خطابات البرهان للرأي العام؛ علي قلتها؛ الا أنها كذلك تعتمد الغموض أكثر من الإبانة، و التلميحات أكثر من التصريح، والرسائل غير المباشرة أكثر من المباشرة، بل هي أقرب للغمز والهمز واللمز منها لكونها خطاب سياسي للمسؤول الاول!
خطابات البرهان تسير كذلك علي ذات نهج خُطب البشير ‘المخلوع’، إذ له خطاب محلي لمخاطبة الداخل؛ يستخدم فيه لغة ‘بل بس’ والحسم ورفض الحوار والتفاوض ويتعمد فيه تغذية العنف والانتقام والكراهية، وخطاب عالمي في مخاطبة الخارج (اجتماعات الأمم المتحدة ورسالته الأخيرة لترامب، والتي بالمناسبة لم يتلقي عليها رد بعد !؟) يستخدم فيه المصطلحات واللغة الدبلوماسية العادية (الكلام الذي لايلد..).
منذ اندلاع الحرب في ابريل ٢٠٢٣م لم يلقي البرهان كلمة واضحة ‘وضافية’ توضح اسباب الحرب ومآلات الأمور كما يراها من موقع الرجل الأول في البلد ‘و في الجيش’..
لم يبين للناس حالة التشرد التي هم مقبلون عليها (أو هم فيها، بحسب الحال) وما أن كان ينصحهم بالبقاء في مناطقهم، أو النزوح، أو اللجوء للخارج بحثاً عن حياة..
فيما المدارس بقيت مغلقة (حتي في المناطق غير المتأثرة بالحرب) لنحو عام دراسي؛ وذلك لأنها تحولت لدور إيواء نازحين؛ ولم تفتح أبوابها بقرار حكومي الا بعد شد وجذب بين الإدارات المحلية و الأهالي من جهة وقادة الرأى في زمن الحرب الأغبر هذا (الذين أرادوا ايقاف الحياة الي حين الانتصار علي المليشيات المتمردة!!) وفقط تدخل البرهان بعد أن خشي من تحول الرأي المطالب بفتح المدارس الي رأي رافض للحرب.
لقد انتفع البرهان من الفترة التي قضاها قابعاً ‘في بدروم القيادة’، وهي الفترة التي طوّر فيها دعاة الحرب خطابهم الذي يلقي بالمسؤولية في اندلاع الحرب علي القوي المدنية، وروجوا فيها لسيناريو الانقلاب (التخطيط من قبل الدعم السريع للاستيلاء علي الحكم؛ وبحيث يكون حصار المدينة الرياضية هو بداية العمل علي اجهاض المحاولة الانقلابية المزعومة) ونشروا فيها روايتهم الداعية الي رفض أي هدنة ورفض التفاوض ..
لقد بدأ خطاب دعاة الحرب ضعيف الحجج يفتقد للمنطق السياسي، و معتمداً فقط علي جاذبية القوة والعنف (رغم التراجع و الخسائر والهزائم الأولية)..
لكن ذلك الخطاب تقوي معتمداً علي مظلومية الانتهاكات (انتهاكات المليشيا) تجاه المواطنين من تقتيل ونهب (شفشفة) واغتصاب؛ ما صح منها وحدث بالفعل؛ أو ما تم فبركته في غرف اعلام الحرب والعنف والكراهية..
وتقوي خطاب الحرب كذلك معتمداً علي وقوف القوي المدنية علي الحياد ومحاولتها جمع الأطراف (تحديدا لقاء وفد القوي بحميدتي في أديس أبابا) والذي فسرته غُرف اعلام الحرب علي أنه دعم من تلك القوي للدعم السريع -في وقت كانت فيه مزاعم موت حميدتي علي أشدها ولا تقبل النفي او حتي مجرد التشكيك !!
خرج البرهان -من بدرومه- ليجد خطاب جاهز ورائج فلم يكلف نفسه مشقة تقديم الرواية الرسمية! إنما اكتفي بمسايرة ذلك الخطاب (الشعبوي) و تبنيه ضمناً كذلك لا صراحةً!! وتعيين أحد أركان غُرف الدعاية الحربية (خالد الاعيسر) وزيراً للإعلام !!
كل ما فعله البرهان منذ خروجه من (بدرومه) هو دعم خطاب غُرف الحرب و روايتها وذلك عبر مهاجمة القوي المدنية وعلي فترات متباعدة !!
أول هجوم من البرهان علي القوي المدنية كان بعد لقاء أديس أبابا الذي أشرنا إليه؛ وذلك حين سخر من القوي المدنية ووصفها بأنها (ذهبت للقاء الشخص الذي نهب أموالهم و’ظعطهم’ !!)
ثم بعد شهور متطاولة خرج بتصريح يقول فيه أن لا مكان بعد الحرب (للطارئين) في إشارة غامزة وهامزة للاتفاق الإطاري الذي وقع عليه قبل أن يلتف عليه بالحرب!!
ثم قبل فترة ليست بالقصيرة خرج بتصريح يتهم قوي إعلان الحرية (قحت) بأنهم عرضوا عليه اتفاق سري للبقاء معاً في السلطة لعشرة أعوام !!
وأخيراً جاء خطاب وادي حلفا (حيث ذهب لاستجداء مصر أن تستمر في ارسال شاحناتها للسودان بعد أن توقفت بسبب مقتل اثنين منهم، وهي الحادثة التي وقعت علي خلفية مقتل عشرات المعدنين السودانيين بغارة جوية مصرية؛ اتخذت مصر موقف لأجل سائقين -إثنين، أما حكومة البرهان فلم تتخذ موقفا لأجل عشرات المعدنين لايعرف أحد عددهم، ولا يهتم البرهان أن يعرف عددهم)!
في وادي حلفا جدد البرهان هجومه علي القوي المدنية وعلي عبدالله حمدوك، معلناً ألا مكان ولا دور سياسي لهم في السودان!
البرهان في ذلك لا يأتي بدعة، فهذا هو خطاب غُرف الحرب والكراهية الإعلامي ذاته؛ الخطاب الذي يركز جهده علي القوي المدنية والسياسية و قوي ثورة ديسمبر أكثر مما يركز هجومه علي المليشيات -المتمردة التي يحارب!!
خطاب الحرب يبغي أن يصل الي غاية جعل حرب ابريل هي فيصل الوطنية، ودليل استحقاق وجدارة المواطنة و (الحقوق المدنية والسياسية والحكم كذلك)، و يروم أن يمحو تاريخ ثورة ديسمبر فتكون نسياً منسيا !!
محو الثورة و دعاوي التغيير هو هدف الحرب وغايتها الأولي؛ لذا يهاجم البرهان بين الفينة واختها القوي المدنية وأبرز رموزها (حمدوك) لأنهم عدوه الأول لا حميدتي .. ولأن محو الثورة هو هدف رئيس لذا لن ينهي البرهان (ومن يقفون خلفه من الداخل والخارج) هذه الحرب طوعاً بإرادتهم؛ طالما أن هدف وأد التغيير لم يتحقق كلياً أو جزئياً.
- ابونوره اوهاج
