باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 3 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
إبراهيم برسي
إبراهيم برسي عرض كل المقالات

حدود القوة وانحسار الهيمنة: الحركة الإسلامية السودانية ١٩٤٨–٢٠٢٦ (6)

اخر تحديث: 3 نوفمبر, 2026 11:53 صباحًا
شارك

٦ من ١٢

جهاز الأمن قبل أن يحكم قبضته

إبراهيم برسي

“للبغلة حاجات، وأنا أتبع البغلة لأقضي بعض حاجاتها”.

هكذا أجاب جحا، كما تروي النادرة المنسوبة إليه، حين سأله أحد المارة إلى أين يمضي بعدما ضلّت به بغلته.

تذكرت الحكاية وأنا أبحث في تاريخ العمل الأمني للحركة الإسلامية السودانية. فالأدوات التي تنشئها التنظيمات لخدمة أهدافها قد تكتسب، مع الزمن، نفوذًا يتجاوز ما أراده لها أصحابها. وقد تبلغ من القوة ما يجعل من الصعب التمييز بين من يصدر القرار ومن يملك المعلومات التي يُبنى عليها ذلك القرار. لكن هل حدث شيء من هذا داخل الحركة الإسلامية السودانية؟ ومتى بدأت السرية، التي كانت ضرورة لحماية التنظيم، تتحول إلى مصدر للنفوذ؟

في المقال السابق توقفنا عند اختيار عمر البشير لقيادة انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩، وما أحاط بذلك الاختيار من روايات متباينة. لكن الانقلاب لم يكن قرارًا اتخذه عدد من الضباط ثم نفذوه وحدهم. فقد سبقته اتصالات مدنية، واجتماعات سرية، وترتيبات لتأمين المشاركين فيه. وهنا يبرز سؤال آخر: من كان يجمع المعلومات، ويؤمّن الاتصالات، ويربط بين القيادة السياسية والضباط الذين أُوكل إليهم التنفيذ؟

العمل السري لم يكن حكرًا على الإسلاميين بين الأحزاب السودانية. فقد عرفته الأحزاب الشيوعية والقومية والحركات المعارضة، كما عرفته التنظيمات التي تعرضت للملاحقة في عهود الحكم العسكري المختلفة. وكانت الحركة الإسلامية، منذ سنواتها الأولى، مضطرة إلى حماية عضويتها واجتماعاتها واتصالاتها، خصوصًا في فترات المواجهة مع السلطة.

لكن هناك فرقًا بين السرية التي تحمي اجتماعًا سياسيًا، والعمل الذي يجمع المعلومات عن الأشخاص والمؤسسات، ويصنفها ويضعها أمام القيادة لتستعين بها في اتخاذ القرار. وليس لدينا ما يكفي للقول إن الحركة امتلكت منذ نشأتها جهازًا أمنيًا متخصصًا، أو أن الوظائف التي ظهرت لاحقًا كانت قائمة منذ الخمسينيات والستينيات بالصورة نفسها.

ما يمكن تتبعه هو اتساع الحاجة إلى المعلومات مع اتساع التنظيم نفسه.

في الجامعات، حيث كانت المنافسة بين الإسلاميين والشيوعيين والبعثيين والناصريين وغيرهم جزءًا من الحياة السياسية اليومية، تعلمت أجيال من كوادر الحركة أهمية معرفة الخصوم وتحالفاتهم، ومتابعة اتجاهات الطلاب وموازين القوة داخل الاتحادات. وهي ممارسات مألوفة في العمل السياسي، لكنها أتاحت أيضًا خبرة في جمع المعلومات وبناء العلاقات وفحص الأشخاص.

ولم تبق هذه الخبرة حبيسة الجامعات. فقد حملها بعض أعضاء الحركة معهم إلى النقابات والمؤسسات الحكومية والقطاع الاقتصادي، حيث اتسعت علاقاتهم ومصادر معرفتهم. وجاءت المصالحة الوطنية مع جعفر نميري سنة ١٩٧٧ لتفتح أمام الإسلاميين مجالًا أوسع للحضور داخل مؤسسات الدولة، وهو تحول تناولنا أبعاده السياسية في الجزء الثاني من هذه السلسلة. أما ما يعنينا هنا فهو أثره في قدرة التنظيم على الوصول إلى المعلومات وبناء العلاقات.

