باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 23 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

السودان في قبضة الإمبراطورية، كيف أحكمت بريطانيا سيطرتها عليه بحفنة من الرجال

اخر تحديث: 23 أكتوبر, 2026 8:59 مساءً
شارك

السودان في قبضة الإمبراطورية، كيف أحكمت بريطانيا سيطرتها عليه بحفنة من الرجال
من مدافع كرري إلى إنزال العلم، استراتيجية الحكم بأقل كلفة
د. الرشيد خليفة
ستّون عامًا وأربعمائة رجل
عرضتُ في مقال سابق الدوافع التي ساقت الإمبراطورية البريطانية إلى استرداد السودان، وأوجزها في القسم التالي بترتيب أولويتها. غير أن الدافع يفسّر المجيء ولا يفسّر البقاء؛ فالإمبراطوريات تدخل البلاد بالمدفع، لكنها لا تبقى فيها بالمدفع وحده. وقد بقيت بريطانيا في السودان من معركة كرري في الثاني من سبتمبر 1898 إلى إنزال علمها في الخرطوم في الأول من يناير 1956، أي قرابة ستين عامًا، في بلد تزيد مساحته على مليون ميل مربع، بجهاز إداري لم يتجاوز مجموع رجاله البريطانيين على امتداد عمره كله نحو أربعمائة رجل [1]. وهذا رقم يدعو إلى الدهشة قبل أن يدعو إلى التحليل، فهؤلاء الأربعمائة تعاقبوا ولم يجتمعوا، وحكموا شعبًا متعدد الأعراق، والألسن، والأديان، يمتد من تخوم الصحراء الكبرى إلى غابات الاستوائية.
دوافع الاسترداد، بترتيب الأولوية
لم يكن «الاسترداد»، وهو الاسم الذي أطلقه البريطانيون على حملة 1896–1898 بدعوى استعادة السودان لمصر، عملًا عاطفيًّا، بل، حسابًا إمبراطوريًّا باردًا تتقدمه ستة دوافع. وقد جادلتُ في ترتيب أولويتها عند بريطانيا، وبسطتُ حجج هذا الترتيب، في مقال سابق بعنوان «فشودة، السبب الخفي والرئيسي لاستعمار بريطانيا للسودان ومآربُ أخرى»، وأكتفي هنا بسردها، وهي بترتيب أولويتها: أولًا، مياه النيل وأمن مصر، ومن ورائهما قناة السويس وطريق الهند، فمن يملك أعالي النيل يملك رقبة مصر، وثانيًا، قطع الطريق على فرنسا الزاحفة من غرب أفريقيا نحو أعالي النيل، وهو ما انتهى بمواجهة فشودة في سبتمبر 1898، وثالثًا، حلم الخط الأحمر الممتد من رأس الرجاء الصالح إلى القاهرة، ورابعًا، هيبة الإمبراطورية والثأر لغردون الذي قُتل في الخرطوم عام 1885، وخامسًا، نجدة إيطاليا، الحليفة المهزومة في عدوة في مارس 1896، والمهددة في مدينة كسلا بشرق السودان، وسادسًا، المغانم الاقتصادية من قطن وأسواق، وهي أخف الدوافع وزنًا ساعة القرار، وإن صارت أثقلها في الميزان بعد الفتح [2].
وهذا الترتيب نفسه يفسر كثيرًا مما سيأتي؛ فالبلد الذي يُحتل من أجل غيره، أي من أجل مصر والنيل وطريق الهند، يُحكم أيضًا بحسابات غيره، ولا يُنفق عليه إلا بقدر ما يخدم تلك الحسابات.
فلسفة الحكم، إمبراطورية تحكم بالحساب لا بالحماس
لم تكتب بريطانيا لحكم السودان بيانًا فلسفيًّا، أو «مانفستو»، كما تفعل الحركات العقائدية، لكنها حكمته بفلسفة واضحة تُستخلص من أقوال رجالها وأفعالهم، وتقوم على خمسة مبادئ، هي: أن يكون الحكم وسيلة لا غاية، وأن يدفع المحكوم ثمن حكمه، وأن يسبق النظامُ التقدمَ، وأن يُحكم الناس من خلال زعاماتهم، وأن تقف الإدارة من السودانيين موقف الوصي الأبوي من قاصر لا يُستشار.
فالسودان، أولًا، لم يكن غاية في ذاته، بل، كان سياجًا لمصر والنيل. وهذا امتداد لمنطق اللورد كرومر (Lord Cromer)، المعتمد البريطاني في مصر، الذي حكم مصر من وراء الخديوي دون أن يضمها، ونقل الصيغة نفسها إلى السودان، فجعل الحكم الثنائي ستارًا قانونيًّا لحكم بريطاني خالص [3]. ولذلك كانت كل سياسة في الخرطوم تُقاس أولًا بأثرها في القاهرة وفي مجرى النيل.
والمبدأ الثاني هو الاقتصاد في الكلفة؛ فقد كان على السودان أن يمول إدارته بنفسه بأسرع ما يمكن، وألا يكلف دافع الضرائب البريطاني شيئًا، فكانت مصر تسد العجز حتى يتكفل القطن بالباقي [4]. وهذا المبدأ هو الذي يفسر صغر الجهاز الإداري، وتأخر التعليم، وإسناد الحكم المحلي إلى المشايخ، فكل سياسة كانت تُعرض على المحاسب قبل أن تُعرض على المفتش.
والمبدأ الثالث أن النظام يسبق التقدم؛ فالأمن أولًا، ثم جباية الضرائب، ثم التنمية إن بقي في الخزانة ما يكفيها. وكان رجال الحكم في جيله الأول ضباطًا يرون البلاد ساحة تهدئة قبل أن تكون ساحة إصلاح [5]. وقد لاحظ المؤرخ مارتن دالي (M. W. Daly) أن مسار الحكم الثنائي حددته الشخصيات أكثر مما حددته السياسات، فقد كان الحاكم العام، والسكرتير الإداري، ومفتش المركز يصنعون السياسة بقدر ما ينفذونها [4].
والمبدأ الرابع هو الحكم غير المباشر، وأصله النظري كتاب فردريك لوغارد (Frederick Lugard) «الانتداب المزدوج في أفريقيا المدارية البريطانية» الصادر عام 1922، الذي قرر أن على الإمبراطورية واجبين: أن تستثمر موارد المستعمرات لمصلحة العالم، وأن ترتقي بأهلها من خلال مؤسساتهم الأصلية [6]. ولم يجد الإداريون في السودان صعوبة في التوفيق بين الواجبين، فالأول تكفل به القطن، والثاني تكفل به الناظر.
والمبدأ الخامس هو الوصاية الأبوية؛ فقد نظر رجال الخدمة السياسية إلى السوداني الريفي، بدويًّا كان أو مزارعًا، نظرة إعجاب رومانسي، ونظروا إلى السوداني المتعلم في المدينة، أي الأفندي، نظرة ريبة وضيق، لأن الريفي بدا لهم «أصيلًا» لم تفسده المدرسة، وبدا لهم الأفندي نسخة مشوهة منهم تطالب بحقوق لم يحن أوانها [7]. وهكذا حكمت بريطانيا السودان بمنطق الأب الذي يحب أبناءه ما داموا صغارًا، فإذا كبروا وطلبوا مفاتيح البيت اكتشف فجأة أنهم «غير ناضجين بعد».
وهذه المبادئ الخمسة هي العقل الذي حرّك الأدوات التي تتناولها بقية المقال؛ فمن دونها تبدو تلك الأدوات أفعالًا متفرقة، ومعها تبدو خطة متماسكة.
من الفلسفة إلى الأدوات، اثنتا عشرة ركيزة
والسؤال الذي يطرحه هذا المقال هو: كيف؟ والجواب، كما تكشفه الوثائق والدراسات، ليس سرًّا واحدًا، بل، منظومة من اثنتي عشرة ركيزة عملت معًا، هي: القوة العسكرية الحاسمة، والغطاء القانوني للحكم الثنائي، والقمع المتكرر لكل ثورة محلية، وجهاز الاستخبارات والرقابة، والجهاز الإداري النخبوي الصغير، وإقصاء مصر وبناء جيش سوداني تابع، والإدارة الأهلية، وسياسة المناطق المقفولة في الجنوب، واحتواء الزعامات الدينية، والتعليم المحسوب، واقتصاد القطن وسكة الحديد، والانسحاب المُدار الذي سلّم السلطة لمن تطمئن إليه لندن. وتتناول الأقسام التالية هذه الركائز واحدة بعد أخرى.
الفتح بالمدفع، حين تكلّم المكسيم في كرري
أولى ركائز السيطرة، وأبسطها، أن يرى المحكوم بعينه أن المقاومة عبث. وقد تكفّلت بذلك معركة كرري، وكرري سهل يمتد شمال أم درمان، صباح الثاني من سبتمبر 1898، حين واجه جيش الخليفة عبد الله التعايشي، بسيوفه، وحرابه، وبنادقه القديمة، جيشًا بريطانيًّا مصريًّا بقيادة هربرت كتشنر (Herbert Kitchener) مسلحًا بالمدافع الرشاشة من طراز مكسيم (Maxim)، والمدفعية الميدانية، والزوارق الحربية الراسية في النيل. وفي ساعات قليلة سقط من الأنصار نحو أحد عشر ألف قتيل، إلى جانب آلاف الجرحى والأسرى، بينما لم تتجاوز خسائر الجيش الغازي بضعة وأربعين قتيلًا [2]. وتتفاوت أرقام ضحايا الأنصار، قتلى وجرحى وأسرى، تفاوتًا كبيرًا بحسب المصادر، فأغلبها مستمد من تقديرات المنتصر نفسه، ولم يُحصِ أحدٌ الجرحى الذين حملهم ذووهم من الميدان. ولم تكن تلك معركة بالمعنى المألوف، بل، كانت درسًا معلنًا في ميزان القوة، كُتب بالرصاص ليقرأه كل من تحدّثه نفسه بالخروج على الحاكم الجديد.
ولم تكن المدافع وحدها سلاح الفتح؛ فقد سبقتها سكة الحديد العسكرية التي مدّها كتشنر من وادي حلفا، وهي البلدة الواقعة على النيل عند الحدود المصرية، عبر الصحراء النوبية، وهي الصحراء الممتدة شرق النيل بين وادي حلفا وأبي حمد، ثم إلى عطبرة، فحمل خط السكة الحديد الجنود، والذخيرة، والزوارق المفككة إلى قلب البلاد [4]. وهكذا دخل القطار السودان قبل أن تدخله المدرسة، وهي أولوية سيظل منطقها حاكمًا للعهد كله.
ثم جاءت الضربة الرمزية بعد الضربة العسكرية؛ فقد هُدمت قبة المهدي في أم درمان، ونُبش قبره، وأُلقيت رفاته في النيل، وهو فعل أثار لغطًا في البرلمان والصحافة في بريطانيا نفسها [4]. وكان الغرض واضحًا، وهو ألا يبقى للمهدية ضريح يُزار، ولا رمز يجمع الأنصار حوله. فالإمبراطورية التي هزمت الجيش أرادت أن تهزم الذاكرة أيضًا، وإن كان التاريخ سيثبت أن الذاكرة أطول عمرًا من القباب.
شراكة على الورق، اتفاقية الحكم الثنائي
واجهت بريطانيا بعد كرري معضلة قانونية ذات وجهين؛ فإما أن تضم السودان إلى ممتلكاتها صراحة، وإما أن تعيده إلى مصر كما كان قبل المهدية، ولكل وجه منهما ثمنه.
فلو ضمته صراحة لأثارت ثلاثة أطراف دفعة واحدة. فالدولة العثمانية كانت، من الناحية القانونية، صاحبة السيادة على مصر، وكان الخديوي واليًا تابعًا للسلطان في إسطنبول، وقد فُتح السودان عام 1820 باسم السلطان، ثم أقر فرمان عام 1841 حكم محمد علي له، فكان السودان في نظر القانون الدولي يومئذ أرضًا عثمانية تديرها مصر، وضمه إلى التاج البريطاني اقتطاع لأرض من سلطان لم يحاربه أحد [2]. ومصر كانت قد تحملت معظم نفقات حملة الاسترداد، وقدم جيشها معظم جنودها، بما فيهم الكتائب السودانية التابعة له، فضم السودان إلى بريطانيا معناه أن يدفع المصريون ثمن الحرب ثم يُحرموا غنيمتها، وفي ذلك وقود جاهز للحركة الوطنية المصرية الناشئة، وللخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان على خلاف مكتوم مع كرومر [4]. وأما فرنسا فقد خرجت لتوها من أزمة فشودة مجروحة الكبرياء، وكانت بريطانيا قد واجهت مارشان هناك رافعة العلم المصري لا البريطاني، بحجة أن أعالي النيل أرض خديوية استردتها باسم الخديوي، فلو ضمت السودان لنفسها لكذّبت حجتها بلسانها، ولمنحت باريس ذريعة لإعادة فتح المسألة المصرية كلها، ومعها وعود بريطانيا المتكررة بالجلاء عن مصر [4].
ولو أعادته إلى مصر لدخل السودان تحت نظامين يقيدان كل حكومة في القاهرة. أولهما نظام الامتيازات الأجنبية (Capitulations)، وهو جملة امتيازات منحها السلاطين العثمانيون للدول الأوروبية منذ القرن السادس عشر، تيسيرًا للتجارة في أول الأمر، ثم صارت مع ضعف الدولة قيدًا على سيادتها؛ فبموجبها كان الأجنبي المقيم في أراضي الدولة، ومنها مصر، يخضع لقنصل دولته لا لقضاء البلد، ولا تُفرض عليه ضريبة إلا بموافقة دولته، ولا يُدخل بيته إلا بحضور مندوب من قنصليته [8]. وثانيهما المحاكم المختلطة، وقد أُنشئت في مصر عام 1875 بسعي من نوبار باشا، وزير الخديوي إسماعيل، للحد من فوضى المحاكم القنصلية، وكان قضاتها خليطًا من الأوروبيين والمصريين، والغلبة فيها للأوروبيين، وكانت تطبق قوانين مستمدة من القانون الفرنسي، وتنظر في القضايا المدنية والتجارية بين الأجانب والمصريين، وبين الأجانب من جنسيات مختلفة، وفي الدعاوى المرفوعة على الحكومة المصرية نفسها، فتحكم عليها وتلزمها [9]. وقد ظل النظامان قائمين حتى أُلغيت الامتيازات باتفاقية مونترو عام 1937، وأُغلقت المحاكم المختلطة عام 1949.
أما الحاكم الذي كانت هذه القيود تشد يده فهو، في الظاهر، الخديوي عباس حلمي الثاني وحكومته، وفي الحقيقة اللورد كرومر نفسه، المعتمد البريطاني والقنصل العام، الذي كان يحكم مصر من وراء الخديوي منذ عام 1883. فلم يكن في وسعه أن يفرض ضريبة على تاجر أجنبي، أو يسن قانونًا يسري على مقيم أوروبي، إلا بموافقة الدول صاحبة الامتيازات، وقد أفرد في كتابه «مصر الحديثة» صفحات طويلة لنقد هذه القيود [3]. فالرجل الذي يحكم مصر كلها كان لا يملك أن يفرض ضريبة على بقال يوناني في الإسكندرية، ولم يكن مستعدًا لأن يحمل هذا القيد معه إلى الخرطوم.
فكان الحل اتفاقية التاسع عشر من يناير 1899 التي وقعها اللورد كرومر عن بريطانيا وبطرس غالي عن مصر، وأنشأت ما عُرف بالحكم الثنائي (Condominium) [10]. وقد حددت الاتفاقية السودان بالأراضي الواقعة جنوب خط العرض الثاني والعشرين، وقضت برفع العلمين البريطاني والمصري معًا، فالعلم البريطاني يستند إلى حق الفتح الذي شاركت فيه بريطانيا بالجنود والمال، والعلم المصري ترضية لمصر ومن ورائها السلطان، وأسندت السلطة العسكرية والمدنية العليا إلى حاكم عام يعينه الخديوي بناءً على توصية الحكومة البريطانية، ولا يُعزل إلا بموافقتها، وأعطته حق إصدار القوانين بمراسيم [10]. ثم أغلقت الاتفاقية بابي المعضلة معًا؛ فاستبعدت ولاية المحاكم المختلطة من السودان كله إلا مدينة سواكن، وهي الميناء القديم على البحر الأحمر، ومنعت اعتماد القناصل في السودان أو إقامتهم فيه إلا بموافقة مسبقة من الحكومة البريطانية، فلا امتيازات تُمارس حيث لا قناصل يمارسونها [4].
