محمد مختار الخطيب: نقد التشخيص وغياب البديل
قراءة نقدية في “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم”
عاطف عبدالله
مقدمة: بنية القيادة وتحديات التجديد المؤسسي
شكلت مسألة القيادة في الحزب الشيوعي السوداني – عبر تاريخه السياسي – إحدى أبرز المساحات الفكرية والتنظيمية المثيرة للجدل. فعلى الرغم من التقاليد التنظيمية الراسخة والحضور النضالي المشهود للحزب، ظلت الممارسة السياسية تعاني من هيمنة “الرمز القيادي” وتأثير الفرد الحاسم في توجهات المؤسسة ورسم سياساتها، وهو الجانب الذي حظي بتحليلات نقدية موسعة من كوادر ومفكرين بارزين، في مقدمتهم الراحل الخاتم عدلان في مساهمته المرجعية “آن أوان التغيير”.
ومع صعود الأستاذ محمد مختار الخطيب إلى موقع السكرتير السياسي خلفاً للراحل محمد إبراهيم نقد، ثار تفاؤل واسع في وسائط العمل الحزبي والجماهيري بإمكانية تدشين تحول نوعي؛ تحول ينقل الحزب من ضيق الأساليب الفردية والرمزية الكاريزمية إلى رحابة العمل المؤسسي والقيادة الجماعية، مستنداً في ذلك إلى خلفية الخطيب النقابية القادمة من رحم الطبقة العاملة بمدينة عطبرة. وقد تجلى ذلك التفاؤل مبكراً في محاولات إشراك قطاعات أوسع من الكادر الحزبي في مناقشة القضايا المصيرية، وهي التوجهات التي وثّقنا قراءتها في كتابنا: “طائر النوء – قطار الشهيد عبد الخالق محجوب – مدخل للتجديد” (2015).
غير أن الاختبارات العملية اللاحقة كشفت عن تراجع تدريجي عن تلك التطلعات؛ حيث آلت ممارسة القرار إلى دوائر محدودة ومراكز نفوذ تنقلت بالحزب نحو انكفاء تنظيم واحتكار للرؤية، وإقصاء للرأي المغاير، وتراجع في القدرة على المبادرة وتوسيع التحالفات الوطنية. ولم تكن هذه النتيجة مجرد تعثر في أساليب الإدارة التنظيمية، بل امتدت لتنعكس في الخطاب السياسي وتجلياته النقدية تجاه الواقع المعقد.
من هذا المنظور التقييمي، تأتي هذه القراءة لتناول الورقة المعنونة: “المشروع البديل لبرنامج الهبوط الناعم: الجبهة العريضة هي الحل”، المنشورة باسم السكرتير السياسي الأستاذ محمد مختار الخطيب (أكتوبر 2026). فالهدف هنا لا يقتصر على مجادلة النص في مضامينه المباشرة، بل يتجاوز ذلك إلى التفكيك المنهجي للأسس الفكرية والسياسية التي أنتجته، واختبار مدى قدرة أطروحاته على تقديم استراتيجية واقعية وموضوعية تضمن إيقاف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي في السودان.
أطروحة الخطيب بين جذرية الشعار وتعقيدات الواقع السوداني
تستوجب القراءة النقدية التحليلية لورقة الأستاذ محمد مختار الخطيب التمييز الدقيق بين ثلاثة مستويات منهجية: أولها صحة التشخيص النظري للأزمة الوطنية، وثانيها تماسك التصور السياسي المعروض للتعامل معها، وثالثها مدى قابلية هذا البرنامج للتحول إلى قوة اجتماعية وتنظيمية فاعلة ومؤثرة في الواقع الراهن.
فالورقة لا تكتفي بتقديم معالجات اقتصادية واجتماعية مرحلية، بل تطرح رؤية كليّة تفسر الحرب وتداعياتها والتدخلات الخارجية المقترنة بها من خلال ثنائية مفهومية صلبة: مشروع ثورة ديسمبر بوصفه تعبيراً عن التغيير الجذري والتحرر الوطني، مقابل مشروع “الهبوط الناعم” بوصفه امتداداً لأزمة الدولة وإعادة إنتاج التبعية في أيدي تحالفات القوى التقليدية والعسكرية والمدنية. وتخلص الورقة إلى أن مخرج الأزمة يكمن حصراً في تشكيل “جبهة جماهيرية عريضة قاعدية” ترفض التفاوض أو التوافق على حد أدنى مع قيادات طرفي الحرب أو القوى المدنية التي لم تتخلَّ صراحة عن مشروع الهبوط الناعم.
إن إنصاف الطرح وموضوعية النقد يتطلبان البدء بتحديد مواطن القوة والأفكار المفصلية التي أصابت الورقة في إبرازها قبل الانتقال إلى تفكيك إشكالياتها.
أطروحة الخطيب بين جذرية الشعار وتعقيدات الواقع السوداني
تقتضي القراءة النقدية لهذه الورقة، المنشورة باسم السكرتير السياسي للحزب الشيوعي السوداني محمد مختار الخطيب في 20 أكتوبر 2026، التمييز بين ثلاثة مستويات: صحة تشخيص الأزمة السودانية، وتماسك التصور السياسي المطروح للخروج منها، وقابلية البرنامج للتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على إيقاف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي.
