محمد عبد المنعم صالح
يمضي وحيدًا فوق ذلك الطريق الضيّق، بينما يمتدّ أمامه كائنٌ هائل لا يعرف إن كان جزءًا من هذا العالم، أم بقايا عالمٍ انتهى قبل أن يولد البشر..
لا يبدو أنّه خائف، لكنّنا لا نعرف ما الذي دفعه إلى المضيّ نحو شيءٍ يفوقه حجمًا، ولا ما الذي ينتظره في نهاية ذلك الطريق. ربّما لم يعد لديه مكانٌ يعود إليه، أو ربّما أدرك أنّ بعض الأبواب لا تُفتح إلا حين نتوقّف عن انتظار النجاة من خلفنا.
كم هو غريب أن يكون الإنسان صغيرًا إلى هذا الحدّ أمام المجهول، ومع ذلك يحمل في داخله أسئلةً أكبر من العالم الذي يسير فيه.
نحن لا نعرف دائمًا إلى أين تقودنا خطواتنا.. أحيانًا نمضي لأنّ البقاء في المكان نفسه أصبح أشدّ رعبًا من كلّ ما قد نواجهه في الطريق.
وربّما لا يحتاج ذلك الكائن إلى أن يؤذيه أصلًا. يكفي أن يقف أمامه، بهذا الحجم الذي يتجاوز الخيال، ليُدرك المسافر كم أنّ العالم أكبر من مخاوفه، وكم أنّ حياته التي ظنّها كلَّ شيء ليست سوى جزءٍ ضئيل من حكايةٍ لا يعرف بدايتها ولا نهايتها.
لكنّ أكثر ما يستوقفني هو ذلك الشخص الصغير؛ ليس لأنّه يقف أمام شيءٍ عظيم، بل لأنّه ما زال يمشي.
فثمّة لحظاتٌ لا تكون فيها الشجاعة أن تعرف أنّك ستنجو، بل أن تتقدّم خطوةً أخرى وأنت لا تملك أيَّ ضمانٍ لذلك.
وربّما في نهاية الطريق لن يجد إجابةً، ولن يكتشف سرّ ذلك الكائن، ولن يعود إلى حياته القديمة أبدًا.
لكنّه على الأقلّ لن يقضي بقيّة عمره يتساءل عمّا كان ينتظره خلف الضباب..