وكانت النتيجة شراكة غريبة، لها رأسان على جسد واحد، أحدهما يقرّر والآخر يدفع. فقد كان الحاكم العام بريطانيًّا دائمًا، وكان حتى عام 1924 قائدًا للجيش المصري أيضًا، فصار الجنود المصريون والخزانة المصرية في خدمة السياسة البريطانية، إذ تحمّلت مصر نفقات الجيش وسدّت عجز ميزانية السودان في سنواته الأولى [5]. وقد لخّص المؤرخ مارتن دالي (M. W. Daly) جوهر هذا الترتيب بأن بريطانيا كانت تدير ومصر كانت تدفع [4].
وأهم ما في هذه الصيغة غموضها المقصود؛ فكلما طالبت مصر بحقها في السودان احتجّت بريطانيا عليها بنصوص الاتفاقية التي تجعل الإدارة في يد الحاكم العام، وكلما مدّ السودانيون أيديهم إلى مصر طلبًا للعون احتجّت بريطانيا عليهم بخصوصية السودان وانفصاله عن مصر [11]. وهكذا صار الغموض القانوني نفسه أداة حكم، يُستعمل في كل اتجاه بحسب الحاجة.
السيف لا يعود إلى غمده، قمع الثورات من الجزيرة إلى أرض النوير
لم يكن السلام الذي أعقب كرري هدية، بل، كان هدنة مسلحة. فقد ظل طيف المهدية حاضرًا في الريف، وتكررت دعوات رجال زعموا أنهم «النبي عيسى» الذي يخرج بعد المهدي، أو أنهم خلفاء للمهدي. وأشهر هذه الحركات ثورة عبد القادر ود حبوبه عام 1908 في منطقة الحلاوين بالجزيرة، والجزيرة هي السهل الواقع بين النيلين الأزرق والأبيض؛ فقد قُتل في مواجهاتها مفتش بريطاني ومأمور مصري، ثم أُسر ود حبوبه وأُعدم شنقًا [4]. وكانت رسالة الإعدام موجهة إلى الأحياء أكثر منها إلى الميت، وهي أن الحكومة لا تتسامح مع من يجمع الناس باسم المهدية.
وفي الغرب ترك البريطانيون السلطان علي دينار يحكم سلطنة دارفور حكمًا شبه مستقل منذ 1898، لأن إخضاعها كان مكلفًا، ولأنها كانت حاجزًا مفيدًا بين السودان والنفوذ الفرنسي في الغرب. فلما اندلعت الحرب العالمية الأولى، واستجاب علي دينار لدعوة الدولة العثمانية إلى الجهاد، تحوّل الحاجز إلى خطر؛ فجهّز الحاكم العام ونجت حملة من الجيش المصري والكتائب السودانية بقيادة المقدم فيليب كيلي (Philip Kelly)، فهزمت جيش السلطان في معركة برنجية، وهي قرية شمال الفاشر، في الثاني والعشرين من مايو 1916، ودخلت الفاشر في اليوم التالي. ثم لاحقت قوة بقيادة الرائد هيوبرت هدلستون (Hubert Huddleston) السلطان حتى قُتل في السادس من نوفمبر 1916، وضُمّت دارفور إلى السودان في مطلع العام التالي [12]. فالمبدأ واحد في الحالين، وهو أن السلطان يُترك ما دام بقاؤه أرخص من إزالته، ويُزال حين يصبح بقاؤه أغلى.
ولم تهدأ دارفور بعد ذلك؛ ففي سبتمبر 1921 هاجم الفكي عبد الله السحيني مدينة نيالا، وهي مدينة في جنوب دارفور، وقتل عددًا من المسؤولين، ثم قُبض عليه وأُعدم [4]. وفي الجنوب والوسط شنّت الحكومة حملات متتابعة على جبال النوبة، وهي السلسلة الجبلية الواقعة في جنوب كردفان، وعلى أرض النوير في أعالي النيل. وبلغت حملات النوير ذروتها بين 1927 و1929، حين استُخدمت الطائرات الحربية في قصف القرى والقطعان، وقُتل النبي النويري قويك وُنْدِنْق (Gwek Wonding) عام 1929 [13].
واعتمدت هذه الحملات أسلوبًا سُمّي «الدوريات»، وهو اسم مهذّب لعمليات تأديبية تُحرق فيها القرى، وتُصادر الماشية، وتُفرض فيها الغرامات الجماعية [14]. وكان القصف الجوي في حساب الخزانة أرخص من إرسال الكتائب، فصار الطيران أداة اقتصادية قبل أن يكون أداة عسكرية. ولم تكن كلفة هذه الحملات تُدفع من جيب دافع الضرائب البريطاني، بل، من ميزانية حكومة السودان التي تقوم على ضرائب السودانيين أنفسهم، وفق مبدأ أن يدفع السودان ثمن حكمه [4]. ثم كانت القبيلة المقصوفة تُلزَم بعد القصف بغرامات جماعية تُستوفى من ماشيتها [13]. فكان المقصوف يدفع ثمن القنبلة مرتين، مرة دافعًا للضرائب التي تموّل الطائرة، ومرة مغرَّمًا بعد أن تمر الطائرة فوق قريته.
العين الساهرة، الاستخبارات ومطاردة طيف المهدي
كان رجال الحكم الأوائل أبناء جهاز الاستخبارات قبل أن يكونوا إداريين؛ فقد جاء ريجنالد ونجت (Reginald Wingate)، الذي تولى منصب الحاكم العام من 1899 إلى 1916، من إدارة الاستخبارات في الجيش المصري، وجاء معه رودولف سلاطين (Rudolf Slatin)، الأسير السابق لدى الخليفة، الذي عُيّن مفتشًا عامًّا، وكانت مهمته الأساسية مراقبة القبائل، والزعامات الدينية، وكل حركة تُشتمّ منها رائحة المهدية [5]. وقد كانت التقارير الاستخبارية الدورية عصب الحكم، تُرصد فيها الإشاعات، وحركة الفقهاء، وأحوال الأسواق، وكأن الحكومة تحكم بالأذن قبل اليد.
وكان من أدوات هذه الرقابة حظر راتب المهدي، ومراقبة الأنصار، وتقييد الصحافة؛ فلم تظهر صحيفة عربية ذات شأن في السودان حتى صدرت «حضارة السودان» عام 1919 تحت عين الحكومة ورضاها [7]. وكان المطلوب أن يقرأ الناس ما تريد الحكومة أن يقرؤوه، وأن يتحدثوا فيما تأذن لهم بالحديث فيه.
وفي الشأن الديني اتبعت الحكومة سياسة مزدوجة؛ فقد شجّعت ما رأته إسلامًا «رسميًّا» منضبطًا، فأنشأت هيئة من العلماء، وبنت المساجد، وأقامت المحاكم الشرعية، ودرّبت القضاة في كلية غردون، ومنعت المبشرين المسيحيين من الدعوة بين المسلمين في الشمال، خوفًا من إثارة المشاعر الدينية التي أنجبت المهدية من قبل [5]. وهكذا صارت إمبراطورية يرأس ملكها الكنيسة الأنجليكانية راعية للمساجد والمحاكم الشرعية في الخرطوم، لا حبًّا في الفقه، بل، خوفًا من المهدي.
حكومة «البلوز»، جهاز الخدمة السياسية
حكم ضباط الجيش السودان في سنواته الأولى، وكانوا ضباطًا بريطانيين معارين إلى الجيش المصري. ثم بدأت الحكومة منذ مطلع القرن العشرين تجنيد إداريين مدنيين من خريجي جامعتي أكسفورد وكامبريدج، يُختارون بالمقابلة الشخصية بحسب «الشخصية» والسجل الرياضي أكثر مما يُختارون بالتفوق الأكاديمي، وهؤلاء هم من عُرفوا لاحقًا بجهاز الخدمة السياسية السودانية (Sudan Political Service) [15]. ومن هنا جاءت العبارة الطريفة الشهيرة التي وصفت السودان بأنه بلاد السود يحكمها «البلوز»، والبلوز (Blues) هم الرياضيون الذين مثّلوا أكسفورد وكامبريدج في المباريات بينهما [1].
وكان مفتش المركز من هؤلاء يحكم مساحة قد تعادل مساحة بلد أوروبي، فهو القاضي، وجابي الضرائب، ورئيس الشرطة، والمهندس، ومنظّم الأسواق، ومحكّم النزاعات القبلية في آن واحد [4]. فالرجل الواحد كان يحمل في حقيبته وزارات بأكملها، وكان ذلك مقصودًا، لأن الحكم الرخيص يقتضي رجالًا قليلين بصلاحيات واسعة.
