باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 19 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

دارفور بين سراب الانفصال وعقد المواطنة

اخر تحديث: 19 أكتوبر, 2026 11:04 صباحًا
شارك

دارفور بين سراب الانفصال وعقد المواطنة: لماذا يجب رفض تكرار منح حق تقرير المصير الانفصالي في السودان رفضًا مطلقًا ودائمًا، وكيف تُصان وحدة دارفور بالعدالة والتمثيل والحكم الذاتي الحقيقي في السودان الموحد

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يناقش المقال احتمال انفصال دارفور أو أقاليم سودانية أخرى في ظل الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، ويضع هذا الاحتمال في سياق تاريخي وقانوني وسياسي مقارن يتجاوز الصراع السوداني الراهن. وينطلق من أن تكرار تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011 لا يمثل حلاً تلقائياً لأزمات السودان، لأن تقرير المصير لا يعني بالضرورة الاستقلال، ولأن الانفصال لا يضمن إنهاء الحرب أو تحقيق السلام والاستقرار، بل قد ينقل الصراع إلى حدود جديدة أو يعيد إنتاجه داخل الدولة المنفصلة. ويختبر المقال خمس فرضيات مترابطة: دور الحروب في نشأة الدول الحديثة، وضيق نطاق الاعتراف الدولي بحق تقرير المصير الخارجي، وندرة تحول المطالبات بتقرير المصير إلى استقلال ناجز، واحتمال استمرار العداء بعد الانفصال، وأهمية المقارنة بين كلفة الوحدة القسرية وكلفة الانفصال الذي لا يعالج جذور النزاع. ويؤكد أن تقييم مستقبل السودان يتطلب الجمع بين التاريخ والقانون الدولي والأدلة الكمية والتجارب المقارنة، مع التمييز بين رفض الانفصال بوصفه حلاً سهلاً وبين الدفاع عن وحدة لا يصاحبها إصلاح سياسي واجتماعي حقيقي.

يتناول المقال أولاً العلاقة بين الحرب وتكوين الدولة الحديثة، مستنداً إلى أطروحة تشارلز تيلي التي ترى أن الحروب أسهمت تاريخياً في بناء الدول الأوروبية، لأن التنافس العسكري دفع الحكام إلى تعبئة الموارد وفرض الضرائب وإنشاء الأجهزة الإدارية والبيروقراطية وتطوير الجيوش وتركيز سلطة الإكراه، وصولاً إلى نشوء مؤسسات مركزية قادرة على احتكار العنف المشروع. وتدعم الدراسات التاريخية والكمية وجود ارتباط بين الحروب والتوسع الإقليمي للدول الأوروبية خلال الفترة من 1490 إلى 1790، مع الإقرار بأن التوسع السلمي وصعود القومية وعوامل أخرى أسهمت أيضاً في تكوين الدول. غير أن المقال يرفض التعامل مع هذه العلاقة بوصفها قانوناً عاماً ينطبق على كل المجتمعات؛ فالحرب قد تؤدي إلى بناء الدولة في ظروف، وإلى تفكيكها في ظروف أخرى. ويشير إلى أن نجاح الحرب في إنتاج دولة متماسكة يتطلب وجود هوية وطنية جامعة ومشروع سياسي أو أيديولوجي قادر على توحيد السكان وتبرير التضحيات، كما في بعض مراحل التجربة الفيتنامية، بينما قد تؤدي الحروب الطويلة إلى تآكل المؤسسات وتفكك السلطة، كما في الحالة الأفغانية.

ويعرض المقال شواهد تاريخية على مركزية الحروب والانشقاقات في نشأة النظام الدولي، مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من الدول المعاصرة ظهر من خلال الانفصال أو تفكك كيانات سياسية أكبر أو حروب التحرر الوطني. كما يوضح أن العلاقة بين الحرب وبناء الدولة كانت بارزة في أوروبا الحديثة، ثم ظهرت في سياقات تفكك الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الأولى، وحركات الاستقلال المناهضة للاستعمار بعد عام 1945. وتحوّلت بعض حركات التحرر في أفريقيا وآسيا إلى كيانات ذات مؤسسات وقدرات شبيهة بمؤسسات الدولة، بينما فشلت حركات أخرى في بناء نظام مستقر بسبب استمرار الحرب وغياب المؤسسات والهوية الجامعة. ويستخلص المقال أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنشاء دولة متماسكة، وأن نجاح عملية بناء الدولة يعتمد على طبيعة المشروع السياسي والمؤسسات التي تنشأ خلال الحرب وبعدها، وعلى قدرة السلطة الجديدة على تحويل التعبئة العسكرية إلى نظام سياسي قابل للاستمرار.

ويطبّق المقال هذه الرؤية على السودان، معتبراً أن الحرب الراهنة ليست حرباً خارجية توحّد السكان في مواجهة خصم مشترك، وإنما صراع داخلي على السيطرة على الدولة ومواردها ومؤسساتها بين قوتين مسلحتين في ظل تاريخ طويل من هشاشة المؤسسات المدنية وتركيز السلطة والثروة في المركز. ولذلك لا تتوافر، وفق تحليل المقال، الشروط اللازمة لكي تنتج الحرب تلقائياً دولة وطنية أكثر تماسكاً. بل إن استمرار القتال، وتعدد مراكز السيطرة المسلحة، وتفكك المؤسسات، وتفاقم الانقسامات الإقليمية، يمكن أن يقود إلى مزيد من التفكك. ويضع المقال ظهور مشروع سياسي موازٍ بقيادة قوات الدعم السريع في نيالا عام 2025 ضمن هذا السياق، بوصفه مؤشراً على أن الصراع قد يتحول من التنافس على وراثة الدولة إلى محاولة إنشاء سلطة منفصلة أو موازية. ويؤكد أن هذا المسار أقرب إلى تفكيك الدولة منه إلى إعادة بنائها إذا لم ينشأ مشروع وطني جامع ومؤسسات شرعية قادرة على احتواء التنوع وإخضاع السلاح لسلطة مدنية.

وينتقل المقال إلى الأساس القانوني الدولي لحق تقرير المصير، موضحاً أن الاعتراف بهذا الحق في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لعام 1966 لا يعني منح كل جماعة أو إقليم حقاً مطلقاً في الانفصال الأحادي. فقد تطورت الممارسة الدولية ضمن توازن بين حق الشعوب في تقرير مصيرها، من جهة، ومبدأ سلامة أراضي الدول واستقرار النظام الدولي، من جهة أخرى. ويستعرض المقال قضية جزر أولاند عام 1921 باعتبارها محطة مبكرة في ترسيخ التحفظ الدولي إزاء منح الأقليات حق الانسحاب من الدول القائمة، خشية تحويل كل اختلاف لغوي أو ديني أو إقليمي إلى مبرر لتفكيك الدول وفتح الباب أمام نزاعات متتابعة على الحدود والسيادة.

ويشرح المقال التمييز بين تقرير المصير الداخلي، الذي يمكن أن يتحقق من خلال المشاركة السياسية المتساوية والحكم الذاتي والفدرالية والتمثيل العادل وحماية الحقوق، وتقرير المصير الخارجي الذي قد ينتهي إلى الاستقلال. ويعرض نظرية آلن بوكانن التي تحصر تبرير الانفصال الأحادي، من منظور أخلاقي وقانوني، في حالات علاجية استثنائية تتعرض فيها جماعة لمظالم جسيمة ومنهجية وتُحرم من إمكانات ممارسة تقرير مصيرها داخلياً، مع إعطاء الأولوية للبدائل التي تعالج التمييز وتحمي الحقوق وتوسع الحكم الذاتي. وفي المقابل، يناقش نظرية كريستوفر ويلمان التي تمنح الجماعة مجالاً أوسع للانفصال إذا أمكن قيام الدولة الجديدة واستمرار الدولة الأم في أداء وظائفها الأساسية، حتى في غياب مظالم سابقة. ويخلص إلى أن الاتجاه القانوني الدولي السائد أقرب إلى التقييد منه إلى اعتبار الانفصال حقاً عاماً متاحاً بمجرد إعلان الرغبة فيه.

وتوضح قضية كيبيك الكندية عام 1998 هذا الاتجاه؛ إذ قررت المحكمة العليا الكندية أن تقرير المصير لا يمنح كيبيك حقاً تلقائياً في الانفصال الأحادي، لأن سكانها كانوا قادرين على المشاركة في مؤسسات الدولة الكندية وممارسة تقرير المصير داخلياً. وأشارت المحكمة إلى أن الانفصال الخارجي يرتبط أساساً بحالات الاستعمار أو الاحتلال الأجنبي أو الحرمان الكامل من إمكانات تقرير المصير الداخلي، مع ترك احتمال نظري غير محسوم لحالات استثنائية قصوى. ويقارن المقال ذلك بتفكك تشيكوسلوفاكيا الذي تم بالتوافق، وبحالات فرضت فيها حركات انفصالية واقعاً عسكرياً وسياسياً لم تستطع الدولة الأم عكسه. ويؤكد أن الانفصال الناجح يتطلب ظروفاً سياسية وقانونية وعسكرية ودولية خاصة، وليس مجرد وجود مظالم أو إعلان جماعة أنها شعب مستقل.

ثم يناقش المقال العلاقة بين تقرير المصير والانفصال، مؤكداً أنها ليست علاقة حتمية، لأن تقرير المصير يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة تتدرج من المشاركة السياسية الفعلية إلى الحكم الذاتي الإقليمي والفدرالية وتقاسم السلطة، وصولاً إلى الاستقلال في بعض الظروف. ويستعرض تجربة جنوب السودان ليبين كيف اختُزلت عملية تقرير المصير، التي كان يمكن أن تتضمن نقاشاً أوسع حول شكل الدولة وعلاقة الأقاليم بالمركز وتقاسم الموارد والسلطة، إلى استفتاء ثنائي بين الوحدة والانفصال. ويرى أن هذا الاختزال أسهم في ترسيخ الهيمنة السياسية والعسكرية لحركة واحدة بدلاً من تأسيس عملية سياسية تعددية واسعة تستوعب الاختلافات داخل الجنوب نفسه.

ويعود المقال إلى التاريخ السوداني ليوضح أن المطالبة بتقرير المصير لم تكن تعني الانفصال منذ البداية. فقد طُرح المبدأ رسمياً في سياق النقاشات بين الشمال والجنوب عام 1965، كما أن حكومة الإنقاذ وافقت عليه في اتفاقات خلال التسعينيات ضمن سياق مفاوضات سياسية وعسكرية واقتصادية معقدة. ويبرز النفط بوصفه أحد العوامل المهمة في حسابات الطرفين؛ إذ ارتبط بالصراع على الموارد خلال الحرب، ثم أصبح عاملاً مؤثراً في حسابات الاستقلال وتوزيع العائدات بين الدولة السودانية والدولة الجنوبية المحتملة. ويستنتج المقال أن مسار الانفصال كان نتيجة تفاعل بين الحرب والمفاوضات وموازين القوة والمصالح الاقتصادية والضغوط الدولية، وليس نتيجة آلية حتمية لمجرد الاعتراف بحق تقرير المصير.

ويعرض المقال الأدلة الكمية على ندرة نجاح الحركات الانفصالية. فوفق قاعدة بيانات عن الحركات الانفصالية والاعتراف الدولي، سُجلت 259 حركة انفصالية بين عامي 1931 و2000، لم تحقق منها سوى 56 حركة قدراً من النجاح، أي نحو 22 في المئة. وتشير دراسة أخرى إلى أن 26 حملة فقط من أصل 171 حملة انفصال وطنية بين عامي 1945 و2010 نجحت، أي أقل من 15 في المئة، وأن جزءاً مهماً من الحالات الناجحة ارتبط بتفكك الاتحاد السوفيتي، فيما لعب التدخل الخارجي دوراً حاسماً في نسبة كبيرة من النجاحات. وفي الوقت نفسه، يشير المقال إلى انتشار حركات انفصالية نشطة في دول وأقاليم كثيرة، ما يكشف الفرق بين شيوع المطالب الانفصالية وندرة تحققها فعلياً. كما يلفت إلى ارتفاع نسبة الحروب الأهلية التي تتضمن طرفاً متمرداً يعلن أن الانفصال هدفه السياسي، من مستويات ضئيلة في أواخر القرن التاسع عشر إلى نحو نصف الحالات في أواخر القرن العشرين. وبذلك أصبح الانفصال هدفاً شائعاً في خطاب بعض الحركات المسلحة، من دون أن يصبح الاستقلال المعترف به دولياً نتيجة شائعة.

ويفسر المقال تفاوت النتائج بمجموعة من العوامل، أهمها شدة المظالم، وحجم التأييد الشعبي داخل الإقليم، وقدرة الدولة المركزية على المحافظة على سيطرتها، ووجود دعم خارجي مؤثر، ومدى توافر بدائل داخل الدولة مثل الحكم الذاتي والفدرالية. ويشير إلى أن المطالب قد تتجه نحو الاستقلال الكامل عندما تتعرض الجماعة للإقصاء أو تفقد حكماً ذاتياً كانت تتمتع به، وأن سحب الحكم الذاتي حديثاً قد يسرّع انتقال المطالب من الاحتجاج السياسي إلى العنف. كما يوضح أن وجود جماعات عرقية مرتبطة بجماعات مماثلة عبر الحدود قد يزيد فرص تصاعد النزاع، وأن الحركات التي تطالب بالحكم الذاتي قد تنتهي إلى تسوية إقليمية واسعة أو هزيمة عسكرية بدلاً من تحقيق الاستقلال. وتظهر موجات الانفصال عادة في فترات التحولات الكبرى في النظام الدولي، حين تضعف الدول المركزية مؤقتاً أو تتغير موازين القوة، لكن فرص نجاح الحركات تتراجع عندما تستعيد الدولة الأم قدرتها المؤسسية والعسكرية.

ويؤكد المقال أن أغلب المطالبات بتقرير المصير لا تنتهي بالانفصال الناجز، لأن الحكم الذاتي والفدرالية قد يحققان بعض أهداف الجماعات دون كلفة إنشاء دولة مستقلة. ويستشهد بتجارب مثل كتالونيا، حيث تداخلت مطالب الاستقلال مع المطالب بالحكم الذاتي الإقليمي، ويشير إلى أن البدائل الوسطية كانت في حالات كثيرة أكثر شيوعاً من نجاح الانفصال الكامل. كما يحدد أربعة شروط متداخلة لنجاح الانفصال: وجود مظالم جسيمة وموثقة، وتأييد شعبي واسع داخل الإقليم، وضعف حقيقي في قدرة الدولة الأم على استعادة السيطرة، ودعم خارجي حاسم. ويرى أن اجتماع هذه الشروط نادر، وأن غياب الاعتراف الخارجي يمثل عقبة أساسية أمام المشروع الانفصالي في دارفور.

ويتناول المقال بعد ذلك السؤال عما إذا كان الانفصال يصنع السلام، ويخلص إلى أن الأدلة المقارنة لا تسمح باعتباره علاجاً مضموناً للحرب. فسياسات الاعتراف الدولي تواجه معضلة مزدوجة: التشدد في رفض الانفصال قد يدفع بعض الحركات إلى التصعيد والعنف لفرض واقع جديد، بينما قد يؤدي التوسع في الاعتراف بالكيانات المنفصلة إلى إضعاف مبدأ السيادة وتشجيع نزاعات انفصالية أخرى. كما أن الاعتراف الدولي لا يتوزع دائماً وفق معيار أخلاقي متسق؛ فقد حصلت بعض الحركات على الاعتراف رغم ارتكابها انتهاكات خطيرة، بينما لم تنجح حركات أخرى في تحقيق الاعتراف حتى عندما التزمت بدرجة أكبر بقواعد القانون الدولي الإنساني. ولذلك لا يفسر السلوك الأخلاقي وحده نجاح الانفصال أو فشله، بل تتدخل المصالح الدولية وتوازنات القوة والاعتبارات الأمنية.

وتقدم تجربة جنوب السودان مثالاً مركزياً على محدودية قدرة الانفصال على إنهاء الصراع. فقد استمر التوتر بين السودان وجنوب السودان بعد الاستقلال، كما اندلعت حرب أهلية داخل جنوب السودان في ديسمبر 2013، بعد أقل من ثلاثين شهراً من استقلاله. ويربط المقال ذلك باختزال تقرير المصير في اتفاق سياسي ضيق وبقاء التنافس بين النخب المسلحة وضعف المؤسسات التعددية. كما يناقش أن استمرار الصراع لا يتوقف على سلوك الحركات الانفصالية وحدها، بل يتأثر أيضاً بتصور الدولة المركزية لحجم التهديد الذي قد تمثله الدولة الجديدة. وقد يدفع هذا التصور الدولة الأم إلى تبني سياسات أمنية قاسية، خصوصاً عندما ترى أن الانفصال يهدد أراضي أو موارد أو توازناً استراتيجياً تعتبره أساسياً لبقائها.

ويبرز المقال أهمية الأرض والموارد والرمزية الوطنية في استمرار العداء بعد الانفصال. فالمناطق التي تحمل قيمة استراتيجية أو اقتصادية أو رمزية لهوية جماعة ما قد تصبح موضع نزاع يصعب حله بالتفاوض، لأن الأطراف تنظر إليها باعتبارها غير قابلة للتجزئة أو التنازل. وينطبق ذلك على أبيي والحدود النفطية بين السودان وجنوب السودان، حيث بقيت قضايا الحدود والموارد والترتيبات الأمنية مصدراً للتوتر بعد الاستقلال. ويضاف إلى ذلك احتمال استمرار الدولة الأم في دعم جماعات مسلحة داخل الدولة الجديدة، أو استخدام النزاع العابر للحدود للضغط السياسي والعسكري. كما قد يؤدي انحسار الاهتمام الدولي بعد الاعتراف بالدولة الجديدة إلى تراجع الضغوط التي ساعدت على الوصول إلى اتفاق الانفصال، فتظل المشكلات الجوهرية دون حل.

ويعرض المقال نماذج مقارنة من مناطق متعددة لتوضيح استمرار العداء أو ضعف الاستقرار بعد الانفصال. فبنغلاديش واجهت تاريخاً من الانقلابات والأزمات السياسية بعد استقلالها عام 1971، وتحولت إريتريا بعد استقلالها عام 1993 إلى نظام سلطوي شديد الانغلاق، وظلت كوسوفو تعاني انقسامات سياسية وإثنية، بينما دخل جنوب السودان في صراعات داخلية متكررة. كما يستحضر انفصال الهند وباكستان عام 1947 وما صاحبه من عنف واسع النطاق، إلى جانب نزاعات الانفصال في القوقاز ومولدوفا وأوكرانيا والبلقان، حيث تعثرت التسويات السياسية وعادت المواجهات المسلحة في أوقات لاحقة. ولا يعني ذلك أن جميع الدول المنفصلة تفشل بالضرورة، بل إن الاستقلال لا يزيل تلقائياً أسباب النزاع، وقد يترك وراءه قضايا حدودية وأمنية واقتصادية وهوياتية تحتاج إلى تسوية مستقلة.

ويخلص المقال من هذه المقارنات إلى أن استمرار العداء بعد الانفصال ينتج غالباً عن أربعة عوامل مترابطة: عدم حسم قضايا الحدود والأرض والموارد، وإعادة إنتاج الإقصاء السياسي داخل الدولة الجديدة، واستمرار دعم الأطراف المسلحة عبر الحدود، وتراجع الضغط الدولي بعد اكتمال الاعتراف الرسمي. وبذلك قد يتغير شكل الحرب وموقعها وأطرافها من دون أن تختفي الأسباب التي أنتجتها. ويؤكد أن بناء دولة جديدة لا يضمن إقامة مؤسسات ديمقراطية أو تحقيق توزيع عادل للسلطة والثروة، وأن النخبة التي تقود حركة الاستقلال قد تتحول بعد الانتصار إلى سلطة مركزية إقصائية تعيد إنتاج التهميش الذي حاربت ضده.

