عبد الله علي إبراهيم
ليس من قانون أو عرف يمنع جيشاً ما من توظيف خدمات الميليشيات لمواجهة التحديات التي يلقاها
ملخص
(ليس بمهتدٍ إلى سواء سبيل من وصف قوات “الدعم السريع” بـ”ميليشيات” مثل قول “صمود” إن دولة الإنقاذ مباءة استيلاد للميليشيات القبلية لغاياتها الأمنية التي انتهت بنا إلى مثل “الدعم السريع”. وغاب عنهم أن “الدعم السريع” وحش مختلف، فقانون تأسيسها عام 2017 جعلها جيشاً ثانياً أو “حرساً جمهورياً” في عبارة لمحمد حمدان دقلو “حميدتي” نفسه. قال الإمام الشافعي “العلم صيد والكتابة قيد”. والكتابة مصطلح. والمصطلح هو “المعدوم في سوق الخرطوم” كما في عبارة سائغة عندنا. وهذا العديم هو الذي استحال معه حوار الصفوة الذي ينتظره المجتمع الدولي لنشفى من الحرب، وما تشتهيه الصفوة نفسها وتقع دونه. فالأفكار، إن جاز القول، في وسطهم شريدة لا ترعى بقيد المصطلح، فتسد السبيل لبلوغ حتى مكمن الخلاف بينهم بما تتحول به إلى هرج).
كان الأسبوعان الماضيان موسماً للتداول في مصطلح “الميليشيات” بعدما خرج حاكم دارفور مني أركو مناوي يهدد بالتمرد على الدولة مجدداً متى استمرت في إنشاء مزيد من الميليشيات. وبدا أن ما أغرى معارضو دولة الفريق ركن عبدالفتاح البرهان بقوله هو فائح التهديد إلى جانب استعادة أفكار تواترت عن الميليشيات وأصلها في إدانة الإنقاذ وحكومة البرهان الحاضرة كمباءتين لتوالد الميليشيات أكثر من النظر المحيط الوطيد في المصطلح. وسنعرض هنا لأغاليط حول المصطلح فشت في خطاب الحرب فصارت الميليشيات به نوعاً من الوغادة السياسية لا علم اجتماع وحيلة في الحرب، والحرب حيلة.
هل صح إطلاق “ميليشيات” على جماعاتنا غير النظامية المسلحة في السودان؟
نبدأ بالسؤال عن صواب إطلاق مصطلح “ميليشيات” على الكيانات القبلية المسلحة التي تنهض مع الدولة لقمع التمرد عليها بـ”أرخص ثمن”. فيثير السؤال مسألة قديمة في علم الأنثروبولوجيا، وهي ما يسمى “ترجمة الثقافة”، أي قدرة لغة وثقافة ما في الإيفاء بالمعاني الدقيقة وظلال المعاني التي ترد في دراسة تلك الثقافة لثقافة أخرى. فاستخدام “ميليشيات” للإشارة إلى هذه المؤسسة المسلحة يجعلها تبدو كجسد غريب مفروض من أعلى، أي من الدولة، ولا منشأ لها في باطن القبيلة، كتنظيم اجتماعي سياسي. فهذه الكلمة الأجنبية “ميليشيا”، بمحض غربتها، ربما ساقت الواحد إلى الاعتقاد بأن الدولة وحدها هي القادرة على اختراع الميليشيات تقديراً لخطرها وفائدتها وكأن القبيلة ليست خلواً من الغرض من وراء تجييش الحكومة لها في مطلوبها وحسب، بل خلواً من نظم الدفاع عن النفس والتعدي على الغير.
هل إنشاء الميليشيات حرام شرعاً في تدبير الحرب؟
ليس من قانون أو عرف يمنع جيشاً ما من توظيف خدمات الميليشيات لمواجهة التحديات التي يلقاها. فالمادة 1 من “قانون لاهاي الإنساني الدولي” تجعل الجيش النظامي والميليشيات في المنزلة نفسها، بل تحض المادة 4 (1) من “بروتكول جنيف” (1929) على معاملة الأسير من كليهما على قدم وساق، بل يرى أهل الاختصاص تزايد استخدام الميليشيات مع تغير بيئات العمليات العسكرية عما كانت عنه في الماضي. فالجيش مهما استكمل نصابه عدة وعتاداً وجنداً احتاج إلى إسعاف من قوى خارجه. فمتى حرمنا على الجيش استخدام الميليشيات، ضيّقنا واسع الممكنات العسكرية واللوجستية التي بوسعه استثمارها في حربه.
