السفير: عادل إبراهيم مصطفي
في حديث لافت أدلى به المحلل السياسي والباحث والناشط الحقوقي المصري الأمريكي مجدي خليل لوكالة الأنباء الإثيوبية (ENA)، ونُشر يوم 21 أكتوبر 2026 الجاري، قال إن مساعي مصر لعرقلة بناء سد النهضة الإثيوبي كانت خطأً، داعياً إلى تجاوز الخلافات القائمة بين القاهرة وأديس أبابا، والعمل على إقامة علاقات استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة.
وأوضح خليل أن سد النهضة مشروع تنموي يستهدف توليد الكهرباء، ولا يشكل تهديداً لمصر، معتبراً أن محاولات عرقلة بنائه تعكس تقديراً خاطئاً لطبيعة المشروع وأهدافه.
وأكد المحلل السياسي المصري أن إثيوبيا تمثل دولة ذات أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة إلى مصر، باعتبار الدور الحيوي الذي يؤديه نهر النيل في حياة الشعبين وفي تحقيق التنمية في البلدين.
وأكثر من ذلك، وصف خليل إثيوبيا بأنها أهم دولة بالنسبة إلى مصر على الإطلاق، مستنداً إلى حقيقة أن مياه النيل تنبع من أراضيها، ومعبّراً عن ذلك بقوله: “حيثما تنبع مياه النيل تنبع الحياة”».
ومضى خليل إلى توجيه النقد لما أسماه “استمرار نظريات المؤامرة والشكوك التاريخية في التصورات المصرية تجاه إثيوبيا”، مشيراً إلى أن المخاوف من احتمال قيام إثيوبيا بتحويل مجرى النيل الأزرق تعود إلى قرون مضت، وأن هذه الروايات التاريخية أسهمت في تكوين صورة سلبية عن إثيوبيا لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين البلدين حتى اليوم.
ورأى أن استمرار هذه التصورات السلبية حال دون تطور العلاقات الإثيوبية المصرية، داعياً إلى تجاوز عقلية المواجهة والشكوك المتبادلة، وتبني نهج جديد يقوم على التعاون والثقة والاعتراف بالمصالح المشروعة لكل طرف.
وشدد خليل على أن بإمكان مصر حماية مصالحها المائية، مع احترام حق إثيوبيا في استخدام مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء، مؤكداً أن تحقيق المكاسب لأي من البلدين لا ينبغي أن يكون على حساب البلد الآخر. ودعا، في هذا السياق، إلى اعتماد مبدأ المنفعة المتبادلة، الذي يحقق المكاسب للطرفين، بدلاً من عقلية الصراع التي يسعى فيها أحدهما إلى الانتصار على حساب الآخر.
ولم يقتصر حديث خليل على الجوانب السياسية والتنموية، بل امتد إلى الأطر القانونية التي تستند إليها المواقف المصرية في قضية مياه النيل، وذلك من خلال التشكيك في سلامة الاستناد إلى الاتفاقيات التاريخية المتعلقة بمياه النيل، الموقعة في العهد الاستعماري في عامي 1902 و1929، واتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان، باعتبارها أساساً يُلزم إثيوبيا بترتيبات لم تكن طرفاً فيها.
وبحسب المحلل السياسي المصري مجدي خليل، سبق أن استدعت وزارة الخارجية المصرية الخبير القانوني المصري جورج أبي صعب، القاضي السابق في محكمة العدل الدولية، للاستماع إلى تقييمه بشأن الوضع القانوني للاتفاقيات التاريخية المتعلقة بمياه النيل. وبيّن خليل أن أبي صعب حذّر من الاعتماد على تلك الاتفاقيات، مستنداً إلى المبادئ القانونية المتعلقة بالاتفاقيات المبرمة خلال الحقبة الاستعمارية.
وأوضح خليل أن الاتفاقيات المتعلقة بالمياه لا تتمتع بالضرورة بالمكانة القانونية نفسها التي تتمتع بها الاتفاقيات الخاصة بترسيم الحدود، كما أكد أن الاتفاقية الموقعة عام 1959 بين مصر والسودان بشأن اقتسام مياه النيل لا يمكن اعتبارها ملزمة لإثيوبيا، لأنها لم تكن طرفاً فيها.
وبدلاً من الاستمرار في التمسك بترتيبات تاريخية محل خلاف، دعا السيد مجدي خليل إلى إبرام اتفاقية جديدة تراعي مصالح مصر وإثيوبيا، وتتوافق مع قواعد القانون الدولي ومبدأ المنفعة المتبادلة، مع احترام حق إثيوبيا في التنمية وأخذ الاحتياجات المائية المصرية في الاعتبار.
واختتم خليل حديثه لوكالة الأنباء الإثيوبية بالتأكيد على أن بناء علاقات قوية بين البلدين يتطلب التخلي عن المواقف العدائية، وتجاوز الشكوك المتبادلة، وإقامة شراكة استراتيجية قائمة على الاحترام المتبادل وعدم الإضرار بمصالح أي من الطرفين.
وفي سياق متصل، كشف مجدي خليل، في حديث بثته قناة المرصد القبطي الفضائية المصرية، أن رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ميلس زيناوي، الذي بدأ بناء مشروع سد النهضة في عهده، عرض على مصر والسودان المشاركة في ملكية السد وإدارته، وذلك خلال زيارة له إلى القاهرة في 11 أبريل 2011. وأضاف أن صحيفة الأهرام القاهرية نشرت هذا العرض بتاريخ 14 أبريل 2011. وتأسيساً على هذا القول، يبدو واضحاً أن خيار الشراكة الإقليمية كان متاحاً، إلا أن القاهرة اختارت أن يكون سد النهضة مجالاً للخلاف.
وأما ما طرحه المحلل السياسي المصري خليل حول خطأ مساعي مصر لعرقلة سد النهضة، وانتقاده للخطاب المصري التقليدي تجاه إثيوبيا، ودعوته إلى مراجعة الأسس التاريخية والقانونية للموقف المصري، فيُعدّ، في تقديرنا، مؤشراً إلى حالة الارتباك التي يعاني منها الخطاب المصري بشأن السد ومستقبل العلاقات مع دول حوض النيل عموماً. فبعد سنوات طويلة من تصوير سد النهضة باعتباره تهديداً وجودياً لمصر، يأتي صوت من داخل النقاش المصري ليؤكد أن المشروع تنموي في جوهره، وأن الطريق إلى حماية المصالح المصرية لا يمر عبر محاولات تعطيله، وإنما عبر التفاهم مع إثيوبيا وبناء علاقات استراتيجية معها.
والواقع أن مصر لا يمكن أن تكون جاهلة بالغرض الأساسي من بناء السد؛ فهو مشروع لتوليد الكهرباء، وليس مشروعاً لتحويل مياه النيل الأزرق إلى مساحات زراعية تستهلك المياه. ومن خلال التعاون فيما يخص قواعد تشغيل السد، والتنسيق وتبادل المعلومات، يمكن تجاوز كل ما من شأنه التأثير في التدفقات المائية خلال فترات ملء بحيرة السد أو الجفاف، بدلاً من تصوير السد كمشروع يستهدف حرمان مصر من المياه.
ومن هنا، فإن جوهر المشكلة المصرية لا يتعلق بمجرد إقامة السد، بقدر ما يرتبط بما أشار إليه المحلل السياسي مجدي خليل من أن مصر تعتبر أن مياه النيل ملك لها، وأن على إثيوبيا ودول الحوض تنفيذ إرادتها، استناداً إلى الاتفاقيات الموقعة خلال الحقبة الاستعمارية، التي منحت مصر حقوقاً حصرية شبه مطلقة في مياه النيل، بما في ذلك حق الاعتراض على أي مشاريع تنموية تتصل بمياه النيل تقيمها دول حوض النيل، مثل السدود. وهذا ما ترفضه إثيوبيا وكل دول الحوض باستثناء السودان، الذي يتبنى الموقف المصري من سد النهضة وقضية مياه النيل من حيث العموم، رغم أنه من الدول المتضررة من اتفاقيات الحقبة الاستعمارية التي كرّست الهيمنة المصرية على مياه النيل، ومن اتفاقية عام 1959 التي فُرضت في عهد النظام العسكري الأول، وأسفرت عن تهجير مواطني حلفا وإغراق إرث نوبي لا يُقدّر بثمن. ولعل تبعية السودان لمصر فيما يخص مياه النيل هي أحد أهم العوامل التي تبرر حرص مصر على عسكرة الحكم في السودان عموماً، وتمسكها بصورة خاصة بقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي “فات الكبار والقدرو” من الحكام العسكريين السابقين في التبعية لمصر.
وخلاصة القول، إن الأهمية الحقيقية لحديث مجدي خليل تكمن في اعترافه بأن سياسة عرقلة سد النهضة لم تكن الخيار الصحيح، وفي دعوته إلى الانتقال من المواجهة إلى التعاون الاستراتيجي. فمصر لن تحقق أمنها المائي بمحاولة منع إثيوبيا من التنمية، وإثيوبيا لن تحقق النهضة التنموية التي تصبو إليها بمعزل عن التعاون مع جيرانها، والسودان لن يجني مصالحه من الارتهان لمواقف الآخرين، بل من تبني سياسة مستقلة تضع مصالحه الوطنية في مقدمة أولوياتها.
إن المطلوب اليوم هو تجاوز عقلية الهيمنة والشكوك المتبادلة، والانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على الاعتراف بالحقوق والمصالح المشتركة، والتفاوض بحسن نية، وتقاسم المنافع بدلاً من الصراع حول حصص المياه.
فإذا أحسنت الدول الثلاث إدارة خلافاتها، فيمكن لسد النهضة أن يتحول من مصدر للتوتر إلى رافعة للتنمية والتكامل الإقليمي: كهرباء لإثيوبيا، وفرص تنموية ومائية أوسع للسودان، وتنسيق يحمي الأمن المائي لمصر.
وهكذا يصبح النيل جسراً للتعاون والازدهار المشترك، بدلاً من أن يظل ساحة للصراع على إرث تاريخي لم يعد من الممكن إدارته بعقلية الماضي.