فالورقة لا تقتصر على تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي بديل، بل تطرح رؤية متكاملة للصراع في السودان، وتفسر الحرب والتدخلات الخارجية والتسويات السياسية من خلال ثنائية مركزية: مشروع ثورة ديسمبر بوصفه مشروعاً للتغيير الجذري والتحرر الوطني، ومشروع “الهبوط الناعم” بوصفه امتداداً لأزمة الدولة والتبعية وإعادة إنتاج السلطة والثروة في أيدي القوى التقليدية والعسكرية والمدنية المتحالفة معها.
وتنتهي الورقة إلى أن الحل يكمن في بناء “جبهة جماهيرية عريضة قاعدية”، تستند إلى لجان المقاومة والنقابات والحزب الشيوعي والقوى الملتزمة بمشروع التغيير الجذري، وترفض الاتفاق على حد أدنى مع قيادات طرفي الحرب أو مع القوى المدنية التي لا تتخلّى عن مشروع الهبوط الناعم.
هذه الرؤية تستحق المناقشة الجادة؛ فهي تنطلق من أسئلة حقيقية تتعلق بأسباب فشل الانتقال، وطبيعة الدولة السودانية، وعلاقة السلطة بالثروة، ومخاطر إعادة إنتاج النظام القديم. لكن جدية هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة سلامة جميع الإجابات التي تقدمها الورقة. وهنا يبدأ النقد: هل تنجح الأطروحة في الانتقال من تشخيص الاختلالات التاريخية إلى تفسير الحرب الراهنة، ثم من صحة الغايات المعلنة إلى تحديد الطريق السياسي الواقعي لتحقيقها؟
الجزء الأول: مواطن القوة في الأطروحة وما ينبغي عدم إغفاله
من الإنصاف أن يبدأ النقد بما أصابت فيه الورقة، لا بما نختلف معه بشأنه.
- الربط بين الحرب وأزمة الدولة، بدلاً من اختزالها في المواجهة العسكرية
تلفت الورقة الانتباه إلى أن الحرب لا تنفصل عن أزمة بناء الدولة السودانية، وعن الصراع على السلطة والثروة، وعن إخفاق الانتقال في تفكيك مراكز النفوذ القديمة. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن وقف القتال، مهما كانت ضرورته، لن يكون كافياً وحده إذا تُركت أسباب الحرب السياسية والاقتصادية والعسكرية قائمة.
- التحذير من إعادة إنتاج الأزمة عبر تسوية لا تعالج جذورها
تطرح الورقة سؤالاً مشروعاً: هل يمكن لتسوية تعيد توزيع السلطة بين القوى المتحاربة وحلفائها أن تؤسس لسلام مستدام، إذا لم تعالج قضايا العدالة، وإصلاح المؤسسات، والاختلالات الاقتصادية، وعلاقة المركز بالأقاليم؟
هذا التحذير وجيه. فتجارب السودان الانتقالية واتفاقاته السياسية تبرر الحذر من التسويات التي تقتصر على تقاسم السلطة، دون بناء مؤسسات مستقلة أو معالجة المظالم التاريخية.
لكن الاعتراض على تسوية بعينها ينبغي أن يستند إلى مضمونها وآلياتها وضماناتها، لا إلى افتراض أن كل مبادرة خارجية أو كل تفاوض سياسي لا بد أن يكون أداة لإعادة إنتاج التبعية.
- الجمع بين التحول السياسي والتغيير الاقتصادي والاجتماعي
لا تختزل الورقة الديمقراطية في الانتخابات أو تغيير الحكومة، بل تربطها بالعدالة الاجتماعية، وتوزيع الموارد، والخدمات العامة، واستقلال النقابات، وإصلاح الخدمة المدنية، وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية مهنية.
وهذا من الجوانب المهمة في أي مشروع جاد لبناء الدولة؛ إذ لا تستقر الديمقراطية إذا ظلت قطاعات واسعة من المواطنين محرومة من مقومات الحياة، أو إذا بقيت القوة الاقتصادية والعسكرية خارج الرقابة العامة.
- مركزية العمل الجماهيري والتنظيم القاعدي
تؤكد الورقة أن الجماهير ليست مجرد قوة تستدعى لإسقاط نظام ثم تُترك للقيادات السياسية كي تتصرف باسمها، بل ينبغي أن يكون لها دور مستمر في الرقابة وصنع القرار. وهذه الفكرة تستجيب لدرس مهم من ثورة ديسمبر: اتساع المشاركة الشعبية لا يضمن وحده انتقال السلطة إلى المؤسسات المدنية، ما لم يتحول إلى تنظيم سياسي واجتماعي مستدام.
غير أن هذه الإيجابيات لا تحسم السؤال الأهم: هل تقدم الورقة تصوراً عملياً لبناء هذه القوة الجماهيرية في ظروف الحرب والنزوح والتشظي، أم تكتفي بتحديد الشكل التنظيمي الذي ينبغي أن تتخذه؟