وعند تطبيق هذه النتائج على دارفور وكردفان، يرى المقال أن الحرب الراهنة تثير خطر انتقال السودان من الانقسام الفعلي إلى محاولات إقامة كيانات سياسية متنافسة. ويشير إلى إعلان سلطة موازية بقيادة قوات الدعم السريع في نيالا عام 2025 وما أثاره من مخاوف انفصالية، لكنه يؤكد أن هذا المشروع لم يحظ باعتراف دولي معلن، وأن رفضه لا يقتصر على الدول والمنظمات الخارجية، بل توجد أيضاً قوى سودانية ودارفورية ترفض تقسيم البلاد. كما يلفت إلى أن الانقسامات داخل دارفور نفسها، والجرائم والانتهاكات التي تعرضت لها جماعات سكانية مختلفة، تجعل من الصعب افتراض وجود إجماع إقليمي على الخضوع لسلطة انفصالية تقودها قوة مسلحة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة. ويستند المقال إلى تقارير حقوقية عن القتل غير القانوني والعنف الجنسي والهجمات على المناطق المأهولة واستخدام الأسلحة المتفجرة، ليؤكد أن إنشاء كيان سياسي تحت سيطرة القوة المتهمة بهذه الانتهاكات لا يحقق بذاته تقريراً ديمقراطياً للمصير، بل قد يكرس السيطرة العسكرية ويعمق الانقسام الاجتماعي.

ويضيف المقال أن صعوبة استعادة السيطرة الكاملة على دارفور وكردفان في ظل الحرب لا تعني أن الانفصال أصبح حلاً قانونياً أو سياسياً مرجحاً، لكنها تكشف خطورة استمرار الحرب من دون تسوية وطنية. فحين تعجز الحرب عن إنتاج هوية جامعة ومؤسسات قادرة على احتكار العنف المشروع، فإنها قد تؤدي إلى تفكيك الدولة إلى مراكز قوة متنازعة. ولذلك لا ينبغي اختزال المشكلة في السيطرة العسكرية على الإقليم أو في رسم حدود سياسية جديدة، بل يجب النظر إلى أسباب الانقسام التاريخية والمؤسسية، بما فيها التهميش والإقصاء وتوزيع الموارد وضعف المشاركة السياسية وعسكرة الدولة.

ويوازن المقال في نهايته بين مخاطر الوحدة القسرية ومخاطر الانفصال العدائي. فهو يرفض اعتبار الحفاظ على الحدود القائمة حلاً كافياً إذا استمرت الدولة المركزية في تهميش الأقاليم وحرمانها من المشاركة العادلة في السلطة والثروة. ويستحضر تجربة جنوب السودان ليبين أن رفض مطالب الجنوب وتأجيل الإصلاحات والوعود بالحكم الذاتي أسهمت في إطالة الحرب التي انتهت بالانفصال بعد عقود من الصراع. وفي الوقت نفسه، يرفض افتراض أن الانفصال بديل أكثر إنسانية بالضرورة، لأن الدولة الجديدة قد ترث البنية السياسية والعسكرية الإقصائية نفسها، فتتحول الحرب من صراع بين المركز والإقليم إلى صراع بين القوى المتنافسة داخل الإقليم المستقل.

ويطرح المقال بدلاً من الثنائية الحادة بين الوحدة القسرية والانفصال مجموعة من الترتيبات الوسيطة، في مقدمتها الفدرالية غير المتماثلة، والحكم الذاتي الإقليمي الموسع، وتقاسم السلطة، والتمثيل السياسي الفعلي، وضمانات المشاركة في إدارة الموارد. ويمكن لهذه الترتيبات أن تمنح دارفور وكردفان استقلالية سياسية وإدارية حقيقية ضمن دولة واحدة، شريطة ألا تبقى مجرد نصوص دستورية شكلية، بل تُنفذ عملياً وتُحمى بمؤسسات مستقلة وآليات للمساءلة وتسوية النزاعات. وتبين التجارب المقارنة أن نجاح الحكم الذاتي يتوقف على جدية الدولة المركزية في تنفيذه، وأن فشل الاتفاقات السابقة في السودان، ومنها اتفاقيات نيفاشا وأبوجا والدوحة، أسهم في إضعاف الثقة بالحلول السياسية وتغذية دورات جديدة من العنف. ومن ثم فإن إعادة طرح الحكم الذاتي أو الفدرالية لا تكفي وحدها؛ المطلوب ضمانات مؤسسية تجعل الاتفاق ملزماً وقابلاً للتنفيذ والمراجعة والمساءلة.

ويختتم المقال بأن فرضياته الأساسية مدعومة بدرجة معتبرة من الأدبيات التاريخية والقانونية والتجريبية، لكنها ليست قواعد حتمية تنطبق على كل حالة. فالحرب قد تبني الدولة أو تفككها بحسب وجود مشروع وطني جامع ومؤسسات قادرة على احتواء التنوع؛ وتقرير المصير حق لا يساوي تلقائياً حق الانفصال؛ والنجاح الفعلي للحركات الانفصالية نادر مقارنة بعدد الحركات والمطالبات القائمة؛ والانفصال لا يضمن السلام، بل قد يعيد إنتاج الإقصاء والنزاع حول الحدود والموارد والهوية؛ والوحدة لا تكون خياراً أفضل لمجرد الحفاظ على الحدود، وإنما تصبح قابلة للدفاع عنها عندما ترتبط بإصلاح حقيقي في توزيع السلطة والثروة وضمان الحقوق والمشاركة المتساوية.

وتتمثل الخلاصة الأساسية في أن أزمة السودان ليست أزمة حدود فقط، بل أزمة دولة وعقد سياسي واجتماعي. فالخيار المستدام لا يقوم على فرض الوحدة بالقوة، ولا على افتراض أن تقسيم البلاد سينهي العنف، وإنما على معالجة المظالم التي جعلت الانفصال يبدو لبعض الأطراف خياراً ممكناً. ويتطلب ذلك بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، والحكم المدني، والفدرالية الفعلية، والتمثيل العادل للأقاليم، وحماية التنوع، وتسوية النزاعات على الأرض والموارد، والمحاسبة عن الجرائم، وإنهاء عسكرة السياسة والاقتصاد. فإذا فشلت الدولة في تحقيق هذه الشروط، فقد تستمر الوحدة في إنتاج أسباب تفككها؛ أما إذا تحولت إلى إطار حقيقي للعدالة والمشاركة والحقوق، فإنها تصبح مشروعاً سياسياً يمكن أن يستند إلى إرادة المواطنين ومصالحهم، لا إلى الإكراه أو الخوف من الانفصال.

النص الكامل للمقال

  1. مقدمة تحليلية: لماذا يعود شبح التقسيم إلى دارفور الآن، ولماذا يجب رفض تكرار منح حق تقرير المصير الانفصالي في السودان رفضًا مطلقًا ودائمًا؟

لم يكن سؤال تقرير المصير في دارفور خطابًا هامشيًا قبل الحرب الحالية، غير أنه صار اليوم مرتبطًا بوقائع عسكرية وسياسية ومؤسسية على الأرض. ففي 22 فبراير 2025 وقّعت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في نيروبي ميثاقًا تأسيسيًا ينص على دولة علمانية لامركزية قائمة على «الوحدة الطوعية»، لكنه يمنح الشعوب حق تقرير المصير إذا لم تُكرَّس العلمانية في الدستور الانتقالي أو الدائم (Radio Dabanga, 2025). وقد وقّع الميثاق عن قوات الدعم السريع نائب قائدها عبد الرحيم دقلو، وعن الحركة الشعبية–شمال جوزيف تكا، وعن حزب الأمة القومي فضل الله برمة، وعن الاتحاد الديمقراطي الأصل إبراهيم الميرغني (Radio Dabanga, 2025). وفي 26 يوليو 2025 أُعلنت في نيالا حكومة موازية برئاسة محمد حمدان دقلو (Mada Masr, 2025)، يرأس فيها المجلس الرئاسي المؤلف من خمسة عشر عضوًا، ويتولى نيابته عبد العزيز الحلو، ويُعيَّن محمد حسن التعايشي رئيسًا للوزراء (GlobalPost, 2025). وأدان الاتحاد الأفريقي الخطوة لأنها «تُنذر بتفتيت السودان» (Sudan Tribune, 2025c؛ Radio Tamazuj, 2025). وبعد حصار دام نحو ثمانية عشر شهرًا سقطت الفاشر في 26 أكتوبر 2025، فصارت قوات الدعم السريع تسيطر على دارفور كلها تقريبًا، ورأت مجموعة الأزمات الدولية أن ذلك يرسّخ «تقسيمًا فعليًا للسودان» (ISPI, 2025). وهكذا انتقل السؤال من جدل نظري إلى احتمال سياسي حقيقي: هل يُعاد في الغرب ما جرى في الجنوب عام 2011؟

تتبنى هذه الدراسة موقفًا واضحًا لا لبس فيه: الرفض المطلق والدائم لتكرار منح حق تقرير المصير الانفصالي لأي إقليم سوداني، بما في ذلك دارفور، بوصفه مسارًا دستوريًا أو تفاوضيًا يؤدي إلى إنشاء دولة مستقلة على حساب وحدة السودان وسلامة أراضيه. وهذا الموقف ليس إنكارًا لحقوق سكان دارفور، ولا تبرئة للدولة السودانية من الجرائم التاريخية والمعاصرة، ولا مطالبة للضحايا بالتعايش مع الظلم، ولا تفويضًا للمركز بالاستبداد بالإقليم. إنه رفض لاستخدام الانفصال علاجًا للمظالم، يقترن بالتزام لا يقل حسمًا بإنهاء المظالم التي تجعل الانفصال جذابًا لبعض المتضررين.

ويستند هذا الرفض إلى جملة أسباب مترابطة. أولها أن تجربة جنوب السودان أثبتت أن النجاح الإجرائي للاستفتاء لا يضمن قيام دولة مستقرة أو إنهاء الحروب، وأن الانفصال قد يعيد إنتاج الصراعات داخل الدولة الجديدة وبينها وبين الدولة الأم. وثانيها أن دارفور ليست وحدة إثنية متجانسة يمكن افتراض وجود إرادة انفصالية واحدة لديها، بل إقليم متعدد الجماعات واللغات وأنماط المعاش، تتداخل فيه الحواكير والمراعي والأسواق والروابط الاجتماعية عبر الحدود الإدارية. وثالثها أن منح حق الانفصال في سياق الحرب الراهنة قد يكافئ السيطرة العسكرية وفرض الأمر الواقع بالقوة، ويحوّل التطهير الإثني والتهجير والاستيلاء على الموارد إلى أدوات لتغيير الحدود. ورابعها أن دارفور، بحكم موقعها الداخلي واعتماد سبل العيش فيها على شبكات تجارية واجتماعية عابرة للأقاليم والحدود، تواجه مخاطر اقتصادية وأمنية إضافية إذا تحولت إلى دولة منفصلة. وخامسها أن تكرار منح هذا الحق يفتح الباب أمام مطالب انفصالية متتابعة، ويجعل وحدة السودان موضوعًا قابلًا لإعادة التفاوض كلما امتلك طرف مسلح القدرة على فرض شروطه. وسادسها أن البديل الأقل كلفة والأكثر عدالة هو بناء دولة موحدة فدرالية أو لا مركزية ديمقراطية تضمن الحكم الذاتي والتمثيل وتقاسم الثروة والمساءلة.

وتزداد خطورة هذا السؤال حين يُوضع في سياق حرب وصفتها مصادر عدة بأنها أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وأدت إلى تهجير ما لا يقل عن أربعة عشر مليون شخص (Al Jazeera, 2025b)، وإلى إعلان المجاعة رسميًا في الفاشر وكادقلي في نوفمبر 2025 للمرة الأولى في سياق هذه الحرب (Siddig, 2025). وقد جاءت مبادرة الرباعية في 12 سبتمبر 2025 لتؤكد وحدة السودان مبدأً أول (US Department of State, 2025)، وقبلت قوات الدعم السريع هدنة إنسانية في نوفمبر 2025 (Al Jazeera, 2025b)، بينما رفضها قائد الجيش بوصفها «الأسوأ حتى الآن». وفي أبريل 2026 جاء مؤتمر برلين ليُذكّر بأن السودان لم يُنسَ (International Crisis Group, 2026a)، وفي سبتمبر 2026 حذّر حاكم إقليم دارفور من أن المسار السياسي الجاري قد يسهم في تفتيت البلاد (International Crisis Group, 2026a). وفي هذه البيئة المضطربة يصبح الحديث عن تقرير المصير الانفصالي عاملًا مؤثرًا في مسار الحرب ومصير ملايين البشر، وليس مجرد تمرين نظري.

وتقرر الدراسة أن رفض الانفصال لا يكون مشروعًا أو مستدامًا بمجرد إعلان وحدة السودان، بل يكتسب شرعيته من عقد مواطنة جديد يضمن الأمن والعدالة والمساواة والسلطة الذاتية وتقاسم الثروة والتمثيل السياسي. ومن ثم فإن رفض الانفصال هنا مطلق ودائم من حيث المبدأ الدستوري والسياسي الذي تتبناه الدراسة، بينما تظل ترتيبات الحكم والإدارة والتمثيل وتقاسم الموارد قابلة للتفاوض الديمقراطي والتطوير. ولا يجوز الخلط بين ثبات مبدأ وحدة الدولة وجمود شكلها الإداري، أو بين رفض الانفصال وإنكار حق سكان دارفور في تقرير شؤونهم المحلية.

ولا تفترض الدراسة أن القانون الدولي يحظر الانفصال حظرًا مطلقًا، فتلك مسألة خلافية ستناقشها الفصول التالية. وإنما تميز بين ما يسمح به النقاش القانوني الدولي في حالات استثنائية وبين الخيار الدستوري والسياسي الذي تدافع عنه هذه الدراسة للسودان: عدم إنشاء حق دستوري أو اتفاقي متجدد في الانفصال، وعدم إدراج بنود خروج مشروطة في مواثيق السلام أو الدساتير الانتقالية، وتوجيه تقرير المصير إلى صورته الداخلية التي تضمن الحكم الذاتي والمشاركة الفعلية داخل الدولة الموحدة.

وتسعى الدراسة إلى الإجابة عن أسئلة مترابطة: ما الذي تقوله الأدلة المقارنة والقانونية عن جدوى الانفصال علاجًا للحروب الإثنية؟ وما الذي جرى فعلًا في الجنوب بعد 2011؟ وهل تتوافر في دارفور الشروط التي أتاحت للجنوب إجراء استفتاء ناجح إجرائيًا؟ وكيف يمكن رفض الانفصال رفضًا دائمًا من غير أن يتحول الرفض إلى إنكار للمظلومية؟ وما الضمانات الدستورية والأمنية والاقتصادية التي تحول دون استخدام الانفصال أداةً لفرض السيطرة العسكرية؟ وكيف يمكن صون وحدة دارفور والسودان معًا عبر نظام فدرالي أو لا مركزي يضمن المشاركة المتساوية والعدالة الانتقالية والحكم المحلي الحقيقي؟

وتعتمد الدراسة على مراجعة وثائقية للأدبيات الأكاديمية، وتقارير مراكز الفكر والمنظمات الدولية والإقليمية، ووثائق الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، والصحافة السودانية والإقليمية والدولية. وتتعامل مع بيانات الحرب بحذر منهجي، فتنسب الأرقام الخلافية إلى مصادرها وتميز بين الوقائع الموثقة والتقديرات والاتهامات. وقد اعتمدت في ترتيب فصولها منهج «الترتيب السردي–الحجاجي» الذي ينقل القارئ من المشكلة إلى الإطار النظري والقانوني، ثم إلى السياق التاريخي، ثم إلى الحالة المقارنة، فالأدلة الراهنة، فالحجة المضادة، فالحلول المؤسسية، فحدود الدراسة والخلاصة. وتتوزع المادة على أحد عشر فصلًا: هذه المقدمة، ثم الإطار النظري والقانوني، ثم جذور الظاهرة، ثم درس الجنوب، ثم أسباب تعذر نقل النموذج، ثم واقع دارفور بعد 2023، ثم الحجة المضادة، ثم آليات الرفض، ثم دروس صون الوحدة، ثم حدود الدراسة، ثم خاتمة نقدية.

  1. من إرث المفاهيم إلى قيود القانون: لماذا يُقاس تقرير المصير بميزان الحقوق والشروط لا بميزان الشعارات؟

2.1 تقرير المصير الداخلي والخارجي: الحكم الذاتي لا يستلزم الاستقلال

يميّز الفقه والممارسة بين تقرير المصير الخارجي، أي الاستقلال عن الدولة القائمة، وتقرير المصير الداخلي، أي حق الجماعة في المشاركة الفعلية في الحكم وإدارة شؤونها ضمن الدولة. وهذا التمييز أساسي في الحالة السودانية، لأنه يتيح الدفاع عن أوسع حقوق دارفور السياسية والإدارية والاقتصادية من دون تحويلها إلى حق في الانفصال.

وقد عبّرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب عن هذا التمييز في قضية الكاتانغيين ضد زائير، وهي قضية قُدمت عام 1992 بمبادرة من رئيس مؤتمر شعب كاتانغا جيرار موكي، طالبت فيها اللجنة بالاعتراف بالمؤتمر حركة تحرر، وبالاعتراف باستقلال كاتانغا، وبالمساعدة على إخلاء زائير من الإقليم. فرأت اللجنة أن لكل الشعوب حق تقرير المصير، وأن المسألة هنا ليست تقرير المصير لكل الزائيريين بل للكاتانغيين تحديدًا، وأن تقرير المصير قد يُمارَس عبر الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الحكم المحلي أو الفدرالية أو الكونفدرالية أو الوحدوية، أو أي علاقة تتفق مع إرادة الشعب «مع مراعاة مبادئ السيادة والسلامة الإقليمية». وانتهت إلى أن طلب استقلال كاتانغا لا سند له في الميثاق الأفريقي ما دامت الأدلة لا تثبت انتهاكات تُسقط سلامة الدولة الإقليمية، ولا حرمانًا من المشاركة في الحكم (African Commission on Human and Peoples’ Rights, 1995).

ويتسق ذلك مع المبدأ القاري المستقر في القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي، الذي يقرر احترام الحدود القائمة عند الاستقلال (African Union, 2000). ولا يعني هذا المبدأ أن الحدود الإدارية الداخلية مقدسة أو غير قابلة للتعديل، بل يعني أن معالجة المظالم لا تستلزم بالضرورة تغيير الحدود الدولية أو إنشاء دول جديدة.

وبناء على ذلك، فإن تقرير المصير الداخلي لدارفور ينبغي أن يتضمن انتخاب حاكم الإقليم وبرلمانه، وتحديد الاختصاصات الإقليمية دستوريًا، وإدارة الخدمات والتعليم والثقافة واللغات المحلية، وتنظيم الأراضي والمراعي، وتخصيص موارد مالية معلومة، ومشاركة سكان الإقليم في المؤسسات الاتحادية، وضمان حماية حقوق الأقليات داخله. وهذا هو المعنى العملي لتقرير المصير الذي تدافع عنه الدراسة.

2.2 الانفصال العلاجي: استثناء قانوني لا ينبغي تحويله إلى قاعدة سودانية متكررة

لا يقول الفقه الحديث بحظر مطلق للانفصال. فنظرية «الحق العلاجي وحده» عند بيوكانن تبرر الانفصال علاجًا لظلم جسيم، كانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان الأساسية أو ضم غير مشروع، لكنها تقيّده بشروط مؤسسية صارمة (Buchanan, 2004). كما ذهب بيوكانن إلى وجوب فك الارتباط بين الحكم الذاتي داخل الدولة والانفصال، لأن الأول قد يكون علاجًا كافيًا يغني عن الثاني (Buchanan, 2006).

