جمال محمد ابراهيم
الحُزنُ يُقلقُ وَالتجمّلُ يردعُ
والدّمع بينهُما عصيٌّ طيّعُ
(المتنبي)
وَرَحَل صوتٌ ، مميّز طالما اقترب من أذاننا وأسـرَ ألبابنا ، وألهمنا التعلُّـق
بالمذياع ، ثمَّ بالتلفزة من بعـد ، ثم طال غيابه لسنوات، غـياباً لم يغادر صـوتهُ ولا ملامحـه ذاكـرتنـا . نحن ُجيـل تواددَتْ خلجـاته مع صــوتِ حــمـدي بولاد، وتفتحت مع ”إشــراقة الصباح“ بإبـداع مَنْ بلـغ َ صَدَى صوتها السَّــماء، لمعــاً وإبراقا : الرّاحلة ليـلى المغـربي. .
بعد انتقالنا من المرحـلة الأولـية إلى المرحلة الوسـطى، وهي تلك المرحــلة التي بدل صفـتها ، فأسموها مرحلة الثانوي العام. كنَّـا نحـو ثلاثيـن ونيـف مِــن صغار التلاميـذ . في تلك المرحلة التعليمية ، قدر لنا أن نبدأ دروس اللغة الانجليـزية ، ثم نتوسّـع في بقـية العلوم: اللغـة العربية والدين الإســـلامي والرياضيـات.. والتاريخ والجغــرافـيا. ناظـر”مدرسة النهضة الو،سطى“ تلـك ومديرها ، هــو المُعـلـم عمر خالد مضوّي.
نعرف معلمينا ويعرفوننا ونحن في تلك السِّن الباكرة. في قائمــة معلمـينا. كان معلم الانجليزية جمـال عيسى أ كثرهم قــرباً إلـينا وأحبَّهـــم بإجمـاع تلاميــذ الفصل. كان من يليه في التعامب معنا ، هو معلم اللغة العربية حمدي بولاد. حبّب
إلينا دروس اللغة العربية : النحو والإعراب ، ثم الشعر والأدب. لمعلمـنا حمــدي ملامــح مريحــة، كما ميَّــز نفسه عن بقـية معلمينا بأناقته اللافــتة. بعض تلامـيـذ الفصول المُتقدِّمـة ومَن عرفوا المدرسة قبلنا ، حدثونا عن مُعلِّم ٍ قبـل بـولاد ، كان يدرّس اللغــة العربية نظم نشيدا ًلمدرسة ”النهضــة الوسطى“ ، مُعلِّم للغة العربية وشاعرٌ مُجيد اســمه صـدِّيق مُــدثر ، هـوالشقيق الأكبر لزميلـي وصـديقي في الصّـــفِّ ،مصطفى مدثر. حدَّثونا أن صديق كان معلماً نحريرا وشـاعراً ، ولـن يعوِّض رحيله عن المدرسة أيُّ مُعلم آخر. غير أن حمدي بولاد ملكَ علينا عقولنا وبقيت محـبّتنا له ثابتـة ،وعلاقته بنـا مُسـتدامة .
ثمَّ جاءنا ذات يومٍ لحصَّة اللغـة العربية، وهو بلبسة أنيقة ولربطــة عُـنـقٍ طــويلة تتدلّى على خلفية قميص أبيض اللون. لربطة العنق علامة في وســطـها ترمز للأثيـر، شرح لنا أنَّه جـاء إلى المدرســة مودِّعاً ، إذُْ التحــق بإذاعة أم درمان وسيهجر مهنة التدريس إلى الإعـلام. بقدر حزننا لمغــادرته ، لكنه قال لـنا ضاحكاً: بعد الآن ستسمعون صوتي من المذياع، فرحنا للخبـر وإن لـم نُخــفِ حزناً على مفارقة مُعـلِّم أحببناه ، بأكثر ممَّـا أحببنا اللغــة العربيــة التي تعلمنـاها منـهُ وأحببناها معــه. .