ومما يزكي توظيفها في المواضع المنقطعة والأوكار أن أفرادها أبناء بَجْدَتهما، أو ما جاء في قولنا من أن “البلد بشقوها بولدها”. وكان الجيش السوداني فرّق شمل ميليشيات حليفة له هي “أولاد قمري” في الولاية الشمالية في نوفمبر عام 2025 بعد ضجر الناس منها لفرط انتهاكاتها. فهي جماعة من بدو صحراء الولاية جندها الجيش باسم “كتيبة الإصلاح الإستراتيجية” وزودهم بالعدة والعتاد لتمشيط الصحراء ونقاط الارتكاز الخلوية شمال منطقة دنقلا لسد المنافذ على الهجرة غير الشرعية، مستثمراً في معرفتهم الفطرية بشعاب الصحراء. وفي سياق آخر يكفي القول إن الجيش الأميركي في يومنا يتعاقد مع الشركات العسكرية لأداء 30 في المئة من المهمات العسكرية التي يريد تنفيذها، بخاصة في المجال اللوجستي والصيانة والخدمات ليفرغ لغيرها.
هل الميليشيات مخلب قط للحكومة أم أنها ذات قضية أصيلة؟
ومتى قلنا إن الفرق القبلية المسلحة ميليشيات من صنع الدولة رميناها بأنها مجرد مخلب قط يحارب لا أصالة عن نفسه، بل وكالة عن حكومة. وليس هذا صحيحاً على إطلاقه. فكان لقبائل شعب البقارة جنوب كردفان ودارفور ما عبأها في ميليشيات تقاتل إلى جانب الحكومة منذ خروج الحركة الشعبية لتحرير السودان لحرب الحكومة عام 1983. وكانت حاضنة هذه الحركة قبائل جنوبية على رأسها الدينكا التي بينها والبقارة نزاعات حول الموارد في منطقة التماس بين شمال السودان وجنوبه. فكانت حروب عصابات الحركة القومية الجنوبية المتعددة غيرت من طبيعة النزاعات القبلية بتقديم الأجندة القومية على الأجندة القبلية وتعطيل آليات علائق قبائل الشمال والجنوب التي تراوحت تقليدياً ما بين النزاع والصلح. فرصد الباحث عبدالوهاب عبدالرحمن، بتوفيق كبير، كيف تشكل صراع المسيرية البقارة والدينكا نقوك خلال الفترة ما بين عام 1964 وعام 1977 تحت التأثير الغالب للحركة القومية الجنوبية في طور نضالها المسلح بقيادة حركة الأنيانيا (الحشرة السامة) للفترة 1965-1972.
ولم يرَ الأكاديميان سليمان بلدو وعشاي محمود من جهتهما سبباً من وراء نهوض الرزيقات البقارة مع الحكومة ضد الحركة الشعبية عام 1987، وهو النهوض الذي انتهى إلى مذبحة مؤسفة للدينكا في مدينة الضعين، حاضرة الرزيقات، في العام نفسه. فقالا إن الحكومة أدخلت الرزيقات في دورة حربها ضد الحركة الشعبية كأن الرزيقات خلو مما كدرها من الدينكا والحركة معاً. ولكن كان للرزيقات رأي آخر في شأن أصالة مسألتهم كطرف في الصراع على أية حال، إذ تخوف الرزيقات من نقل جيش التحرير، وقوامه الدينكا، لنشاطه إلى المنطقة الحدودية بينهم وبين الدينكا عند منطقة بحر العرب بين مديرية دارفور ومديرية بحر الغزال، مرعى الرزيقات الرئيس ومصدر مياههم المهم طوال فترة الصيف. فمن شأن وجود تلك القوات عند ذلك الفاصل أن يسد المنافذ أمام تحركات الرزيقات جنوب بحر العرب وتعريض دورة رعيهم للهدم. وهكذا لم تأتِ الحكومة تستنجد بهم جزافاً، فكانوا بغبينتهم أيضاً.
هل الميليشيات مرتزقة؟
وتأتي في إثر المصطلح الأجنبي على هذه الكيانات القبلية المسلحة سمعة التمويل الحكومي، الارتزاق، ما دام أنها صنعتها ميليشيات لخدمة غرضها. وليس هذا التمويل مع ذلك مما يطرأ لهذه الجماعات على أنه أول ما يطرأ لمن عدها ميليشيات. فكانت حكومة السيد الصادق المهدي (1986-1989) أنشأت على يد اللواء (م) برمة ناصر، وزير دفاعها وعضو قيادة حكومة تأسيس اليوم، جماعة مسلحة من بين شعب المسيرية الذين هم بقارة غرب كردفان. وجاءت لميدان الحرب باسمها المحلي وهو “المراحيل”. فالذي يرى أن الميليشيات القبلية هي اختراع حكومي لا غير، ربما لم يصدق فرسان “المراحيل” وهم ينكرون أن للحكومة يداً في تمويلهم، أو أن لها أي سلطان عليهم. فالقاعدة عندنا أن اليد العليا للذي يدفع ويسلح، لكن فرسان “المراحيل” يقولون إنهم يلقون أجرهم مما ينهبون. ولأن الحكومة لا تمولهم فهي عاجزة أن تطاول أسراهم ومنهوباتهم. ولذا تساوم قوات “المراحيل” أهل الأسرى لدفع الفدية.
قد نُكذِّب دعوة “المراحيل” هذه بوصفها تغطية لضلوعهم مع الحكومة. لكن سياقات المؤسسة القبلية العسكرية تشير إلى أن مثل هذا الإجراء في العون الذاتي عادي ومتبوع. وستسمع هذا القول نفسه اليوم من جماعات الـ”فزع” التقليدية، أي العصب القبلية ذات الاستقلال الذاتي عن قيادة “الدعم السريع”، كما جاء على لسان علي رزق الله (سافنا) الذي خرج أخيراً على “الدعم السريع”. فقال خلال فيديو ذاع انتهر فيه من جاؤوا إليه يشكون إهمال “الدعم السريع” لهم من جهة الراتب والعلاج وغيرها، وقال إن تعاقده هو مع “الدعم السريع” قائم على “الفزع” أي إنهم أتوا إليه فزعاً لا جزءاً عضوياً منهم. وعليه فـ”الدعم السريع” ليست غير ملزمة علاجهم وحسب، بل غير ملزمة تسليحهم ولا تشوينهم، فكله على النفقة الخاصة، بل قال لهم من انجرح في درب الحرب التي اختارها مع “الدعم السريع” طائعاً مختاراً فكلفة علاجه عليه، وتموت فيسترك أهلك. فمن أراد من المحتجين الاستمرار في هذا الدرب كان بها، أما من استنكره فليغادر، فـ”الدعم السريع” في قوله “محطة قطر يركب زول وينزل زول”.
فأهدى المسالك إلى تقليل فاقد المعنى من جراء “ترجمة الثقافة” هو تسمية النظم السياسية والاجتماعية باسمها المحلي المخصوص. فمثل هذه التسمية لهذه النظم بمثابة الاعتراف بخلوص هذه النظم من التاريخ والإيحاءات الخاصة للاسم الأجنبي. علاوة على أن مثل هذا الإجراء يفتح الباب واسعاً للتعرف على النظم في نسيجها التاريخي والاجتماعي في خاصة مجتمعها. فبين الرزيقات، التي ذاع أنها حاضنة الدعم السريع الأصل، تعرف هذه الجماعة المسلحة بـ (العُقدا) مثلاً. وأول دلالات كون أن هذه الفرق المسلحة لها اسم محلي افتراض أن لها تاريخاً خاصاً ووظائف تقليدية تنهض بها. وهذا ينفي عنها شبهة أنها محرشة، أو أنها أداة من أدوات سياسية معلومة لحكومة ما. والمعروف أن نظام (العُقدا)، الذي قد يأتي بأسماء أخرى، كيان مسلح أصيل للقبيلة السودانية ظل قائماً في تفاوت في المدى والخطر في البادية السودانية التي يقصر عنها ظل الدولة في أزمان تاريخية بعينها وفي أمكنة موسمية في مواسم نشاطات تلك القبائل الاقتصادية. وعليه فسياق مؤسسة مثل (العُقدا) التاريخي والاجتماعي والتقليدي ليتبدد باستخدام المصطلح الأجنبي (مليشيات) ونحوه. وإذا تعطلت هذه السياقات لم يتورع الباحث، وهو يخوض بغير علم بها، من عدّ المؤسسة القبلية العسكرية جسرًا أجنبياً على القبيلة لا وظيفة باطنة بها.
كما يؤدي التغاضي عن سياقات المؤسسة القبلية العسكرية إلى إهمال رموز هذه المؤسسة وخطابها. فقرين بمؤسسة الفروسية القبلية ديوانها التحريضي الشعري الغنائي. وهو دور لمن عرفن ب”الحكامات” الشاعرات المغنيات المثيرات لحمية القتال بين القبيلة. وهو دور لم يخل منه أي مشهد من مشاهد الصدامات القبلية. فقد لاحظ الباحث عبد الوهاب عبد الرحمن نشاطاً لهن في نزاع المسيرية الحمر والدينكا/نقوك فيما بعد 1964. فقد ضغطت الحكامات على بابو نمر، زعيم الحمر، للانتقام من هجوم شنه الدينكا على المسرية الحمر. ويؤيد رواية عبد الوهاب عبد الرحمن ما سجله بلدو وعشاري. وهن دمويات يمثلن، لترفيع وتيرة الحماسة عند فرسانهن، بجثث قتلاهم في مثل عرضهن لعضو من أسير لإلهاب الحماسة للحرب. وظهرت إحداهن في الحرب القائمة وقد نزعت لباسها عنها وقالت إنها لن ترتديه إلا حين يظفر الدعم السريع بالنصر على القوات المسلحة. ومن شأن العناية بالحكامات ودورهن في القتال والقتل الطقسي في النزاعات القبلية أن يسوقنا إلى فحص دلالات خطابهن، لفظاً وإيقاعاً وفعلاً، الذي يحوي شهادات مهمة عن ديناميكية المؤسسة القبلية العسكرية.
هل الإنقاذ من ابتدعت الميليشيات في الحرب؟
صح على الدولة السودانية قبل الإنقاذ ما صح عليها من حرب التمرد عليها بأرخص ثمن بدعم من الجماعة المسلحة غير النظامية. فهذا نسق تاريخي راسخ تتحالف فيه الدولة القاصرة مع نظم اجتماعية وسياسية أدنى مثل القبيلة والطائفة لتصفية معارضيها في بيئات البادية والهوامش المستعصية. وسنرى هذا النسق كما تجلى في علاقة الدولة مع قبيلة الكبابيش من بادية شمال كردفان. فطلبت الإدارة التركية في السودان (1821-1881) من بعض فروع الكبابيش ألا يهبطوا مع بقية أهلهم إلى النيل خلال موسم الصيف ليبقوا في جهات الصافية ونواحيها لردع أعراب دارفور وبني جرار الذين كانوا يقطعون طرق القوافل بين كردفان ودارفور. وواضح أنه لم يكُن خافياً على تلك الإدارة قوة إغراء هذا العرض على الكبابيش. فبين الكبابيش وبني جرار عداء مستحكم انتهى بتجريد بني جرار من دارهم في شمال كردفان، واحتلال الكبابيش لها ولياذهم بدارفور. والأكثر إغراءً في هذ العرض هو إباحة الإدارة التركية لفروع الكبابيش المأمورة بمطاردة بني جرار الغنائم التي تجنيها من قتالها لبني جرار وقبائل دارفور.
كذلك، وظفت دولة المهدية (1881-1898) خصومات الكبابيش خلال حملتها لإخضاع الكبابيش وكسر ثورتهم، إذ استخدم الخليفة عبدالله زعماء وقوى من قبائل حمر ودار حامد والكواهلة وبني جرار، وهي القبائل ذات الثأرات على الكبابيش، في طور أو آخر من أطوار حربه وملاحقته للشيخ صالح فضل الله، زعيم الكبابيش المعارض، حتى قضى عليه وعلى ثورته.
وتحالفت الحكومة الإنجليزية مع الكبابيش خلال العقدين الأولين من القرن الـ20، حين تطابقت إستراتيجية الحكومة في حصر وضبط السلطان علي دينار، سلطان دارفور، مع إستراتيجية الكبابيش للتوسع غرباً حتى مطالع حدود دارفور الشرقية. ولأن الكبابيش كثيراً ما يخاطرون في نواحي دارفور المعادية، أصبحوا في نظر الحكومة حراس الأحراش الغربية والمصدر الرئيس للمعلومات الرسمية لما يجري هناك. وحين قررت حكومة السودان إزاحة السلطان علي دينار عن حكم دارفور عام 1916 بعد جنوحه للسلطان العثماني خلال الحرب العالمية الأولى وضم دارفور إلى السودان، كان للكبابيش موقع في خطة الإبعاد والضم، وزوّدت الحكومة فرسانهم بالسلاح والعتاد.
ومن المهم التذكير أن استخدام الدولة للمؤسسة القبلية العسكرية في حربها للحركة القومية الجنوبية تكتيك حكومي قديم، إذ عبأت حكومة الفريق عبود (1958-1964) قبائل المورلي في الجزء الجنوبي الشرقي من السودان لقطع الطريق أمام وصول قوات الأنيانيا الأولى إلى مناطق القبائل النيلية من مركز قوتها في شرق مديرية الاستوائية. ووظف نظام الفريق نميري حركة أنيانيا 2 التي انشقت على العقيد جون في أول مرة عام 1983 وخرجت عليه. وعلى الوتيرة نفسها تعاقدت دولة الإنقاذ مع جماعة من قبيلة النوير، وهم الشعب الأغزر بعد الدينكا التي كانت قاعدة الحركة الشعبية، بقيادة الجنرال توت كيو قاتلواك للتصدي للحركة الشعبية وحراسة آبار النفط في جهته.
هل “الدعم السريع” ميليشيات؟
ليس بمهتدٍ إلى سواء سبيل من وصف قوات “الدعم السريع” بـ”ميليشيات” مثل قول “صمود” إن دولة الإنقاذ مباءة استيلاد للميليشيات القبلية لغاياتها الأمنية التي انتهت بنا إلى مثل “الدعم السريع”. وغاب عنهم أن “الدعم السريع” وحش مختلف، فقانون تأسيسها عام 2017 جعلها جيشاً ثانياً أو “حرساً جمهورياً” في عبارة لمحمد حمدان دقلو “حميدتي” نفسه. فليس للجيش سلطان عليه إلا في حالات الطوارئ. وانعقد لواء قيادته لرئيس الجمهورية وهو الوحيد الذي يقرر دمجه في الجيش متى اتفق له. وكل الدلائل تشير إلى أن تمتع “الدعم السريع” بالاستقلال عن الجيش، كما رأينا، هو ما أراده “حميدتي” له في مناقشات مع الرئيس السابق البشير قيل إنها امتدت عاماً كانت “الدعم السريع” فيها سيدة الميدان العسكري. وليس أدل على ذلك من إجابة “حميدتي” عن أسئلة طرحها عليه الإعلامي الطاهر حسن التوم من القناة “س 24” بعد صدور القانون. فقال إن “الدعم السريع” ليست “ميليشيات” انتهت وظيفتها فتدمج في الجيش، فهي جيش. ولو اختلقت الإنقاذ “الدعم السريع” كميليشيات كما في أول عهدها، لما وجد المرء ما يحتج عليه كما رأينا من شيوع هذه الصنعة في الجيش عندنا وعند غيرنا. ولكن ما قامت به الإنقاذ أضلّ وأفدح بجعلها جيشاً ثانياً ليبطل بذلك احتكار السلاح للقوات المسلحة. وتلك قصة أخرى.
ومنسوب إلى النبي محمد قوله “العبادة في الهرج كهجرة إلي” وقيل وما الهرج قال “القتل”. متفق عليه. وسيكون توليد الحوار المنتظر حول الأزمة في السودان في مصطلح، وقد كثر القتل، عبادة في الهرج.