وفي سياق مماثل، قضت المحكمة العليا الكندية، التي نظرت المرجعية في فبراير 1998 وأصدرت رأيها بالإجماع في 20 أغسطس 1998، بأن الانفصال الأحادي غير مشروع في القانونين الدستوري والدولي، وبأن أغلبية واضحة على سؤال واضح تُنشئ التزامًا بالتفاوض لا بالانفصال التلقائي، وأن أي انفصال يجب أن يحترم سيادة القانون والديمقراطية والفدرالية وحماية الأقليات (Supreme Court of Canada, 1998). وقد ترجمت الحكومة الكندية هذا الرأي إلى قانون الوضوح في سنة 2000، وأوضحت أنها لا تتفاوض على الانفصال ما لم يُطرح سؤال واضح وتُحرَز أغلبية واضحة (Government of Canada, 2000).

وفي أفريقيا وضعت اللجنة الأفريقية في قضية غونمي ضد الكاميرون، التي رفع فيها سكان الكاميرون الجنوبي ادعاءات بحق تقرير المصير عبر الانفصال، معيارًا مركّبًا، مفاده أن التشكيك في سلامة الدولة الإقليمية يتطلب أدلة ملموسة على انتهاكات جسيمة تقترن بحرمان الشعب من المشاركة في الحكم. وقد خلصت إلى عدم وجود انتهاك للمادة 20 المتعلقة بتقرير المصير، رغم إقرارها بانتهاك الحق في الحياة (African Commission on Human and Peoples’ Rights, 2009).

وتعني هذه المعايير أن القانون الدولي لا يقدم سندًا بسيطًا لتعميم الانفصال، ولا يجعل كل مظلومية إثنية أو إقليمية حقًا تلقائيًا في إنشاء دولة جديدة. كما أنها تبرز ضرورة التمييز بين وجود مظالم حقيقية وبين الاستنتاج بأن الانفصال هو العلاج الوحيد لها.

وتتبنى هذه الدراسة، بناء على ذلك، موقفًا دستوريًا وسياسيًا أكثر تحديدًا من مجرد مناقشة إمكان الانفصال قانونيًا: رفض تكرار منح حق تقرير المصير الانفصالي في السودان، وعدم تحويل الاستثناءات القانونية المتنازع عليها إلى مسار دستوري دائم أو إلى أداة تفاوضية متكررة. ويستند هذا الموقف إلى أن تجارب السودان أثبتت أن فتح باب الانفصال لا يضمن العدالة أو الأمن، وأن بدائل الحكم الذاتي وتقاسم السلطة والثروة تظل ممكنة وضرورية.

ولا يعني هذا أن بإمكان الدولة الاستناد إلى وحدة أراضيها لإعفاء نفسها من المسؤولية عن الجرائم أو انتهاكات الحقوق. بل إن استمرار الانتهاكات وإغلاق المجال السياسي وحرمان السكان من المشاركة من شأنه أن يقوض شرعية الدولة نفسها ويزيد من قوة الحجج المضادة. لذلك فإن رفض الانفصال التزام مزدوج: التزام بمنع تفكيك الدولة، والتزام بإزالة الأسباب التي تدفع السكان إلى التشكيك في جدوى البقاء فيها.

2.3 لعبة الاعتراف: لماذا لا يصنع الأمر الواقع دولة شرعية؟

يرى غريفيث، استنادًا إلى عمل ميداني في اثنتي عشرة منطقة انفصالية وأكثر من مئة مقابلة مع قادة انفصاليين، أن الانفصال لعبة سيادة تجري على ساحة تحددها قواعد الاعتراف وممارساته، وأن الحركات الانفصالية تتوسل بالسيطرة الانتخابية والمقاومة المدنية والعنف، وتستند إلى حجج معيارية مثل السيادة المكتسبة وحق الاختيار وحقوق الإنسان (Griffiths, 2021).

وهذا يهم دارفور لأن أدلة الفظائع تمنح حجة حقوق الإنسان قوة كبيرة، لكن القدرة على الفوز بالاعتراف تظل رهينة بإرادة الدول والمنظمات الإقليمية. وقد أكدت مبادئ «الرباعية»، التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، في 12 سبتمبر 2025 أن وحدة السودان وسيادته وسلامته الإقليمية «أساسية للسلام والاستقرار» (US Department of State, 2025). ودعا مجلس السلم والأمن الأفريقي دوله الأعضاء إلى عدم الاعتراف بالحكومة الموازية (African Union Peace and Security Council, 2025)، وأكد دعمه لسيادة السودان وسلامة أراضيه ضمن حدوده المعترف بها دوليًا (Sudan War Monitor, 2025)، وجدد ذلك في فبراير 2026 (Sudan Tribune, 2026a). ولاحظت مجموعة الأزمات أن الرباعية عبّرت لأول مرة عن التزام موحد باستخدام نفوذها الجماعي لإنهاء الحرب (International Crisis Group, 2025).

لكن رفض الاعتراف الخارجي لا يكفي وحده لصون وحدة السودان. فالدولة التي تفقد شرعيتها في نظر سكان إقليم بسبب التهميش والعنف والحرمان من الخدمات قد تبقى معترفًا بها دوليًا، لكنها تواجه أزمة داخلية متجددة. ولذلك ينبغي الجمع بين رفض الاعتراف بمشروعات التقسيم وخلق شرعية داخلية قائمة على المواطنة والعدالة والتمثيل.

2.4 الأدلة المقارنة: التقسيم لا يضمن إنهاء الحروب الإثنية

تتكاثر الأدلة التجريبية على أن التقسيم ليس علاجًا مضمونًا للحروب الإثنية. فقد وجد سامبانيس في دراسة كمية لجميع الحروب الأهلية بعد الحرب العالمية الثانية أن معظم افتراضات منظّري التقسيم لا تصمد أمام الاختبار، وأن التقسيم لا يقلل في المتوسط احتمال تجدد العنف، وأن الأفضل بناء حوكمة موثوقة وعادلة، وأن من الحكمة ألا تُحمَّل الاستراتيجية افتراضات ذاتية عن ضرورة الدول النقية إثنيًا وعبث التعاون بين الإثنيات (Sambanis, 2000). وأكدت دراسة لاحقة بمجموعة بيانات جديدة أن التقسيم يُرجَّح ألا يخفض خطر العودة إلى الحرب الأهلية، وقد يزيده في بعض الحالات (Sambanis, 2009). وحذّر فيرون من أن التقسيم يمنح حوافز لحركات انفصالية أخرى ويحمل مخاطر تطهير إثني (Fearon, 2004). وذهبت جين إلى أن شعار تقرير المصير القومي «أداة تعبئة قاتلة» (Jenne, 2006)، وهو ما يوحي بأن إدراج بند للخروج في وثيقة تأسيسية، كما فعل ميثاق نيروبي، قد يحول الاحتمال الانفصالي إلى نبوءة تحقق ذاتها.

وفي مقابل ذلك، تبيّن أبحاث إدارة التعدد أن الدول المتعددة القوميات قد تُدار بنجاح عبر «الدولة–الأمة» القائمة على هويات متعددة متكاملة، وهو ما حققته الهند، في مقابل سياسات «الدولة القومية» في سريلانكا التي أنتجت هويات متقابلة متحاربة. وتقدّم الدراسة ذاتها صيغة «الفدرالية الخاصة» آلية لإدارة أقاليم ذات هوية مميزة داخل دول وحدوية، وتشير إلى دورها في اتفاق السلام في أتشيه بإندونيسيا (Stepan, 2011). وتضيف أدبيات تسوية الحروب أن نجاح التسويات رهين بضمانات موثوقة وتقاسم سلطة فعال، وأن ذلك يصعب دون طرف ثالث، وأن أي تسوية لا تتجاوز عتبة الالتزام الموثوق مآلها العودة إلى القتال (Walter, 2002).

وتستخلص الدراسة من ذلك أن رفض الانفصال لا ينبغي أن يكون دفاعًا عن حدود قائمة بصرف النظر عن مضمون الحكم، بل دفاعًا عن دولة موحدة قادرة على إدارة التعدد وحماية المواطنين. فالتقسيم لا يعالج تلقائيًا التفاوت في توزيع الموارد، ولا النزاعات على الأرض، ولا التنافس بين النخب المسلحة، ولا التمييز القائم على الهوية. وقد ينقل هذه الصراعات إلى حدود جديدة من دون أن يحلها.

  1. من سلطنة الفور إلى ميثاق نيروبي: كيف تحوّلت المظلومية إلى بند خروج مشروط؟

3.1 هويات متداخلة وذاكرة سلطنة: ماذا يعني استقلال دارفور قبل 1916؟

حكمت سلطنة دارفور الإقليم، بحسب أوفاهي، منذ نحو 1650 إلى 1916، ثم خضع الإقليم للحكم البريطاني من 1916 إلى 1956، ثم لحكم السودان المستقل منذ 1956، وهي فترات ثلاث لا يُفهم الحاضر دونها. وشهدت السلطنة تداخلًا إثنيًا ولغويًا عميقًا جعل التصنيفات «العربية» و«الأفريقية» أبسط من أن تصف واقعًا ظلت فيه الهويات سائلة ومتغيرة المحتوى (O’Fahey, 2008). وانتهت السلطنة بمقتل السلطان علي دينار وضم الإقليم إلى السودان الإنجليزي–المصري في 1916 (Theobald, 1965).

وتغذّت الحجة الانفصالية الحديثة من هذه الذاكرة، إذ قيل إن دارفور كانت دولة مستقلة قبل أن تُضم إلى السودان، وهذا صحيح تاريخيًا. غير أن الذاكرة السلطانية لا تقدم ذاتًا سياسية واحدة اليوم، لأن السلطنة نفسها قامت على منظومة «الدار» وعلى تعدد المجموعات تحت سلطة مركزية، وهو ما ورثه الاستعمار وأعاد تنظيمه. وتبقى مواثيق الأرض التي منحها سلاطين الفور، وهي أساس الحواكير، وثائق حية في النزاع المعاصر، كما بيّن أوفاهي وأبو سليم في نشرهما لمواثيق السلطنة (O’Fahey, 1983).

ولا يترتب على وجود كيان سياسي تاريخي مستقل أن يصبح الانفصال المعاصر حقًا تلقائيًا أو الحل الوحيد. فحدود الدول الحديثة لا تُحدد بالعودة الانتقائية إلى خرائط سلطنة أو مملكة سابقة، وإنما بالتسويات السياسية والقانونية التي تحمي السكان وتضمن الحقوق. كما أن سلطنة دارفور لم تكن دولة قومية حديثة تقوم على مفهوم المواطنة المتساوية، ولا يمكن افتراض أن استعادتها الاسمية ستحل مشكلات الأرض والهوية والسلطة في الإقليم المعاصر.

إن الاحتجاج بالتاريخ ينبغي أن يقود إلى الاعتراف بخصوصية دارفور وحقها في إدارة شؤونها وصون تراثها، لا إلى تحويل التاريخ إلى مبرر لإعادة رسم الحدود الدولية. ويظل الاعتراف بالسلطنة وتراثها وإرثها الإداري جزءًا من إعادة بناء الهوية الوطنية السودانية المتعددة، لا أداة لإلغاء هذه الهوية.

3.2 من حرب الأرض إلى حرب الإبادة: التفكك الذي سبق المطالبة بالانفصال

أعاد الاستعمار البريطاني، بحسب مامداني، قولبة دارفور «قبليًا»، فقسّم السكان إلى قبائل «أهلية» لها حواكير و«وافدة» بلا أرض، وتحولت الأرض إلى نظام يفرّق بين الجماعات على محور عربي وغير عربي أحيانًا وعلى محور عربي–عربي أحيانًا أخرى. وتفاقم ذلك بجفاف 1987–1989، الذي أشعل حربًا أهلية بين الرعاة والمزارعين على الأراضي الخصبة جنوب دارفور في سياق تمدد الصحراء مسافات كبيرة خلال أربعة عقود، وبتفكيك الإدارة الأهلية في عهد نميري، وانعكاسات الحرب الباردة والحرب التشادية، التي جعلت ليبيا القذافي في مواجهة الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، على الإقليم (Mamdani, 2009).

وحاولت الحكومة في تسعينيات القرن العشرين معالجة النزاع بإنشاء حواكير لقبائل بلا حواكير فلم تنجح، ثم اشتبكت في الحرب بعد 2003 قوى وطنية وإقليمية وعالمية. وتعرض فلنت ودي وال الحرب الدارفورية منذ 2003 بوصفها صراعًا انتقلت فيه الحكومة إلى رد عنيف استعانت فيه بالجنجويد، وتكاثرت فيه الفصائل المتمردة والميليشيات، وبرزت فيه حركة تحرير السودان وحركة العدل والمساواة في مواجهة حكومة المركز، ثم تعددت الجبهات داخل كل معسكر (Flint, 2008). وتقدّر الأمم المتحدة، بحسب ما نقلته «سودان تربيون»، أن النزاع قتل نحو 300 ألف شخص وهجّر نحو 2.5 مليون (Sudan Tribune, 2025d).

ولا بد من تسجيل نقد توازني هنا: فقد حذّر مامداني من اختزال الصراع في ثنائية عرب وأفارقة ومن الاندفاع إلى العدالة العقابية، وعدّ العنف ثمرة نظام الأرض وسياسات الهوية، لكن تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية في 2026، كما سيأتي، يضع في صدر الصورة وقائع استهداف إثني منظم ضد الفور والزغاوة، ما يستدعي الجمع بين قراءة مامداني البنيوية وحقيقة الاستهداف الإثني الموثق.

ويترتب على ذلك أن معالجة دارفور تحتاج إلى إصلاح جذري لنظام الأرض، وإعادة بناء الإدارة الأهلية على أسس قانونية عادلة، وحماية الرعاة والمزارعين، وضمان العودة الطوعية للنازحين واللاجئين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم. ولا يترتب عليها أن الانفصال هو العلاج الوحيد أو أن الجماعات التي عانت التمييز ينبغي أن تتحمل مخاطر إنشاء دولة جديدة في إقليم لا تزال جماعاته تتنازع على الأرض والموارد والسلطة.

3.3 من الدعوات المتفرقة إلى بند مشروط: الاستفتاء المعلّق والاتفاق المتعثر وميثاق نيروبي

ظهرت المطالبة بتقرير المصير في دارفور أول مرة حين اشترط جناح عبد الواحد نور في 2010 إدراج «حق تقرير المصير لدارفور» على أجندة التفاوض في الدوحة، فرفضه وفد الحكومة برئاسة أمين حسن عمر واعتبره وسيلة لتعطيل المحادثات، وبيّنت الوثيقة أن اتفاق أبوجا 2006 لم يتضمن إلا استفتاء على الوضع الإداري لإقليم واحد (Radio Dabanga, 2010). وفي الشهر التالي قالت حركة العدل والمساواة إنها قد تضطر إلى المطالبة بتقرير المصير لدارفور وكردفان وإنها أول مرة تفعل ذلك (Sudan Tribune, 2010a). غير أن قيادة حركة تحرير السودان نفت التزامها بذلك وأعادت التأكيد على الالتزام بوحدة البلاد (Sudan Tribune, 2010b).

وقد ارتبط ظهور الدعوة بزخم استفتاء الجنوب المقبل وتوظيفه مساومة سياسية أكثر من ارتباطه برؤية انفصالية مكتملة. وتُظهر قراءة تاريخ الفكرة في السودان أن شعار تقرير المصير نفسه ارتبط بحسابات حزبية، إذ يناقش بعضهم أن قبول الحكم الإسلامي به كان تكتيكًا لشق صفوف الحركة الشعبية، وأن اتفاقًا جمع حزب الأمة بالحركة الشعبية في منتصف تسعينيات القرن العشرين أقرّ حق جنوب السودان في تقرير المصير مع رفض تعميمه على جبال النوبة والإنقسنا (القدس العربي، بدون تاريخ). وفي مرحلة لاحقة نقلت صحيفة العربي الجديد عن مني أركو مناوي تصريحات عن نيته طرح حق تقرير المصير لدارفور في أي مفاوضات مقبلة (العربي الجديد، بدون تاريخ)، وهو الذي يحذر اليوم من التقسيم، مما يدل على أن الموقف من الانفصال في الإقليم تحكمه الظروف التفاوضية لا اليقين الأيديولوجي.

أما استفتاء أبريل 2016 فقد أظهر مخاطر استخدام الاستفتاء أداة في بيئة قسرية. فقد نصت وثيقة الدوحة لسلام دارفور الموقعة في 2011 بين الحكومة وحركة التحرير والعدالة على استفتاء إداري بين نظام الولايات والإقليم الواحد، على أن تُشكَّل لجنة دستورية لتحديد اختصاصات حكومة الإقليم إن فاز خيار الإقليم، وتُحل السلطة الإقليمية الانتقالية إن فاز خيار الولايات (النهار أونلاين، 2016). وقد كانت دارفور إقليمًا واحدًا حتى 1994، حين قسّمه الرئيس عمر البشير إلى ثلاث ولايات، ثم أضاف ولايتين في 2012 لتصبح خمسًا: شمال دارفور وعاصمتها الفاشر، وجنوب دارفور وعاصمتها نيالا، وغرب دارفور وعاصمتها الجنينة، وشرق دارفور وعاصمتها الضعين، ووسط دارفور وعاصمتها زالنجي (نون بوست، 2016)، وترأس السلطة الإقليمية التي أنشأتها الدوحة التجاني سيسي (الجزيرة نت، 2016د).

وفي 11–13 أبريل جرى التصويت، وأعلنت المفوضية فوز خيار الولايات بنسبة 97.72%، أي 3,081,976 صوتًا، مقابل 2.28%، أي 71,920 صوتًا (Radio Dabanga, 2016)، من أصل 3,535,281 ناخبًا مسجلًا أدلى منهم 3,207,596، في استفتاء قاطعته المعارضة والحركات المسلحة وقالت واشنطن إنه لا يمكن عدّه تعبيرًا ذا مصداقية عن إرادة الشعب (Agence France-Presse, 2016). وأفادت صحيفة الشرق الأوسط بأن عدد من يحق لهم التصويت في شمال دارفور وحدها بلغ نحو مليون و40 ألف ناخب في أكثر من 500 مركز اقتراع موزعة على 18 محلية (الشرق الأوسط، 2016). وأفادت الجزيرة نت بأن الإعلان حرم سكان دارفور المقيمين خارج الإقليم، أي النازحين واللاجئين، من التصويت (الجزيرة نت، 2016ج)، وبأن جبريل إبراهيم رأى أن الاستفتاء يشرعن تقسيم دارفور على أسس عرقية ويؤسس لتطاحن قبلي (الجزيرة نت، 2016ب)، وأن الحركات رأت أن الوقت غير مناسب لانعدام الأمن (الجزيرة نت، 2016أ). ونقلت وكالة إيرم نيوز عن نازح قوله إن الناس بحاجة إلى الغذاء والمياه والحماية من الميليشيات، وإن الشكل الإداري للإقليم لا يعنيهم (إيرم نيوز، 2016). وأقر حزب العدالة والتحرير الوطني بقيادة التجاني سيسي، الذي دعا إلى خيار الإقليم الواحد، بنتيجة الاستفتاء وبنزاهة إجراءاته (Sudan Tribune, 2016)، ما يدل على أن حتى دعاة الإقليم لم يطعنوا في الخطوة كلها.

وتؤكد هذه الشهادات أن مسألة الوضع الإداري للإقليم لا تُحسم باقتراع في ظل غياب الأمن والتمثيل، وأن الاستفتاء الإداري ليس هو تقرير المصير الخارجي. كما أن نتيجة استفتاء 2016 لا تصلح دليلًا على رفض سكان دارفور للحكم الذاتي، لأنها تعلقت بخيارين إداريين داخل السودان، لا بخيار الوحدة مقابل الاستقلال. ولذلك ينبغي عدم الخلط بين وحدة الإقليم الإدارية وبين وحدة الدولة السودانية، ولا بين المطالبة بإقليم موحد ذي صلاحيات وبين المطالبة بإنشاء دولة مستقلة.