وتحت هذه الطبقة البريطانية الرقيقة كانت تعمل طبقات أخرى؛ فقد شغل المصريون وظائف المأمورين في البداية، وشغل الشوام وظائف الكتبة والمحاسبين، ثم حلّ محلهم تدريجيًّا السودانيون من خريجي كلية غردون في وظائف نواب المأمورين، والكتبة، والمترجمين [7]. وكان هذا البناء الطبقي يجعل البريطاني في القمة دائمًا، ويجعل الوظائف الكثيرة الرخيصة في يد غيره.
عام 1924، إخراج مصر من البيت
بعد ثورة 1919 في مصر تصاعد الوعي الوطني في السودان، وظهرت جمعية اللواء الأبيض عام 1924 بقيادة علي عبد اللطيف ورفاقه، ورفعت شعار وحدة وادي النيل، وخرجت المظاهرات في الخرطوم، وأم درمان، وبورتسودان، والأبيض، وعطبرة [16]. وقد اعتُقل علي عبد اللطيف وحوكم، لكن الحركة كشفت للبريطانيين أن الخطر الحقيقي يأتي من التحالف بين المتعلمين السودانيين ومصر [17].
ثم جاء الحدث الذي منح بريطانيا الذريعة التي تنتظرها؛ ففي التاسع عشر من نوفمبر 1924 اغتيل السير لي ستاك (Lee Stack)، الحاكم العام للسودان وقائد الجيش المصري، في القاهرة. فوجّه المندوب السامي البريطاني اللورد اللنبي (Allenby) إنذارًا إلى الحكومة المصرية من شروطه سحب الوحدات المصرية من السودان [4]. وحين تحرّك طلاب المدرسة الحربية وجنود من إحدى الكتائب السودانية في الخرطوم في السابع والعشرين من نوفمبر تضامنًا مع مصر، اشتبكوا مع القوات البريطانية، وقُتل قائدهم عبد الفضيل الماظ تحت أنقاض المستشفى العسكري الذي قصفته المدفعية، وأُعدم عدد من الضباط رميًا بالرصاص [16].
وكانت النتائج حاسمة؛ فقد أُخرج الجيش المصري والموظفون المصريون من السودان، وأُغلقت المدرسة الحربية، وأُنشئت عام 1925 قوة دفاع السودان (Sudan Defence Force) تحت قيادة بريطانية تدين بالولاء للحاكم العام لا للقاهرة، وجرى تجنيد كثير من جنودها من الجنوب، وجبال النوبة، والغرب، لا من المتعلمين في المدن النيلية [14]. وهكذا طُرد الشريك من البيت، وبقي اسمه على الباب، وظل علمه يرفرف بجوار العلم البريطاني، شاهدًا على شراكة لم يبق منها إلا القماش.
وخرجت بريطانيا من أحداث 1924 بدرس آخر، وهو أن المتعلمين الذين أعدّتهم في مدارسها لملء الوظائف قد يصبحون أخطر خصومها، فبدأت تبحث عن حلفاء من نوع آخر، وكان هؤلاء الحلفاء هم زعماء القبائل.
الإدارة الأهلية، الحكم بعمائم النظار
تأثرت الإدارة البريطانية في السودان بنظرية لوغارد في الحكم غير المباشر، كما طبّقها في نيجيريا، وهي تقضي بأن يحكم المستعمر من خلال الزعامات المحلية التقليدية. وقد تبنّى هذا النهج بقوة هارولد ماكمايكل (Harold MacMichael)، السكرتير الإداري بين 1926 و1933، فصدرت سلسلة من القوانين منحت النظار، والعمد، والمشايخ صلاحيات قضائية وإدارية، منها قانون سلطات مشايخ الرحّل عام 1922، وقانون سلطات المشايخ عام 1927، وقانون المحاكم الأهلية عام 1932 [4].
وكان منطق هذه السياسة ثلاثيًّا؛ فهي أرخص من توظيف الإداريين، وتبدو «أصيلة» لأنها تستند إلى أعراف الناس، وهي فوق ذلك جدار في وجه المتعلمين الوطنيين، لأن سلطة الناظر تقوم على القبيلة لا على الوطن [11]. ولم تكتف الحكومة بإحياء الزعامات القائمة، بل، أعادت تشكيل بعضها، فجمعت فروعًا قبلية متفرقة تحت ناظر واحد، وصنعت زعامات حيث لم تكن زعامات راسخة [18].
وهكذا اكتشفت الإمبراطورية، التي كانت ترسل خريجًا من أكسفورد إلى كل مركز، أن الخريج الأرخص هو الشيخ نفسه؛ فهو لا يحتاج إلى معاش في إنجلترا، ولا إلى إجازة صيفية في اسكتلندا، ويعرف قومه أكثر مما يعرفهم أي مفتش. وقد صار الناظر شريكًا مستفيدًا من الراتب، والأرض، والمحكمة، فصار حارسًا للنظام الذي يحرسه.
فأما الراتب فقد كان النظار، والعمد، والمشايخ يتقاضون رواتب أو مخصصات منتظمة من خزانة حكومة السودان، لا من الخزانة البريطانية في لندن، وكانوا هم جباة ضريبة القطعان والأرض في ديارهم، فيحتفظون بنسبة مما يجبونه قبل توريد الباقي إلى المركز [4]. وبذلك صارت مصلحة الناظر المالية مربوطة بانتظام الجباية، وصار كل تمرد في قبيلته خسارة من جيبه قبل أن يكون خسارة للحكومة. وأما المحكمة فقد منحته قوانين المحاكم الأهلية سلطة الفصل في النزاعات، وتوقيع الغرامات، والحبس في حدود معلومة، فصارت رسوم المحاكم وغراماتها موردًا لخزائن الإدارة الأهلية، وصار الناظر في عين قومه القاضي الذي يُخشى حكمه لا مجرد الشيخ الذي يُحترم رأيه [18]. وأما الأرض فقد اعترفت الحكومة للقبائل بدورها، أي بأراضيها التقليدية، وجعلت للناظر الكلمة العليا في توزيع مواطن الزراعة، ومراعي الماشية، وموارد المياه داخل الدار، ومنح الوافدين حق الإقامة فيها، فصار مفتاح الأرض في يده [14]. ثم أضيفت إلى ذلك كله الألقاب، والكساوي، والأوسمة، ومجالس الحاكم العام في المناسبات، فكان الناظر ينال من الهيبة ما لم ينله أسلافه في عهد السلطنات.
وهكذا اجتمعت للناظر في يد واحدة سلطات المال، والقضاء، والأرض، وهي سلطات لم يجمعها شيخ قبيلة من قبل بهذا القدر من الضمان، لأن من ورائها الآن دولة حديثة بشرطتها وقوة دفاعها. ومن يملك هذا كله لا يثور على من منحه إياه. غير أن ثمن هذه السياسة كان تجميد الهويات القبلية وإدخالها في بنية الدولة الحديثة، وهو ميراث لم يتخلص منه السودان حتى اليوم [14].
ولم تبدأ الحكومة في مراجعة هذا النهج إلا في أواخر الثلاثينيات، حين أدرك السكرتير الإداري دوقلاس نيوبولد (Douglas Newbold) أن المتعلمين لا يمكن إقصاؤهم إلى الأبد، وأن الإدارة الأهلية لا تصلح أساسًا لدولة حديثة [19].
المناطق المقفولة، السياسة الجنوبية
إذا كانت الإدارة الأهلية قد قسّمت الشمال قبائل، فإن سياسة المناطق المقفولة قسّمت البلاد شطرين. فقد أصدرت الحكومة عام 1922 قانون الجوازات والتصاريح الذي أجاز لها إعلان مناطق «مقفولة» لا يدخلها السودانيون الشماليون إلا بتصريح، وشملت هذه المناطق الجنوب كله، وجبال النوبة، وأجزاء من دارفور [20].
ثم جاءت مذكرة ماكمايكل في الخامس والعشرين من يناير 1930، التي عُرفت بالسياسة الجنوبية، فنصّت على بناء وحدات قبلية مكتفية بذاتها في الجنوب تقوم على أعرافها المحلية، وعلى إبعاد التجار الشماليين (الجلابة)، وتقليص اللغة العربية، وتشجيع اللغة الإنجليزية واللغات المحلية، والنهي عن الأسماء والأزياء العربية، وتسليم التعليم إلى البعثات التبشيرية المسيحية [21]. وهكذا عاملت الحكومة الواحدة المبشرين معاملتين؛ فمنعتهم من الدعوة في الشمال حفاظًا على الهدوء، وسلّمتهم مدارس الجنوب حفاظًا على الهدوء أيضًا، وهو هدوء له وجهان، كوجهَي العملة البريطانية.