تمُرَّ سنوات ٌوسنوات ، والصوتُ الشَّــجي نتابعه عبر المِذياع ، لا تغـيب عن آذاننا نبراته المُميَّزة ، ولا وضـوح نطقـه ورقـة صـوته التي عرفناها منـذ أيامنــا أيفاعا ً في مدرسـة ”النهضــة الوسطى“ ، سنوات الستينات .
لكنّه ُغاب لسنوات ، وانقطع عنّا ذلك الصوت الرّنان، ثمّ والبلاد في صراعاتها وحروباتها ودمارها، يرحل معلمي ”ملك منوعات “ الإذاعة السودانية . وقفـتُ وأنا أمسك عليّ َحـُزني ، أمام سـطورٍ جـاد بها قـلـم الاذاعـية اللامعـة يُســريـة محمــد الحسن ، فكتبت بقلمٍ مغموس في حبر وفاءٍ دافـيء، عـن معلمي حـمـدي، وقــد صار صوته الجهـير الذي كُـنّا نطرب له في فصــول مدرســتنا ، صــدَىً راحلا ً إلى ”الأثير“ الأعلى. رَحلتْ الرِّقـة والجهـورية والجاذبية. رَحلت ْبصمـة الإذاعـة السُّــودانيــة وتلفـزتها، أو تكاد مع رحيل صـوتٍ رنَّان عرفنـاه .
نسخَ لي صديقي الأستاذ علي الأميـن إدريس، ما خطَّ قـلـمُ يُسـرية تصف ”ملـك المنــوَّعات “، وَقـد أثار أكثر شــجني وحــرّك مزيــد مشـاعـرحـزني:
( . . يحـدونا شــوقٌ كبير لرؤية مُذيعـيها ونجــومـها الكـبــار وحيـنَ يَقــف الأســتاذ حمــدي بولاد يسجل برنامجــه الاذاعي الصباحي الأشــهر ”إشـراقة الصَّبــاح“ مع العبقـرية الرائعـة ليلي المغـربي. كنَّـا نستمع إليهمــا من خلـف ِزجـاج غـرفــة التسجيل.. ونحن في ذيَّاك العـمر النَّضر، كان الإبهـار يأخــذ بنـا والإبـداع يحتـوينا والبهجـة تدغدغ أوصـالنا الصغيرة ! أكـاد أجـزم ان ّ برامـج الأســتاذ حـمـدي بولاد بجهازي الإذاعة والتلفزيون، لم يأتِ من فطاحلة الإبداع الإذاعي أحـدٌ مثلهما، (…..) كان ”الرَّاحـل حمــدي“ ينتقي ضيـوفَ برامجــه ِانتقـاءاً، ويدوِّن فقراتها بمِــداد التميّـز، بصـوته الرّخيم الجميل العـذب. .)
رحمَ الله مُعلِّماً تركَ من ابداعه المُبكِّر، بذوراً بنفوس ِ صغار تلاميـذه، مِــن
فيضِ لغته العربية النَّاصعة ، ومن صوته الرّنان العذب ، فأسَرَهم حُبَّـاً وتقــديراً. ثمَّ هو الذي امتهن العمـل الإعلامي من بعـد، فامتـدتْ جاذبـيـة ملـكاته وقُـدراتـه الإعلامـيـة الفــذّة، لتأسِـر مَن تابعـوا برامجـه الإذاعـية والتلفــزية زمانـا.
هكــذا رسَخت ْ ”إشـراقة الصباح“، إشْـــراقاً إذاعـياً غيرَ مسبوق، مثـلـمـا رسَــخ َبـرنامجُــه ”تحــت الأضــواء“ ، ضـــوءاً لامِعـا ً مُســتداما فـي ذاكــرة الـتلـفــزة السُّــودانيـة ، وإنْ لم يعد للجسد إشراقُ ولا للضوء التماع.
رحِـلَ حمدي بولاد.. غشته شآبيب الرّحمة والمغفرة..وإن بقيَ الدّمع عصيـاً .
القاهرة -ى 22 أكتوبر 2026
.