وأعاد اتفاق جوبا لسلام السودان، في أكتوبر 2020، تشكيل إقليم دارفور بحاكم هو مني أركو مناوي، لكن تنفيذه ظل بطيئًا. فقد رأى فريق خبراء الأمم المتحدة في 2022 أن التقدم مقتصر على ترتيبات تقاسم السلطة، وأن ترتيبات الأمن بطيئة وأن ما يتعلق بالنازحين والأرض والعدالة ضئيل (United Nations Security Council Panel of Experts on the Sudan, 2022). وقال النازحون في 2022 إن أقل من 1% من الاتفاق نُفّذ، وتبادل الأطراف الاتهامات بين المجتمع الدولي والموقعين في فبراير 2023، إذ ألقى مناوي باللائمة على المجتمع الدولي وألقاها رئيس فريق الوساطة الجنوب سوداني توت قلواك على الموقعين (Radio Dabanga, 2023). وهذه خلفية تفسر لماذا يجد خطاب «الوحدة لم تُنفَّذ» جمهورًا في دارفور، وهو ما ترد عليه الدراسة بالتأكيد أن فشل التنفيذ يستدعي تنفيذ الالتزامات وتطويرها، لا تحويل الانفصال إلى حق متجدد.

ثم جاء ميثاق نيروبي 2025 ليحوّل المطلب الانفصالي من خطاب معارض إلى بند مشروط في وثيقة تأسيسية لسلطة موازية، يقول إن للشعوب أن تمارس تقرير المصير إذا لم تُدرج العلمانية في الدستور أو إذا انتُهك أي من المبادئ فوق الدستورية (Radio Dabanga, 2025). وأتبع الحلفاء الميثاق بدستور انتقالي وُقّع في مطلع مارس 2025 يعلن السودان دولة علمانية ديمقراطية لامركزية، وينص على أن يكون لكل إقليم دستوره الخاص، ويجعل المجلس الرئاسي رمزًا للوحدة الطوعية، ويُنشئ جيشًا جديدًا نواته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية–شمال بقيادة الحلو (Sudan Tribune, 2025a). وقسّم الدستور السودان إلى ثمانية أقاليم، وحدد مرحلة تأسيسية انتقالية مدتها عشر سنوات بعد إنهاء الحروب (Horn Review, 2025)، وأعلن التحالف قيادته المؤلفة من 31 عضوًا في 1 يوليو 2025 برئاسة حميدتي (Sudans Post, 2025).

فاحتجّت وزارة الخارجية السودانية لدى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة معتبرة أنه يدعو إلى «تفكيك» السودان، وقال حزب الأمة إن الميثاق يناقض مبادئه في العلمانية وتقرير المصير (The East African, 2025b). ويرى بعض المحللين، كما نقلت مدى مصر، أن الانفصال الفعلي «مبالغة غير واقعية» لافتقار قوات الدعم السريع إلى البنية المؤسسية والاعتراف الدولي اللازمين (Mada Masr, 2025). وقال أحد مسؤولي الحركة الشعبية–شمال إن شرعية الحكومة الموازية تنبع من الشعب ومقاتليه لا من الخارج، وإن «العالم سيعترف بها في النهاية» (Sudan Tribune, 2025b).

ولا ينفي ذلك أن البند ذاته يحول الانفصال إلى ورقة ضغط دائمة، ويثير سؤالًا جوهريًا: من يملك تحديد أن الشروط التي تبرر الانفصال قد تحققت؟ وهل يجوز لتحالف مسلح أن يقرر نيابة عن سكان إقليم متنوع أن الوحدة لم تعد مقبولة؟ وهل يمكن اعتبار قبول الانفصال تعبيرًا حرًا عن الإرادة في ظل النزوح والتهجير والسيطرة العسكرية وتقييد المشاركة السياسية؟

تجيب الدراسة بالنفي عن تحويل هذا الحق إلى بند تأسيسي أو تفاوضي دائم، وتؤكد أن معالجة الإخفاقات الدستورية والسياسية يجب أن تتم عبر آليات وطنية ملزمة، ومحاكم مستقلة، وانتخابات حرة، وضمانات دولية للتنفيذ، لا عبر منح كل طرف مسلح حق التلويح بتغيير الحدود.

  1. الجنوب مرآة لا قدوة: استفتاء ناجح ودولة متعثرة وحرب عائدة

4.1 لماذا نجح الاستفتاء إجرائيًا؟

لا يمكن تفسير نجاح استفتاء يناير 2011 دون إدراك شروطه. فقد كانت للجنوب حرب طويلة امتدت من 1955 إلى 1972 ثم من 1983 إلى 2005، تأسست على تمايز تاريخي وإداري يعود إلى سياسة المناطق المقفلة الاستعمارية (Johnson, 2011). وجاء حق تقرير المصير بنص تفاوضي متفق عليه في اتفاقية السلام الشامل 2005، وهي اتفاقية جمعت بين دعم الوحدة وحق الجنوب في الحكم الذاتي ثم الاستفتاء بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات (Congressional Research Service, 2025).

ووصف مركز كارتر الاستفتاء بأنه موثوق وسلمي رغم تعثر التحضير حتى الأشهر الأخيرة، إذ لم تكن مفوضية الاستفتاء ومكتبها التنفيذي يعملان بكامل طاقتهما قبل الموعد بستة أشهر (Carter Center, 2011). وتولّت الحركة الشعبية لتحرير السودان قيادة جنوب موحدة سياسيًا في وجه الخرطوم، رغم الاقتتال بين قادتها الميدانيين الذي كاد يعطل المشروع، ورغم وفاة زعيمها جون قرنق، أبرز دعاة الوحدة، بعد أشهر من توقيع الاتفاقية (Congressional Research Service, 2025). وكان الشماليون غير مؤهلين للتصويت (Middle East Research and Information Project, 2011). وفسّر ميداني الانفصال بفشل التحول الديمقراطي وبالعيوب البنيوية في اتفاق 2005 الذي لم يجعل الوحدة جذابة (Medani, 2011).

4.2 ما بعد 2011: نفط واحد ودولة بلا مؤسسات وحرب لا تنتهي

لم يكن للنجاح الإجرائي رصيد مؤسسي كافٍ. فقد صوّت أكثر من 98% للانفصال (Congressional Research Service, 2025)، وصارت الدولة الجديدة، بحسب مركز موارد الحساسية للنزاع في جنوب السودان، «حالة دراسية» لانفصالات محتملة في أفريقيا (Conflict Sensitivity Resource Facility South Sudan, بدون تاريخ). لكن الدولة الجديدة اعتمدت على النفط الذي شكّل أكثر من 95% من إيرادات الحكومة (Middle East Research and Information Project, 2011).

ثم اندلعت حرب أهلية في أواخر 2013 تحولت إلى استهداف إثني بين مؤيدي سلفا كير ومؤيدي رياك مشار، وقُدّر عدد من ماتوا فيها قبل اتفاق 2018 بنحو 400 ألف (Congressional Research Service, 2025). وقدّرت مجموعة الأزمات في نوفمبر 2014 أن ما يصل إلى خمسين ألفًا قُتلوا في الأشهر الأولى، وأن أكثر من مليوني شخص فرّوا، وأن مقاتلين من متمردي دارفور ساندوا قوات كير (JusticeInfo, 2015). وبحلول نهاية 2019 قُدّر النازحون بأكثر من أربعة ملايين (Global Centre for the Responsibility to Protect, 2019)، ووجدت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن استهداف المدنيين على أساس إثني يرقى إلى التطهير العرقي (United States Holocaust Memorial Museum, بدون تاريخ)، وخلصت لجنة تحقيق الاتحاد الأفريقي عام 2015 إلى وجود أسس تدعو إلى الاعتقاد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (Congressional Research Service, 2025).

واليوم يقول محلل في مجموعة الأزمات إن جنوب السودان «عاد إلى الحرب» (International Crisis Group, 2026b)، ويرصد تقرير «كرايسس ووتش» لسبتمبر 2026 انقسام الحركة الشعبية–المعارضة إلى فصيلين وتحول الانقسام إلى اشتباكات في ولايتي الوحدة والاستوائية الوسطى (International Crisis Group, 2026a). وفي حوار بودكاست «القرن» مع مسؤولين سابقين في وساطة الاتحاد الأفريقي، قُدِّم الانفصال بعد خمس عشرة سنة بوصفه أفضى إلى «دولتين فاشلتين» (International Crisis Group, 2026b). كما أن حرب السودان نفسها عطّلت أنابيب النفط وصادراته التي كانت المصدر الرئيس لإيرادات حكومة جنوب السودان الانتقالية، وفرّ أكثر من 800 ألف شخص عبر الحدود إلى الجنوب (United States Holocaust Memorial Museum, بدون تاريخ)، وتجاوزت أزمة اللاجئين السودانيين في 2024 أزمة جنوب السودان بوصفها الأكبر في أفريقيا (Congressional Research Service, 2025).

4.3 ثلاثة دروس: الاستفتاء إجراء لا ضمانة، وما بعده يحدد كل شيء، والمورد الواحد مصدر هشاشة

يعطي الجنوب ثلاثة دروس. الأول أن الاستفتاء إجراء لا ضمانة، فقد كان ناجحًا إجرائيًا لكنه لم يضمن بناء مؤسسات مستقرة. والثاني أن مسائل ما بعد الاستفتاء، كالحدود والنفط والمواطنة والديون والمناطق الحدودية، هي التي تحدد استدامة السلام بين الدولتين (Rüegger, 2010). والثالث أن اقتصاد المورد الواحد يجعل الدولة الجديدة رهينة لأي اضطراب إقليمي، وهو ما تجسده الآن آثار حرب السودان على خطوط أنابيب النفط وصادراته. ودفع انفصال الجنوب السودان نفسه إلى البحث عن بدائل نفطية، أبرزها الذهب الذي صار أحد أعمدة اقتصاد الحرب (Soliman, 2025).

ولا يعني ذلك أن انفصال الجنوب كان السبب الوحيد في كل الحروب اللاحقة، أو أن جميع حالات الانفصال محكوم عليها بالفشل. لكنه يعني أن الاستفتاء والاستقلال لا يعالجان تلقائيًا ضعف الدولة والفساد والتنافس على الموارد وانعدام الثقة. وتكمن أهمية هذه التجربة لدارفور في أن الإقليم قد يجد نفسه أمام أزمات مماثلة، مع صعوبات إضافية تتعلق بالتداخل السكاني والموارد العابرة للحدود وعدم وجود إجماع سياسي على مشروع الدولة المستقلة.

ومن ثم فإن استدعاء تجربة الجنوب لا ينبغي أن يكون دعوة إلى تكرارها، بل تحذيرًا من الاعتقاد أن تغيير الحدود بديل عن بناء مؤسسات شرعية وعادلة. وتدافع هذه الدراسة عن رفض تكرار منح حق الانفصال، مع أخذ مطالب الحكم الذاتي والتمثيل والعدالة على محمل الجد، لأن هذه المطالب هي التي ينبغي أن تصبح محور التسوية السودانية الجديدة.

  1. خمسة فوارق بنيوية تُسقط نقل التجربة: ذات سياسية غير موحدة وقيادة مشتتة وجغرافيا مغلقة وأرض متداخلة وإجماع معدوم

5.1 معضلة «الذات»: من هو شعب دارفور؟

أول شروط تقرير المصير وجود «شعب» محدد يستطيع التعبير عن إرادة سياسية قابلة للتحقق. والجنوب، مهما كان فيه من تعدد، امتلك هوية سياسية جامعة بُنيت عبر عقود الحرب. أما دارفور فهي إقليم مركب من جماعات متعددة، بين مزارعين ورعاة، وعرب وغير عرب، وتداخل مستمر عبر التزاوج والتحالف والصراع (O’Fahey, 2008). وفي ظل نظام الأرض الذي ورثته من الاستعمار، تتنافس جماعات «لها حواكير» مع جماعات بلا حواكير على الموارد (Mamdani, 2009).

وقد بيّنت أبحاث جامعة تافتس أن الجماعات الرعوية العربية، ومنها رعاة الإبل، همّشتها الاستجابة الإنسانية، وأن إدماجها شرط للتعافي والسلام (Young, 2007). وتبيّن الحرب الحالية صعوبة تعريف «الذات»: فقد لاحظ تقرير الجزيرة 2023 أن موسى هلال وحميدتي ينتميان إلى عشيرتين مختلفتين داخل الرزيقات، وأن بعض المحللين توقعوا أن يؤدي غياب حميدتي إلى تفكك القوات والقبيلة معًا (Al Jazeera, 2023). وإذا صعب تحديد «الشعب» داخل القبيلة الواحدة، فكيف يُحدد صاحب الحق في الاستفتاء على مستوى الإقليم؟

ويزيد الأمر حدة أن الاستفتاء المحتمل قد يستبعد الملايين من النازحين واللاجئين، كما حدث في 2016. وفي 2023 ظهرت في فيديو قيادات سبع قبائل رئيسة في جنوب دارفور تحث أبناءها على ترك الجيش والقتال إلى جانب الدعم السريع، بينما كان نائب قائد الجيش في نيالا وشرق دارفور من ضباط المسيرية، وكان في الجيش ضباط من الرزيقات، قبيلة حميدتي، ما يبين أن الولاءات ليست كتلة واحدة (The New Arab, 2023).

ولا يجوز افتراض أن السيطرة العسكرية لقوة ما على الإقليم تعني أنها تمثل جميع سكانه، أو أن توقيع قادة سياسيين أو عسكريين على ميثاق يخولهم تقرير مستقبل الملايين. فإرادة السكان لا تُختزل في ولاء قبلي أو تحالف عسكري أو موقف قائد حركة. ولا يمكن إجراء اقتراع شرعي في ظل النزوح القسري والتهجير والتمييز والحرمان من المشاركة.

ولهذا ينبغي أن تقوم أي تسوية على مواطنة فردية متساوية، مع ضمانات جماعية للثقافة واللغة والإدارة المحلية، من دون تحويل الجماعات إلى وحدات سياسية مغلقة تتنازع السيادة. فالتعدد لا يستلزم التقسيم، بل يستلزم مؤسسات تمنع احتكار جماعة واحدة للسلطة أو الأرض أو الموارد.

5.2 تشظي القيادة والبنى المسلحة

وحّدت الحركة الشعبية الجنوب سياسيًا وعسكريًا لتكون المحاور الوحيد في اتفاقية 2005. أما في دارفور فقد أبرزت فلنت ودي وال تكاثر الفصائل داخل حركات التمرد والميليشيات الموالية للحكومة (Flint, 2008). وبعد 2023 صار المشهد أكثر تشظيًا: فحركة تحرير السودان بقيادة مناوي حليفة للجيش، وجناح عبد الواحد نور يشارك مع تحالف «صمود» في تكتل مبادئ مستقل، ولم يجلس مناوي مع «تأسيس» في اجتماعات أديس أبابا في يونيو 2026 (Mada Masr, 2026).

وهذا الانقسام ليس خلافًا حول التفاصيل، بل حول الاتجاه الاستراتيجي: بين من يقف مع وحدة السودان في إطار الجيش، ومن يقف خارج الجبهتين، ومن يدعم مشروع «تأسيس». ولا يمكن تصور استفتاء مقبول أو تفاوض مثمر في ظل غياب قيادة جامعة أو توافق مدني واسع على طبيعة الدولة ومستقبل الإقليم.

ويزيد خطر الانفصال عندما تكون القوى المسلحة هي التي تحدد الحدود والسلطات والموارد، لأن أي تسوية قد تتحول إلى اعتراف سياسي بالمكاسب التي حققها السلاح. ولذلك ينبغي أن يُبنى الحكم الإقليمي على انتخابات حرة ومؤسسات مدنية مستقلة، لا على المحاصصة بين الفصائل أو توزيع المناصب وفق القوة العسكرية.

5.3 الحبس البري والامتدادات العابرة للحدود

الجنوب فقد منفذه البحري مع بقائه عبر الشمال، لكن دارفور أشد حبسًا: فهي إقليم داخلي تحيط به تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وتتصل سبل عيش أهله بأسواق وسط السودان وشرقه وليبيا (Young, 2005)، وتتداخل تجارة سلعه، ومنها الذهب، عبر الحدود مع تشاد وليبيا وجنوب السودان (Soliman, 2025).

والزغاوة، وهم من أبرز مجموعات دارفور، يشكلون كذلك جزءًا من النخبة العسكرية والأمنية في تشاد، وتتهم تقارير بتمرير أسلحة إماراتية إلى قوات الدعم السريع عبر مطار أم جرس التشادي، وهو ما تنفيه الإمارات وتشاد (Institute for Security Studies, 2025). وأغلقت تشاد حدودها البالغة نحو 1300 كم في فبراير 2026 بعد اشتباكات بين الجيش السوداني وحلفائه وقوات الدعم السريع على الحدود، وسط تحذيرات من اشتباكات بين فصائل الزغاوة قرب تيني (News24, 2026). وقتلت قوات الدعم السريع سبعة جنود تشاديين حين طاردت قوات مرتبطة بالجيش عبر الحدود، وهي الحادثة التي دفعت الحكومة التشادية إلى توجيه «إنذار أخير» (Peoples Dispatch, 2026).

وتعني هذه الوقائع أن استقلال دارفور لن ينهي التداخلات الإقليمية، بل قد يحولها إلى نزاعات بين دول ذات سيادة، ويخلق نزاعات جديدة على الحدود والمياه والتجارة والمواطنة وحركة الرعاة. ولن يؤدي إنشاء دولة جديدة تلقائيًا إلى اعتراف دول الجوار بها، ولا إلى ضمان منفذ تجاري مستقر، ولا إلى منع التدخلات الخارجية.

ولهذا فإن صون وحدة دارفور يتطلب تعاونًا حدوديًا إقليميًا، وتسهيل التجارة المشروعة، ومنع تهريب السلاح، وضمان حرية حركة الرعاة وفق اتفاقات محلية وإقليمية، وحماية السكان على جانبي الحدود. وتلك إجراءات قابلة للتطبيق في إطار السودان الموحد، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا إذا تحول الإقليم إلى دولة مستقلة وسط حرب إقليمية متداخلة.

5.4 تداخل الأرض والمعاش

يرتبط معاش أهل دارفور بتوازن حساس بين الزراعة والرعي والتجارة. ويتبين من دراسة جامعة تافتس، التي اعتمدت على عمل ميداني في دارفور والخرطوم وشرق السودان وليبيا بالشراكة مع جامعة الأحفاد، أن الحرب ضربت أركان هذا الاقتصاد، وأن تجارة الماشية، عماد اقتصاد الإقليم، كانت تنهار بسرعة، وأن أكثر من 1.6 مليون شخص كانوا قد نزحوا حتى منتصف 2005 (Young, 2005). كما تبقى الحواكير، أي مواثيق الأرض التي يعود بعضها إلى عهد السلطنة (O’Fahey, 1983)، جوهر النزاع بين الجماعات.

ولا يحل الانفصال هذه المنازعات، بل يرفع سقفها لأنه يضع سؤال «من يملك ماذا» في ميزان السيادة. وعندما أقامت قوات الدعم السريع «إمارة» لجماعة عربية وافدة من أفريقيا الوسطى في وسط دارفور، وعيّنت أميرًا لها بسلطات تفوق سلطات الشرتاي، رفض زعماء الفور الخطوة بوصفها احتلالًا لأراضيهم التاريخية، لأن الإدارات الموازية التي تنشئها القوات تمنح سلطات تفوق سلطات الإدارات التاريخية (Sudan Tribune, 2024).

ومن ثم فإن أي مشروع انفصالي ينطلق من افتراض أن الإقليم يمتلك أرضًا وموارد يمكن إدارتها بوصفها وحدة سياسية متجانسة يتجاهل واقع التداخل السكاني والاقتصادي. فقد يؤدي تغيير الحدود إلى تحويل النزاعات المحلية إلى نزاعات على السيادة، ويجعل كل جماعة تخشى أن تُهمش داخل الدولة الجديدة، أو أن تفقد حقوقها في الحواكير والموارد والأسواق.

والحل هو إنشاء نظام قانوني عادل للأرض يوازن بين الحقوق التاريخية وحقوق الرعاة والمزارعين والنازحين والعائدين، ويمنع تغيير الملكية بالقوة، ويضمن حق اللجوء إلى القضاء، ويعيد بناء الإدارة الأهلية في إطار القانون. فالوحدة التي تحمي الحقوق أفضل من دولة جديدة لا تملك آليات مستقلة لتسوية النزاعات.

5.5 غياب إجماع إقليمي ودولي

تعرض الدراسة حصيلة المواقف المؤسسية: الاتحاد الأفريقي رفض الاعتراف بالحكومة الموازية وأكد سلامة السودان الإقليمية في 2025 و2026، والجامعة العربية والسعودية أدانتا الخطوة (Sudan Tribune, 2025c)، والرباعية أقرت وحدة السودان مبدأً أول (US Department of State, 2025)، ورفض مجلس الأمن خطة الحكومة الموازية محذرًا من تهديدها لوحدة البلاد (The New Arab, 2025). وعدّت وزارة الخارجية الأمريكية في سبتمبر 2026 أن لا الجيش ولا قوات الدعم السريع يمثل حكمًا شرعيًا دستوريًا (International Crisis Group, 2026a). وبحسب نموذج غريفيث، فإن حركة انفصالية بلا اعتراف إقليمي ودولي تفقد أهم شروط النجاح (Griffiths, 2021).

لكن غياب الاعتراف الدولي لا ينبغي أن يُستخدم وحده حجةً كافية؛ فالشرعية لا تُبنى بالمواقف الخارجية فقط. الأهم هو أن مشروع الدولة المستقلة لا يحظى بتوافق سوداني شامل، وأن فرضه في ظل الحرب يهدد بإنشاء سلطة تستند إلى السلاح بدلًا من التفويض الشعبي.

ولهذا ينبغي أن تقوم الدبلوماسية السودانية على موقف موحد يرفض تغيير الحدود بالقوة، ويطالب في الوقت نفسه بحماية المدنيين ووقف الدعم العسكري الخارجي ومحاسبة مرتكبي الجرائم. فرفض الانفصال لا يبرر الصمت عن الانتهاكات، كما أن إدانة الانتهاكات لا تستلزم الاعتراف بمشروع انفصالي.

  1. دارفور بعد 2023: فاشر منكوبة وسلطة موازية بلا شرعية وتنافس قبلي مسلح

6.1 الفاشر: الفظائع والمجاعة والمساءلة

سقطت الفاشر في 26 أكتوبر 2025 بعد حصار دام نحو ثمانية عشر شهرًا، وأقرّ قائد الجيش بسحب قواته إلى «مكان أكثر أمانًا» (Agenzia Fides, 2025). وتفاوتت تقديرات المدنيين العالقين في المدينة بين نحو 260 ألفًا وفق تقارير كنسية (Agenzia Fides, 2025) ونحو 177 ألفًا وفق نقابة أطباء السودان، التي زعمت أيضًا مقتل ألفي مدني في الساعات الأولى، وهي أرقام لم تتحقق منها جهة مستقلة (Sudan Tribune, 2025e).

وأفاد مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية، بأدلة على عمليات قتل جماعي، وقال إن ما يجري يبدو «عملية منهجية متعمدة من التطهير العرقي» (Al Jazeera, 2025a)، مشيرًا أيضًا إلى قصف الجيش السوداني للمدينة وسقوط ضحايا مدنيين من الطرفين، وإلى نحو خمسة عشر شهرًا من ظروف المجاعة. ورصد المختبر ما لا يقل عن 31 موقعًا تظهر فيها أجسام تتفق مع جثث بشرية، وخلص إلى أن «غالبية المدنيين إما قتلى أو أسرى أو متوارون» (ADF Magazine, 2025).

وكشف تحقيق لسودان تربيون في يناير 2026 عن مقابر جماعية ومراكز احتجاز سرية، وعن أن سكان الفاشر ومحيطها، ومنهم معسكرا أبو شوك وزمزم، كانوا نحو 1.5 مليون قبل الحصار وتراجعوا إلى نحو 900 ألف بحلول أبريل 2025 (Sudan Tribune, 2026b). ووثّق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية مقتل نحو 1850 مدنيًا في شمال دارفور منذ بداية 2025 حتى 20 أكتوبر، منهم نحو 1350 في الفاشر (International Federation for Human Rights, 2025).

وأكد تحليل التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي حدوث مجاعة في الفاشر، مع معدلات سوء تغذية حاد بين 38% و75% (Food and Agriculture Organization of the United Nations, 2025)، وأن نحو 21.2 مليون سوداني، أي 45% من السكان، يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، مع خطر المجاعة في ما لا يقل عن عشرين منطقة أخرى (Siddig, 2025)، وفرّ نحو 71 ألف شخص من الفاشر ومحيطها (UN News, 2025).

وخلصت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في فبراير 2026، بعد مقابلة 320 شاهدًا وضحية، إلى أن ما جرى يحمل «سمات الإبادة الجماعية» ضد الزغاوة والفور، وأن ثلاثة أفعال على الأقل من الأفعال المكونة للإبادة ثابتة، وأن الأدلة «لا تترك سوى استنتاج معقول واحد» هو نية التدمير (Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026)، وأن ما حدث هو تصعيد لأنماط سابقة من استهداف جماعات غير عربية «لكن على نطاق أشد فتكًا» (United Nations Office at Geneva, 2026).

وفي المسار القضائي، أدانت المحكمة الجنائية الدولية علي كوشيب في 6 أكتوبر 2025 بسبع وعشرين تهمة، وحكمت عليه في 9 ديسمبر 2025 بالسجن عشرين عامًا، وهي أول إدانة في وضع دارفور (International Criminal Court, 2025). وتلت ذلك سنوات من المحاكمة شهد فيها 74 شاهدًا، وجاءت بعد نحو عقدين من إحالة مجلس الأمن الوضع إلى المحكمة في مارس 2005 (American Society of International Law, 2025). وحيّت التنسيقية العامة للنازحين واللاجئين الحكم بوصفه «تاريخيًا»، لكنها رأت أنه لا يرقى إلى حجم الفظائع (Sudan Tribune, 2025d).

وتضاعف هذه الوقائع ثقل حجة العدالة. فلا سبيل إلى مطالبة الضحايا بالبقاء في دولة ارتكبت أجهزتها وميليشياتها هذه الجرائم، أو أخفقت في حمايتهم، إلا إذا كانت الدولة قادرة على محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا وضمان عدم التكرار. لكن الاستنتاج الذي تتبناه الدراسة ليس أن الانفصال هو العلاج، بل أن استمرار الوحدة لا يكون مشروعًا إلا إذا اقترن بتغيير جذري في طبيعة الدولة ومؤسساتها الأمنية والقضائية.

إن رفض الانفصال رفضًا مطلقًا لا يعني منح الدولة حصانة مطلقة. فالمساءلة عن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التزام لا يجوز التضحية به من أجل وحدة شكلية. كما أن المسؤولية الجنائية فردية، ولا يجوز تحويلها إلى عقاب جماعي لجماعة إثنية أو قبلية بأكملها. وينبغي أن تشمل المساءلة الجرائم المنسوبة إلى مختلف أطراف النزاع وفق الأدلة والإجراءات القانونية المستقلة، من دون مساواة آلية بين الوقائع المختلفة أو إعفاء أي طرف من مسؤوليته.

6.2 «تأسيس» وسوق الولاءات: سلطة موازية تتقاتل داخلها القبائل

يفسر دي وال سلوك النخب في القرن الأفريقي بمفهوم «السوق السياسية» حيث تُشترى الولاءات وتُباع (de Waal, 2015). ويلقي هذا المفهوم ضوءًا على واقع مناطق سيطرة الدعم السريع في دارفور. فقد كشفت مدى مصر عن اشتباكات منذ أواخر مايو 2026 في محلية كبم بجنوب دارفور بين السلامات وبني هلبة، وكلاهما حليف لقوات الدعم السريع، بالأسلحة الثقيلة والمسيّرات والمدافع المضادة للطائرات، وبمشاركة جنود من القبيلتين داخل القوات، بعد أن انهار اتفاق سلام وُقّع في نوفمبر 2023 بحلول منتصف 2024.

وأفاد مصدر في التنسيقية القبلية للرزيقات بأن تقسيم القوات لدارفور إلى قطاعات عسكرية وإدارية رفع المكاسب المرتبطة بالنفوذ المحلي، وحوّل خلافات المراعي والمزارع إلى تنافس على الموقع داخل منظومتها، وأن القيادة العليا عاجزة عن احتواء ما وُصف بأنه «حرب قبلية فوضوية مدمرة» عبر سلسلة القيادة المعتادة (Mada Masr, 2026).

وفي الوقت نفسه شكّل مجلس رئاسة «تأسيس» مجلسًا للأمن والدفاع برئاسة حميدتي وعبد العزيز الحلو نائبًا له لإنشاء «جيش وطني»، ورأى مستشار سابق في القوات أن الخطوة أقرب إلى المناورة السياسية منها إلى إعادة هيكلة عسكرية (Mada Masr, 2026). فالقوة التي يُراد منها أن تكون النواة العسكرية لدولة جديدة تعجز عن ضبط خلافات حلفائها. وتبين المصادر نفسها أن الهجمات على قرى بالقرب من بارا في شمال كردفان أودت بحياة 58 شخصًا على الأقل في ثلاثة أيام، وأن المجتمعات المحلية استنفرت للدفاع عن نفسها، وأن القوات شكلت لجنة لتقصي الحقائق ونفت المسؤولية (Mada Masr, 2026).

وتبين هذه الوقائع أن إنشاء دولة مستقلة لا يؤدي بذاته إلى توحيد الجماعات المسلحة أو إنهاء التنافس على الأرض والموارد. بل إن منح الانفصال في سياق تسيطر فيه القوات على الأرض بالقوة قد يجعل السيطرة العسكرية أساسًا لتحديد الحدود الجديدة، ويخلق حوافز للاستيلاء على مزيد من الأراضي أو تهجير السكان أو فرض إدارات موازية.

ومن هنا يأتي أحد الأسباب المركزية للرفض المطلق والدائم لتكرار منح حق الانفصال في السودان: لا يجوز تحويل نتائج الحرب أو السيطرة المسلحة إلى حق في تغيير الحدود أو تأسيس دولة جديدة. ويجب أن تكون التسوية معكوسة الاتجاه: وقف الحرب أولًا، ثم إخضاع القوات لسلطة مدنية وقانونية، ثم إعادة بناء مؤسسات الحكم، ثم إجراء انتخابات حرة تحدد شكل الإدارة داخل الدولة الموحدة.

6.3 الذهب والاقتصاد السياسي: ريع يغري بالتقسيم

بحسب دراسة تشاتام هاوس التي اعتمدت على بيانات ميدانية جُمعت في الخرطوم وشمال دارفور والقضارف وكسلا، عمّقت الحرب انقسامًا فعليًا في قطاع الذهب: تسيطر قوات الدعم السريع على مناطق التعدين في دارفور، بينما تتولى سلطات بورتسودان مناطق أخرى (Soliman, 2025)، وتتداخل في ذلك أدوار إقليمية يبرز فيها دور الإمارات. وفي أدبيات الاقتصاد السياسي، تُنسب إلى المورد القابل للاستحواذ جاذبية للحركات الانفصالية (Collier, 2006).

وهذا يعني أن إغراء الاستقلال في دارفور لن يكون منفصلًا عن الذهب والموارد الأخرى، وأن أي ترتيب للوحدة ينبغي أن يعالج تقاسم عوائدها وشفافيتها. فالذهب قد يمول الخدمات وإعادة الإعمار، لكنه قد يمول أيضًا القوات المسلحة وشبكات التهريب والسلطات الموازية. ولا يكمن الحل في تغيير الحدود، بل في إخضاع التعدين والتصدير والإيرادات لقواعد قانونية ورقابة مالية مستقلة.

ويقتضي ذلك نظامًا شفافًا لتسجيل إنتاج الذهب وتصديره، ونشر العقود والإيرادات، وتحديد حصص معلنة للمركز والإقليم والمحليات المنتجة، وإنشاء صندوق لإعادة الإعمار وتعويض المتضررين. كما يتطلب منع احتكار أي قوة عسكرية لمناطق التعدين، ومحاسبة المسؤولين عن التهريب والتمويل غير المشروع وفق القانون.

إن إنشاء دولة جديدة من دون تغيير الاقتصاد السياسي للذهب قد ينقل الريع من سلطة مركزية إلى نخبة إقليمية مسلحة، من غير أن يحصل السكان على الخدمات أو التنمية. ولذلك فإن العدالة في تقاسم الثروة أهم من إعادة رسم الحدود.

6.4 مواقف قوى دارفور: تباين تحت سقف رفض واحد لمشروع «تأسيس»

تتباين مواقف القوى الدارفورية. فقد قال مناوي، حاكم الإقليم، إن دارفور «ليست مجرد جغرافيا» بل إقليم غني بالموارد وسكانه متداخلون مع دول أفريقية، وإن السودان لا يُقسّم بالطريقة التي تريدها قوات الدعم السريع (عكاظ، 2025). وحذّر في 5 سبتمبر 2026 من أن العملية السياسية الجارية قد تسهم في تفتيت البلاد (International Crisis Group, 2026a)، وأكد في مطلع أكتوبر 2026، عقب مشاركته في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة الحادية والثمانين، أن رفض التخلي عن الأرض والأرواح لجهات لا تنتمي إلى السودان «موقف وطني لا رجعة عنه» (الجزيرة نت، 2026).

أما عبد الواحد نور، وهو من أبرز الدعاة السابقين لتقرير المصير في خطابه، فقد أكد مرارًا التزامه بوحدة البلاد (Sudan Tribune, 2010b)، ويشارك اليوم في تكتل مبادئ مع «صمود». وتتفق هذه المواقف المتباينة على رفض الصيغة التي تطرحها «تأسيس» وعلى أن دارفور جزء من حل سوداني.

ودعا الاتحاد الأفريقي، من جهته، إلى أن يكون أي اتفاق سياسي شاملًا ويعكس إرادة السودانيين (Radio Tamazuj, 2025)، ورحّب في فبراير 2026 بمبادرة رئيس الوزراء كامل إدريس الوطنية للسلام وبعودة الحكومة الانتقالية إلى الخرطوم (Sudan Tribune, 2026a).

وتؤكد هذه المواقف أن رفض الانفصال لا يتطلب افتراض إجماع كل القوى الدارفورية على كل تفاصيل الحكم أو الدستور. بل ينبغي التمييز بين اتفاقها على ضرورة إنهاء الحرب ورفض التفتيت، وبين الاختلافات السياسية حول مستقبل الدولة وإدارة الإقليم. ويجب أن يُحسم هذا الاختلاف عبر حوار مدني وانتخابات حرة ومؤسسات دستورية، لا عبر فرض مشروع أي تحالف مسلح.

  1. أقوى حجج دعاة الانفصال في ميزان الأدلة: مواجهة بلا مجاملة

تلتزم الأمانة العلمية أن تُعرض أقوى حجج الطرف المقابل قبل ردها.

الحجة الأولى هي حجة الأمان: من ارتُكبت بحقهم عمليات قتل جماعي لا يُطلب منهم أن يعيشوا في ظل الدولة نفسها. وتكتسب هذه الحجة قوة من تقرير بعثة تقصي الحقائق ومن حكم المحكمة الجنائية الدولية، ومن أن القانون الدولي لا يحظر الانفصال العلاجي حظرًا مطلقًا (Buchanan, 2004).

والحجة الثانية هي فشل الوحدة السابقة: فقد قالت حركة تحرير السودان قبل أكثر من عقد إن الحكومة لم تُرد وحدة قائمة على الحقوق، وإن اتفاقيات السلام لم تُنفَّذ، ومنها اتفاق جوبا الذي لم يُنفَّذ إلا في أجزاء محدودة (United Nations Security Council Panel of Experts on the Sudan, 2022).

والحجة الثالثة هي أن الواقع على الأرض قائم بالفعل، وأن الاعتراف بالأمر الواقع أفضل من إنكاره.

والحجة الرابعة هي أن المجتمع الدولي لم يحمِ الضحايا، فكيف يفرض عليهم وحدة لم تحمهم؟ وقد لخّص بعض المحللين الأمر بأن النفوذ الدولي ظل أضعف من أن يوقف الحرب، إذ إن حظر السلاح على دارفور لم يمنع وصول السلاح لكنه يتيح لخبراء الأمم المتحدة التحقيق في الشحنات (The National, 2026).

والحجة الخامسة هي أن دارفور تمتلك ذاكرة تاريخية مستقلة، وأن إعادة بناء الدولة السودانية على النحو السابق قد تعيد إنتاج التهميش نفسه. ويرى أنصار هذا الطرح أن ضمانات الحكم الذاتي قد تبقى وعودًا غير منفذة، كما حدث في اتفاقات سابقة، وأن حق الانفصال قد يكون الضمانة الوحيدة التي تجبر المركز على التفاوض بجدية.

والحجة السادسة هي أن وحدة السودان لم تمنع التمييز أو الحروب أو التفاوت الاقتصادي، وأن الحديث عن وحدة الدولة قد يتحول إلى أداة لإسكات المطالب الإقليمية. وهذه حجة ينبغي التعامل معها بجدية، لأن التاريخ السوداني يقدم أمثلة على استخدام خطاب الوحدة لتبرير تركيز السلطة وإقصاء الأطراف.

والرد على هذه الحجج لا يكون بإنكار الوقائع، بل بالتمييز بين صحة المظالم وصحة العلاج المقترح.

أولًا، إن الحاجة إلى الأمان تقتضي إنشاء ضمانات أمنية وعدالة وتمثيل، لا مغامرة في كيان مقيّد الحركة، لأن الدراسات تظهر أن التقسيم لا يقلل خطر العنف (Sambanis, 2000؛ Sambanis, 2009). وفي الحالة الدارفورية لا يملك الكيان المقترح أصلًا قدرة مثبتة على حماية كل الجماعات، بدليل الاقتتال بين حلفاء القوة نفسها، ولا حدودًا آمنة، ولا اعترافًا يتيح له اقتصادًا قانونيًا مستقرًا. ولا يكفي ذلك للجزم بأن أي دولة مستقلة ستكون عاجزة بالضرورة، لكنه يكفي لرفض افتراض أن الاستقلال سيضمن الأمن تلقائيًا.

ثانيًا، إن معايير الانفصال العلاجي، مع تسليم مبدئها، تشترط أن يكون ملاذًا أخيرًا بعد استنفاد الخيارات الداخلية، وأن يستند إلى مطالبة باسم «شعب» محدد، وأن يرتبط بقدرة على إنشاء مؤسسات تحترم حقوق الأقليات. وهذه شروط لا يجوز افتراض تحققها في دارفور لمجرد وجود مظالم جسيمة (Supreme Court of Canada, 1998؛ African Commission on Human and Peoples’ Rights, 2009).

ثالثًا، إن إدانة الوحدة بالفشل السابق لا تبرر خيارًا أسوأ؛ فالدرس هو أن الوحدة تتطلب مضمونًا، وهذا ما يذهب إليه ميداني حين يفسر انفصال الجنوب بأن الوحدة لم تُجعل جذابة (Medani, 2011). وعليه فإن الرد على فشل اتفاق جوبا ليس التخلي عن الإقليم، بل تنفيذ الحقوق التي تضمنها الاتفاق، وإصلاح ما أخفق فيه، وإنشاء آليات مراقبة مستقلة تمنع تكرار التعطيل.

رابعًا، إن غياب حماية دولية لا يُعالج بخلق دولة أضعف، بل بنظام ضمانات يُشرف عليه الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والرباعية (Walter, 2002). ويجب أن تشمل هذه الضمانات حماية المدنيين، ووقف تدفق السلاح، وتوثيق الجرائم، ومحاسبة المسؤولين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء المؤسسات المدنية.

خامسًا، إن الذاكرة التاريخية المستقلة لدارفور تستحق الاعتراف والتكريم، لكنها لا تفرض استعادة حدود السلطنة أو إنشاء دولة منفصلة. ويمكن حماية التراث واللغة والثقافة والإدارة المحلية عبر دستور فدرالي يضمن للإقليم سلطات واسعة، ويعترف بخصوصيته من دون أن ينكر الانتماء الوطني السوداني.

سادسًا، إن وحدة الدولة لا تعني احتكار المركز للسلطة، ولا تعني بقاء الحدود الإدارية الداخلية على حالها، ولا تعني منع النقاش حول الفدرالية أو الحكم الذاتي. بل يمكن إعادة بناء الدولة السودانية على أساس توزيع السلطة والثروة، مع إبقاء وحدة السيادة الدولية والحقوق المتساوية للمواطنين.

وتقتضي الأمانة أيضًا تحديد ما قد يُضعف أطروحتنا: إذا استمر الإنكار الكلي للمساءلة وتكررت المجازر، وفشلت الدولة في تقديم بديل ذي مضمون، فستتسع قاعدة التأييد للخروج، وتصبح حجة الانفصال العلاجي أقوى. وهذا يعني أن رفض الانفصال ليس موقفًا مستقلًا عما تفعله الدولة، بل مرهون بما تقدمه للإقليم. غير أن هذا الشرط لا يغير المبدأ الذي تتبناه الدراسة؛ بل يضاعف واجب الدولة في الوفاء بحقوق سكان دارفور، ويجعل التقاعس عن ذلك إخفاقًا سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا.

كما أن دعاة الوحدة مطالبون بالاعتراف بأن الجيش السوداني نفسه اتُّهم بقصف مدنيين في الفاشر (Al Jazeera, 2025a)، وأن واشنطن وصفت الطرفين بأنهما لا يمثلان حكمًا شرعيًا (International Crisis Group, 2026a)، فلا تُبنى الوحدة على تبرئة طرف وتجريم آخر. ويجب أن تكون المساءلة قائمة على الأدلة، وأن تطال المسؤولين عن الجرائم أيًا كانت مواقعهم، وأن تضمن حقوق الضحايا من دون عقاب جماعي.

وتخلص الدراسة إلى أن قوة حجة الانفصال تنبع من إخفاق الدولة في حماية مواطنيها، وأن الرد المستدام عليها هو تغيير الدولة نفسها. فالرفض المطلق والدائم للانفصال لا يكتمل إلا بالتزام مطلق ودائم بالعدالة والمساواة والحكم الذاتي الحقيقي.

  1. الرفض المطلق والدائم بوصفه هندسة دستورية ومؤسسية لا شعارًا: أربعة أبواب

8.1 الباب الدستوري: وحدة السودان مع حظر إنشاء حق انفصالي متجدد

ينبغي أن ينص الدستور الدائم على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، وأن يرفض تغيير الحدود الدولية من جانب واحد أو تحت ضغط القوة العسكرية. كما ينبغي ألا يمنح أي إقليم أو حركة مسلحة أو سلطة موازية حقًا دستوريًا في الانفصال، وألا يتضمن الدستور أو اتفاقات السلام بندًا يسمح بتفعيل الانفصال تلقائيًا عند تعثر المفاوضات أو الخلاف حول هوية الدولة أو شكل النظام السياسي.

ويجب أن يقترن ذلك بضمانات دستورية ملزمة للحكم الذاتي الإقليمي، بحيث لا تتحول وحدة الدولة إلى ذريعة لتركيز السلطة في المركز. وينبغي أن تُحدد اختصاصات الحكومة الاتحادية والأقاليم والولايات والمحليات تحديدًا واضحًا، وأن تكون منازعات الاختصاص قابلة للفصل أمام محكمة دستورية مستقلة.

كما يجب أن يحمي الدستور المشاركة السياسية المتساوية، والحقوق الأساسية، وحرية التنظيم والتعبير، والحقوق اللغوية والثقافية، والحق في التقاضي، وحقوق النازحين واللاجئين في العودة والمشاركة السياسية. ويجب أن يمنع التمييز على أساس العرق أو القبيلة أو الدين أو اللغة أو المنطقة أو النوع الاجتماعي.

ولا ينبغي أن يتحول رفض الانفصال إلى تجريم للنقاش السلمي حول شكل الدولة أو إلى حرمان السكان من المطالبة بتوسيع صلاحيات الإقليم. فالنقاش حول الفدرالية والإدارة المحلية وتوزيع الإيرادات مشروع وضروري، بينما يظل تغيير الحدود الدولية وإنشاء دولة جديدة مسارًا ترفضه هذه الدراسة.

8.2 باب صناعة السلام: لا بنود خروج في الاتفاقات الانتقالية

يتعين ألا تتضمن اتفاقات السلام الجديدة، ولا الوثائق الانتقالية، أي بند «خروج» مشروط أو مؤجل. وتكمن المشكلة في ميثاق نيروبي في أنه يجعل تقرير المصير ورقة ضغط دائمة تُعلَّق على شروط أيديولوجية، وهو ما ينسجم مع ما تحذر منه جين من أن تقرير المصير القومي أداة تعبئة قاتلة (Jenne, 2006).

والدرس الأوضح من اتفاق 2005 أن الجمع بين دعم الوحدة وحق الاستفتاء من دون التزام بجعل الوحدة جذابة يُنتج وحدة مؤقتة وانفصالًا محتومًا (Medani, 2011). فبدلًا من بند خروج، يلزم بند ضمان: ضمانات دستورية وتنفيذية للإقليم يشرف عليها طرف ثالث، وجداول زمنية واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس، وعقوبات سياسية وقانونية على الأطراف التي تعطل التنفيذ.

ويجب أن تشمل اتفاقات السلام التزامًا بوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وإتاحة المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح المحتجزين تعسفيًا، وتسهيل عودة النازحين واللاجئين طوعًا، وإصلاح القطاع الأمني، وإخضاع القوات المسلحة والمجموعات المسلحة لسلطة مدنية خاضعة للقانون.

كما ينبغي ألا تتحول المحاصصة العسكرية إلى نظام دائم لتوزيع السلطة. فالمشاركة الإقليمية يجب أن تستند إلى التفويض الشعبي والانتخابات والتمثيل العادل، لا إلى عدد المقاتلين أو حجم السيطرة الميدانية. ويجب أن تنتهي المفاوضات إلى دولة مدنية موحدة، لا إلى مناطق نفوذ مسلحة لكل منها مؤسساتها ومواردها وقواتها.

8.3 الباب الدبلوماسي: منع الاعتراف بالسلطات المفروضة بالقوة

تقوم هذه الأداة على موقف أفريقي وعربي ودولي موحد ومتسق، كما في بيانات الاتحاد الأفريقي والرباعية (African Union Peace and Security Council, 2025؛ US Department of State, 2025)، مع تفعيل حظر السلاح، إذ مدد مجلس الأمن حظر السلاح على دارفور في أكتوبر 2026 فيما تدفع واشنطن نحو حظر يشمل البلاد كلها دون استثناءات (The National, 2026). وقد لاحظت مجموعة الأزمات أن السلام لن يتحقق قبل أن تتفق مصر والسعودية والإمارات على نهاية للحرب (International Crisis Group, 2025).

وينبغي أن تتجاوز الدبلوماسية رفض الاعتراف بالسلطات الموازية إلى اتخاذ إجراءات عملية لوقف تمويل الحرب وتسليح الأطراف، ومراقبة طرق تهريب السلاح والذهب، ودعم التحقيقات المستقلة، وتسهيل المفاوضات بين القوى المدنية السودانية.

كما ينبغي إشراك تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان في ترتيبات أمنية إقليمية تحمي الحدود وتمنع نقل السلاح والمقاتلين، مع ضمان عدم استخدام هذه الترتيبات لإغلاق طرق التجارة المشروعة أو منع حركة الرعاة أو التضييق على اللاجئين.

ويجب أن تظل الدبلوماسية متسقة مع مبدأين: رفض تقسيم السودان بالقوة، ورفض منح أي طرف عسكري حصانة من المساءلة. فلا يجوز أن يصبح دعم وحدة الدولة مبررًا لتجاهل الجرائم، ولا أن يصبح توثيق الجرائم مدخلًا للاعتراف بسلطة موازية لم تحصل على تفويض ديمقراطي.

8.4 الباب البديل: تقرير مصير داخلي واسع الصلاحيات

لا يستقيم رفض دائم دون عرض بديل مقنع. وتقدّم أدبيات «الدولة–الأمة» و«الفدرالية الخاصة» نموذجًا لذلك: سلطات واسعة للإقليم في التشريع والموارد والأمن المحلي ضمن دولة موحدة، كما في أتشيه، وهوية وطنية تحتمل هويات متعددة كما في الهند (Stepan, 2011).

وتنص هذه الصيغة، في السياق السوداني، على أن يُنتخب حاكم دارفور وبرلمانها المحلي، وأن تُخصص للإقليم حصة محددة من عوائد الذهب والموارد، وأن يتمتع بسلطات في التعليم واللغة والإدارة الأهلية وتنظيم الأرض، وبتمثيل مضمون في السلطة المركزية.

ويجب أن يشمل الحكم الذاتي اختصاصات تشريعية وتنفيذية واضحة في الخدمات المحلية، والتنمية، والتخطيط العمراني والريفي، والثقافة واللغات، وتنظيم المراعي والأسواق المحلية، وإدارة الموارد التي يحددها الدستور. كما يجب أن يضمن موارد مالية كافية، وآلية عادلة لتوزيع الإيرادات، ورقابة مستقلة على الإنفاق، وإمكانية مساءلة المسؤولين الإقليميين أمام البرلمان والمحاكم والناخبين.

أما الأمن المحلي، فينبغي أن يكون جزءًا من نظام وطني موحد وخاضع للسلطة المدنية، مع تمثيل عادل لأبناء دارفور في المؤسسات النظامية، ومنع إنشاء جيوش إقليمية مستقلة أو قوات حزبية. ويجوز إنشاء أجهزة شرطة محلية وفق القانون، لكن لا يجوز أن تتحول إلى أدوات لقوة قبلية أو سياسية أو إلى بديل عن القضاء الوطني.

وتفسّر هذه الصيغة ما تقترحه الدراسة: رفض الانفصال مع أقصى قدر ممكن من الحكم الذاتي، وضمان أن تكون وحدة الدولة إطارًا لحماية الحقوق لا ذريعة لحرمان السكان منها.

  1. عقد المواطنة بدل بند الخروج: ثماني ركائز لصون وحدة دارفور والسودان

9.1 الأمن وترتيباته

تُظهر خبرة اتفاق جوبا أن بنود الأمن، كدمج المقاتلين وتشكيل القوات المشتركة، هي أول ما يتعثر وأشدّه كلفة، إذ أعلن مسؤولون أن نحو 1700 مقاتل فقط دُمجوا في الجيش، فيما قال مناوي إن الجيش عطّل تشكيل قوة حماية مدنية مشتركة كان يفترض أن تضم 12 ألف مقاتل من الجانبين (World Policy Conference, بدون تاريخ). وتقتضي نظرية الالتزام الموثوق أن تقترن الاتفاقات بضمانات طرف ثالث وتقاسم سلطة فعال (Walter, 2002).

ومن ثم ينبغي أن تتضمن أي تسوية آلية تحقق مستقلة بإشراف الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والرباعية، وجداول تنفيذ مربوطة بتمويل، وإصلاحًا للقطاع الأمني يستوعب أبناء دارفور بكل مكوناتهم، دون مكافأة من ارتكب الفظائع بالدمج التلقائي.

ويجب أن يقوم الإصلاح الأمني على تسجيل القوات والأفراد، والتحقق من الخلفيات والسجلات، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والتدريب على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وتوحيد سلسلة القيادة، وحظر الولاءات الحزبية والقبلية داخل المؤسسات النظامية. ويجب إخضاع القوات لرقابة برلمانية ومدنية، ووضع قواعد شفافة للتعيين والترقية والمساءلة.

كما ينبغي إنشاء آلية مستقلة لحماية المدنيين ومراقبة وقف إطلاق النار، مع خط ساخن لتلقي الشكاوى، ونظام للتحقيق في الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة. ويجب ألا تُستخدم ترتيبات الأمن لفرض سيطرة عسكرية دائمة على الإقليم أو لمنع السكان من المشاركة السياسية.

إن أمن دارفور لا يتحقق بتقسيم السودان، بل بإنهاء تعدد الجيوش والمليشيات، وإخضاع القوة المسلحة للقانون، وضمان ألا تكون الحماية حكرًا على جماعة أو منطقة أو تحالف سياسي.

9.2 العدالة والمساءلة وجبر الضرر

الاعتراف بالضحايا شرط لوحدة قابلة للاستمرار. فقد فتحت المحكمة الجنائية الدولية مرحلة جبر الضرر في قضية كوشيب في 9 ديسمبر 2025 (International Criminal Court, 2025). وينبغي أن يتكامل ذلك مع آلية سودانية–دولية مختلطة تنظر في جرائم الطرفين، وتتبنى حقوق الضحايا في الحقيقة والتعويض والضمانات، وتحول دون تحويل المساءلة إلى عقاب جماعي لجماعات بأكملها. وهذا يتسق مع رؤية مامداني التي تحذر من الاستغلال السياسي للمساءلة وتطالب بمصالحة سياسية (Mamdani, 2009).

وتشمل العدالة الانتقالية إنشاء هيئة مستقلة للحقيقة، وبرنامجًا لجبر الضرر، وآليات لاستعادة الممتلكات، وتعويض النازحين واللاجئين، وإصلاح المؤسسات التي شاركت في الانتهاكات، وضمان مشاركة الضحايا والنساء والمجتمعات المحلية في تحديد أولويات العدالة.

ويجب أن تتكامل هذه الآليات مع المحاكم الوطنية والدولية وفق الاختصاصات القانونية، وأن تحمي الشهود والناجين، وأن تضمن عدم الإفلات من العقاب. كما ينبغي التفريق بين المسؤولية الجنائية الفردية وبين الانتماء الإثني أو القبلي، ومنع الانتقام الجماعي أو التشهير بجماعات كاملة.

ولا يجوز استخدام المصالحة بديلًا عن المحاسبة في الجرائم الجسيمة، كما لا يجوز استخدام المحاسبة أداة للانتقام السياسي. فالعدالة التي تستند إلى الأدلة والإجراءات المستقلة تساعد على إعادة بناء الثقة بين السكان والدولة، وتمنع تحويل المظلومية إلى مبرر دائم للحرب أو الانفصال.

9.3 الأرض والحواكير والإدارة الأهلية

يلزم إصلاح قانوني ومؤسسي للأرض يوازن بين الحواكير التاريخية (O’Fahey, 1983) وحقوق الرعاة وحركة المسارات، ويشمل سجلًا أراضيًا شفافًا بإشراف محلي، ومحاكم أرض سريعة، ومنع إنشاء «إمارات» أو إدارات موازية تفرضها القوة كما في وسط دارفور (Sudan Tribune, 2024).

وتفيد مقاربة أوستروم في الحوكمة متعددة المراكز (Ostrom, 2010) بأن الموارد المشتركة كالمراعي والمياه تُدار على نحو أفضل بمؤسسات متداخلة المستويات تشارك فيها المجتمعات المحلية، وهو ما يناسب دارفور. ويقتضي ذلك إدماج الرعاة العرب في مسارات التعافي كما أوصت أبحاث تافتس (Young, 2007).

ويجب أن يشمل الإصلاح إنشاء سجل أراضٍ موثوق، وتوثيق الحواكير والحقوق التاريخية، والتمييز بين حقوق الانتفاع والملكية، وتحديد المسارات الموسمية للرعي، وتنظيم الوصول إلى المياه والأسواق، وتسوية النزاعات من خلال محاكم مستقلة ولجان محلية متعددة الأطراف. وينبغي أن تُضمن حقوق النازحين واللاجئين في استعادة الأراضي والممتلكات أو الحصول على تعويض عادل حين تتعذر الاستعادة.

ويجب أن تُمنع عمليات تغيير الملكية بالقوة أو عبر تعيين إدارات أهلية موازية، وأن تخضع أي تعديلات في الإدارة المحلية لإجراءات قانونية وشفافة، مع حق السكان في الاعتراض والطعن القضائي.

كما ينبغي ألا يُستخدم الاعتراف بالحواكير التاريخية لإقصاء الجماعات التي لا تمتلك حواكير، أو لمنح أي جماعة احتكارًا مطلقًا للأرض. فالعدالة تتطلب الاعتراف بالحقوق التاريخية من دون تحويلها إلى أداة للتمييز أو الطرد. ويجب أن تشارك المجتمعات الرعوية والمزارعون والنساء والنازحون والعائدون في وضع القواعد التي تنظم الأرض والمعاش.

إن صون وحدة دارفور يقتضي جعل الأرض موضوعًا للقانون والتسوية، لا موضوعًا للسيادة المسلحة. فحين يستطيع السكان تسوية النزاعات عبر مؤسسات عادلة، يقل إغراء تحويلها إلى صراع على الحدود أو إلى مطالبة بإنشاء دولة جديدة.

9.4 الاقتصاد: الذهب والثروة والتنمية

ينبغي أن تُدار عوائد الذهب بنظام شفاف لتتبع الإنتاج والتصدير، يقتسم عوائده بين المركز والإقليم والمحليات المنتجة بصيغة معلنة، وأن تُنشأ آلية لتعويض المتضررين وإعادة الإعمار. وتؤكد دراسة تافتس أهمية تنمية سبل العيش، وفي مقدمتها الماشية والتجارة والأسواق، بوصفها أساسًا للسلام، وتغطي توصياتها الأمن والأرض والماشية والتجارة والأسواق والاستجابة الإنسانية (Young, 2005). وعلى الجانب الآخر، تُظهر تجربة الجنوب خطر الاعتماد على مورد واحد (Middle East Research and Information Project, 2011).

ويجب أن يتجاوز تقاسم الثروة توزيع الإيرادات إلى بناء اقتصاد منتج متنوع، يشمل الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة والخدمات والبنية الأساسية والطاقة والمياه. وينبغي توجيه الاستثمارات إلى الطرق والأسواق ومرافق التخزين والري والخدمات البيطرية والتعليم والصحة، مع حماية المنتجين الصغار من الاحتكار والابتزاز المسلح.

كما يجب إنشاء صندوق اتحادي–إقليمي لإعادة الإعمار، تحكمه قواعد نشر الحسابات والتدقيق المستقل، وتُخصص موارده للمناطق الأكثر تضررًا وفق معايير معلنة تشمل حجم النزوح والدمار والفقر والحرمان من الخدمات. ويجب أن تكون حصة دارفور من الموارد جزءًا من معادلة مالية دستورية لا منحة سياسية قابلة للسحب.

وينبغي أيضًا إعادة بناء الأسواق وشبكات التجارة بين دارفور وبقية السودان ودول الجوار، مع ضمان سلامة طرق النقل ومنع الجبايات غير القانونية. فالاقتصاد الإقليمي المتصل بالسودان الموحد قد يوفر فرصًا أكبر من اقتصاد دولة داخلية صغيرة تحاول بناء مؤسساتها وسط الحرب والحصار والاعتماد على سلعة واحدة.

