د.فراج الشيخ الفزاري
نظامان أثبتا صلاحيتهما في السودان،الحكم المحلي ،بتعدد مسمياته، ممثلا في المديريات ، المحافظات والمجالس البلدية والريفية.وكذلك الإدارة الأهلية ممثلة في النظارات والعمد وشيوخ الخط.
وكنت أكتب وأخاطب وأقول دائما،بأن الهزة الأخيرة التي أصابت أمن وانسان السودان ،جراء هذه الحرب اللعينة،كان تأثيرها سيكون أكثر كارثية وقسوة وخطورة علي البلاد، لو لا وجود المجالس البلدية والريفية رغم كل سيئاتها التي نعرفها وأبرزها التسيس الذي تعرضت له أبانا حكم الإنقاذ، ولازال ذلك التسيس يلقي بظلاله في تقديم الخدمات و أنعدام توزيع عدالتها المجتمعية.
أقول ذلك، وولاية نهر النيل عامة وشندي وضواحيها خاصة، تحتفل هذه الأيام بعودة ناظر قبيلة الجعليين ، الأستاذ صلاح ابراهيم حاج محمد البيه،إلي البلاد بعد غيبة اغتراب لفترة طويلة..عاد وقد ترك كل مصالحه الذاتية ملبيا نداء الوطن ودعوة أهله الجعليين حتي يمارس حقه الطبيعي في خلافة النظارة التي يستحقها بجدارة..
والأستاذ صلاح ابراهيم من خيرة شباب القبيلة علما وثقافة ..وهو من القلائل الذين يحملون هموم الوطن ويعرف تماما ماذا تعني النظارة وماذا تعني الإدارة الأهلية بمفهومها الحديث..وله رؤية ونظرة مستقبلية في تنمية الريف الذي يعرف احتاجاته تماما.
وكما هو معلوم لدي معظم السودانيين فان الإدارة الأهلية ،قبل حلها في عهد جعفر نميري، قد كان لها دورا فاعلا في استقرار السودان..فهي نمط من الحكم الغير مباشر اوجدته الإدارة البريطانية في السودان لأنها كانت تدرك صعوبة ادارة البلاد من العاصمة الخرطوم أو عواصم المديريات..فعن طريق الإدارة الأهلية تم نقل سلطات إدارية وأمنية وقضائية من حكام الأقاليم البريطانيين إلي زعماء القبائل والأمراء والسلاطين ، فكان لهؤلاء الزعماء دورهم البارز والمتميز والمؤثر في حفظ الأمن والنظام ..ومن أجل هذه الغاية، عملت الإدارة البريطانية علي تجميع القبائل الصغيرة تحت رأية قبيلة كبيرة برئاسة زعماء أقوياء ..كلمتهم نافذة ،توادوا وتعاونوا مع بعضهم البعض مما أكسب المجتمع السوداني نوعا من الترابط والتماسك القومي وتجنب الانفلات الأمني .
إن حل الإدارة الأهلية الذي حدث لها،لم يلغي دورها ووجودها في السودان، فهي لازالت حقيقة واقعة في حياتنا اليومية بشكل أو آخر..وكان من المفترض الاستفادة من خصائصها فهي كثيرة ومتعددة.
ويتحدث ، الساخطون علي الإدارة الأهلية، عن الجهل والتخلف في الإدارة الأهلية خاصة في رعيلها الأول..وحتي من المعاصرين وينسون أن عددا كبيرا من رجال الإدارة الأهلية القدامي قد نالوا تعليما محترما بل ومتقدما بمستوى رصفائهم في المجالات الأخري ، فمنهم من تخرج من المدرسة الحربية مثل الناظر عبدالله بكر، والناظر حلمي أبوسن،ومنهم من تخرج من كلية غردون التذكارية منهم الناظر الزبير حمد الملك ،ومحمد رملي طيفور، والناظر محمد شريف، وقد نال ناظر الجعليين ابراهيم حاج محمد تعليما عاليا فهو من خريجي كلية القانون بالجامعة المصرية،وكذلك عبدالله ابو سن وكيل ناظر الشكرية، ومحمد احمد ابوسن ناظر الشكرية خريج كلية الطب ..ومعظم بقية العمد والمشائخ قد اكملوا تعليمهم بالثانويات والمعاهد الدينية.
وقد اهتمت الإدارة البريطانية بتعليم أبناء الإدارة الأهلية اهتماما شديدا باعتبارهم رجال الإدارة الأهلية القادمين ، مما ساعد في تنمية وتطوير هذا النمط من الإدارة الحكومية المساعدة عندما خلف عدد كبير من هؤلاء الأبناء أماكن آبائهم عند خلو المنصب ..مما جعل وظائف الإدارة الأهلية بالتوريث أو التعيين حرصا علي تماسك القبيلة واحترام قادتها…
وفي حلقة قادمة سوف نكمل المقال بالتطرق الي الحكم الشعبي المحلي في السودان وما لعبه من دور في الحفاظ علي وحدة السودان وتوفير الخدمات العامة في أحلك الظروف التي مرت بالبلاد…
د.فراج الشيخ الفزاري.