فالموظف الذي يعرف ما يجري داخل مؤسسته، والنقابي الذي يتابع مواقف زملائه، والكادر الذي يحتفظ بعلاقاته السياسية بعد انتقاله إلى وظيفة حكومية، يمكن أن يصبح كل منهم مصدرًا للمعلومات. ولا يعني ذلك أن هؤلاء كانوا يعملون بالضرورة ضمن شبكة استخبارية مركزية، لكنه يوضح كيف اتسعت المعرفة المتاحة للتنظيم، وكيف نشأت الحاجة إلى تنظيمها والاستفادة منها.

وفي الثمانينيات تظهر في الروايات المنشورة إشارات أكثر تحديدًا إلى عمل أمني داخل الحركة الإسلامية والجبهة الإسلامية القومية، عُرف في بعض المصادر باسم “أمن الجبهة”، وفي مصادر أخرى باسم “مكتب الأمن” أو “المكتب الفني السري الخاص”.

ومن بين المصادر التي تناولت هذه التسميات تقرير نشرته “الجزيرة نت” في ١٥ أبريل ٢٠١٩ بعنوان “تركة البشير الأمنية والعسكرية بين التفكيك والحل”، إلى جانب مقالات صحفية تناولت تاريخ صلاح قوش وعلاقته بالأجهزة الأمنية للحركة.

ولا تسمح المادة المتاحة بالجزم بأن هذه التسميات كانت تشير جميعها إلى مؤسسة واحدة. كما لم أقف على وثيقة تأسيس تحدد تاريخ إنشاء الجهاز، أو أسماء جميع المسؤولين عنه، أو علاقته التفصيلية بالقيادة السياسية والتنظيم العسكري. لكن الإشارات المتعددة إلى نشاط أمني متخصص قبل الانقلاب، وظهور أسماء ارتبطت به ثم انتقلت إلى أجهزة الدولة بعد ١٩٨٩، تجعل هذا الجانب جزءًا مهمًا من تاريخ الحركة، حتى إذا بقيت بنيته الداخلية غير مكتملة الوضوح.

غير أن أسماء المكاتب لا تخبرنا بكل شيء عن القوة التي أصبحت في يد أصحابها. فالمعلومات ليست مجرد مادة تُجمع وتُحفظ. إنها تمنح من يمتلكها قدرة على التأثير في الخيارات السياسية، وعلى تقدير موازين القوة، وأحيانًا على تحديد ما ينبغي أن تعرفه القيادة وما يمكن حجبه عنها. ولا نملك ما يثبت أن الأجهزة الأمنية داخل الحركة كانت مستقلة عن قيادتها، لكن طبيعة عملها تفتح سؤالًا عن حدود نفوذها وموقعها من القرار السياسي.

وحين تغيب الوثائق التي تكشف البناء الداخلي لهذا العمل، تصبح سير الأشخاص الذين ارتبطوا به أحد المداخل الممكنة لفهم تطوره، مع ضرورة التمييز بين أدوارهم قبل الانقلاب والمواقع التي شغلوها بعده.

ومن بين هؤلاء نافع علي نافع.

كان نافع قبل انقلاب ١٩٨٩ أكاديميًا بجامعة الخرطوم وكادرًا في الحركة الإسلامية، وتربطه روايات منشورة بالعمل الأمني التنظيمي. وبعد الانقلاب تولى موقعًا قياديًا في جهاز الأمن، وأصبح اسمه مرتبطًا بالسنوات الأولى للإنقاذ وما شهدته من اعتقالات وانتهاكات.

وقد ظلت تتردد روايات عن تلقيه تدريبًا أمنيًا في إيران. ففي تقرير نشرته صحيفة “الصيحة” بتاريخ ٢٨ أبريل ٢٠٢١، نقل الصحفي محمد موسى أقوالًا منسوبة إلى إبراهيم نايل إيدام، أول مدير لجهاز الأمن في عهد الإنقاذ، ذكر فيها أن نافع وتسعة عشر آخرين من المدنيين الإسلاميين تلقوا دورات في إيران قبل إلحاقهم بجهاز الأمن الوطني.

وفي المقابل، نفى نافع تلقيه تدريبًا أمنيًا من الأساس، في حوار أجراه معه الصحفي عمر العمر ونشرته صحيفة “البيان” الإماراتية بتاريخ ١٦ يوليو ٢٠٠٥. وقال إنه تولى رئاسة الجهاز دون خبرة أمنية سابقة، وإنه لم يجد وقتًا للتدريب بعد تكليفه بالمهمة.