وكانت النتيجة أن الجنوب تُرك خارج كل تنمية؛ فلا مشاريع زراعية كبرى، ولا مدارس حكومية تُذكر، ولا طرق تربطه بالشمال إلا القليل، حتى صار متحفًا إداريًّا معزولًا [20]. ثم تراجعت الحكومة عن هذه السياسة، فكتب السكرتير الإداري جيمس روبرتسون (James Robertson) مذكرته في السادس عشر من ديسمبر 1946، وقرر فيها أن مستقبل الجنوب مرتبط بالشمال، وأن على الإدارة أن تعد الجنوبيين للوقوف على قدم المساواة مع إخوانهم في الشمال [14].
مؤتمر جوبا 1947، يومان وليلة لتقرير مصير الجنوب
جاء مؤتمر جوبا ثمرة لهذا التحول؛ فقد أوصى مؤتمر الإدارة السودانية عام 1946 بإنشاء جمعية تشريعية واحدة للسودان كله، فاحتاجت الحكومة إلى أن تعرف هل الجنوبيون مستعدون للجلوس فيها، فدعت إلى اجتماع في مدينة جوبا، وهي المدينة الواقعة على بحر الجبل في مديرية الاستوائية، يومي الثاني عشر والثالث عشر من يونيو 1947 [22]. وترأس الاجتماع روبرتسون نفسه، وأعلن في افتتاحه أنه اجتماع استكشافي لا تُتخذ فيه قرارات [21].
وجلس إلى المائدة ثلاثة أطراف؛ فمن البريطانيين حاكم الاستوائية مارود (B. V. Marwood)، وحاكم أعالي النيل كينغدون (F. D. Kingdon)، ونائب حاكم بحر الغزال أوين (T. R. H. Owen)، ومن الشماليين القاضي محمد صالح الشنقيطي، وإبراهيم بدري، وحسن أحمد عثمان، والدكتور حبيب عبد الله، والشيخ سرور محمد رملي، ومن الجنوبيين فريقان، أولهما زعماء قبليون، منهم السلطان لوليك لادو، والسلطان شير ريحان، والآخر متعلمون من الموظفين، والمعلمين، ورجال الكنيسة، منهم كلمنت أمبورو (Clement Mboro)، وجيمس طمبرة (James Tambura)، وسرسيو إيرو (Siricio Iro)، وفيلمون ماجوك، والقس أندريا أبايا، وبوث ديو (Buth Diu) [21].
وفي اليوم الأول كان الجنوبيون أقرب إلى التريث؛ فقال أحدهم إن الجنوبيين بالقياس إلى الشماليين «كالمجندين الجدد أمام الجنود القدامى»، وقال فيلمون ماجوك إن الأطفال «يشربون اللبن قبل أن يأكلوا الكسرة»، وطالب كلمنت أمبورو بأن يذهب الجنوبيون إلى الشمال مراقبين، ثم يعودوا فيرفعوا تقاريرهم إلى مجلس استشاري جنوبي. أما أوين، الإداري البريطاني، فقال صراحة إن الجنوب لن ينضم إلى الشمال راضيًا حتى يثبت الشماليون بأفعالهم أنهم تغيروا، بينما ألح الشنقيطي على التمثيل الفوري، لأن الجنوب في رأيه لا يصح أن يُستبعد من حكومة ستقرر مستقبله [21].
وبين اليومين كانت الليلة التي صنعت الفرق؛ فقد اجتمع المندوبون الجنوبيون في جوبا بنحو مائتين من الكتبة وصغار الموظفين الجنوبيين، وحثهم السلطان شير ريحان على ألا يخافوا الشماليين [22]. فلما انعقد الاجتماع في اليوم الثاني عاد أمبورو ليقول إن المجالس الجنوبية ستكون «بلا دفاع» أمام الجمعية التشريعية، وإن المجلس الاستشاري لا يملك إلا المشورة، وإن على الجنوبيين أن «يدافعوا عن أنفسهم، ويتكلموا، ويفكروا بأنفسهم»، وقال جيمس طمبرة إنه قلّب الأمر طويلًا في الليلة السابقة، وانضم إليهما فيلمون ماجوك. لكن آخرين ثبتوا على رأيهم؛ فقال لوليك لادو إن رأي قومه لا يتغير بين ليلة وضحاها، وتساءل شير ريحان نفسه هل يعود إلى قومه ليقول لهم إن الشماليين أصروا على دخولهم الآن أو لا دخول أبدًا، وحذر بوث ديو من أن المجلس الاستشاري الجنوبي المنفصل سيكون الخطوة الأولى نحو الانفصال [21].
ولخص روبرتسون الاجتماع في خمس نقاط، هي: أن الجنوبيين يريدون سودانًا موحدًا، وأنهم يريدون المشاركة في الجمعية التشريعية، وأنهم غير مستعدين لها فورًا، وأن الحكم المحلي في الجنوب ينبغي أن يُطوَّر بسرعة، وأن يحضر الجنوبيون الجمعية مراقبين أولًا [21]. واتُّفق كذلك على أن تُدرَّس اللغة العربية في مدارس الجنوب، وعلى أن تُفتح قرى الجنوب للتجار الشماليين من ذوي رؤوس الأموال، دون صغار الباعة [21]. ثم مضت الحكومة فأدخلت الجنوبيين أعضاء في الجمعية التشريعية التي افتُتحت عام 1948 [22].
وهكذا حُسم مصير إقليم تفوق مساحته مساحة فرنسا في يومين وليلة، في اجتماع قال رئيسه إنه لا يقرر شيئًا، ثم خرج منه بقرار في كل شيء. ولم يرد في المحضر أي ذكر للفيدرالية، خلافًا لما شاع لاحقًا في الأدبيات السياسية الجنوبية [22]. وصار المؤتمر بعد ذلك نصًّا يقرؤه كل فريق بعينه؛ فالشماليون يرونه عقد الوحدة، وكثير من الجنوبيين يرونه موافقة انتُزعت في ليلة، والمؤرخ يرى فيه اجتماعًا استشاريًّا حُمّل بعد وقوعه أكثر مما يحتمل.
لكن التراجع عن السياسة الجنوبية جاء متأخرًا؛ فقد ورث السودان المستقل جنوبًا يفصله عن الشمال ربع قرن من العزل المتعمد، وكانت تلك بذرة الحرب الأهلية التي انتهت بانفصال الجنوب عام 2011.
السيدان والإمبراطورية، احتواء الطوائف
نظرت الحكومة في سنواتها الأولى إلى الطرق الصوفية والأنصار بعين الريبة، واستثنت من ذلك الطريقة الختمية بزعامة السيد علي الميرغني، لأن الختمية عارضت المهدية من قبل، فكان زعيمها حليفًا طبيعيًّا للحكم الجديد [23]. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، ودعت الدولة العثمانية المسلمين إلى الجهاد ضد بريطانيا، فاحتاجت الحكومة إلى زعماء مسلمين يعلنون ولاءهم، فخففت القيود عن السيد عبد الرحمن المهدي، ابن المهدي، واستعانت به في تهدئة الأنصار [23].
