مقال رأي أصيل لسودانايل — حين يصبح السؤال عن الماء سؤالاً عن الكرامة
السادة في هيئة تحرير «سودانايل» المحترمون،
أضع بين أيديكم المقال الأصلي المكتمل أدناه للنظر في نشره ضمن منبر الرأي. كتبته بالعربية لقرائكم السودانيين، مستنداً إلى بيان الأمم المتحدة الصادر في 16 أكتوبر 2026 بشأن نقص الأمطار وتأثير الحرب والنزوح على الغذاء والمياه والخدمات الصحية.
المقال تأمل إنساني مسيحي في تعاليم يسوع عن خدمة الجائع والعطشان والمريض ومثل السامري الصالح. وهو يدعو إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية التي تهدد المدنيين وإلى حماية الخدمات الأساسية، من دون مناصرة طرف سياسي أو عسكري. أكتب من كولورادو، ولا أدّعي أنني شاهد عيان على أحداث السودان.
أرفقت صورتي الشخصية المعتمدة وملفي الإعلامي الكامل باللغة العربية لاستخدامهما إن قررتم نشر النص. أرجو اعتماد التوقيع «Douglas Vandergraph»، ويمكن ذكر https://douglasvandergraph.com/ في نبذة الكاتب إذا سمحت أعراف التحرير لديكم. لا أطلب أجراً أو موضعاً إعلانياً.
أشكركم على رسالتكم الإعلامية وعلى وقتكم في قراءة المقال.
مع خالص التقدير،
Douglas Vandergraph
— المقال الكامل —
حين يصبح السؤال عن الماء سؤالاً عن الكرامة
بقلم Douglas Vandergraph
في بعض الأيام تبدأ أسئلة الحياة الكبيرة بأشياء صغيرة جداً. هل تكفي المياه النظيفة لإعداد طعام الأسرة؟ هل يستطيع طفل مريض أن يصل إلى العيادة؟ وهل يمكن للأم أن تجد ما تحتاجه لعلاج ابنها من دون أن تقضي النهار كله في الانتظار والخوف؟
في السودان، أصبحت هذه الأسئلة جزءاً من الأزمة الإنسانية التي صنعتها سنوات الحرب والنزوح. ففي 16 أكتوبر 2026 حذّر منسق الأمم المتحدة المقيم للشؤون الإنسانية من أن نقص الأمطار في أجزاء من البلاد يضاعف خطر الجوع وسوء التغذية والأمراض، ولا سيما في دارفور وأجزاء من كردفان. وأكد البيان أهمية توفير الغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والخدمات الصحية، كما أشار إلى حاجة المزارعين الصغار إلى الدعم قبل موسم الزراعة الشتوي.
لا أعيش في السودان، ولا أدّعي أنني شاهدت ما تمر به الأسر هناك. أكتب من مدينة فورت كولينز في الولايات المتحدة، وأعرف أن أهل السودان أقدر مني على وصف وجوه الألم وأسماء الأماكن والذكريات التي يحملونها. وما أستطيع تقديمه هو تأمل مسيحي في واجبنا تجاه الإنسان الذي يواجه الخوف والعطش والمرض.
عندما تحدث يسوع المسيح في إنجيل متى عن الجائع والعطشان والغريب والمريض، لم يجعل العناية بهم مسألة ثانوية تأتي بعد كل نقاش آخر. لقد ربط خدمتهم بما نفعله له هو. وهذا التعليم لا يطلب من أحد أن يغيّر دينه حتى يستحق كوب ماء أو علاجاً أو مكاناً آمناً. بل يطالب المؤمن أن يرى الشخص المحتاج قبل أن يسأله عن هويته.
لكن هناك فرقاً بين الحديث عن الرحمة وممارستها. فمن السهل أن نتأثر بصورة طفل يحمل وعاء ماء. الأصعب أن نسأل كيف يصل الماء إلى الحي بصورة منتظمة، وكيف تُحمى البئر أو شبكة التوزيع، وكيف تستطيع الأسرة معرفة المكان الذي يتوافر فيه العلاج. فالرحمة التي لا تهتم بهذه التفاصيل قد تمنحنا شعوراً بالرضا من دون أن تغير حياة أحد.
وإذا كانت الموارد محدودة، فإن الواجب لا يصبح أقل أهمية؛ بل تصبح العدالة والإنصات أكثر ضرورة. تحتاج الأسر النازحة إلى المساعدة، وتحتاج المجتمعات التي تستقبلها إلى دعم حقيقي حتى لا تصبح ضيافتها عبئاً يفوق قدرتها. ومن الخطأ تصوير الطرفين كأن أحدهما ينافس الآخر على الحق في الحياة. كلاهما يحتاج إلى خدمات يمكن الاعتماد عليها وإلى معلومات واضحة تحترم كرامة الناس.
وفي العيادات ومراكز التغذية، قد يكون للكلمة الطيبة وزن لا يقل عن أهميتها في المنزل. فالأسرة القلقة لا تحتاج إلى الوعود التي لا يمكن الوفاء بها. تحتاج إلى تفسير صادق عن الخدمة المتاحة وموعدها، وإلى معاملة لا تحوّل الفقر أو النزوح إلى سبب للإهانة. ولا ينبغي للعاملين في الصحة، الذين يعملون تحت ضغط كبير، أن يُتركوا وحدهم من دون الإمدادات والحماية والموارد اللازمة.
أتذكر أيضاً مثل السامري الصالح في إنجيل لوقا. رأى السامري رجلاً جريحاً على الطريق، فاقترب منه واعتنى به ثم رتّب استمرار رعايته. لم يكتف بالتعبير عن الأسف. لم يسأله أن يثبت أنه من جماعته. ولم يعتبر أن الأمر ينتهي عندما يواصل هو طريقه. لقد اهتم بما سيحدث للجريح بعد ذلك.
هذا هو الدرس الذي أسمعه في قصة يسوع: المساعدة الجادة لا تكتفي بلحظة الإنقاذ. إنها تسأل عن الغد. هل يستطيع الطفل العودة إلى المدرسة؟ هل تستطيع الأسرة الوصول إلى الغذاء من دون خطر؟ هل يجد المريض دواءه؟ وهل يمكن للناس أن يعملوا ويزرعوا ويعيشوا من غير خوف؟
ولا يجوز أن نسمح للكلام عن الصبر أو المغفرة بأن يصرف النظر عن الضرورة الأولى. يجب أن تتوقف فوراً الأعمال العدائية التي تهدد المدنيين. يجب رفض الاعتداءات والتهديد والاختطاف والانتقام والإضرار بالمرافق الأساسية، وتأمين وصول المعونة الإنسانية لمن يحتاجها. كما تستلزم الانتهاكات الخطيرة تحقيقاً موثوقاً ومساءلة عادلة. لا يتحقق السلام بأن نأمر المجروح أن يسكت عن جرحه، بل بأن نعترف بالحقيقة ونحميه من تكرار الأذى.
ليس المقصود بهذه الكلمات الحكم على حزب أو جماعة أو طرف بعينه. المقصود أن حياة الإنسان لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإثبات حجة ضد الآخرين. فالجائع جائع، والمريض مريض، والطفل خائف، مهما كان الاسم الذي يحمله أو المكان الذي جاء منه.
إن الدعوة المسيحية إلى صناعة السلام لا تعني انتظار نهاية الأزمة قبل أن نفعل شيئاً. يمكن للكنائس والجمعيات والأسر والأصدقاء أن يساندوا العمل الإنساني الموثوق وأن يصغوا إلى احتياجات الناس، من دون شروط دينية أو طلبات تعرّض خصوصياتهم للخطر. ويمكن لكل واحد منا أن يمتنع عن نشر الشائعات التي تزيد الخوف، وأن يختار اللغة التي تعترف بإنسانية الآخر.
أعرف أن كلمة سلام قد تبدو بعيدة جداً عن أم تبحث اليوم عن ماء نظيف. لكن السلام الذي يستحق اسمه ينبغي أن يصل في النهاية إلى بيتها: طريق آمن، ومصدر ماء يمكن الاعتماد عليه، وعيادة تستطيع علاج طفلها، وموسم يستطيع فيه الناس العمل في أرضهم من غير خوف.
حين قال المسيح «طوبى لصانعي السلام» لم يعدنا بأن هذا العمل سيكون سهلاً. لكنه أعطانا معياراً لا ينبغي أن ننساه: لا ننتظر أن يصبح الإنسان قريباً منا كي نعترف بحقه في الحياة الكريمة.
فلنطالب بوقف العنف فوراً، وبحماية المدنيين والخدمات الإنسانية، وبأن تجد كل أسرة ما تحتاج إليه من ماء وغذاء وعلاج. ولنجعل سؤالنا الأول، قبل الشعارات الكبيرة: ماذا يحتاج جيراننا اليوم لكي يعيشوا بأمان؟
Douglas Vandergraph
كاتب مسيحي ومعلّم للكتاب المقدس من فورت كولينز، كولورادو، الولايات المتحدة.
الموقع للتعريف بالكاتب: https://douglasvandergraph.com/
مرجع الوقائع: الأمم المتحدة في السودان، بيان 16 أكتوبر 2026 عن نقص الأمطار والحاجات الإنسانية:
https://sudan.un.org/en/324728-severe-rainfall-deficits-sudan
Official Douglas Vandergraph Photo.png
Attachments:
Douglas-Vandergraph-Premium-Media-Kit-2026-AR.pdf 96,6 KB
Official Douglas Vandergraph Photo.png 2,5 MB
douglas_vandergraph@vandergraphworldwide.com
