بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
قبل أن تصعدوا المنبر، انزلوا إلى الشارع.. فهناك الصلاة الحقيقية، وهناك الدين الحق، وهناك الشعب الجائع المقهور الذي ينتظر كلمة حق.
يا من تعتلون المنابر وتؤمّون المحاريب، نرجو أن يكون خطابكم في هذا العام غير الذي عهدناه، ومختلفاً عما ألفناه.
نرجو أن تتناولوا قضايا الشعب الحيّة، التي تمسّ عيشه وكرامته وقوته، لا أن تجترّوا الماضي، وتتركوا جراح الحاضر تنزف، وآهات الواقع تصرخ.
أخبِروا الساسة والحكام أنه لا يُقبل صومهم ولا زكاتهم ولا صلاتهم، وأبناء شعبهم في العراء، يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء، بينما هم في القصور يسكنون، وأطايب الطعام يأكلون، متخمون مترفون، وعن الشعب غافلون.
أخبِروهم أن ينظروا إلى شعبهم بعين الرحمة والإنسانية والمسؤولية، لا بعين الاستعلاء والوصاية.
أخبِروهم أنهم خُدّامٌ لهذا الشعب، وليسوا سادةً عليه، وأن المنصب تكليفٌ لا تشريف، وأمانةٌ لا غنيمة، ومسؤوليةٌ لا وجاهة.
أخبِروهم: ما كفارة من أضاع بلده، ودمّر وطنه، وشرّد أهله، وبدّد ثروته؟
أخبِروهم أن صلاتهم وصومهم غير جائز، إذا كان في الرعية مظلومٌ يئن، أو معتقلٌ يقبع في غياهب السجون بغير حق.
أخبِروهم أن صيامهم لا يُرفع، وزكاتهم لا تُقبل، ما دام اليتامى الذين فقدوا آباءهم غدراً وقتلاً واغتيالاً لم يُنصَفوا.
أخبِروا الحكام والمسؤولين أن ضرب المواطن حرام، وإذلاله أشد حرمة، وأن تحقير الناس وكسر كرامتهم لا يجوز شرعاً ولا خُلقاً.
أخبِروا مسؤولي المحليات أن يتركوا التعسّف، وألا يُثقلوا كاهل المواطن بالرسوم والجبايات، فإن ذلك حرامٌ لا يجوز.
أخبِروا رجال الشرطة أن ترويع المواطن حرام، والتنكيل به أشد حرمة، وإخافة الآمن حرام.
وذكّروهم بحديث رسول الله في جلاوزة السلطان:
“سيكون في آخر الزمان شُرَطٌ يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله، فإياك أن تكون منهم”
أخبِروا رجال المرور ألا يكون همّهم جباية المخالفات، بل همّهم التيسير والرحمة.
وأخبِروا العسكريين أن المواطن ليس عدواً لهم، نحن إخوة في الوطن والدم والدين، فلا ترفّع ولا استعلاء.
وأخبِروهم أن الجنجويد قتلةٌ مجرمون، فاسدون مفسدون، ضيّعوا البلاد والعباد، وأهلكوا الحرث والنسل.
وأخبِروا الرعية أن الزود عن حمى الوطن واجب، وأن حماية الأرض والعرض فرض عين، ودونها المهج والأرواح.
نريد خطيباً من فقراء الناس، يحسّ بإحساسهم، ويتألم لألمهم.
وقد صدق علي شريعتي حين قال:
“في زمن النبي كان المسجد برلمان الشعب، فأصبح بلاط السلطان. كان المنبر سوطاً على ظهر الظالم، فأصبح سوطاً على ظهر المظلوم.”
وأخيراً، أخبِروا الرعية أن فسادها من فساد حكامها، وصلاحها من صلاح حكامها.
وأخبِروهم أن الجشع حرام، والغش حرام، فليصدق الجزار في لحمه، وليصدق التاجر في بيعه.
وأخبِروهم أن قوله: “ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة” معناه أن تكون شوارعنا نظيفةً مشجرةً كرياض الجنة.
وأخبِروهم أن المساجد يجب أن تتحول إلى دورٍ للتعليم والتطوير، وألا يُعنّف الطفل داخل المسجد.
أخبِروهم أن التاريخ لا يرحم، وأن الشعوب لا تنسى، وأن الكراسي لو دامت لغيركم ما وصلت إليكم.
اللهم هل بلّغنا، اللهم فاشهد.