وفي عام 1919 سافر وفد من الزعماء الدينيين، بينهم السيد علي الميرغني، والسيد عبد الرحمن المهدي، والشريف يوسف الهندي، إلى لندن لتهنئة الملك جورج الخامس بالنصر في الحرب، وفي ذلك العام نفسه جُمعت رسائل الولاء في كتاب عُرف بسِفر الولاء [7]. وفي تلك الزيارة جرت «حادثة السيف»، كما يسميها المؤرخ حسن أحمد إبراهيم؛ ففي حفل الاستقبال الذي أقامه الملك جورج الخامس في قصر باكنغهام للوفد السوداني، قدّم السيد عبد الرحمن إلى الملك، بصورة مسرحية، ما قال إنه سيف أبيه المهدي، عربونًا للولاء والإخلاص، فأعاده الملك إليه «ليحمله نيابة عنه في الدفاع عن عرشه وإمبراطوريته» [24]. ويستند إبراهيم في هذه الرواية إلى مذكرة ديفيز عن المهدية لعام 1926، وهي من وثائق الحكومة البريطانية [25]، ويؤكدها عبد السلام سيد أحمد، الذي يذكر أن السيد عبد الرحمن قدّم سيف المهدي إلى الملك في لفتة ولاء مسرحية [26]. أما السيد عبد الرحمن نفسه فيروي القصة في مذكراته بصيغة أهدأ، إذ يقول: «وفي لندن قابلت ملك الإنجليز وقلت له حديثًا في المعنى المتقدم، وقدمت له سيفًا كهدية ورمزًا للصداقة، وقبل الملك السيف ثم تفضل بإعادته إليّ قائلًا: احتفظ بهذا السيف لك ولأولادك» [27]. فصاحب الحادثة لا يقول إن السيف سيف أبيه، ولا إن الملك كلّفه بالدفاع عن العرش، بل، يجعلها هدية صداقة ردّها الملك إرثًا للأسرة، بينما تجعلها مذكرة ديفيز، المكتوبة بعين الحكومة البريطانية، عهد ولاء مسلح. ويؤيد ذلك أن عبارة إبراهيم نفسها حذرة، فهو يقول إن السيد قدّم «ما قال إنه» سيف أبيه، ولعل الفرق بين الروايتين هو أصل ما يتردد في بعض الكتابات من أنه «غالبًا» سيف المهدي، أو سيف من سيوف الأسرة، أو سيف من عهد المهدية. ويضيف السيد في الموضع نفسه أنه عاد إلى السودان فلم يجد تغييرًا في مسلك الحكومة نحوه، وأن أحد كبار الإنجليز برر ذلك بأن مقابلته للملك كانت «خصوصية» لا تتقيد حكومة السودان بنتائجها [27]. فالملك ردّ السيف إلى صاحبه، وحكومته في الخرطوم ردّت صاحب السيف إلى حجمه. وأيًّا كانت هوية السيف، فقد منحت الحادثة المهدية الجديدة دفعة معنوية قوية، وكانت، بحسب إبراهيم، اعترافًا حقيقيًّا بها مؤسسة وعقيدة، وبالسيد عبد الرحمن زعيمًا لها [24]. فابن الرجل الذي رفع السيف في وجه الإمبراطورية حمل سيفًا من ذلك العهد إلى قصرها، وعاد به مكلّفًا بحمايتها. ولو قيل للمهدي في جبل قدير، وهو الجبل الذي اعتصم به في جنوب كردفان أول دعوته، إن سيفًا من سيوف دعوته سيُحمل يومًا إلى قصر باكنغهام، ثم يعود منه مكلّفًا بحماية التاج البريطاني، لظنّ قائله من المجاذيب.
ثم تحوّل الاحتواء إلى اقتصاد؛ فقد حصل السيد عبد الرحمن على أراض ورخص لمشاريع زراعية بالطلمبات على النيل الأبيض، ووسّع نفوذه في جزيرة أبا، وهي جزيرة في النيل الأبيض كانت منطلق دعوة أبيه، حتى صار من كبار الأثرياء [23]. وكانت الحكومة توازن بين السيدين، فلا تسمح لأحدهما بأن يطغى على الآخر. فلما نشأت الأحزاب انقسمت على هذا الخط؛ فقام حزب الأشقاء عام 1943 داعيًا إلى الاتحاد مع مصر وسنده الختمية، وقام حزب الأمة عام 1945 داعيًا إلى الاستقلال وسنده الأنصار ورضا البريطانيين [18]. وهكذا لم تكتف بريطانيا بإدارة القبائل، بل، أدارت الطوائف أيضًا، وأورثت السودان سياسة تدور حول بيتين دينيين أكثر مما تدور حول برامج.
التعليم بالقطّارة
افتتحت كلية غردون التذكارية في الخرطوم عام 1902 بأموال جمعها كتشنر في بريطانيا تخليدًا لذكرى غردون، ووضع جيمس كري (James Currie)، أول مدير للتعليم، أهداف النظام التعليمي، فكانت إعداد عدد محدود من الكتبة، والمحاسبين، والفنيين، والقضاة الشرعيين، ونشر قدر من القراءة والكتابة بين أبناء الأعيان يكفي لفهم أوامر الحكومة [28]. وكان البريطانيون يخشون ما سموه «أنصاف المتعلمين»، لأنهم رأوا في المتعلمين العاطلين وقودًا للحركة الوطنية في مصر والهند [7].
وبعد أحداث 1924 ازدادت الريبة في المتعلمين، فقُلّصت الوظائف وخُفّضت الرواتب، حتى أضرب طلاب كلية غردون عام 1931 احتجاجًا على تخفيض رواتب الخريجين [7]. ثم عادت الحكومة في الثلاثينيات إلى التوسع المحسوب؛ فقد افتُتحت مدرسة كتشنر الطبية عام 1924، وأُنشئ معهد بخت الرضا لتدريب المعلمين عام 1934، وتوسعت الكلية في أقسامها العليا بعد توصيات لجنة دي لا وور (De La Warr) عام 1937 [28].
كان تعليمًا بالقطّارة، يكفي لتعبئة الاستمارات ولا يكفي لكتابة البيانات السياسية. غير أن القطرات تجمعت؛ فخريجو كلية غردون هم الذين أسسوا مؤتمر الخريجين، وهم الذين قادوا البلاد إلى الاستقلال، وكأن الإمبراطورية صنعت بيدها المفتاح الذي فُتح به باب خروجها.
القطن وسكة الحديد، اقتصاد السيطرة
كان المبدأ الحاكم للاقتصاد أن يدفع السودان ثمن حكمه بنفسه. وقد امتد خط السكة الحديد إلى الخرطوم بحري عام 1899، ثم أُنشئ ميناء بورتسودان على البحر الأحمر بديلًا لسواكن وربطه خط السكة الحديد بالنيل عام 1906، ثم بلغ الخط الحديدي الأبيض عام 1912 [2]. وكانت سكة الحديد أداة عسكرية لنقل الجنود، وأداة اقتصادية لنقل الصادرات إلى البحر، وأداة سياسية لربط الأطراف بالمركز.
أما قلب الاقتصاد فكان مشروع الجزيرة؛ فقد بدأت شركة السودان الزراعية (Sudan Plantations Syndicate)، وهي شركة بريطانية خاصة مقرها لندن، تجارب زراعة القطن عام 1911، ثم اكتمل خزان سنار على النيل الأزرق عام 1925 بقروض ضمنتها الخزانة البريطانية، فانطلق المشروع على نطاق واسع [29][4].
وقام المشروع على شراكة ثلاثية، لكل طرف فيها ما يقدمه وما يأخذه؛ فالحكومة قدمت الأرض والماء، ببناء الخزان وحفر القنوات، والشركة قدمت الإدارة، والسلف الموسمية، والحليج، والتسويق، والمزارع قدم عمله وعمل أسرته [29]. أما الأرض فلم تنتزعها الحكومة من ملاكها، بل، استأجرتها منهم إجبارًا بعشرة قروش للفدان في العام، ومنحت الملاك أولوية الحصول على الحواشات [30].
واقتسم الشركاء صافي عائد القطن وحده بنسب ثابتة، فكان للمزارعين أربعون في المائة، وللحكومة خمسة وثلاثون في المائة، وللشركة خمسة وعشرون في المائة، ثم عُدلت قسمة الشريكين الآخرين، فصار للحكومة أربعون في المائة، وللشركة عشرون في المائة، وبقي نصيب المزارعين على حاله [30]. وكانت الحواشة، وهي الوحدة الزراعية الممنوحة للمزارع، ثلاثين فدانًا في الأصل، تُزرع وفق دورة إلزامية، عشرة أفدنة قطنًا، وعشرة بورًا، وخمسة ذرة، وخمسة لوبيا، ثم زيدت الحواشة إلى أربعين فدانًا [30]. أما الذرة واللوبيا فلم تدخلا القسمة، فهما قوت المزارع وعلف بهائمه، وأما القطن فهو مال الشركاء جميعًا.
غير أن الأربعين في المائة لم تكن تصل إلى المزارع كاملة؛ فقد كانت تُخصم منها سلف الموسم ونفقات العمل، وكان على المزارع أن يزرع «بما يرضي الشركة»، وأن يطيع أوامر مفتشيها، وكانت الإدارة تحدد المحصول، والمساحة، ومواعيد العمليات، وتغرّم المهمل، وتملك أن تنزع منه حواشته [30]. فكان المزارع شريكًا لا يختار ما يزرع، ولا متى يزرع، ولا بكم يبيع، ولا يرى دفاتر الشركة، وهي شراكة يملك فيها أحد الشركاء الدفتر، ويملك الآخر الطورية.
وكان القطن السوداني الطويل التيلة يذهب إلى مصانع لانكشاير في إنجلترا، فزرعت بريطانيا القطن في الجزيرة وحصدته في مانشستر. ولما انتهى امتياز الشركة عام 1950 انتقل المشروع إلى مجلس إدارة حكومي، هو مجلس إدارة مشروع الجزيرة، وترأسه آرثر غيتسكل (Arthur Gaitskell)، المدير السابق للشركة نفسها [29]. فتغيرت اللافتة على باب المكتب، وبقي الرجل خلف المكتب.
وكان للقطن وظيفة سياسية لا تقل عن وظيفته الاقتصادية؛ فقد موّل عائده جهاز الدولة، وربط اقتصاد البلاد بمحصول واحد وسوق واحدة، وجعل الوسط النيلي مركزًا للثروة والسلطة على حساب الأطراف [18]. ولهذا وصف توني بارنيت (Tony Barnett) المشروع بأنه وهم تنمية، لأنه أنتج القطن ولم ينتج تحولًا حقيقيًّا في حياة المزارعين [31].
وفي سوق العمل تعاملت الحكومة مع الرق بحذر شديد؛ فقد حظرت تجارة الرقيق رسميًّا، لكنها تسامحت في السنوات الأولى مع الرق المنزلي القائم، خشية أن يؤدي التحرير السريع إلى انهيار الزراعة وإغضاب الأعيان الذين تحتاج إلى تعاونهم [32]. وحين احتاج مشروع الجزيرة إلى الأيدي العاملة اعتمد كثيرًا على المهاجرين من غرب أفريقيا وعلى الأرقاء المحررين [32]. فالمبادئ الإنسانية كانت حاضرة في البيانات، وكانت الحسابات حاضرة في التطبيق.
الخروج المُدار، من مؤتمر الخريجين إلى إنزال العلم
تأسس مؤتمر الخريجين في فبراير 1938، وفي عام 1942 رفع إلى الحكومة مذكرة تطالب بحق تقرير المصير للسودانيين بعد الحرب، فرفضها نيوبولد بحجة أن المؤتمر لا يمثل السودانيين [19]. ثم شرعت الحكومة في بناء مؤسسات تمثيلية تحت إشرافها، فأنشأت المجلس الاستشاري لشمال السودان عام 1944، واستبعدت الجنوب منه، ثم الجمعية التشريعية عام 1948، التي قاطعها دعاة الاتحاد مع مصر [33]. وكانت الفكرة أن تُصنع الحركة الوطنية على مقاس بريطاني، بالتدرج، ومن خلال قنوات تتحكم فيها الحكومة.
لكن الأحداث تسارعت؛ فقد ألغت مصر عام 1951 اتفاقيتي 1899 و1936 من جانب واحد، ثم قامت ثورة يوليو 1952 في مصر، فقبل قادتها مبدأ تقرير المصير للسودانيين، ووُقّعت الاتفاقية البريطانية المصرية في الثاني عشر من فبراير 1953 [34]. ونصّت الاتفاقية على «فترة الحكم الذاتي»، وهي فترة انتقالية لا تزيد على ثلاث سنوات، يحكم فيها السودانيون أنفسهم وفق قانون الحكم الذاتي الذي أجازته الجمعية التشريعية عام 1952، ويبقى فيها الحاكم العام البريطاني رأسًا للدولة تعاونه لجنة دولية، وتُسودن فيها الإدارة، والشرطة، وقوة دفاع السودان، ثم يختار السودانيون في نهايتها بين الاتحاد مع مصر والاستقلال [33].
ولم تكن انتخابات تلك الفترة انتخابات للجمعية التشريعية التي قاطعها الاتحاديون، فقد حُلّت الجمعية بعد أن أجازت قانون الحكم الذاتي، بل، كانت انتخابات أول برلمان سوداني، وهو جسم جديد من مجلسين: مجلس النواب، وعدد مقاعده سبعة وتسعون، ومجلس الشيوخ، وعدد مقاعده خمسون، يُنتخب ثلاثون منها ويعيّن الحاكم العام عشرين [33]. وجرت الانتخابات في نوفمبر 1953 بإشراف لجنة انتخابات دولية رأسها الهندي سوكومار سن (Sukumar Sen)، أول رئيس للجنة الانتخابات في الهند، ففاز الحزب الوطني الاتحادي بواحد وخمسين مقعدًا من مقاعد مجلس النواب، أي بالأغلبية المطلقة، مقابل اثنين وعشرين لحزب الأمة [34]. وافتُتح البرلمان في مطلع يناير 1954، وانتخب إسماعيل الأزهري رئيسًا للوزراء، فشكّل أول حكومة وطنية سودانية، وهي حكومة من حزبه وحده [2].
وفي الجنوب كشفت عملية السودنة حجم الإرث الذي تركته السياسة الجنوبية؛ فقد أعلنت لجنة السودنة نتائجها عام 1954، فمن بين نحو ثمانمائة وظيفة عليا أُخليت من الأجانب لم ينل الجنوبيون إلا أربع وظائف صغيرة، فتمرّدت الفرقة الاستوائية في توريت، وهي بلدة في الاستوائية، في الثامن عشر من أغسطس 1955 [14]. ثم أعلن البرلمان الاستقلال من داخله في التاسع عشر من ديسمبر 1955، وأُنزل العلمان البريطاني والمصري في الأول من يناير 1956 [2].
وقد يسأل القارئ: كيف تكون الوظائف المُخلاة ثمانمائة، والمقال يقول إن بريطانيا حكمت السودان بنحو أربعمائة رجل؟ والجواب أن الرقمين يعدّان شيئين مختلفين. فالأربعمائة هم رجال جهاز الخدمة السياسية وحده، أي المفتشون، والمديرون، وكبار الإداريين، على امتداد عمر الجهاز كله من 1899 إلى 1955، ولم يكن عدد العاملين منهم في أي سنة واحدة يتجاوز بضع عشرات بعد المائة [1]. أما الثمانمائة فهي كل الوظائف العليا التي كان يشغلها الأجانب في الحكومة كلها عند الاستقلال، من أطباء، ومهندسين، ومعلمين، وقضاة، وضباط شرطة، ومسؤولين في سكة الحديد، والري، والبريد، والمالية، وهي وظائف فنية لا تدخل في حساب الأربعمائة، وكان أغلبها في يد البريطانيين، ومعهم من بقي من المصريين، لأن الاتفاقية قضت بسودنة الوظائف التي يشغلها البريطانيون والمصريون معًا [34]. أما الشوام وغيرهم فكانوا قد أُزيحوا في معظمهم قبل ذلك بعقود، حين حلّ خريجو كلية غردون محلهم في الوظائف الكتابية والحسابية الصغيرة، فلم يكونوا موضوع السودنة الكبرى.
وقد يبدو الخروج هزيمة للإمبراطورية، لكنه في حساباتها كان خروجًا مُدارًا، لا بمعنى أنه خُطط له منذ البداية، فلم تختر بريطانيا موعده، بل، بمعنى أنها حين أيقنت أنه واقع لا محالة تولّت قيادته لتضمن نتائجه. وقد أيقنت بذلك لأن الدافع الأول الذي جاءت من أجله سقط؛ فالهند، التي كان طريقها يمر بقناة السويس، استقلت عام 1947، ووقّعت بريطانيا مع مصر في أكتوبر 1954 اتفاقية الجلاء عن منطقة القناة، فلم يعد للسودان، سياجًا لمصر والنيل، الوزن الذي كان له عام 1898 [2]. وأضيف إلى ذلك أن بريطانيا خرجت من الحرب العالمية الثانية مثقلة بالديون، في عالم تقوده الولايات المتحدة والأمم المتحدة نحو تصفية الاستعمار، وأن الحركة الوطنية السودانية لم تعد تقبل التدرج [33]. فلما تعذّر البقاء صار الهدف ألا يذهب السودان إلى مصر، وأن يخلف الحاكمَ البريطاني من تعرفه بريطانيا.
ولذلك سلّمت السلطة إلى نخبة تخرّجت في مدارسها، وإلى جهاز خدمة مدنية دربته، وإلى جيش أنشأته، وإلى أحزاب نشأت في ظلها. والأهم أنها كسبت المعركة الأخيرة مع شريكها المصري، إذ اختار السودان الاستقلال لا الاتحاد، بل، إن الحزب الوطني الاتحادي نفسه، الذي فاز في الانتخابات بشعار الاتحاد مع مصر، هو الذي قاد البلاد إلى الاستقلال. فخرجت بريطانيا من الباب، وتركت مفاتيح البيت في أيد تعرفها.