لدينا إذن شهادتان متعارضتان: رواية منسوبة إلى مسؤول أمني سابق، ونفي صريح من نافع. ولا نعرف على وجه الدقة متى جرت الدورات التي تحدث عنها إبراهيم نايل إيدام، أو طبيعتها، أو الجهة التي أشرفت عليها. لكن اختلاف الروايتين يفتح بابًا للبحث في مصادر الخبرة الأمنية التي استعانت بها السلطة الجديدة، بدل الاكتفاء بما يقوله المسؤولون عن أنفسهم.

ويظهر اسم صلاح عبد الله محمد صالح، المعروف بصلاح قوش، في السياق نفسه.

كان قوش من الكوادر الإسلامية بجامعة الخرطوم، حيث درس الهندسة، وارتبط اسمه بالعمل المعلوماتي والأمني داخل التنظيم. غير أن المصادر تختلف بشأن توقيت انتقاله إلى المكتب الأمني المتخصص.

فقد ذكرت منى عبد الفتاح، في مقال نشرته “اندبندنت عربية” بتاريخ ١٩ يناير ٢٠٢٠ بعنوان “قوش… استراتيجية اللعب على التناقضات السودانية”، أن قوش كان مسؤولًا عن جهاز معلومات التنظيم الإسلامي بجامعة الخرطوم خلال الثمانينيات، وأن التحاقه بمكتب أمن الجبهة جاء عقب انقلاب ١٩٨٩.

وفي رواية أخرى، تناول عبد الرازق الحارث إبراهيم، في مقال بعنوان “صلاح قوش والحركة الإسلامية ٤”، ما سماه “المكتب الفني السري الخاص”، وارتباط قوش به في مرحلة سابقة للانقلاب. وقد نُسب المقال إلى صحيفة “اليوم التالي”، وأعاد موقع “النيلين” نشره في فبراير ٢٠٢٢.

ويترك هذا الاختلاف توقيت التحاق قوش بالمكتب الأمني موضع بحث، كما لا يتيح الجزم بأن “مكتب الأمن” و”المكتب الفني السري الخاص” كانا مؤسسة واحدة. وليس من الدقة أن نقرأ مكانة قوش قبل الانقلاب من خلال السلطة التي اكتسبها بعده، حين تدرج في أجهزة الأمن والمخابرات حتى أصبح رئيسًا لجهاز الأمن والمخابرات الوطني سنة ٢٠٠٤، ثم عاد إلى رئاسته سنة ٢٠١٨.

وأهمية نافع وقوش هنا لا تكمن في سرد المناصب التي شغلاها لاحقًا، وإنما في السؤال عما انتقل معهما من العمل التنظيمي إلى أجهزة الدولة. هل كانت الخبرة السابقة في جمع المعلومات وتأمين الاتصالات هي التي جعلت منهما جزءًا من بناء السلطة الجديدة؟ وما مقدار ما احتفظت به الحركة من سيطرة على الأجهزة التي أصبح رجالها يعملون داخلها؟

لا تجيب السير الصحفية عن هذه الأسئلة، لكنها تشير إلى أن الانتقال من التنظيم إلى الدولة لم يكن انتقال أشخاص مجردين من خبراتهم وعلاقاتهم السابقة.

وكانت هناك دائرة أخرى تتولى الاتصالات والترتيبات المتعلقة بالتنظيم العسكري، تكشف بعض تفاصيلها شهادات ظهرت بعد سقوط نظام البشير، خلال محاكمة مدبري انقلاب ١٩٨٩.

ففي جلسات المحاكمة، كشف المتحري العقيد شرطة جمال محمد الخليفة عن مجموعتين من المدنيين، نسب إلى الأولى المشاركة في الإشراف والتخطيط، وإلى الثانية مهمة الربط بين القيادة المدنية والعسكريين، وتأمين الاجتماعات والاتصالات. وقد نقلت صحيفة “التحرير” الإلكترونية هذه الإفادات في تقرير نشرته بتاريخ ٢٢ يونيو ٢٠٢١ بعنوان “التحري يكشف القادة العسكريين والمدنيين المشاركين في انقلاب ١٩٨٩”.

وقد استخدم المتحري تسمية “السواقين” للإشارة إلى المجموعة الثانية.

