا في وجدان كل من تأمل أعماله وعرف صاحبها. فالفنان قد يغيب جسده، لكن ما أودعه في اللون لا يغيب بسهولة؛ إذ تبقى الريشة، حين تصدق، شاهدةً على الإنسان والوطن، وعلى جمالٍ يستحق أن يُحفظ من النسيان.
وداعًا يا محمد؛ وداعًا أمير البورتريه وسلطان الواقعية. رحمك الله بقدر ما منحت الفن من روحك، والوطن من محبتك.
رحل محمد فضل، لكن ريشته تركت للذاكرة ما لا يطويه الغياب؛ وجوها من السودان، ونبضا من حياة أهله، وألوانا تشهد على عين عرفت كيف ترى الجمال في تفاصيل الإنسان (كما قالها الشاعر إدريس جماع: أعلى الجمال تغار منّا … ماذا علينا إذا نظرنا).
دعونا نعيد مقولة شهيرة ليوناردو دا فنشي: “الرسم شعر يُرى أكثر مما يُحَس، والشعر رسم يُحَس أكثر مما يُرى.”
E-Mail: Mohamed@Badawi.de
