د. حسين إسماعيل أمين نابري
استشاري إقتصادي ومحلل أستراتيجي
فرنسا نوفمبر 2026
(إن كل ما أرجوه هو أن تأتي مقالاتي متوافقة مع تطلعات القراء، وأتمنى أن يسهم هذا المقال ومقالاتي السابقة في فتح نقاش عملي بناء حول تطوير الثروة الحيوانية السودانية وتعظيم فائدتها للمنتجين والاقتصاد الوطني)
يمتلك السودان ثروة حيوانية يمكن أن تصبح إحدى ركائز التنمية، ومصدرًا للعمل والدخل وتحسين حياة المجتمعات الريفية. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى صادرات مستقرة وعالية القيمة يتطلب أكثر من زيادة أعداد القطعان أو إنشاء مسالخ جديدة؛ فهو يحتاج إلى منظومة متكاملة تربط الإنتاج بالصحة البيطرية والبحث العلمي والتصنيع والتسويق.
وتقدم أستراليا تجربة تستحق الدراسة في هذا المجال. فقد صدّرت خلال عام 2025 نحو 1.546 مليون طن من لحوم الأبقار إلى 83 دولة، وفق بيانات مؤسسة اللحوم والثروة الحيوانية الأسترالية. وهذه النتيجة تعكس قدرة إنتاجية هائلة، تدعمها مؤسسات تضمن سلامة المنتج وإمكان التحقق من مصدره وتاريخه. والسؤال المفيد للسودان هو: ما الأسس التي صنعت هذه القدرة، وكيف يمكن تكييفها مع ظروف واحتياجات بلادنا؟ (mla.com.au)
التنمية تبدأ برفع الإنتاجية
من أبرز عناصر التجربة الأسترالية ربط الإنتاج الحيواني بالبحث والتطوير. وتستثمر مؤسسة اللحوم والثروة الحيوانية الأسترالية، المعروفة اختصارًا باسم «MLA»، في مجالات تشمل صحة الحيوان وإدارة المراعي وتحسين الإنتاجية وجودة اللحوم. ويُموَّل جانب أساسي من هذه الأنشطة من رسوم يدفعها المنتجون، مع مساهمة حكومية مقابلة في البحوث المؤهلة. وهكذا يعود جزء من عائد النشاط الاقتصادي إلى تطويره بصورة مستمرة. (mla.com.au, mla.com.au)
إن الدرس للسودان هنا واضح: ينبغي قياس التقدم بما يتحقق من انخفاض في النفوق، وتحسن في التغذية والتكاثر والأوزان وجودة الذبائح ودخل المربّي. فتنمية القطيع تصبح أكثر جدوى عندما تصاحبها خدمات بيطرية ومياه وأعلاف وإرشاد، وتحسين وراثي مدروس يحافظ على صفات التكيف المحلية.
التتبّع: ذاكرة الحيوان وضمان السوق
أقامت أستراليا نظامًا وطنيًا لتعريف الثروة الحيوانية وتتبّعها، يعرف باسم «NLIS». ويجمع بين تعريف الحيوانات، وترميز مواقع تربيتها وتداولها، وتسجيل تحركاتها في قاعدة بيانات مركزية. وتكمن أهميته في القدرة على تحديد المصدر وتتبع الحركة عند ظهور مرض أو مشكلة تتعلق بسلامة الغذاء. (integritysystems.com.au)
وبالنسبة للسودان، يمكن البدء بسلسلة إنتاج محددة تضم منتجين ومواقع تجميع وتسمين ومسلخًا ووسائل نقل مبردة، مع تسجيل مصادر الحيوانات وتحركاتها وعلاجاتها. ثم يتوسع النظام تدريجيًا بعد اختبار فاعليته. ويتطلب نجاحه إشراك الرعاة وصغار المنتجين، وتيسير التسجيل وتقديم خدمات ملموسة لهم، حتى يصبح التتبّع أداة لتحسين الإنتاج والوصول إلى الأسواق.
أوروبا تعتمد منظومة متكاملة
توضح القواعد الأوروبية أن دخول اللحوم من خارج الاتحاد يرتبط بأهلية البلد لتصدير المنتج المعني، وكفاءة سلطاته المختصة وضماناته الصحية والرقابية. ويخضع طلب الإدراج للتقييم، وقد يشمل تدقيقًا ميدانيًا. وبعد تأهيل البلد، يمكن اقتراح المنشآت المستوفية للشروط لإدراجها ضمن المنشآت المسموح لها بالتصدير. ويجب ألا ننسي أن الشحنات تظل مع ذلك خاضعة للشهادات والفحوص المطلوبة. (food.ec.europa.eu, trade.ec.europa.eu)
وهذا يعني أن المسلخ الحديث جزء من الحل، لكنه يعمل داخل نظام أوسع يشمل الترصد الوبائي والمختبرات والتفتيش وضبط الأدوية والأعلاف والتوثيق. ومن ثم، فإن التواصل مع الاتحاد الأوروبي ينبغي أن يستند علي ملف فني شامل ومتكامل يثبت قدرة هذه المؤسسات على أداء وظائفها باستمرار.
كيف لبّت أستراليا المتطلبات الأوروبية؟
أنشأت أستراليا برنامجًا خاصًا لاعتماد الأبقار الموجهة إلى السوق الأوروبية، يعرف باسم «EUCAS». ويضمن البرنامج تتبّع الأبقار المؤهلة وفصلها عن غير المؤهلة، والتحقق من عدم معاملتها بمحفزات النمو الهرمونية المحظورة لهذا المسار. وتشمل ترتيباته اعتماد المزارع وحظائر التسمين والأسواق المشاركة، مع التدقيق وإمكان سحب الاعتماد عند مخالفة الشروط. وهو برنامج يخص الأبقار تحديدًا. (agriculture.gov.au)
ويقدم ذلك درسًا عمليًا: يمكن تصميم سلسلة إنتاج تستجيب لمتطلبات سوق محددة، بشرط أن تعمل داخل إطار صحي ورقابي مقبول.
كما تدعم أستراليا صادراتها ببرامج لرصد متبقيات الأدوية والمبيدات، وبالتفتيش والإشراف البيطري على منشآت التصدير. فالضمان التجاري القابل للاستمرار يقوم على سجلات واختبارات ورقابة يمكن التحقق منها. (agriculture.gov.au, agriculture.gov.au)
ما الذي ينبغي تكييفه مع السودان؟
تتمتع أستراليا بميزة صحية مهمة، منها خلوها من الحمى القلاعية، وتحافظ عليها بإجراءات للأمن الحيوي. لذلك فإن الاستفادة من تجربتها تستوجب تقييمًا مستقلًا للوضع الوبائي السوداني، وقدرات الترصد والمختبرات وحركة القطعان. ولا يصح افتراض أن تحديث المسالخ أو إدخال الترقيم سيؤدي تلقائيًا إلى القبول الأوروبي. (agriculture.gov.au)
ويقتضي التكييف أيضًا مراعاة الرعي المتنقل، وصغار المنتجين، وتفاوت الخدمات، وظروف الحرب ومتطلبات التعافي. ومن الأنسب بناء خدمات بيطرية وتعاونية متاحة، وربط المنتجين بعقود شراء واضحة وحوافز للجودة. وينبغي التوسع المدروس في تصنيع اللحوم وتبريدها وتقطيعها محليًا، وفق دراسات جدوى توازن بين تكاليف التشغيل والنقل ومتطلبات المشترين.
خارطة طريق تبدأ بتقييم الفجوات
أقترح أن تكون البداية إعداد «تقييم فجوات للنفاذ إلى السوق الأوروبية»، يحدد نوع اللحوم المستهدف، والمتطلبات الصحية والرقابية، والمنشآت المرشحة، والإصلاحات اللازمة وتكلفتها والمسؤوليات المؤسسية عنها. وعلى أساسه يمكن إطلاق مشروع تجريبي، وطلب تعاون فني أسترالي أو دولي في التتبّع والمختبرات والتدريب.
وبالتوازي، ينبغي تطوير الأسواق الإقليمية والدولية الممكنة. فتنويع المشترين يساعد على توزيع المخاطر والاستفادة من أجزاء الذبيحة المختلفة. كما يجب التمييز بين القبول الصحي والنفاذ التجاري؛ إذ قد تظل الصادرات خاضعة لحصص جمركية ورسوم حتى بعد استيفاء المتطلبات الصحية، كما تبين ترتيبات أستراليا لصادرات لحوم الأغنام والماعز إلى الاتحاد الأوروبي. (agriculture.gov.au)
خاتمة: الاستثمار في الثقة
تكشف التجربة الأسترالية أن الثروة الحيوانية تصبح قوة اقتصادية حين تتكامل معها المعرفة والخدمات والرقابة والصناعة. وما يحتاجه السودان هو برنامج متدرج يرفع إنتاجية الحيوان، ويحسن دخل المربّي، ويضمن سلامة اللحوم، ويبني ثقة المشترين.
ويستحق الوصول إلى السوق الأوروبية أن يكون هدفًا لهذا البرنامج، على أن تقاس قيمته أيضًا بما يؤسسه من مؤسسات وخدمات وفرص عمل داخل السودان. فالنجاح الأكثر عمقا وأهمية هو بناء قطاع قادر على إنتاج غذاء آمن ومنافس، وتحويل الثروة الحيوانية إلى تنمية يستفيد منها المجتمع.
مراجع مختارة للتوسع في البحث:
ضع مسمي المرجع في رابط البحث وأضغط عليه
مؤسسة اللحوم والثروة الحيوانية الأسترالية: البحث والتطوير في القطاع.
مؤسسة نظم النزاهة الأسترالية: النظام الوطني لتعريف الثروة الحيوانية وتتبّعها — NLIS.
وزارة الزراعة الأسترالية: برنامج اعتماد الأبقار المخصصة للاتحاد الأوروبي — EUCAS.
المفوضية الأوروبية: إدراج البلدان والمنشآت المسموح لها بتصدير المنتجات الحيوانية إلى الاتحاد الأوروبي.
وزارة الزراعة الأسترالية: برنامج تصدير اللحوم: التفتيش والتحقق والشهادات.
د. حسين إسماعيل أمين نابري