ومن الأسماء التي نسب المتحري إليها هذه المهام، بحسب ما نقلته الصحافة، علي كرتي، والزبير أحمد الحسن، وأحمد محمد علي الفشاشوية، ومحمد عبد الحفيظ الدنقلاوي، ونافع علي نافع، وآخرون.

ولعل التسمية توحي للوهلة الأولى بأن دور هؤلاء اقتصر على قيادة السيارات. لكن التفاصيل التي نقلتها الصحافة عن جلسات المحكمة تشير إلى مهام أوسع، شملت تحديد أماكن الاجتماعات ومواعيدها، ونقل بعض الضباط إليها، وتأمين الاتصالات بين المشاركين في التحضير للانقلاب.

وبحسب تقرير للصحفي محمد موسى نشرته صحيفة “الصيحة” في يونيو ٢٠٢١ بعنوان “انقلاب ٨٩م.. رفع الستار!.. مَن خطّط وحدّد ساعة الصفر ونفّذ؟”، أشار المتحري إلى اجتماعات عُقدت في منزل الزبير أحمد الحسن بمنطقة الحلة الجديدة في بحري، واجتماعات أخرى في منزل شخص ورد اسمه في الصحيفة بصيغة “علي الروى”، وفي مصادر أخرى باسم “علي الريح”.

وقد وردت الصيغة الثانية في تقارير نشرتها صحيفة “التحرير” الإلكترونية وشبكة “الطابية” الإخبارية بتاريخ ٢٢ يونيو ٢٠٢١، دون أن يتضح بصورة قاطعة ما إذا كان الاسمان يشيران إلى الشخص نفسه.

وذكر المتحري، وفق تقرير “الصيحة”، أن أحد الاجتماعات شهد تحديد ساعة الصفر، وتغيير كلمة السر من “سر الليل” إلى “الوطن الغالي”، وتوزيع أجهزة اتصال للربط بين المشاركين عند التنفيذ.

هذه التفاصيل لا ترد هنا بوصفها وقائع أثبتها حكم قضائي نهائي. إنها رواية قدمها المتحري أمام المحكمة، وتحتاج إلى مقارنتها بإفادات المتهمين والشهود وبما قد يظهر من وثائق أخرى. وقد شهدت المحاكمة نفسها اعتراضات على بعض ما نُسب إلى المشاركين في محاضر التحري، كما كشفت تقارير لاحقة، ومنها تغطية نشرتها “سودان تربيون” في فبراير ٢٠٢٣، عن استمرار اختلاف الإفادات بشأن بعض تفاصيل التحضير للانقلاب.

لكن هذه الروايات تكشف جانبًا من العمل الذي لا يظهر عادة في تاريخ الانقلابات. فبين اتخاذ القرار السياسي وتنفيذه عسكريًا كانت هناك شبكة من الأشخاص تتولى ترتيب الاجتماعات ونقل التعليمات وتأمين الاتصالات. وهي مهام قد تبدو ثانوية أمام أسماء القادة والضباط، لكنها كانت جزءًا من التحضير للعملية نفسها.

فهل كانت هذه المجموعة جزءًا من “أمن الجبهة”؟

لا نجد في الروايات المنشورة دليلًا يكفي لإثبات ذلك. فالعمل الأمني الذي يتولى جمع المعلومات عن الخصوم وحماية التنظيم ليس بالضرورة هو نفسه العمل المكلف بتأمين الاتصالات مع الضباط. وقد تتعاون الدائرتان، وربما يعمل بعض الأشخاص فيهما معًا، دون أن يعني ذلك أنهما تخضعان لقيادة واحدة.

ويستحق ورود اسم نافع علي نافع في روايات العمل الأمني، ثم ضمن الأسماء التي ذكرها المتحري في مجموعة الاتصال المدني، التوقف عنده. فهو يثير احتمال التداخل بين المجالين، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود جهاز واحد أشرف على جميع الترتيبات.

وما تكشفه هذه الوقائع أن الحركة الإسلامية لم تعتمد في سعيها إلى السلطة على نشاطها السياسي العلني وحده. فقد امتلكت علاقات داخل المؤسسات، ودوائر للعمل السري، وخبرة في جمع المعلومات وتأمين الاتصالات. ولم تكن أهمية هذه الموارد في امتلاكها وحده، وإنما في إمكان استخدامها عند تقدير الخيارات واتخاذ القرارات.

