نزار عثمان السمندل
تصعب قراءة خبر انضمام الروائي عبدالعزيز بركة ساكن إلى لجنة تهيئة الحوار السوداني – السوداني، من دون استحضار المسافة بين العالم الذي شيدته رواياته والموقع الذي اختار الوقوف فيه اليوم. فالرجل الذي جعل من مآسي السودانيين، ومن حيواتهم التي سحقتها الحروب والتهميش، مادةً لمشروعه الإبداعي، يجد نفسه عضواً في لجنة تعمل في كنف سلطة عسكرية تحكم بلداً غارقاً في الحرب، وتظل أسئلة العدالة والحكم المدني ومصير الضحايا معلقة فوق رؤوس أهله.
تنبع المفارقة من سيرة أدبية صنعت جانباً مهماً من حضور بركة ساكن في المشهد الثقافي السوداني والعربي والعالمي. ففي روايته «مسيح دارفور»، كما في أعمال أخرى، اقترب من عوالم البشر الذين دفعتهم الحروب إلى حواف الحياة، ومنحهم أصواتاً تكشف ما تعجز البيانات السياسية عن قوله أحيانا.
كانت قيمة هذا الأدب في قدرته على استعادة الإنسان من تحت ركام الوقائع، وعلى مواجهة تاريخ من العنف والتهميش جعل معاناة الضعفاء أمراً قابلاً للتجاهل.
ومن هذه المساحة تحديداً تنشأ أسئلة اللحظة الراهنة. ماذا يعني أن ينتقل روائي ارتبط اسمه بكشف مآسي ضحايا السلطة إلى المشاركة في لجنة للحوار تعمل تحت مظلة السلطة العسكرية؟ وأي معنى يكتسبه هذا الاختيار في بلد ما زال أهله يدفعون أثمان الحرب، فيما تتنازع القوى المسلحة ذاتها حق تقرير مستقبله؟
قد يرى بركة ساكن أن الحوار ضرورة لإنقاذ السودان، وأن وجوده في اللجنة يمنحه فرصة للمساهمة في وقف الحرب وفتح الطريق أمام الحكم المدني. وهذه غايات مشروعة في ذاتها، كما أن المشاركة في مبادرة سياسية لا تكفي وحدها للحكم على دوافع صاحبها أو اختزال تجربته. غير أن مشروعية الغاية تضعنا أمام سؤال الوسيلة، وأمام طبيعة السلطة التي ترعى المبادرة، والضمانات التي تحول دون استخدام الحوار لإعادة إنتاج الأزمة أو منح الحكم العسكري وجهاً مدنياً جديداً.
فالسلام الذي ينتظره السودانيون يحتاج إلى أكثر من اجتماع تلتقي فيه الأسماء باللافتات. يحتاج إلى مساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وإلى ضمانات تحمي المدنيين، وإلى مسار يعيد القرار الوطني إلى أصحابه، ويضع حداً لتدخل السلاح في تقرير مصير الدولة. ومن دون هذه الشروط، قد يتحول الحوار إلى ترتيب جديد لمواقع القوى المتصارعة، بينما يبقى الإنسان الذي دفع الثمن؛ والذي كتب عنه بركة ساكن ذات يوم… خارج الحساب.
هنا تتجاوز المسألة شخص بركة ساكن إلى معنى المثقف ودوره. فالمثقف يكتسب مكانته من قدرته على مساءلة القوة، ومن شجاعته في كشف ما تحاول السلطة حجبه، ومن انحيازه إلى الإنسان حين يصبح ضعيفاً أمام آلة القتل والعنف والتهميش. وحين يدخل صاحب هذه المكانة مشهداً سياسياً ملتبساً، يصبح مطالباً بتوضيح موقعه وشرح الكيفية التي ستتحول بها مشاركته إلى فعل يخدم الناس، بدلاً من أن يمنح السلطة الانقلابية رصيداً رمزياً هي في أمسّ الحاجة إليه في وقتها الراهن.
إن المكانة الأدبية لا تمنح صاحبها حصانة من المساءلة، كما أن الموقف السياسي المختلف لا يمحو تلقائياً قيمة منجزه الإبداعي. تستطيع روايات بركة ساكن أن تحتفظ بقيمتها الفنية والإنسانية، لكن يظل اختياره الحالي مفتوحاً للنقد. فالخلط بين الأمرين يظلم الأدب، ويعفي صاحبه من مسؤولية خياراته العامة. وما نحتاج إليه هو قراءة العمل بمعاييره، ومساءلة الموقف بمعايير المسؤولية الأخلاقية والسياسية.
وتزداد هذه المسؤولية وضوحاً في السودان، حيث لم تعد الحرب موضوعاً للنقاش المجرد؛ بعدما أضحت كارثة تعيشها عائلات فقدت بيوتها وأمانها وأحبابها.
هؤلاء الذين منحهم الأدب صوتاً يستحقون أن يظلوا حاضرين في حسابات المثقف حين ينتقل من الكتابة إلى الفعل العام.
هم لا يحتاجون إلى أسماء ثقافية تضفي على المبادرات بريقاً إضافياً، بقدر ما يحتاجون إلى مواقف واضحة من العدالة، وحماية المدنيين، واستعادة الحكم المدني، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.
يستحق عبدالعزيز بركة ساكن أن يُقرأ أدبه بعيداً عن محاكمات النيات، وأن يُسأل عن اختياره السياسي بعيداً عن تقديس اسمه الأدبي. والسؤال الذي يواجهه اليوم يتعلق بقدرته على توضيح الصلة بين مشاركته في الحوار والقيم الإنسانية التي حملتها أعماله، وبما إذا كان حضوره سيُسهم في فتح طريق حقيقي أمام السودانيين لاستعادة حقهم في تقرير مصيرهم ومصير دولتهم المدنية.
سقوط المعنى يبدأ عندما تنفصل الكلمة عن المسؤولية التي منحتها قيمتها، وعندما تتحول الشهرة الثقافية إلى رصيد يُستدعى لتجاوز أسئلة الحاضر. أما استعادة المعنى فتمر عبر الموقف الواضح، والشفافية، والاستعداد لقبول المساءلة.
فالمثقف الذي يمنح ضحايا أمته صوتاً في الأدب، تظل مسؤوليته قائمة حين يصبح صوته جزءاً من المشهد السياسي. وعند امتحان هذه المسؤولية، تتحدد المسافة بين الكاتب الذي يصف آلام الناس، والمثقف الذي يجعل كرامتهم معياراً لاختياراته.
