كتبه: عبداللطيف سويكت
لتوضيح هذا المأزق الإبستمولوجي
العميق—كيف أن محاولة إقامة
“معرفة تجريبية للتناهي” تجعل الإنسان
ذاتاً وموضوعاً في آن واحد وتؤدي إلى
انهيار اليقين—دعنا نأخذ مثالاً صارخاً من
قلب العلوم الطبيعية
(الفيزياء وعلم الأحياء الدقيقة).
هذا المثال هو: “مبدأ اللايقين (الريب)
لهايزنبرغ” في ميكانيكا الكم، مدموجاً
بآلية “الإدراك البشري”.
النماذج العلمية: حتمية نيوتن مقابل تناهي الكم
في الفيزياء الكلاسيكية (نيوتن)،
كان يُنظر إلى الكون كآلة ساعة ضخمة
. الإنسان (الذات) يقف خارج الآلة، يراقبها
ويقيس حركتها (الموضوع) دون أن يؤثر فيها
. هنا، لم يكن “تناهي الإنسان” يمثل مشكلة،
لأن أدوات القياس كانت تُعتبر امتداداً
عقلانياً محضاً.
لكن، عندما دخلنا إلى عالم الذرة (الكم)،
صدمنا بالتناهي البشري في أبهى تجلياته:
الآلية العلمية (المجال التجريبي): لكي
نرصد “إلكتروناً” ونحدد مكانه وسرعته
تجريبياً، يجب أن نسلط عليه شعاعاً من
الضوء (فوتون).
المأزق (الذات والموضوع): الفوتون الذي
أطلقناه لكي “نرى” به، يصطدم بالإلكترون
ويغير مكانه أو سرعته!
هنا انهار الفصل التجريبي بين
“أداة الملاحظة البشرية”
(الذات المتناهية التي تحتاج للضوء لترى)
وبين “الشيء المرصود” (الموضوع).
الإنسان هنا لم يعد مراقباً محايداً يقف
خلف زجاج المختبر؛ بل أصبح جزءاً من
التجربة، ووعيه وأدواته المتناهية هي
التي تحدد شكل الحقيقة الفيزيائية
(هل الإلكترون جسيم أم موجة؟).
إسقاط المثال على فكرة فوكو وكانط
عند كانط (حدود العقل البشري): أثبتت
فيزياء الكم تجريبياً أن
عقولنا وحواسنا متناهية. نحن لا يمكننا
معرفة “الإلكترون في ذاته” (النومينون)،
بل نعرف فقط “أثر الإلكترون وتفاعله مع
جهاز قياسنا” (الفينومينون). محاولة إقامة
معرفة تجريبية مطلقة عن مكان وسرعة
الإلكترون معاً باءت بالفشل، لأن “تناهي”
أدواتنا حال دون ذلك.
عند فوكو (مأزق الذات والموضوع):
في العلوم الإنسانية، الأمر يشبه تماماً ما
حدث في ميكانيكا الكم. عندما يحاول
عالم النفس أو عالم الأنثروبولوجيا دراسة
“تناهي الإنسان” (سلوكه، لغته، جنونه)،
فإنه يستخدم عقله ولغته وثقافته
(التي هي نفسها متناهية ومحكومة بعصره)
لدراسة عقل ولغة وثقافة إنسان آخر!
الذات الباحثة تُطلق “فوتونات” أسئلتها
وثقافتها على الموضوع المدروس، فتغير
من طبيعته. بالتالي، العلم التجريبي هنا
لا يدرس “الإنسان الحقيقي”، بل يدرس “
التركيب المعرفي” الذي نتج عن عملية
الملاحظة نفسها.
عودة إلى “البروف”
في هذا المثال الفيزيائي الكيميائي، يتجلى
التناقض تماماً: العلم أقام معادلات رياضية
دقيقة جداً تحسب “الاحتمالات”
(ميكانيكا الكم)، وهذا أقصى ما يمكن للمجال
التجريبي فعله.
لكن عندما يسأل البروفيسور نفسه:
“ما هي الحقيقة المطلقة للإلكترون خلف
جهاز القياس؟”، يدرك أن “الحد الكانطي”
قد لُمس باليد داخل المختبر؛ وأن العلم
التجريبي هنا قد وصل إلى سقفه وتناهيه،
لتبدأ منطقة أخرى تماماً لا تحكمها أجهزة
الرصد، بل يحكمها التأمل الإبستمولوجي..
. أو حركة السبحة.