لكن هذه القدرة التنظيمية، مهما اتسعت، لا تعني بالضرورة نجاح الحركة في بناء قبول اجتماعي واسع ومستقر. فالتأثير في مؤسسات الدولة، والقدرة على الوصول إلى المعلومات، لا يقاسان بالمعيار نفسه الذي تقاس به قدرة مشروع سياسي على اكتساب تأييد المجتمع.

وفي الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ تغيرت طبيعة العلاقة بين هذه الموارد جميعًا.

فقد أصبح بعض الذين عملوا في دوائر التنظيم السرية قادرين على العمل من داخل أجهزة الدولة، بما تملكه من مؤسسات وموارد وسلطات. ولم تعد المسألة تتعلق فقط بحماية اجتماعات الحركة أو معرفة خصومها، وإنما باستخدام أجهزة رسمية تستطيع الاعتقال والتحقيق والمراقبة، وتملك من القوة ما لا يملكه أي تنظيم سياسي خارج السلطة.

وبحسب رواية منشورة عن تاريخ الأمن الشعبي في تقرير “الجزيرة نت” الصادر بتاريخ ١٥ أبريل ٢٠١٩، انتقل بعض عناصر “أمن الجبهة” إلى أجهزة الأمن الرسمية بعد انقلاب ١٩٨٩، بينما واصل آخرون العمل في إطار أمني مرتبط بالتنظيم. وهي رواية تشير إلى امتداد بين المرحلتين، وإن ظلت تفاصيل ذلك الانتقال بحاجة إلى توثيق أكثر دقة.

ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في أسماء المؤسسات أو مواقع العاملين فيها. فقد ظهرت خلال الأشهر الأولى للإنقاذ معتقلات سرية عُرفت باسم “بيوت الأشباح”، احتُجز فيها سياسيون ونقابيون وطلاب وأطباء ومعارضون، بعيدًا عن الضمانات القانونية المعتادة، وفي كثير من الحالات
دون تمكين أسرهم من معرفة أماكن احتجازهم.

وفي تقرير أصدرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” سنة ١٩٩٦ عن السودان، وثقت المنظمة وجود عدد من هذه المعتقلات، ومن بينها المعتقل الذي عُرف باسم “بيت أشباح سيتي بنك”، خلف المبنى الذي كانت تشغله مكاتب البنك في الخرطوم. ووصفت غرف احتجاز ضيقة، وحرمانًا من الزيارات، وقيودًا على الحركة والنظافة، ونقصًا في الرعاية الطبية. كما سجلت شهادات عن الضرب والجلد والتعليق والصعق الكهربائي والحرق بالسجائر والتهديد بالإعدام وغيره من أساليب التعذيب.

وكان من بين الذين قدموا شهادات مباشرة عن تلك المرحلة البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، أستاذ العلوم بجامعة الخرطوم، الذي كان نافع علي نافع أحد طلابه قبل أن يصبح زميلًا له في هيئة التدريس.

اعتُقل فاروق في ٣٠ نوفمبر ١٩٨٩، بعد خمسة أشهر من الانقلاب، وتعرض للتعذيب في أحد المعتقلات السرية. وفي شهادته عن الفترة الممتدة حتى ١٢ ديسمبر من العام نفسه، قال إن نافع تولى استجوابه بشأن مواقفه داخل الهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، وأماكن اجتماعاتها، وأسماء بعض المشاركين فيها، بينما كان يتعرض للضرب والركل والتهديد.

ولم تكن هذه اتهامات ظهرت بعد سقوط النظام. ففي ٢ نوفمبر ٢٠٠٨ نشرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية تحقيقًا عن نافع تضمن شهادة مباشرة لفاروق، قال فيها إن نافع كان يستجوبه، وإن التعذيب جرى بحضوره وتحت إشرافه.

وفي شهادات أخرى تحدث فاروق عن وجود بكري حسن صالح، الذي كان يشغل موقعًا قياديًا في جهاز الأمن، وعن استجوابه بشأن أفكاره ومقرراته الجامعية، بما فيها تدريسه نظرية التطور.

وقد نفى نافع إشرافه على تعذيب فاروق في تصريحات صحفية سنة ٢٠١٥، وقال إنه لم يلتق به منذ وصول الإنقاذ إلى السلطة. ورد فاروق مؤكدًا شهادته، ومشيرًا إلى معرفته الشخصية السابقة بنافع.

وأورد هذه الواقعة باعتبارها شهادة مباشرة ومحددة في الزمان والمكان، كررها صاحبها على مدى سنوات، في مواجهة نفي صريح من المسؤول الذي اتهمه، دون أن أقدمها بوصفها حكمًا قضائيًا نهائيًا.

وتكتسب الشهادة أهميتها أيضًا من العلاقة السابقة بين الرجلين. فالأستاذ الجامعي الذي كان يناقش طلابه داخل قاعات الدراسة أصبح، وفق شهادته، يُستجوب على أيدي بعض من عرفهم في الجامعة، بعدما انتقلت العلاقة بينهم من فضاء المعرفة والاختلاف إلى فضاء السلطة والاعتقال.

ولم تكن قضية فاروق حالة منفردة في سجل تلك السنوات.

فمن بين الوقائع التي ظلت حاضرة في الذاكرة السودانية قضية الطبيب علي فضل أحمد، الذي اعتُقل في ٣٠ مارس ١٩٩٠، وتوفي في ٢١ أبريلمن العام نفسه، بعد تعرضه للتعذيب أثناء احتجازه.

وقد أصبحت وفاته واحدة من أبرز القضايا المرتبطة ببيوت الأشباح، خصوصًا بعد ظهور معلومات طبية تناقض التفسيرات التي قُدمت في البداية لأسباب موته.

وترد في الروايات السودانية المتداولة صورة شديدة القسوة عن مقتله، تقول إن مسمارًا دُق في رأسه أثناء التعذيب.

فقد سجلت منظمة “أفريكا ووتش” في تقرير أصدرته بتاريخ ٢٦ أبريل ١٩٩٠ معلومات عن وفاة علي فضل بعد احتجازه، ثم تناولت منظمة العفو الدولية القضية في تقارير لاحقة، من بينها تقرير صدر سنة ١٩٩٥، أشار إلى أن الفحص الذي أُجري بعد وفاته كشف عن إصابة قاتلة في الرأس ونزيف دماغي نتيجة ضربة قوية، خلافًا للتفسير الذي نسب الوفاة إلى الملاريا.

وفي دراسة للطبيب أسامة محمود، نُشرت سنة ٢٠١٩ في دورية طبية علمية، وردت قضية علي فضل ضمن أمثلة العنف الذي تعرض له الأطباء السودانيون، مع الإشارة إلى التناقض بين السبب الذي سُجل أولًا للوفاة والنتائج التي توصل إليها الفحص اللاحق.

وفي جلسة من محاكمة انقلاب ١٩٨٩، نقلت صحيفة “الصيحة” بتاريخ ٢٨ أبريل ٢٠٢١ إفادة منسوبة إلى إبراهيم نايل إيدام، قال فيها إن أحد العاملين في جهاز الأمن، ويدعى السنوسي، أخبره بمقتل علي فضل داخل مباني الجهاز.

ولا أملك دليلًا يتيح نسبة قتل علي فضل إلى نافع علي نافع شخصيًا. لكن الواقعة حدثت في الفترة التي كان نافع يشغل فيها موقعًا قياديًا في الجهاز الأمني، وهي من الوقائع التي تجعل البحث في المسؤولية السياسية والإدارية عن ممارسات ذلك الجهاز ضرورة لا يمكن تجاوزها.

في القضيتين نرى جانبًا من النتائج الإنسانية للتحول الذي شهدته الأجهزة الأمنية بعد انقلاب ١٩٨٩. فالعمل الذي بدأ، في صورته التنظيمية، بجمع المعلومات وحماية الاتصالات، أصبح يعمل من داخل دولة تملك سلطة الاعتقال والتحقيق. ولم يعد أثره مقتصرًا على حسابات التنظيم وخصوماته السياسية، فقد امتد إلى حياة الناس وأجسادهم وحرياتهم.

ولا نستطيع أن ننسب كل انتهاك وقع بعد الانقلاب إلى ممارسة تنظيمية بعينها سبقت وصول الحركة إلى السلطة. لكن الانتقال إلى أجهزة الدولة منح بعض الكوادر إمكانات أوسع بكثير مما كانت تملكه قبل ذلك.

وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به: هل ظلت الأجهزة الأمنية مجرد أدوات تنفذ قرارات القيادة السياسية، أم أن امتلاك المعلومات والقدرة على الاعتقال والمراقبة منحها، مع الزمن، نفوذًا يؤثر في القرار نفسه؟

لا يكفي تاريخ الأفراد للإجابة عن هذا السؤال. فبعد نافع جاء صلاح قوش، ثم محمد عطا المولى عباس الذي تولى رئاسة الجهاز بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٨، قبل عودة قوش إلى المنصب. وبعد سقوط البشير تولى أبو بكر دمبلاب رئاسة الجهاز لفترة قصيرة، ثم خلفه جمال عبد المجيد.

تعاقب الرجال على رئاسة الجهاز، وبقي الجهاز. وهذه، في حد ذاتها، حكاية تستحق أن تُروى.

لكن تاريخ هذه المؤسسة خلال سنوات الإنقاذ، ومسؤوليتها عن الانتهاكات، وعلاقتها بالصراعات داخل الحركة الإسلامية، يحتاج إلى معالجة أوسع عندما نصل إلى ما فعلته الحركة بالدولة، ثم إلى ما بقي من مؤسساتها بعد سقوط البشير.

ما أود الإشارة إليه هنا هو أن الحركة الإسلامية لم تصل إلى السلطة ومعها تنظيم سياسي وعسكري فحسب، فقد حمل بعض كوادرها خبرات سابقة في جمع المعلومات وتأمين الاتصالات والعمل السري. وبعد الانقلاب أصبحت هذه الخبرات تعمل في ظروف مختلفة تمامًا، داخل أجهزة تملك سلطات الدولة ومواردها.

وكانت هذه إحدى المفارقات التي ستلازم تجربة الحركة الإسلامية في الحكم. فامتلاك القدرة على مراقبة المجتمع وإخضاع المعارضين لا يعني امتلاك القدرة على إقناعه بالمشروع السياسي الذي تتبناه السلطة. وقد تستطيع الأجهزة الأمنية حماية نظام سياسي سنوات طويلة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنحه قبولًا اجتماعيًا مستقرًا.

ولعل هذا ما يجعل حكاية جحا التي بدأنا بها أكثر من مجرد نادرة ساخرة. فقد ينشئ التنظيم أدوات لحماية نفسه، ثم تتسع وظائفها حتى تصبح جزءًا من الطريقة التي يفكر بها في السياسة والخصوم والمجتمع. وحين يحدث ذلك، يصبح السؤال عن صاحب القرار أكثر تعقيدًا من السؤال عن اسم من يجلس على رأس الجهاز.

أما الوجه الآخر لهذه القوة، فقد كان ظاهرًا في الحياة السياسية خلال الديمقراطية الثالثة. ففي انتخابات ١٩٨٦ حصلت الجبهة الإسلامية القومية على واحد وخمسين مقعدًا، لكنها مارست تأثيرًا تجاوز ما يوحي به هذا العدد.

كيف تحقق ذلك، وما الذي منحها هذا الوزن داخل التحالفات والمساومات السياسية؟ وكيف استطاعت أن تجمع بين حضور برلماني محدود نسبيًا، وعلاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة، وقدرة تنظيمية لا تكشفها نتائج الانتخابات وحدها؟

هذا ما سنتناوله في الجزء السابع:

“واحد وخمسون مقعدًا… وقوة أكبر من البرلمان”.

zoolsaay@yahoo.com

Author
إبراهيم برسي

إبراهيم برسي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الذهب والدم السوداني: قراءة في جرائم قصف الطيران المصري لمناجم العقيدات السودانية وتواطؤ سلطة الأمر الواقع
منبر الرأي
علي كوشيب والخمسين سفّاحاً: آخر الدواء لاهـاي .. بقلم: محمد الربيع
منبر الرأي
مشاريع استئصال الإسلاميين .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي
منبر الرأي
الأحوال والمقامات عند الإمام ابن القيم .. بقلم: د. صبري محمد خليل
زيارة د. كامل إدريس إلى القاهرة: كسر العزلة أم تثبيت التبعية؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

كتاب أمراء و لصوص يكشف العملاء

زين العابدين صالح عبد الرحمن
منبر الرأي

جلال الدين الشيخ الطيب … وكتابه الدفعة 31 الغرس الطيب (3) .. بقلم: رائد مهندس م محمد احمد ادريس جبارة

طارق الجزولي
منبر الرأي

لا تحتمل التبريرات والعجز الإداري .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

السُّودان (2018-2025): مقاربات ووثائق في الثورة والانتقال والحرب

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss