كمال الهِدَي
قبل أيام، وفي خضم تأثري بمقتل عدد من المعدنين السودانيين جراء قصف الطيران المصري، نشرت على صفحتي في فيسبوك المنشور التالي:
“أي سوداني يرتاد حفلاً لأي قونة، أو يزور مطعماً تروّج له قونة في هذه الأيام، عليه أن يتحسس إنسانيته. دعونا نُعبر عن حزننا بجدية، ولو لمرة واحدة”.
كتبت هذا المنشور بعدما وقعت عيناي على إعلان عن حفل للقونة ندى القلعة في مدينة جدة. وأذكر أن أحد المعلقين قال لي إن المفترض أن يوقف الناس الحفلات بصورة عامة، لا في هذه الأيام وحدها.
وكان ردي عليه أنني لست مفتياً حتى أطالب السودانيين بالتوقف عن حضور الحفلات، وإنما أطلقت مناشدة في ظرف استثنائي كان يستوجب منا التعبير عن حزننا على من فقدناهم بشيء من الجدية.
لكن، قبل أن يجف حبر ذلك المنشور القصير، ومع تزايد الأوجاع إثر ورود أنباء عن سقوط قتلى آخرين في كردفان ونيالا، طالعنا، بالتزامن مع تلك المآسي، إعلاناً آخر عن حفل لإيمان الشريف في ألمانيا.
لا أكتب اليوم للوم إيمان على إقامة حفل في ألمانيا أو غيرها من بلدان العالم، فالغناء أصبح مهنة يقتاتون منها، وإن كنت أرى أن تأجيل الحفلات في الظروف الاستثنائية لن يضيرهم كثيراً، ولن يفقدهم شيئاً.
فمن غير الملائم أن يكون الحزن سيد الموقف، وأن يتبادل كثير من السودانيين المكلومين الفيديو المؤثر للصبي الشهيد، بإذن الله، الطيب الهادي، بينما نطالع في الوقت نفسه إعلانات الحفلات. إن هذا التناقض يجعلك تشعر بأن بعض مطربي هذا الزمن لا يحسون بأوجاع أهلهم، ولذلك بات من الصعب إطلاق لقب “فنان” إلا على قلة قليلة منهم، فما قيمة الفنان إن لم يحس بآلام أهله ويعبر عنها؟
قلت إنني لن ألوم إيمان، لأن اللوم الحقيقي يقع علينا نحن، أفراد هذا الشعب الذي يبدو أنه لم يعد يحترم الحزن، وكأنه تطبع مع الموت والخراب وفاحش القول، ومع كثير من الممارسات والسلوكيات الخاطئة.
لكن ما استفزني أكثر من إقامة حفل إيمان في ألمانيا هو الأسلوب الذي رُوّج به له، والاستقبال الحافل الذي حظيت به هناك. وقد أكد لي فيديو انتشر على نطاق واسع، أكثر من أي وقت مضى، أن كثيرين منا يعيشون في عالم موازٍ، لا صلة له بما يشهده بلدنا أو بما يعانيه أهلنا من مآسٍ.
شاهدت فيديو يبدو أنه صُوّر قبل يوم من حفلها هناك، وظهرت فيه إيمان برفقة شابة وشاب، دار بينهم نقاش حول مكياجها.
نعم، مكياجها! فقد طلبت الشابة والشاب من إيمان، التي كانت ترغب، بحسب الفيديو، في مكياج عربي، أن توافق على حضور اختصاصية مكياج سودانية لإجراء تجربة لها، على أن تتولى أمر مكياجها قبل الحفل إذا أعجبها عملها، وإلا أحضرا لها من تفضل.
قد يبدو الأمر عادياً للكثيرين، أما بالنسبة إليّ فلم يكن كذلك، إذ لم أجد مبرراً واحداً لتسجيل مثل هذا النقاش الفارغ المضمون ونشره على الملأ.
إن مثل هذه التصرفات والمشاهد، خاصة حين تجد رواجاً وتداولاً، بل وتلقى استحسان كثيرين يعبرون عن إعجابهم بها، تؤكد حقيقة نتهرب منها دائماً: كلما تكالبت علينا المحن، ازددنا انشغالاً بتوافه الأمور وصغائرها. وهذا، بصراحة، أحد أشكال تبلّد المشاعر لدى بعضنا.
أما ما جرى خلال الحفل، وفقاً لما شاهدته في فيديو قصير لم أكمله، فيبدو مروّعاً بالنسبة إليّ؛ إذ بلغ التعري فيه مداه، وكأن التعبير عن الفرح لدى البعض لا يكون إلا بالميوعة والخلاعة وإظهار مفاتن النساء، وبدا لي أن إيمان يمكن أن تتفاعل مع الشيطان في سبيل توسيع شعبيتها.
والسؤال المركّب الذي أتمنى أن يطرحه كل منا على نفسه هو: إذا كان هذا حالنا في أوقات الخطوب والمحن، فكيف سيكون حالنا إذا توقفت المآسي؟ وكيف سننهض ببلدنا، وأغلبنا لا همّ له سوى متابعة مقاطع بعض المتفلتين والمتفلتات وتداولها، وتعقّب أخبار القونات، والحرص على الظهور مع المشاهير بأي شكل، وحضور الحفلات تحت أي ظرف؟
لم أركز كثيراً مع حفل القونة ندى، فموقفي منها لا يتعلق بإقامة الحفلات في زمن المآسي وحده، وإنما يتصل بمواقفها مما يجري في بلادنا، وبما أراه من دورها في التحريض على الحرب. ولهذا، فإن اعتراضي عليها يتجاوز مسألة توقيت الحفلات إلى ما أراه موقفاً يتنافى مع رسالة الفن ومعاناة الناس.