خلاصة، إمبراطورية بأقل كلفة
لم تحكم بريطانيا السودان ستين عامًا بسر واحد، بل، بشبكة من الأدوات يُكمل بعضها بعضًا. فالمدفع أقنع، والاتفاقية غطّت، والدوريات أدّبت، والاستخبارات راقبت، والمفتش أدار، والناظر نفّذ، والسيدان هدّآ، والمدرسة خرّجت الكتبة، والقطن موّل، وسكة الحديد ربطت. وكان الخيط الذي يجمع هذه الأدوات كلها هو الحكم بأقل كلفة، أي أن يحكم السودانيين سودانيون، تحت إشراف بريطاني قليل العدد، وعلى حساب الخزانة المصرية ثم السودانية، لا على حساب دافع الضرائب البريطاني.
وكان الخيط الثاني هو التقسيم؛ فقد قسّمت السياسة البريطانية الشمال عن الجنوب، والقبيلة عن المتعلمين، والختمية عن الأنصار، والسودان عن مصر، وجعلت من كل انقسام وسيلة لإدارة الآخر. ولا يصح أن يُحمَّل الاستعمار وحده كل علل السودان اللاحقة، فقد بنى خدمة مدنية عُرفت بالانضباط، وسككًا حديدية، ومشروعًا زراعيًّا ضخمًا، وكلية صارت جامعة الخرطوم. لكن البنى التي ورثها السودان المستقل، من ثنائية المركز والأطراف، إلى قضية الجنوب، إلى السياسة الطائفية، إلى الإدارة الأهلية، كانت في معظمها من صنع تلك الاستراتيجية. وهكذا رحل الحاكم بعد ستين عامًا، وبقيت طريقته في الحكم تحكم من بعده.
المراجع
[1] A. H. M. Kirk-Greene, The Sudan Political Service: A Preliminary Profile (Oxford, 1982).
[2] P. M. Holt and M. W. Daly, A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 6th ed. (Harlow: Pearson Longman, 2011).
[3] Evelyn Baring, Earl of Cromer, Modern Egypt, 2 vols. (London: Macmillan, 1908).
[4] M. W. Daly, Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934 (Cambridge: Cambridge University Press, 1986).
[5] Gabriel Warburg, The Sudan under Wingate: Administration in the Anglo-Egyptian Sudan, 1899–1916 (London: Frank Cass, 1971).
[6] F. D. Lugard, The Dual Mandate in British Tropical Africa (Edinburgh and London: William Blackwood and Sons, 1922).
[7] Heather J. Sharkey, Living with Colonialism: Nationalism and Culture in the Anglo-Egyptian Sudan (Berkeley: University of California Press, 2003).
[8] Encyclopaedia Britannica, “Capitulation.”
https://www.britannica.com/topic/capitulation
[9] Byron D. Cannon, Politics of Law and the Courts in Nineteenth-Century Egypt (Salt Lake City: University of Utah Press, 1988).
[10] Encyclopaedia Britannica, “Anglo-Egyptian Condominium,” revised and updated by Amy McKenna.
https://www.britannica.com/topic/Anglo-Egyptian-Condominium
[11] Muddathir ʿAbd al-Rahim, Imperialism and Nationalism in the Sudan: A Study in Constitutional and Political Development, 1899–1956 (Oxford: Clarendon Press, 1969).
[12] A. B. Theobald, ʿAlī Dīnār, Last Sultan of Darfur, 1898–1916 (London: Longmans, 1965).
[13] Douglas H. Johnson, Nuer Prophets: A History of Prophecy from the Upper Nile in the Nineteenth and Twentieth Centuries (Oxford: Clarendon Press, 1994).
[14] Douglas H. Johnson, The Root Causes of Sudan’s Civil Wars (Oxford: James Currey; Bloomington: Indiana University Press, 2003).
[15] J. A. Mangan, “The Education of an Elite Imperial Administration: The Sudan Political Service and the British Public School System,” International Journal of African Historical Studies 15, no. 4 (1982): 671–699.
[16] Elena Vezzadini, Lost Nationalism: Revolution, Memory and Anti-colonial Resistance in Sudan (Woodbridge: James Currey, 2015).
[17] Hasan Abdin, Early Sudanese Nationalism, 1919–1925 (Khartoum: Khartoum University Press, 1985).
[18] Tim Niblock, Class and Power in Sudan: The Dynamics of Sudanese Politics, 1898–1985 (Basingstoke: Macmillan, 1987).
[19] K. D. D. Henderson, The Making of the Modern Sudan: The Life and Letters of Sir Douglas Newbold (London: Faber and Faber, 1953).
[20] Robert O. Collins, Shadows in the Grass: Britain in the Southern Sudan, 1918–1956 (New Haven: Yale University Press, 1983).
[21] Mohamed Omer Beshir, The Southern Sudan: Background to Conflict (London: C. Hurst, 1968).
[22] Douglas H. Johnson, Federalism in the History of South Sudanese Political Thought, Rift Valley Institute Research Paper 1 (London and Nairobi: Rift Valley Institute, 2014).
https://www.cmi.no/file/2876-RVI—Research-Papers—Federalism-in-the-history-of-South-Sudanese-political-thought.pdf
[23] Gabriel Warburg, Islam, Sectarianism and Politics in Sudan since the Mahdiyya (London: Hurst, 2003).
[24] حسن أحمد إبراهيم، «دور السيد عبد الرحمن المهدي في الحركة الوطنية السودانية 1908–1956»، مقدمة كتاب: مذكرات الإمام عبد الرحمن المهدي (القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1996)، ص 7.
[25] Memorandum by Davies on Mahdism, 1926, P.R.O. F.O. 3/1/12374; cited in Hassan Ahmed Ibrahim, introduction to Mudhakkirat al-Imam Abd al-Rahman al-Mahdi (Cairo: Sudanese Studies Center, 1996), p. 7, n. 8.
[26] Abdel Salam Sidahmed, Politics and Islam in Contemporary Sudan (New York: St. Martin’s Press, 1996).
[27] عبد الرحمن المهدي، مذكرات الإمام عبد الرحمن المهدي (القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 1996)، ص 43.
[28] Mohamed Omer Beshir, Educational Development in the Sudan, 1898–1956 (Oxford: Clarendon Press, 1969).
[29] Arthur Gaitskell, Gezira: A Story of Development in the Sudan (London: Faber and Faber, 1959).
[30] Victoria Bernal, “Colonial Moral Economy and the Discipline of Development: The Gezira Scheme and ‘Modern’ Sudan,” Cultural Anthropology 12, no. 4 (1997): 447–479.
[31] Tony Barnett, The Gezira Scheme: An Illusion of Development (London: Frank Cass, 1977).
[32] Ahmad Alawad Sikainga, Slaves into Workers: Emancipation and Labor in Colonial Sudan (Austin: University of Texas Press, 1996).
[33] M. W. Daly, Imperial Sudan: The Anglo-Egyptian Condominium, 1934–1956 (Cambridge: Cambridge University Press, 1991).
[34] Peter Woodward, Condominium and Sudanese Nationalism (London: Rex Collings, 1979).

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
مَجْلِس السِّلمِ والأمْنِ الأفريقي: قلَّة حِيلَة الحل بيد السودانيين .. بقلم: د. الواثق كمير
الأخبار
حملة “ارحل” تندد باعتقالات وتعذيب السياسيين والنشطاء .. وتقف بقوة مع طلاب دارفور وضد العنصرية
منشورات غير مصنفة
وثائق امريكية عن اكتوبر والديمقراطية الثانية (19): عبود يدافع عن نظامه .. واشنطن: محمد علي صالح
منشورات غير مصنفة
السُّقوط .. بقلم: بابكر فيصل بابكر
الأخبار
بيان الآلية الثلاثية بشأن وقف إطلاق النار

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

واخيرا … هل اتفق القوم علي إقتسام السلطة؟؟ .. بقلم: صلاح الباشا

صلاح الباشا
منبر الرأي

دينق الور الجنوبي وافي دختر الاسرائيلي وهيلري الامريكانية ؟ .. بقلم: ثروت قاسم

ثروت قاسم
منبر الرأي

الباشبذوق … بقلم: محمد موسى جبارة

محمد موسى جبارة
منبر الرأي

مديرية بربر في العشرين عاما الأولى من الحكم الثنائي بالسودان .. بقلم: بيرسي أف. مارتن .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss