زهير عثمان حمد
يمكنُ أن تُقرَأَ حياةُ المتمرّدِ لا من سِجلّ خُطواتهِ، بل من رُكامِ ما يطرحُهُ وراءَ ظهرِهِ. إنّهُ يُشيّدُ كينونَتَهُ على الهَدم- يرفضُ الوظيفةَ التهامِيّة، والنّواةَ العائليةَ المُستنسَخة، والنسلَ المَورُوث، والاجتماعَ القائمَ على التملّق، واعتزالاً يحرسُ حُريّتَهُ خلفَ بابٍ مَغلق. لكنّ المَرفوضَ الأكبرَ لديهِ ليس نظاماً بعينِه، بل (النموذج الحديثةُ للإنسانِ الناجح )—ذاكَ الكائن المَشحُون دائماً بالطاقة، المُتطوّر بلا هوادة، الذي يُعاملُ روحَهُ كآلةٍ ينبغي تحديثُ نِظامِها بانتظام كَي لا تُلقى في سَلّةِ النّفاياتِ الاقتصادية
إنّنا أمامَ قيمة جديدٍ من -المَرفوضات – لم يعد فيهِ الرفضُ مجرّدَ نَزْوَةٍ أو خِيارٍ عارِض، بل غدا شَرطاً لحِراسةِ الهُوِيّة، ودِرعاً أخيراً ضدّ حداثةٍ كاسحةٍ تلتهمُ الآماد- تُقسّمُ الوقتَ بالمِشرَط، وتزنُ الرغباتِ بمِيزانِ الجَدوى، وتَفصِلُ للناسِ أثواباً جَاهزةً ومُستَبِدّةً لِمَا يَنبغي أن تكونَ عليهِ “السّعادة” , ودائما اصرخ والعن كل شيء
هنا يُصْبِحُ هذا المتمرّدُ رَجُلاً مَشْبُوهًا في عَيْنِ المَجتمَع؛ إنّهُ يَبْصُقُ على السُّلَّمِ الوظيفيِّ الذي يتزاحمُ عليهِ الآخَرون، ويَزدَرِي المَكانةَ التي تُدني المَرءَ من الحَظوَةِ وتُعرّيهِ من ذاتِه. لا يَرى في القَيْدِ الزّوجيِّ حَتْمِيّةً بيولوجية، ولا في زِحامِ المَعارفِ شِفاءً من الوَحشَة. يُفَضِّلُ صَمتَهُ العارِيَ على المَهازلِ الكَلامِيّة، وتَأتأةَ الفَوْضى على نِظامٍ يَشُمُّ فيهِ رائحَةَ المَقْصَلَة
ولكنّ السُّؤالَ الذي يَثْقُبُ جِدارَ هذا المَوْقِف- هل يَرْفُضُ لأنّه حُرّ، أم لأنّهُ مَجْروح؟ وهل أضْحَتِ الحُرّيةُ شَيْئًا لا يُصانُ إلا إذا اختَبَأ الإنسانُ خَلْفَ مَتارِيسِ الاسْتِنْكار؟
الإنسانُ.. ذاكَ المشْرُوعُ المَحْكُومُ بِالعَذاب
لقد بَشَّرَتِ الحَداثَةُ بالتَّحَرُّر، لكنَّها اسْتَبْدَلَتْ بالأغْلالِ الثَّقِيلَةِ ألاعيبَ ناعِمَةً أشدَّ بَطْشاً. لَمْ يَعُدِ السَّوْطُ بيدِ الحاكِمِ أو الأَب؛ بَلِ انْتَقَلَ إلى داخِلِ الإنسانِ ذاتِه! صارَ المَرْءُ سَجّانَ نَفْسِهِ: يُراقِبُ كفاءَتَهُ، يُجَدْوِلُ لَحظاتِه، ويَسْتَبْدِلُ بَشَرِيَّتَهُ المُتَعبَةَ بِسِيرَةٍ ذاتِيَّةٍ لا تَكُفُّ عَنِ النُّمُو.
حَتَّى الاستِرخاءُ زالَتْ عَنْهُ البَراءَة؛ فالنَّوْمُ صارَ إِعْداداً لِيَوْمِ عَمَلٍ جَدِيد، والقِراءَةُ اسْتِثْماراً فِي المَهَارات، والرياضَةُ طَقْساً لِرَفْعِ اللّياقَةِ الإِنْتاجِيَّة، وحَتَّى المَحَبَّةُ تُقاسُ بِحَجْمِ “الشَّبَكاتِ والمَصَالِح”. أَمّا المِنَصّاتُ الاِفْتِراضِيَّة، فَقَدْ غَدَتْ مَسابِخَ يَوْمِيَّةً يُقَدَّمُ فيها القُرْبانُ بَهِيّاً: نجاحاتٌ بَرّاقَة، وَسَعادَةٌ مَصْنُوعَةٌ بِإِتْقان، لِكَيْ يُدانَ كُلُّ مَنْ يَجْلِسُ فِي الظِّلِّ صَامِتاً.
فِي هذا المَسْرَخ، لا يَكْفِي أنْ تَكُونَ حَيّاً؛ بَلْ عَلَيْكَ أنْ تَكُونَ “مُتَصاعِداً”. لا يَكْفِي أنْ تَعْمَل، بَلْ يَجِبُ أنْ تَمُوتَ حُبّاً فِي عَمَلِك، وأنْ تَصْنَعَ مِنْ حُطَامِ كاهِلِكَ إِعْجازاً. لَقَدْ تَحَوَّلَ النجاحُ إلى شَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ لا تَرْحَمُ الخاطِئِين.
مِنْ هُنا، يَنْبَثِقُ الرفْضُ كَصَرْخَةِ احْتِجاجٍ ضدَّ هذا المَزادِ العَلَنِيّ. فالذي يَزْهَدُ فِي الوَظِيفَةِ لا يَكْرَهُ السَّعْيَ، بَلْ يَكْرَهُ أنْ تُقاسَ جَوْهَرِيَّتُهُ بِرَقَمِ راتِبِه؛ والذي يَتَوارَى عَنِ العائِلَةِ قَدْ لا يَزْداءُ المَوَدَّة، بَلْ يَأْبَى أنْ تَكُونَ أُمُومَتُهُ أو أُبُوَّتُهُ كَرْتَ عُبُورٍ لِمُجْتَمَعٍ يُمَارِسُ الوِصايَة.
مَعَ ذلِك، لا يُمْكِنُ إِضْفاءُ القَداسَةِ على كُلِّ انْكِفاء؛ فالرَّفْضُ أحْياناً لَيْسَ شَجاعَةً فِلْسَفِيَّة، بَلْ نَدْبَةٌ غائِرَة، أو جُبْنٌ عَنِ المُواجَهَة، أو هُرُوبٌ مِنْ مَعْرَكَةٍ لَمْ يَعُدِ الجَسَدُ يَقْوى على خَوْضِها. ومِنَ الفادِحِ أنْ نُحَوِّلَ كُلَّ انْكِسارٍ إلى سِيرَةِ بَطَل، كَما أنَّ مِنَ الجَهْلِ أنْ نَعُدَّ كُلَّ حُزْنٍ عاطِلاً عَنِ النَّفْعِ مَرَضاً يَلْزَمُ شِفاؤُه.
زَيْفُ القَداسَةِ فِي الفَوْضى
حِينَ يَلْجَأُ المَرْءُ إلى الفَوْضى، فَإِنَّهُ لا يَعْبُدُ الخَراب، بَلْ يُفَتِّشُ عَنْ مَلاذٍ لَمْ يَمْسَسْهُ إِسْفَلْتُ القَوانِين. الفَوْضى هُنا هي إِيَقاعٌ حُرٌّ يَبْتَكِرُهُ خَائِفٌ كَي يَتَنَفَّسَ خارِجَ سَاعَاتِ الحائِطِ وقَوَامِيسِ الواجِب.
لَكِنَّ المَصْيَدَةَ تُحْدِقُ أَيْضاً بالفَوْضى؛ حِينَ تَتَحَوَّلُ هِيَ الأُخْرى إلى “أَيْدِيُولُوجِيا”. إِذا أصْبَحَ الاِعْتِزالُ شَرْطاً لِلنَّقاء، وصارَ زَهْدُ العَمَلِ معْياراً لِلرَّفْعَة، وقَطِيعَةُ النّاسِ بُرْهاناً على العَبْقَرِيَّة، فَإِنَّ المُمَرِّدَ يَكُونُ قَدْ أقامَ صَنَماً جَدِيداً من حِجارَةِ انْعِزالِه، وسَقَطَ فِي شَبَكَةِ العَظَمَةِ التي هَرَبَ مِنْها.
إنَّ الحُرِّيَّةَ البَالِغَةَ لا تُقاسُ بِحَجْمِ الجُدُرانِ التي نَهْدِمُها، بَلْ بِسَكِينَةِ البالِ حينَ نَخْتار. قَدْ يَكُونُ المَرْءُ حُرّاً وَهُوَ يُفَرِّغُ عَرَقَهُ فِي مَصْنَع، وَقَدْ يَكُونُ عَبْداً وَهُوَ يَجْلِسُ متَأَفِّفاً فِي صَوْمَعَتِه. الرَّوْعَةُ لَيْسَتْ فِي كَوْنِكَ المُنْتَصِرَ أو المُنْسَحِب، بَلْ فِي ألاّ تَتَحوَّلَ طَرِيقَتُكَ فِي الحَياةِ إلى مِحْكَمَةٍ تُكَنِّسُ الآخَرِين.
المثَقَّفُ.. الشَّاهِدُ المَشْلُول
لِلْمُثَقَّفِ أَلَمُهُ الخاصّ؛ لأنَّهُ يَحْمِلُ المِجْهَرَ الذي يَكْشِفُ عُيُوبَ المَدِينَة. لَكِنَّ هَذا المِجْهَرَ ذاتَهُ قَدْ يَتَحَوَّلُ إلى نَظَّارَةٍ سَوْداءَ تَحْجُبُ عَنْهُ دِفْءَ الحَياة.
حِينَ يَسْتَعْذِبُ المُثَقَّفُ دَوْرَ “المَطْرُودِ الأخْلاقِيّ”، يَتَحَوَّلُ رَفْضُهُ إلى حِصْنٍ عَاجِيّ؛ يَرى العالَمَ كُلَّهُ زَيْفاً، والنّاسَ خِرافاً، ويَنْسى أنَّ تَحْتَ هَذِهِ القَوانِينِ القاسِيَةِ أرْواحاً تُصارِعُ من أجلِ خُبْزِها ومَحَبَّتِها بِصِدْقٍ بَسِيط. يَغْدُو الرَّفْضُ هُنا حِجَاباً عَنِ الفَهْم، وقَطِيعَةً تَمْنَعُ الرَّحْمَة.
نَحْنُ لا نُرِيدُ مِنَ المُثَقَّفِ أنْ يَكُونَ ناصِحاً لِلرّاحَةِ العَامَّة، ولا عَرِيفاً فِي مَدْرَسَةِ المَواطَنَة؛ لَهُ أنْ يَعِيشَ غَرِيباً، وأنْ يَصْرُخَ أو يَصْمُت، لَكِنَّ التَّساؤُلَ الإنْسانِيَّ الأصِيل: هل هذا الهامِشُ الذي خَطَّهُ لِنَفْسِهِ فَرادِيسُ للرُّوحِ أم مَقْبَرَةٌ شَيَّدَها بِبِلوكِ المَرْفُوضات؟
بَوْصَلَةُ الخَلاص: مَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ نَصُدَّهُ؟
إنَّ هَذا العالَمَ المُتَعَبَ لا يَحْتاجُ صَارِمِينَ يَأْبَوْنَ كُلَّ شَيْء، ولا مُسْتَسْلِمِينَ يَبْلَعُونَ كُلَّ شَيْء؛ بَلْ إِلى حِكْمَةٍ تُفَرِّقُ بَيْنَ السَّمِّ والدَّواء
نَرْفُضُ العَمَلَ الذي يَسْحَقُ الكَرامَة، لا السَّعْيَ الذي يُعْطِي لِلْيَدَيْنِ مَعْنى
نَرْفُضُ العَلاقاتِ التي تَأْكُلُ النُّخاع، لا العَاطِفَةَ التي تُقِيمُ العُود
نَرْفُضُ العائِلَةَ حِينَ تَكُونُ مَقْصَلَةً لِلْذات، لا حِينَ تَكُونُ رُكْناً دافِئاً فِي مَهَبِّ الرِّيح
نَرْفُضُ النجاحَ بَوَصْفِهِ استِعْراضاً فارِغاً، لا الإِنْجازَ الذي يَنْبُعُ مِنْ شَغَفٍ حَقِيقِيّ
إنَّ لِلإِنْسانِ الحَقَّ الكامِلَ فِي أنْ يَتْعَب، أنْ يَتَوَقَّفَ فِي مُنْتَصَفِ الطَّرِيق، أنْ يَكُونَ هادِئاً، وأنْ يَعِيشَ حَياةً عاديّةً جدّاً لا تُكْتَبُ عَنْها المَقالاتُ ولا تُصَفِّقُ لَها المَناصّات
لَعَلَّ أَعْظَمَ أشكالِ التَّمَرُّدِ لَيْسَتْ فِي أَنْ نَصْرُخَ بوَجْهِ المَدِينَة، بَلْ فِي أَنْ نَمْتَلِكَ شَجاعَةَ أنْ نَكُونَ أنْفُسَنا—بِضَعْفِنا وَتَعَبِنا وَحَقِّنا فِي الحَياة—دُونَ أنْ نَتَحَوَّلَ إلى سِلْعَةٍ فِي سوقِ الإِنْتاج، ودُونَ أنْ نَتَّخِذَ مِنْ جِراحِنا ومَرْفُوضاتِنا سِلاحاً لِرَجْمِ الآخَرِين.