إن رفض الانفصال لا يستقيم إذا احتكر المركز عوائد الموارد، كما أن الاستقلال لا يضمن عدالة توزيعها. والمطلوب هو نظام مالي اتحادي شفاف يربط الموارد بالتنمية والخدمات، ويمنع تحويل الذهب إلى مصدر لتمويل الحرب.

9.5 التمثيل والسلطة: الإقليم الواحد أم الولايات؟

ظلت دارفور إقليمًا واحدًا حتى 1994، ثم قُسّمت إلى ثلاث ولايات ثم خمس في 2012 (Agence France-Presse, 2016). وقد أخفق استفتاء 2016 في حسم المسألة لأنه جرى في ظروف قسرية ومقاطعة واسعة.

وتقترح هذه الدراسة إرجاء الحسم إلى ما بعد عودة النازحين وضمان الأمن، ثم اعتماد صيغة تتيح إقليمًا ذا سلطات حقيقية مع ولايات ومحليات تمثل مكونات الإقليم كافة، على أن تصدر عن حوار «دارفوري–دارفوري» شامل يشمل النازحين واللاجئين والنساء والإدارات الأهلية.

ولا يعني ذلك أن الإقليم الواحد هو الخيار الوحيد الممكن أو أن الولايات الخمس يجب أن تبقى كما هي. بل ينبغي أن يُحسم الشكل الإداري عبر عملية تشاركية تستند إلى تقييم موضوعي لكفاءة الخدمات، والتمثيل السكاني، والعدالة في توزيع الموارد، وسهولة الوصول إلى المؤسسات، واحترام الخصوصيات الثقافية والإدارية.

ويجب أن يكون لأي صيغة تُعتمد دستور إقليمي أو قانون أساسي واضح، وبرلمان منتخب، وحكومة مسؤولة أمامه، وقضاء مستقل، ومفوضية مستقلة للانتخابات، ومؤسسات رقابة ومحاسبة. وينبغي ضمان تمثيل النساء والنازحين واللاجئين والعائدين والمجتمعات المهمشة، مع منع احتكار السلطة من حزب واحد أو جماعة مسلحة أو نخبة قبلية.

وعلى المستوى الوطني، ينبغي ضمان مشاركة دارفورية فعلية في الرئاسة والبرلمان وقيادة المؤسسات النظامية، وتوزيع المناصب العامة على أساس الكفاءة والتمثيل العادل، لا المحاصصة العسكرية. كما يجب ضمان أن تكون التعيينات الاتحادية والإقليمية قابلة للمساءلة الديمقراطية، وأن يستطيع السكان تغيير حكوماتهم عبر الانتخابات.

إن الحكم الذاتي الحقيقي ليس شعارًا، بل سلطة تشريعية وتنفيذية ومالية قابلة للقياس، وحق في إدارة الشؤون المحلية، وقدرة على محاسبة المسؤولين. وعندما تتوفر هذه الشروط، يصبح تقرير المصير الداخلي بديلًا عمليًا عن الانفصال.

9.6 الدبلوماسية الإقليمية

يستلزم صون وحدة دارفور سياسة جوار نشطة: اتفاق ثلاثي مع تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى لضبط الحدود ومنع تمرير السلاح، مع الأخذ بحسابات النخبة الزغاوية في تشاد (Institute for Security Studies, 2025؛ News24, 2026). ومن المهم دفع الدول المؤثرة، ومنها الإمارات ومصر والسعودية، إلى التزام عملي بمبدأ الرباعية الأول وبوقف الدعم العسكري للأطراف (US Department of State, 2025).

وتشير مدى مصر إلى أن مصادر عسكرية تتحدث عن دعم لوجستي إثيوبي متنامٍ لقوات الدعم السريع وعن تعميق الجيش تعاونه مع تركيا، ما يعني أن جوار السودان صار أوسع من دائرة تشاد وحدها (Mada Masr, 2026). وتتولى «الخماسية»، التي تضم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والإيغاد، تنظيم حوار مدني سوداني تمهيدي، رغم أن اجتماعات أديس أبابا في يونيو 2026 تشظّت إلى لقاءات منفصلة (Mada Masr, 2026).

وينبغي أن تستهدف الدبلوماسية الإقليمية أربعة أمور: وقف التدخل العسكري الخارجي؛ منع تدفق السلاح والمرتزقة؛ ضمان حماية اللاجئين والنازحين؛ وإعادة بناء التجارة والروابط الاجتماعية عبر الحدود. كما ينبغي إنشاء آليات لتبادل المعلومات والتحقيق في انتهاكات الحدود، وتحديد قواعد واضحة للتعامل مع الحوادث الأمنية ومنع تحولها إلى مواجهات بين الدول.

ويجب أن تشارك المجتمعات الحدودية في صياغة الاتفاقات التي تؤثر في معاشها، ولا سيما الرعاة والتجار والنازحون. فإغلاق الحدود بصورة مطلقة قد يضر بسبل العيش ويزيد من اقتصاد التهريب، بينما يمكن لاتفاقات منظمة أن تجمع بين الأمن وحرية التجارة المشروعة وحماية المدنيين.

وتحتاج هذه السياسة إلى التزام من الدول المؤثرة بعدم استخدام الذهب أو الموانئ أو خطوط النقل أو التمويل العسكري وسيلة لفرض ترتيبات سياسية على السودان. ويجب أن يكون معيار النجاح هو وقف الحرب وصون وحدة الدولة وضمان الحقوق، لا مجرد التوصل إلى اتفاقات بين الحكومات.

9.7 الهوية الوطنية والسرد

تفترض مقاربة الدولة–الأمة بناء هوية وطنية تتسع لهويات الإقليم وتعترف بلغاته وثقافاته (Stepan, 2011). ويتطلب ذلك مناهج تعليمية جامعة، وإعلامًا يواجه خطاب الكراهية والتضليل، ورموزًا وطنية تعبّر عن تنوع السودان، وتجنبًا للسرديات التي تختزل الصراع في ثنائية عرب–أفارقة، وهي ثنائية يفككها كل من أوفاهي ومامداني (O’Fahey, 2008؛ Mamdani, 2009).

وينبغي أن يُعترف في المناهج والإعلام الرسمي بتاريخ سلطنة دارفور وثقافاتها ومساهمات سكانها في بناء السودان، وأن تُحترم اللغات المحلية والتقاليد الثقافية، وأن تُحمى المواقع التراثية والموروثات الشفوية. كما ينبغي أن تُعرض تاريخيًا جرائم الدولة والمليشيات والانتهاكات التي ارتكبت بحق السكان، من دون تبريرها أو توظيفها لتجريم جماعات إثنية كاملة.

ويجب أن تتضمن برامج التعليم والتثقيف المدني مفاهيم المواطنة المتساوية، والتعددية، والحقوق الأساسية، وتسوية النزاعات سلميًا، والتمييز بين المسؤولية الفردية والانتماء الجماعي. كما ينبغي دعم الإعلام المحلي المستقل، ومراقبة التحريض على العنف، وتوفير آليات قانونية عادلة للتعامل مع خطاب الكراهية، مع حماية حرية التعبير والنقاش السياسي المشروع.

إن الهوية الوطنية ليست فرض ثقافة واحدة أو إنكار الخصوصيات المحلية، بل إطار مشترك يتيح لكل جماعة أن تحافظ على ثقافتها وتشارك في الدولة على قدم المساواة. وهذا هو الأساس الاجتماعي الذي يجعل الوحدة اختيارًا مقبولًا، بدلًا من أن تكون مجرد حدود تفرضها القوة.

9.8 التتابع الزمني والمؤشرات

يمكن تقسيم التنفيذ إلى أربع مراحل.

المرحلة الأولى، خلال ستة أشهر من وقف إطلاق النار، تشمل وقف الانتهاكات وفتح الممرات الإنسانية وإنشاء آلية التحقق وحوار دارفوري تحضيري، على غرار ما نصت عليه مبادرة الرباعية من هدنة إنسانية لثلاثة أشهر تتبعها عملية انتقال تُستكمل في تسعة أشهر (US Department of State, 2025).

والمرحلة الثانية، حتى سنتين، تشمل إصلاح قانون الأرض وتفعيل آلية العدالة وبدء الدمج الأمني والإطار الدستوري المؤقت، وإنشاء آليات مستقلة لحماية المدنيين ومراقبة الموارد، وبدء برامج العودة الطوعية وإعادة الممتلكات.

والمرحلة الثالثة، من سنتين إلى خمس سنوات، تشمل إعادة الإعمار وتحديد الوضع الإداري النهائي للإقليم وانتخابات إقليمية، وإقرار نظام مالي اتحادي واضح، وتوسيع الخدمات الأساسية، واستكمال إصلاح مؤسسات الأمن والقضاء والإدارة الأهلية.

والمرحلة الرابعة، من خمس إلى عشر سنوات، تهدف إلى ترسيخ المؤسسات وتقييم التجربة، وإجراء مراجعة دورية لأداء الحكم الذاتي، وتصحيح أوجه القصور، وضمان أن تظل المؤسسات الإقليمية والاتحادية خاضعة للمساءلة الديمقراطية.

وتُقاس النتائج بمؤشرات أبرزها عودة النازحين الطوعية والآمنة والمستدامة، وحصة الإقليم من العوائد، ونسبة الدارفوريين في المؤسسات الوطنية، وعدد المنازعات الأرضية المحسومة، وانخفاض الاشتباكات المسلحة، وانتظام الخدمات الأساسية، وعدد التحقيقات القضائية المنجزة، ومقدار التعويضات المدفوعة، ونسبة الإنفاق التنموي الموجه إلى المناطق المتضررة.

كما ينبغي قياس المشاركة السياسية بمعدلات تسجيل الناخبين، ومشاركة النساء والنازحين والعائدين في الانتخابات، واستقلال القضاء، وشفافية الميزانيات، وحرية الإعلام المحلي. ويجب نشر هذه المؤشرات دوريًا، وإخضاعها لمراجعة مستقلة، وإتاحة المعلومات للمواطنين.

وهذه المراحل والمؤشرات مقترحات تحليلية من الدراسة لا وقائع منقولة عن مصادرها. وهي تهدف إلى تحويل رفض الانفصال من موقف سياسي إلى برنامج عملي قابل للمراقبة والتقييم، بحيث يستطيع سكان دارفور الحكم على جدية الدولة من خلال نتائج ملموسة لا من خلال الوعود.

  1. حدود الأدلة ومخاطر التنفيذ

تواجه الدراسة قيودًا. أولها شح البيانات الميدانية الموثوقة في بيئة حرب، واعتماد كثير من الوقائع على الصحافة وتقارير المنظمات، وهي تقديرات لا إحصاءات نهائية، وبعضها، كأعداد الضحايا، موضع خلاف، كما في التباين بين تقديرات المدنيين العالقين في الفاشر. وثانيها أن الوضع سريع التغير، وبعض مصادر الدراسة تعود إلى 2025 و2026 وقد تتجاوزها الأحداث. وثالثها أن بعض المراجع النظرية مقارنة ولا تنطبق مباشرة على السودان، وأن بعض المصادر الصحفية لا تحمل تاريخًا أو مؤلفًا معلنًا فأشير إلى ذلك. ورابعها أن المقترحات تفترض إرادة سياسية لدى أطراف متنازعة ما زالت ترى مصلحتها في استمرار الحرب.

ومن المخاطر العملية أن تتحول اللامركزية إلى تفتيت إداري يخدم قوى محلية، وأن تُستغل آليات المساءلة لتصفية الحسابات، وأن يُنظر إلى الموقف الرافض للانفصال على أنه موقف المركز ضد الأطراف. وهناك أيضًا خطر أن تصبح الفدرالية مجرد توزيع شكلي للمناصب من دون نقل الموارد والاختصاصات، أو أن تتحول السلطات المحلية إلى أدوات بيد النخب المسلحة، أو أن يُستخدم خطاب الهوية الوطنية لإسكات المطالب الثقافية والسياسية.

وتواجه سياسة رفض الانفصال خطرًا آخر يتمثل في الاكتفاء بإعلان وحدة السودان من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى الحرب. فالوحدة التي لا توفر الأمن أو العدالة أو الخدمات قد تبقى قائمة قانونيًا، لكنها تفقد شرعيتها الاجتماعية. ولذلك فإن الموقف الرافض للانفصال يجب أن يخضع للمساءلة بقدر ما تخضع له المؤسسات الأخرى: هل تحققت العودة الطوعية؟ هل عُوّض المتضررون؟ هل أُعيدت الأراضي؟ هل حوسب المسؤولون عن الجرائم؟ هل أصبح سكان دارفور قادرين على انتخاب حكومتهم ومحاسبتها؟ وهل حصل الإقليم على حصته العادلة من الموارد؟

ومن القيود النظرية أن الأدلة المقارنة لا تعني أن جميع الانفصالات فاشلة أو أن جميع الدول الموحدة قادرة على إدارة التعدد. فهي تشير إلى مخاطر واحتمالات، لا إلى قوانين حتمية. ولذلك لا ينبغي تقديم رفض الانفصال بوصفه نتيجة آلية لإحصاءات الدراسات المقارنة، بل بوصفه خيارًا دستوريًا وسياسيًا لهذه الدراسة يستند إلى مخاطر الانفصال في الحالة السودانية وإلى إمكان بناء بديل داخلي عادل.

كما أن حماية وحدة السودان لا تعني إهمال حق السكان في المطالبة بتغيير النظام السياسي أو توسيع سلطات الإقليم أو محاسبة المسؤولين. ويجب أن تظل كل هذه المطالب مشروعة ومفتوحة للنقاش، لأن منع النقاش السياسي قد يقوض الوحدة التي يُراد حمايتها.

وتقر الدراسة بأن نجاح المقترحات يتطلب تغييرًا في موازين القوة، وإنهاء اقتصاد الحرب، ووقف التدخلات الخارجية، وإعادة بناء المؤسسات المدنية. وقد لا يتحقق ذلك سريعًا، لكنه لا يجعل الانفصال بديلًا مضمونًا. بل يؤكد ضرورة وضع خطة تنفيذ مرحلية، وتحديد المسؤوليات، وربط التمويل بالتقدم، وإنشاء آليات رقابة مستقلة.

  1. خاتمة نقدية: وحدة تُكتسب بالعدالة وتُصان بالمواطنة ولا تُفرض بالقوة

تدل الأدلة على أن «نموذج الجنوب» لا يصلح لدارفور: فالجنوب نفسه، بعد استفتاء ناجح إجرائيًا، لم يتحول إلى دولة مستقرة، ودارفور تفتقر إلى ذات سياسية جامعة وقيادة موحدة ومنفذ بحري وإجماع إقليمي، وهي اليوم ساحة منافسات قبلية مسلحة داخل منظومة القوة المسيطرة عليها. لكن هذا لا يعني أن الوحدة تُفرض أو تُفترض. فالوحدة تُكتسب بالأمان والعدالة والأرض والثروة والتمثيل، وهذه هي المعاني الفعلية لتقرير المصير الداخلي.

وتتبنى الدراسة، بناء على ذلك، رفضًا مطلقًا ودائمًا لتكرار منح حق تقرير المصير الانفصالي في السودان، بما في ذلك دارفور، ورفض إدراج هذا الحق في أي دستور أو اتفاق سلام أو ميثاق تأسيسي بوصفه خيارًا تلقائيًا أو مشروطًا أو مؤجلًا لتغيير الحدود الدولية. ولا يعني هذا الموقف إنكار حق سكان دارفور في إدارة شؤونهم، أو حرمانهم من الحكم الذاتي، أو فرض نظام إداري بعينه عليهم. بل يعني أن تقرير المصير ينبغي أن يتحقق داخل السودان الموحد من خلال حكم ذاتي واسع، وفدرالية ديمقراطية، وتمثيل عادل، وتقاسم شفاف للثروة، ومساءلة مستقلة، وضمانات دستورية قابلة للإنفاذ.

ويستند الرفض المطلق والدائم إلى ستة أسباب رئيسة. أولها أن الانفصال لا يضمن إنهاء الحروب، كما أظهرت تجربة جنوب السودان. وثانيها أن دارفور لا تمثل كتلة سياسية أو إثنية متجانسة يمكن افتراض أن الانفصال سيعبر عن إرادتها الموحدة. وثالثها أن تداخل الحواكير والأرض والمراعي والتجارة يجعل إعادة رسم الحدود مصدرًا محتملًا لصراعات جديدة. ورابعها أن الاعتراف بالسيطرة العسكرية أساسًا للانفصال يكافئ العنف والتهجير والاستيلاء على الموارد. وخامسها أن موقع دارفور الداخلي واعتمادها على شبكات اقتصادية عابرة للحدود يجعلان إنشاء دولة جديدة محفوفًا بمخاطر أمنية وتجارية ومالية. وسادسها أن تكرار منح حق الانفصال يفتح بابًا دائمًا لتفتيت الدولة كلما فشلت تسوية أو امتلك طرف مسلح قدرة تفاوضية.

ويصبح هذا الموقف ذا مصداقية حين يقترن بدستور يحصّن وحدة الدولة ويضمن الحكم الذاتي، وبسلام يخلو من بنود الخروج، وبدبلوماسية تغلق أبواب الاعتراف بالسلطات المفروضة بالقوة، وبعدالة تنصف الضحايا، وبنظام مالي يعيد توزيع الموارد، وبإصلاح للأرض يضمن الحقوق التاريخية وحقوق الرعاة والمزارعين والنازحين والعائدين.

أما صون وحدة دارفور داخل السودان الموحد فيقتضي تنفيذ ثماني أولويات مترابطة: توحيد المؤسسات الأمنية وإخضاعها للسلطة المدنية؛ إنشاء نظام مستقل للمساءلة وجبر الضرر؛ إصلاح نظام الحواكير والأرض؛ إدارة الذهب والموارد بشفافية؛ إقامة حكم إقليمي منتخب ذي صلاحيات مالية وتشريعية وتنفيذية حقيقية؛ بناء تعاون إقليمي يحمي الحدود ويمنع تدفق السلاح؛ ترسيخ هوية وطنية تتسع للتعدد؛ ووضع خطة تنفيذ بمؤشرات معلنة تتيح للمواطنين مراقبة التقدم ومحاسبة المسؤولين.

ويستلزم النقد الذاتي الاعتراف بثلاث ثغرات في هذه الأطروحة. الأولى أن قوة الأدلة المقارنة ضد التقسيم إحصائية، أي تتحدث عن المتوسطات لا عن كل حالة، ولا تنفي أن بعض الانفصالات نجحت في ظروف خاصة. والثانية أن أدلة الإبادة في الفاشر تمنح الحجة العلاجية ثقلًا لا يُمحى بالتحليل البنيوي، وأن الرفض المطلق إن لم ترافقه مساءلة حقيقية سيبدو لدى الضحايا حرمانًا لا حماية. والثالثة أن بعض المقترحات، كالدمج الأمني وإصلاح الأرض ومساءلة الطرفين، تصطدم بمصالح من يملكون السلاح اليوم، وبسوق سياسية تكافئ من يفاوض بالقوة (de Waal, 2015).

ولا تُضعف هذه الثغرات الموقف الرافض للانفصال، لكنها تحدد شروط نجاحه. فالدولة لا تستطيع أن تطلب من سكان دارفور التضحية بالأمن والعدالة باسم وحدة لا تحميهم، ولا أن تطالبهم بالثقة في مؤسسات لم تخضع للإصلاح. ولذلك يجب أن يكون رفض الانفصال التزامًا عمليًا بإعادة بناء الدولة، لا مجرد إعلان سياسي.

وتقتضي المسؤولية التاريخية الاعتراف بأن الوحدة السودانية لم تنجح دائمًا في تحقيق المساواة، وأن المركز مارس التهميش والإقصاء، وأن سكان دارفور تعرضوا لانتهاكات جسيمة. لكن الاستنتاج الذي تتبناه الدراسة هو أن معالجة هذه الجرائم تتطلب تغيير بنية الدولة وعلاقات السلطة والثروة، لا إنشاء دولة جديدة قد تعيد إنتاج التمييز والصراع في صورة أخرى.

ويجب ألا تكون وحدة السودان مشروعًا لهيمنة المركز، ولا أن يكون الحكم الذاتي مشروعًا لهيمنة النخب الإقليمية، ولا أن تكون العدالة وسيلة للانتقام الجماعي، ولا أن تكون المصالحة غطاءً للإفلات من العقاب. المطلوب دولة مدنية ديمقراطية، تقوم على المواطنة المتساوية، وتضمن الحقوق الفردية والجماعية، وتخضع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للقانون، وتتيح للأقاليم إدارة شؤونها ومحاسبة حكوماتها، وتوزع الموارد وفق قواعد عادلة وشفافة.

وعليه، فإن الخلاصة ليست أن الوحدة قدر لا يمكن مناقشته، بل أنها خيار دستوري وسياسي ينبغي الدفاع عنه عبر العدالة والمؤسسات. كما أن رفض الانفصال ليس نهاية النقاش حول مستقبل دارفور، بل بدايته: إذ ينقل النقاش من سؤال «كيف نخرج من السودان؟» إلى سؤال «كيف نبني سودانًا لا يحتاج سكانه إلى الخروج منه طلبًا للأمان والكرامة؟».

إن المبدأ الحاكم لهذه الدراسة هو رفض تكرار منح حق تقرير المصير الانفصالي في السودان رفضًا مطلقًا ودائمًا، مع ضمان تقرير المصير الداخلي لدارفور في أوسع صوره العملية. وتُصان دارفور داخل السودان الموحد لا بالقوة أو الإنكار أو الوعود المؤجلة، بل بالأمن والعدالة والتمثيل والسلطة الذاتية والثروة المشتركة والمواطنة المتساوية. والوحدة التي تقوم على هذه الأسس ليست قيدًا على أهل دارفور، بل إطارًا سياسيًا وقانونيًا لحماية حقوقهم وصون مستقبلهم المشترك مع سائر السودانيين.

المراجع

  1. إيرم نيوز. السودان يختتم استفتاء دارفور وسط مقاطعة من المعارضة [الإنترنت]. 2016 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  2. الجزيرة نت. استفتاء دارفور.. إرادة الحكومة ورفض المسلحين [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2016 فبراير 8 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  3. الجزيرة نت. استفتاء دارفور.. استحقاق على وقع التأييد والتخويف [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2016 أبريل 3 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  4. الجزيرة نت. استفتاء دارفور ينطلق الاثنين وأميركا تنتقده [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2016 أبريل 10 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  5. الجزيرة نت. أزمة دارفور من 2003 إلى 2016 [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2016 سبتمبر 7 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  6. الجزيرة نت. حاكم إقليم دارفور: جهات دولية وإقليمية تمنع القيادة السودانية من مخاطبة العالم [الإنترنت]. الدوحة: الجزيرة نت؛ 2026 أكتوبر 3 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  7. الشرق الأوسط. بدء الاستفتاء حول الوضع الإداري لإقليم دارفور المضطرب بالسودان [الإنترنت]. لندن: الشرق الأوسط؛ 2016 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  8. العربي الجديد. خطر الانفصال يهدد إقليم دارفور السوداني [الإنترنت]. لندن: العربي الجديد؛ [بدون تاريخ] [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  9. عكاظ. حاكم إقليم دارفور: السودان يواجه خطر التقسيم [الإنترنت]. جدة: عكاظ؛ 2025 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  10. القدس العربي. السودان وشعار حق تقرير المصير [الإنترنت]. لندن: القدس العربي؛ [بدون تاريخ] [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  11. النهار أونلاين. الرئيس السوداني يؤكد انتهاء التمرد في إقليم دارفور [الإنترنت]. الجزائر: النهار أونلاين؛ 2016 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  12. نون بوست. استفتاء دارفور: خطوة نحو الوحدة أم تكريس لمزيد من الانقسام؟ [الإنترنت]. 2016 [اطُّلع عليه في 12 أكتوبر 2026].
  13. ADF Magazine. Fall of El-Fasher spawns further misery, reveals war crimes [Internet]. Africa Defense Forum; 2025 Nov [cited 2026 Oct 12].
  14. African Commission on Human and Peoples’ Rights. Katangese Peoples’ Congress v. Zaire, Communication 75/92. Banjul: ACHPR; 1995.
  15. African Commission on Human and Peoples’ Rights. Kevin Mgwanga Gunme et al. v. Cameroon, Communication 266/03. Banjul: ACHPR; 2009.
  16. African Union. Constitutive Act of the African Union. Lomé: African Union; 2000.
  17. African Union Peace and Security Council. Communiqué on the declaration of a parallel government in Sudan by the Sudan Founding Alliance (Tasis) [Internet]. Addis Ababa: African Union; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  18. Agence France-Presse. Darfur votes for five-state status quo: referendum chief [Internet]. 2016 Apr 24 [cited 2026 Oct 12].
  19. Agenzia Fides. AFRICA/SUDAN – Serious humanitarian situation in El-Fasher, captured by RSF militias [Internet]. Vatican City: Agenzia Fides; 2025 Oct 28 [cited 2026 Oct 12].
  20. Al Jazeera. Could an old tribal foe undercut Sudan’s Hemedti? [Internet]. Doha: Al Jazeera; 2023 May 3 [cited 2026 Oct 12].
  21. Al Jazeera. Yale report finds evidence of RSF mass killings in Sudan’s el-Fasher [Internet]. Doha: Al Jazeera; 2025 Oct 28 [cited 2026 Oct 12].
  22. Al Jazeera. RSF announces unilateral three-month ‘humanitarian truce’ in Sudan [Internet]. Doha: Al Jazeera; 2025 Nov 24 [cited 2026 Oct 12].
  23. American Society of International Law. ICC delivers first trial judgment in Darfur situation [Internet]. Washington (DC): ASIL; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  24. Buchanan A. Justice, legitimacy, and self-determination: moral foundations for international law. Oxford: Oxford University Press; 2004.
  25. Buchanan A. Uncoupling secession from nationalism and intrastate autonomy from secession. In: Hannum H, Babbitt EF, editors. Negotiating self-determination. Lanham (MD): Lexington Books; 2006.
  26. Carter Center. Observing the 2011 referendum on the self-determination of Southern Sudan: final report. Atlanta (GA): The Carter Center; 2011.
  27. Collier P, Hoeffler A. The political economy of secession. In: Hannum H, Babbitt EF, editors. Negotiating self-determination. Lanham (MD): Lexington Books; 2006.
  28. Conflict Sensitivity Resource Facility South Sudan. Conflict studies archive [Internet]. Juba: CSRF; [date unknown] [cited 2026 Oct 12].
  29. Congressional Research Service. South Sudan (In Focus IF10218) [Internet]. Washington (DC): Congressional Research Service; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  30. de Waal A. The real politics of the Horn of Africa: money, war and the business of power. Cambridge: Polity Press; 2015.
  31. The East African. The two rival governments that could split Sudan [Internet]. Nairobi: The East African; 2025 Aug [cited 2026 Oct 12].
  32. The East African. RSF struggles to build coalition unity as Sudan war raises humanitarian spectre [Internet]. Nairobi: The East African; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  33. Fearon JD. Separatist wars, partition, and world order. Secur Stud. 2004;13(4):394–415.
  34. Flint J, de Waal A. Darfur: a new history of a long war. Rev ed. London: Zed Books; 2008.
  35. Food and Agriculture Organization of the United Nations, World Food Programme, UNICEF. Famine conditions confirmed in Sudan’s El Fasher and Kadugli, but hunger and malnutrition ease where conflict subsides [Internet]. 2025 Nov 4 [cited 2026 Oct 12].
  36. Global Centre for the Responsibility to Protect. Atrocity Alert No. 183: South Sudan, Iraq and Central African Republic [Internet]. New York: Global Centre for the Responsibility to Protect; 2019 [cited 2026 Oct 12].
  37. GlobalPost. Sudan’s RSF forms rival government, raising split fears [Internet]. 2025 [cited 2026 Oct 12].
  38. Government of Canada, Privy Council Office. Who’s afraid of clarity? [Internet]. Ottawa: Privy Council Office; 2000 Feb 16 [cited 2026 Oct 12].
  39. Griffiths RD. Secession and the sovereignty game: strategy and tactics for aspiring nations. Ithaca (NY): Cornell University Press; 2021.
  40. Horn Review. Sudan Constituent Alliance signs the Nairobi Transitional Constitution of 2025: parallel government declared amid ongoing conflict [Internet]. 2025 Mar 5 [cited 2026 Oct 12].
  41. Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Sudan: hallmarks of genocide in El Fasher (A/HRC/61/77). Geneva: United Nations Human Rights Council; 2026.
  42. Institute for Security Studies. Chad: urgent AU action could defuse rising Chad–Sudan tensions [Internet]. Pretoria: ISS; 2025 Apr [cited 2026 Oct 12].
  43. International Criminal Court. Ali Muhammad Ali Abd-Al-Rahman (‘Ali Kushayb’) sentenced to 20 years of imprisonment [Internet]. The Hague: ICC; 2025 Dec 9 [cited 2026 Oct 12].
  44. International Crisis Group. All eyes on the Quad: how the U.S. and its partners can push for peace in Sudan [Internet]. Brussels: International Crisis Group; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  45. International Crisis Group. CrisisWatch: Sudan, September 2026 [Internet]. Brussels: International Crisis Group; 2026 [cited 2026 Oct 12].
  46. International Crisis Group. South Sudan [Internet]. Brussels: International Crisis Group; 2026 [cited 2026 Oct 12].
  47. International Federation for Human Rights. Sudan: urgent international action required to protect civilians and prevent further atrocities in El Fasher [Internet]. Paris: FIDH; 2025 Oct 30 [cited 2026 Oct 12].
  48. ISPI. Sudan and beyond: how El-Fasher’s fall could worsen regional fragmentation [Internet]. Milan: Italian Institute for International Political Studies; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  49. Jenne E. National self-determination: a deadly mobilizing device. In: Hannum H, Babbitt EF, editors. Negotiating self-determination. Lanham (MD): Lexington Books; 2006.
  50. Johnson DH. The root causes of Sudan’s civil wars: peace or truce. Updated ed. Woodbridge: James Currey; 2011.
  51. JusticeInfo. South Sudan: four years of freedom, 18 months of war [Internet]. 2015 Jul [cited 2026 Oct 12].
  52. Mada Masr. RSF-led coalition declares parallel govt in western Sudan [Internet]. Cairo: Mada Masr; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  53. Mada Masr. Sudan Nashra: RSF-armed Salamat, Beni Halba locked in deadly ‘tribal war’ [Internet]. Cairo: Mada Masr; 2026 Jun [cited 2026 Oct 12].
  54. Mamdani M. Saviors and survivors: Darfur, politics, and the war on terror. New York: Pantheon Books; 2009.
  55. Medani KM. Strife and secession in Sudan. J Democr. 2011;22(3):135–49.
  56. Middle East Research and Information Project. Sudan’s referendum amidst revolution [Internet]. Washington (DC): MERIP; 2011 Apr [cited 2026 Oct 12].
  57. The National. UN Security Council extends arms embargo in Sudan’s Darfur as US pushes for nationwide ban [Internet]. Abu Dhabi: The National; 2026 Oct 8 [cited 2026 Oct 12].
  58. The New Arab. Sudan: several Darfur Arab tribes ‘pledge allegiance’ to RSF [Internet]. London: The New Arab; 2023 Jul 6 [cited 2026 Oct 12].
  59. The New Arab. World leaders attempt to end war in Sudan on sidelines of UN [Internet]. London: The New Arab; 2025 Sep 26 [cited 2026 Oct 12].
  60. News24. Sudan: is Chad becoming more involved in conflict? [Internet]. Cape Town: News24; 2026 Feb 27 [cited 2026 Oct 12].
  61. O’Fahey RS. The Darfur Sultanate: a history. London: Hurst; 2008.
  62. O’Fahey RS, Abu Salim MI. Land in Dar Fur: charters and related documents from the Dar Fur Sultanate. Cambridge: Cambridge University Press; 1983.
  63. Ostrom E. Beyond markets and states: polycentric governance of complex economic systems. Am Econ Rev. 2010;100(3):641–72.
  64. Peoples Dispatch. Chad: Sudan civil war spills over into neighboring Chad [Internet]. 2026 [cited 2026 Oct 12].
  65. Radio Dabanga. Abdel Wahid willing to negotiate: requiring self-determination for Darfur to be discussed [Internet]. Amsterdam: Radio Dabanga; 2010 [cited 2026 Oct 12].
  66. Radio Dabanga. Darfur referendum: ‘states option’ wins by a landslide [Internet]. Amsterdam: Radio Dabanga; 2016 Apr [cited 2026 Oct 12].
  67. Radio Dabanga. Scepticism around new JPA implementation matrix and Minawi’s speech [Internet]. Amsterdam: Radio Dabanga; 2023 Feb 21 [cited 2026 Oct 12].
  68. Radio Dabanga. Charter for formation ‘parallel govt’ in Sudan signed in Nairobi [Internet]. Amsterdam: Radio Dabanga; 2025 Feb [cited 2026 Oct 12].
  69. Radio Tamazuj. AU says does not recognise Sudan parallel government [Internet]. Juba: Radio Tamazuj; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  70. Rüegger VS, Oleschak-Pillai R. State secession in international law and the 2011 referendum in the Sudan. In: Gredig M, Mahaim R, Meier T, Melchior R, Stöckli A, editors. Peters Dreiblatt: Föderalismus, Grundrechte, Verwaltung. Festschrift für Peter Hänni zum 60. Geburtstag. Bern: Stämpfli; 2010. p. 47–70.
  71. Sambanis N. Partition as a solution to ethnic war: an empirical critique of the theoretical literature. World Polit. 2000;52(4):437–83.
  72. Sambanis N, Schulhofer-Wohl J. What’s in a line? Is partition a solution to civil war? Int Secur. 2009;34(2):82–118.
  73. Siddig K, Omamo SW. IPC: famine and food insecurity spread in Sudan as humanitarian crisis worsens [Internet]. CGIAR; 2025 Nov 13 [cited 2026 Oct 12].
  74. Soliman A, Baldo S. Gold and the war in Sudan [Internet]. London: Chatham House; 2025 [cited 2026 Oct 12].
  75. Stepan A, Linz JJ, Yadav Y. Crafting state-nations: India and other multinational democracies. Baltimore (MD): Johns Hopkins University Press; 2011.
  76. Sudan Tribune. Self-determination emerging as an option for Darfur: JEM [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2010 Aug 3 [cited 2026 Oct 12].
  77. Sudan Tribune. The people of Nuba and Darfur demand self-determination [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2010 Aug 13 [cited 2026 Oct 12].
  78. Sudan Tribune. Sissi’s party recognizes Darfur referendum outcome [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2016 Apr 24 [cited 2026 Oct 12].
  79. Sudan Tribune. Sudan’s Fur tribe rejects new RSF-backed “Emirate” in Central Darfur [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2024 Oct 15 [cited 2026 Oct 12].
  80. Sudan Tribune. Sudan RSF-aligned groups sign transitional charter in Nairobi, back secular state [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2025 Mar 4 [cited 2026 Oct 12].
  81. Sudan Tribune. Sudan’s new parallel government undeterred by lack of recognition, official says [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2025 Aug 1 [cited 2026 Oct 12].
  82. Sudan Tribune. AU, Arab League, Saudis condemn RSF-led government in Sudan [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2025 Jul 29 [cited 2026 Oct 12].
  83. Sudan Tribune. ICC sentences Sudanese militia leader to 20 years for Darfur war crimes [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2025 Dec 9 [cited 2026 Oct 12].
  84. Sudan Tribune. Sudan doctors say 2,000 killed, some burned alive in El Fasher [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2025 Oct 29 [cited 2026 Oct 12].
  85. Sudan Tribune. African Union maintains Sudan suspension, backs Idris peace plan [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2026 Feb 12 [cited 2026 Oct 12].
  86. Sudan Tribune. Sudan Tribune investigation reveals mass graves and secret RSF detention centers in El Fasher [Internet]. Paris: Sudan Tribune; 2026 Jan 12 [cited 2026 Oct 12].
  87. Sudan War Monitor. AU rejects RSF-led parallel administration [Internet]. 2025 [cited 2026 Oct 12].
  88. Sudans Post. Tasis Alliance announces leadership with Hemedti at the helm [Internet]. 2025 Jul 1 [cited 2026 Oct 12].
  89. Supreme Court of Canada. Reference re Secession of Quebec, [1998] 2 SCR 217. Ottawa: Supreme Court of Canada; 1998.
  90. Theobald AB. Ali Dinar: last sultan of Darfur, 1898–1916. London: Longmans; 1965.
  91. UN News. Famine tightens grip on Sudan, with civilians trapped and aid blocked [Internet]. New York: United Nations; 2025 Nov 3 [cited 2026 Oct 12].
  92. United Nations Office at Geneva. Sudan: ‘hallmarks of genocide’ found in El Fasher, UN investigators detail mass killings and ethnic targeting [Internet]. Geneva: United Nations Office at Geneva; 2026 Feb 19 [cited 2026 Oct 12].
  93. United Nations Security Council Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts on the Sudan established pursuant to resolution 1591 (2005) (S/2022/48). New York: United Nations; 2022.
  94. United States Holocaust Memorial Museum. South Sudan: case study [Internet]. Washington (DC): USHMM; [date unknown] [cited 2026 Oct 12].
  95. US Department of State. Joint statement on restoring peace and security in Sudan [Internet]. Washington (DC): US Department of State; 2025 Sep 12 [cited 2026 Oct 12].
  96. Walter BF. Committing to peace: the successful settlement of civil wars. Princeton (NJ): Princeton University Press; 2002.
  97. World Policy Conference. 1,700 Sudanese former rebels integrated in National Army [Internet]. [date unknown] [cited 2026 Oct 12].
  98. Young H, Osman AM, Aklilu Y, Dale R, Badri B, Fuddle AJA. Darfur: livelihoods under siege. Medford (MA): Feinstein International Famine Center, Tufts University; 2005.
  99. Young H, Osman AM. Strategies for economic recovery and peace in Darfur: why a wider livelihoods approach is imperative and inclusion of the Abbala (camel herding) Arabs is a priority. Medford (MA): Feinstein International Center, Tufts University; 2007.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
إدارة ترامب تصدر قرارا جديدا بشأن المهاجرين من السودان وأوكرانيا
الأخبار
صحيفة إسرائيلية: السودان متردد في إقامة علاقات مع إسرائيل بدون توقيع رسمي في البيت الأبيض
منبر الرأي
قراءة في تقرير أسر شهداء قيادة قبيلة المجانين
منبر الرأي
من جدل الخلاف إلى ضرورة التوافق: ما الذي يمكن أن ننجزه معاً؟
منبر الرأي
حين يصبح التعليم امتيازاً للأثرياء- من إفقار المعلم إلى تجهيل المجتمع السوداني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

بوكو حرام .. بقلم: نيران أديدوكون .. ترجمة : محمد السيد علي *

طارق الجزولي
منبر الرأي

المدلهمات: أبيى أولا .. بقلم: د. أحمد سبيل

د. أحمد سبيل
منبر الرأي

لابد من صنعاء وإن طال السفر .. بقلم: عميد معاش طبيب . سيد عبد القادر قنات

د.سيد عبد القادر قنات
منبر الرأي

شنو إطار مفاهيمى؟ .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss