باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الجمعة, 6 نوفمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من وقف إطلاق النار إلى منع الحرب من جديد

اخر تحديث: 5 نوفمبر, 2026 11:38 مساءً
شارك

من وقف إطلاق النار إلى منع الحرب من جديد: دراسة تحليلية نقدية في كيفية إنهاء الحروب الأهلية ومنع تجددها وبناء السلام المستدام، مع التركيز على السودان (الجزء الأول)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تناولت المقدمة التحليلية الإشكالية المركزية التي مفادها أن وقف القتال لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب الأهلية، ولا أن توقيع اتفاق سياسي أو تشكيل حكومة انتقالية يضمن السلام المستدام، لأن أسباب الحرب قد تبقى كامنة في بنية الدولة والاقتصاد السياسي وتوزيع السلاح والموارد وسلاسل القيادة، وقد يتحول الاتفاق نفسه إلى مرحلة إعادة تنظيم للقوات والاستعداد لجولة جديدة من العنف. وميزت المقدمة بين خمسة مستويات متمايزة هي وقف العنف المباشر، وإنهاء المواجهة العسكرية المنظمة، وتفكيك البنية المسلحة الموازية، ومعالجة الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة التنافس سلمياً. وطرحت سؤالين مترابطين: ما الشروط والآليات التي تجعل إنهاء الحروب الأهلية ممكناً ومستداماً، وكيف يمكن نقل الدروس الدولية إلى السودان بمراعاة تاريخه السياسي وتعدد مراكز القوة المسلحة وتفكك مؤسساته واتساع اقتصاد الحرب والتدخلات الخارجية والتفاوتات الإقليمية والاجتماعية. وحددت المنهج التحليلي المقارن الذي يجمع بين مراجعة الأدبيات والدراسات الكمية والنوعية وتحليل الحالات التاريخية وتقارير المؤسسات الدولية، مع التمييز بين الدليل السببي والارتباط الإحصائي وبين النتائج المستقرة والفرضيات الخلافية. وأوضحت أن المادة أعيد ترتيبها في اثني عشر فصلاً، وأن بعض الأرقام الواردة هي نتائج نمذجة وتقديرات مؤسسية وليست وقائع محققة أو تنبؤات يقينية.

خصص الفصل الأول لبناء الإطار المفاهيمي والتمييز بين وقف القتال وصناعة السلام، فعرض تعريف الحرب الأهلية بوصفها صراعاً على السلطة والدولة والموارد لا مجرد مواجهة بين حكومة وجماعة متمردة، لأن الحروب المعاصرة تضم جيوشاً نظامية وقوات شبه نظامية وميليشيات محلية وشبكات تجارية مسلحة وتنظيمات عابرة للحدود وقوى خارجية، وقد تكون المنافسة على تعريف الدولة نفسها ومن يملك حق تمثيلها واحتكار القوة وجمع الضرائب وتوزيع الأرض والموارد. وأوضح تداخل الدوافع السياسية والاقتصادية والأمنية والهوياتية، وأن استمرار الحرب قد يرتبط بمصالح مادية مستقلة عن المظالم الأصلية كالسيطرة على المناجم والطرق والمعابر والأسواق والجبايات غير الرسمية، فتتحول الحرب من وسيلة لهدف سياسي إلى نظام اقتصادي واجتماعي قائم بذاته تستفيد منه شبكات مسلحة وتجارية وإدارية وتصبح لديها مصلحة في إطالة أمدها. ورفض اختزال أسباب الحرب في الفقر أو التنوع الإثني أو ضعف الدولة كل على حدة، مؤكداً أهمية تفاعل ضعف المؤسسات والقدرة التنظيمية للجماعات المسلحة وفرص التمرد والتمويل والجغرافيا والتدخل الخارجي، مع التشديد على أن هذه العلاقات ليست قوانين حتمية لأن إدارة الدولة لهذه العوامل وعدالة مؤسساتها ووجود قنوات سلمية لتسوية النزاعات وقدرة النظام على استيعاب المعارضة هي التي تحدد المخاطر. ثم ميز بين خمسة مستويات مترابطة لإنهاء الحرب هي وقف العنف المباشر وإنهاء المواجهة العسكرية المنظمة وتفكيك البنية المسلحة الموازية ومعالجة الأسباب البنيوية وبناء مؤسسات إدارة التنافس سلمياً، موضحاً أن المستوى الأول قد يتحقق دون الثاني وأن الثاني قد يتحقق دون الثالث وأن التسوية السياسية قد تتحقق دون المستوى الرابع، ولذلك لا ينبغي قياس نجاح التسوية بمجرد انخفاض المعارك أو توقيع الاتفاق بل بمدى التحول من نظام تحكمه القوة المسلحة إلى نظام تحكمه المؤسسات والقانون والمنافسة السلمية. وناقش تعدد تعريفات عودة الحرب بين تجدد القتال بين الأطراف نفسها واندلاع حرب جديدة داخل الدولة حتى مع اختلاف الأطراف أو المطالب، والتمييز بين العودة الواسعة والعنف منخفض الحدة والاشتباكات المحلية والهجمات الإرهابية والعنف أحادي الجانب، مما يجعل مقارنة نسب التكرار بين الدراسات رهينة باختلاف التعريفات والفترات ووحدات التحليل. وأشار إلى ارتفاع خطر التجدد في السنوات الأولى بعد انتهاء القتال عندما تبقى القدرات العسكرية قائمة أو تغيب الضمانات الموثوقة، وإلى أن نصف الحروب تقريباً قد يتكرر خلال خمس سنوات وفق الأدبيات المستعرضة دون أن تكون هذه النسبة قانوناً ثابتاً. وعرض نتائج تحليل 78 بنداً متكاملاً لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج داخل 292 اتفاق سلام بين 1975 و2021، والتي بينت أن 26% فقط من الاتفاقات تضمنت المكونات الثلاثة معاً، وأن النساء المرتبطات بالجماعات المسلحة ذُكرن في 11% من البنود والأطفال في 25%، بينما تضمنت 62% مشاركة أطراف ثالثة و55% إنشاء لجان وطنية مختصة، مما يكشف فجوة بين شيوع الحديث عن نزع السلاح وجودة تصميمه وشموله. واختتم الفصل بالتمييز بين السلام السلبي بوصفه غياب الحرب والعنف المباشر والسلام الإيجابي بوصفه وجود مؤسسات وعلاقات تقلل احتمالات إنتاج العنف من جديد، مؤكداً أن الخلافات في السلام الإيجابي لا تختفي بل تُدار عبر القضاء والانتخابات والحوار والتفاوض واللامركزية والوساطة المحلية، وأن هذا التمييز ضروري في السودان حيث قد يتوقف القتال في المدن الكبرى بينما تستمر الاعتداءات المحلية والنهب والنزاعات على الأرض والتجنيد القسري والاحتجاز التعسفي والاقتصاد غير الرسمي المرتبط بالقوة.

خصص الفصل الثاني للنظريات العلمية المفسرة لانتهاء الحروب وتجددها، فبدأ بمعضلة الالتزام الموثوق التي تعد من أهم التفسيرات النظرية لصعوبة إنهاء الحروب الأهلية، إذ قد يرغب طرفان في إنهاء القتال ويتصوران مكاسب مشتركة لكن كلاً منهما يخشى أن يستغل الآخر الاتفاق لتغيير ميزان القوة، فإذا سلم أحد الطرفين أسلحته بينما احتفظ الآخر بقدراته فقد يصبح الأول عاجزاً عن حماية نفسه، وإذا وافق طرف على تقاسم السلطة اليوم فقد يخشى سيطرة خصمه على المؤسسات غداً وإقصاءه أو ملاحقته قضائياً أو مصادرته موارده. وربط هذه المعضلة بمشكلة الالتزام والمعلومات غير المتكافئة والحوافز إلى إخفاء القدرات والنوايا، موضحاً أن الحروب قد تستمر حتى مع وجود تسوية ممكنة نظرياً بسبب صعوبة التحقق من قدرات الأطراف وصدق التزاماتها وعدم قدرتها على ضمان التنفيذ مستقبلاً، وأن الحل لا يكمن في مطالبة الأطراف بالثقة المتبادلة بل في ترتيبات عملية تجعل خرق الاتفاق مكلفاً وقابلاً للكشف وتجعل التنفيذ أكثر فائدة من العودة إلى الحرب، كالمراقبة والتحقق والضمانات الدولية والتدرج في التنفيذ والرقابة على القوات والأسلحة وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وآليات مستقلة لتسوية الخلافات. ثم تناول تقاسم السلطة بوصفه أداة لخفض مخاطر الحرب أو مكافأة لحاملي السلاح، فعرض أدبيات تقاسم السلطة التي ترى أن توزيع بعض الصلاحيات بين الخصوم السابقين يخفف مخاوف الإقصاء ويمنح ضمانات سياسية وأمنية واقتصادية تشجع على التخلي عن القتال، والتمييز بين الأبعاد السياسية والإقليمية والعسكرية والاقتصادية لتقاسم السلطة، وأن التسويات الأكثر استمراراً لا تقتصر على المناصب الحكومية بل تتناول ترتيبات الأمن والأقاليم والموارد. لكنه كشف المفارقة الكامنة في تقاسم السلطة، إذ قد يكون ضرورياً لتطمين أطراف مسلحة لا تثق في المؤسسات القائمة، وقد يؤدي في الوقت نفسه إلى مكافأة العنف وتحويل حيازة السلاح إلى طريق مضمون للمناصب والموارد وتثبيت زعماء الجماعات المسلحة ممثلين حصريين لمجتمعاتهم حتى دون تفويض شعبي أو تمثيل ديمقراطي. وميز بين تقاسم السلطة المؤقت بوصفه آلية انتقالية لإدارة المخاطر وتقاسم السلطة الدائم بوصفه نظاماً يوزع الدولة بين قيادات مسلحة، فالأول مفيد إذا كان محدوداً زمنياً ومقيداً دستورياً ومصحوباً بانتقال تدريجي إلى مؤسسات منتخبة، أما الثاني فقد يخلق نظام محاصصة مسلحة يضعف المواطنة ويعطل المساءلة ويجعل أي خلاف داخل النخبة سبباً محتملاً لانهيار السلام. وأشار إلى أن تقاسم السلطة المؤسسي قد يسهم في إدارة الصراع بعد الحرب لكن أثره يعتمد على تصميم المؤسسات والتزام الأطراف، وأن تقاسم السلطة العسكرية لا يحقق الاستقرار بمجرد النص عليه بل يتطلب تنفيذ الترتيبات وإزالة ازدواج القيادة وتوفير ضمانات تمنع استخدام القوات المدمجة في الصراع السياسي. ثم انتقل إلى المعلومات العسكرية والتحقق من النوايا والقدرات، موضحاً أن اتفاقات السلام قد تتعثر بسبب عدم معرفة كل طرف بالحجم الحقيقي لقوات الآخر ومخزون أسلحته وقدرته على التعبئة ومصادر تمويله، مما يؤدي إلى سوء التقدير واعتقاد كل طرف أن الآخر يستعد لهجوم مفاجئ، وأن تصميم الاتفاقات بترتيبات للمراقبة وتبادل المعلومات والتحقق يعزز استدامة التسويات لأن معالجة مشكلة المعلومات جزء من معالجة مخاوف التنفيذ. وأكد أهمية سجل موحد للقوات وتوثيق المواقع والأعداد والتسليح والتحقق من مخازن الأسلحة ومراقبة خطوط الإمداد والتحقيق في الانتهاكات وإتاحة بيانات دورية، مع ضمان ألا تتحول هذه الإجراءات إلى أدوات استخباراتية لطرف ضد آخر بل تخضع لقواعد متفق عليها وإشراف مستقل وضمانات لحماية البيانات وعقوبات على التضليل أو الامتناع عن الإفصاح. ثم عالج السؤال المطروح حول ما إذا كان الانتصار العسكري أكثر استدامة من الاتفاق التفاوضي، فعرض الرأي القائل بأن الحروب المنتهية بانتصار عسكري أقل عرضة للتجدد لأن الانتصار يحسم مشكلة ازدواج القوة المسلحة ويمنع استمرار التنافس بين جيوش متوازية، وأهمية الضمانات الأمنية وتقاسم السلطة في جعل الالتزامات أكثر مصداقية عندما يخشى أحد الأطراف أن يصبح مكشوفاً عسكرياً بعد التخلي عن السلاح. لكنه رفض تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة عامة تبرر استمرار الحرب سعياً إلى الحسم العسكري، مستنداً إلى إعادة فحص الادعاء القائل إن الانتصار العسكري أكثر نجاحاً من الاتفاقات، والتي خلصت إلى أن الاتفاقات يمكن أن ترتبط بسلام مستدام بدرجة مماثلة للانتصارات العسكرية، وأن تحليل البقاء يظهر أن اتفاقات السلام ترتبط باستمرار السلام بقوة لا تقل عن ارتباط الانتصارات العسكرية به. والاستنتاج الأهم أن الاستدامة لا تتحدد بطريقة إنهاء الحرب وحدها بل بما ينتج عنها من احتكار مشروع للقوة وضمانات أمنية وإصلاح مؤسسي ومشاركة سياسية وتنفيذ فعلي للاتفاق، فالانتصار العسكري قد ينهي قدرة طرف على القتال لكنه لا يزيل المظالم التي غذت الحرب وقد يخلق تمرداً جديداً إذا ترافق مع الانتقام والإقصاء والتمييز، بينما قد ينجح الاتفاق التفاوضي إذا احتوى على ضمانات قابلة للتحقق ومؤسسات تنفيذ قوية وتسوية واقعية لمسألة السلاح والموارد والسلطة.

خصص الفصل الثالث لتصميم التسوية السياسية التي تنهي الحرب ولا تؤجلها، فبدأ بتوضيح أن التسوية ليست وثيقة واحدة بل منظومة مترابطة تحتاج إلى معالجة متزامنة وإن كانت متدرجة لخمسة ملفات هي وقف القتال وحماية المدنيين والترتيبات الأمنية والعسكرية والانتقال السياسي والدستوري والعدالة والمصالحة وإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والخدمات. وحذر من أن فصل هذه الملفات فصلاً كاملاً يؤدي إلى مخاطر كبيرة، فوقف إطلاق النار دون ترتيبات أمنية قابلة للتحقق قد يمنح الأطراف فرصة لإعادة التسلح، والانتقال السياسي دون إصلاح القطاع الأمني قد يبقي القرار السياسي رهينة القيادات المسلحة، ونزع السلاح دون فرص اقتصادية واجتماعية قد يدفع المقاتلين السابقين إلى شبكات الجريمة أو الميليشيات الجديدة. لكنه أوضح أن الترابط لا يعني حسم جميع القضايا في لحظة واحدة بل اعتماد تسلسل واقعي يحدد ما يجب الاتفاق عليه قبل وقف إطلاق النار وما يمكن تنفيذه خلال الأشهر الأولى وما يتطلب سنوات من الإصلاح الدستوري والاقتصادي والاجتماعي، مع جدول زمني ومؤشرات إنجاز وجهات مسؤولة وآليات تحقق مستقلة وإجراءات محددة لمعالجة الخروقات. ثم تناول وقف إطلاق النار بوصفه نظاماً للتحقق والامتثال لا مجرد إعلان سياسي، موضحاً ضرورة تحديد المناطق المشمولة وخطوط التماس وأنواع الأسلحة والعمليات المحظورة وطرق الإبلاغ عن الخروقات وآليات التحقيق وقواعد حماية المدنيين وممرات المساعدات وإجراءات إخلاء الجرحى والمحتجزين وإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة. وأكد أن آلية المراقبة تحتاج إلى عناصر بشرية وتقنية تشمل مراقبين ميدانيين ومراكز اتصال وسجلات للحوادث ونظاماً موحداً لتوثيق الشكاوى وإجراءات للتحقق من الأدلة الرقمية والمكانية مع حماية الشهود والمبلغين، وأن المراقبة عن بعد لا تكفي إذا كانت مناطق واسعة خارج السيطرة، وأن بيانات الأطراف المتحاربة وحدها لا تكفي بل ينبغي مقارنتها بمعلومات المستشفيات والمنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية والصور الفضائية والمصادر المفتوحة. وأوصى بإنشاء لجنة مشتركة لوقف إطلاق النار لا تقتصر عضويتها على ممثلي الأطراف المسلحة بل تضم خبراء مستقلين وممثلين مدنيين وفنيين، مع ضمان ألا تتحول إلى هيئة سياسية تمنح الأطراف حق تعطيل التحقيقات، وأن تملك سلطة إصدار تقارير دورية علنية مع حجب المعلومات التي قد تعرض المدنيين أو الشهود للخطر. ثم عالج التدرج في التنفيذ والضمانات المتبادلة، موضحاً أن التنفيذ المتدرج مفيد عندما يتيح لكل طرف التحقق من التزام الآخر قبل التخلي عن أدوات الحماية الأساسية، وأنه يمكن أن يبدأ بإجراءات إنسانية عاجلة ثم تثبيت خطوط التماس ووقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية وفتح الممرات وتبادل المعلومات العسكرية وحصر القوات ثم الانتقال إلى تجميع الأسلحة الثقيلة ونقلها إلى مواقع متفق عليها وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية وتسريح القوات غير القابلة للإدماج. لكنه حذر من أن التدرج قد يتحول إلى ذريعة للمماطلة إذا لم تكن له آجال واضحة، ولذلك يجب أن يتضمن الاتفاق مواعيد نهائية وشروطاً معلنة للانتقال وإجراءات محددة عند التأخير غير المبرر مع التمييز بين التأخير الفني والخلاف السياسي والخرق المتعمد، وألا تُربط حماية المدنيين أو المساعدات الإنسانية بتقدم المفاوضات لأنها التزامات مستقلة. ثم تناول الضمانات الدولية والإقليمية، موضحاً أنها تزداد أهمية عندما لا تستطيع الأطراف الوثوق في بعضها أو تكون المؤسسات الوطنية عاجزة عن تنفيذ الاتفاق، وقد تشمل بعثة مراقبة أو لجنة تحقق أو دعماً فنياً لإصلاح المؤسسات أو التزامات من الدول المؤثرة بوقف تسليح الأطراف أو آلية دولية لمعالجة الخروقات، لكنها لا تكون فعالة إذا كانت الدول الراعية نفسها تدعم أطرافاً متنافسة أو تستخدم المفاوضات لتثبيت نفوذها. وأشار إلى أن التسوية السودانية ينبغي أن تتضمن التزامات واضحة من الدول الإقليمية والدولية بعدم تقديم السلاح أو التمويل أو الدعم اللوجستي الذي يطيل الحرب وبالامتناع عن تمويل السلطات الموازية أو الهياكل العسكرية والاقتصادية غير الخاضعة للمساءلة، وأن مبادئ برلين بشأن السودان المعتمدة في 30 أبريل 2026 تضمنت اثني عشر مبدأً توجيهياً شملت حماية البنية التحتية المدنية ودعم الدول المجاورة المستضيفة للاجئين وتمويل الاستجابة الإنسانية والتحقيق في الجرائم الخطيرة وملاحقة المسؤولين عنها ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية. لكنه لاحظ أن هذه المبادئ ظلت في كثير من بنودها إعلانية وغير ملزمة ولم تتضمن آليات تنفيذ أو عقوبات محددة على خرقها، مما يثير تساؤلات جدية حول قابليتها للتحول إلى ضمانات فعلية.

خصص الفصل الرابع لتفكيك البنية العسكرية الموازية وإصلاح القطاع الأمني، فبدأ بتوضيح أن إصلاح القطاع الأمني من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب لأنه يتعلق بمصدر القوة الفعلية للدولة، وأنه لا يمكن بناء نظام سياسي مدني مستقر إذا ظلت قوات متعددة تمتلك قيادات مستقلة ومصادر تمويل منفصلة ومراكز احتجاز خاصة وسلاسل قيادة لا تخضع للسلطة الدستورية، وأن دمج التشكيلات المسلحة في الجيش دون تدقيق في الأفراد والقيادات والعقائد والتمويل قد ينقل الانقسامات إلى داخل المؤسسة العسكرية بدلاً من إنهائها. وميز بين توحيد المؤسسات الأمنية وجمع الأفراد المسلحين في هيكل واحد، فالتوحيد المؤسسي يتطلب سلسلة قيادة واحدة وميزانية عامة خاضعة للرقابة وقواعد موحدة للتجنيد والترقية والتدريب والانضباط وقضاءً عسكرياً خاضعاً للقانون ورقابة مدنية وتشريعية ومنعاً لتكوين وحدات ذات ولاءات حزبية أو قبلية أو شخصية، أما الدمج العددي وحده فقد ينتج مؤسسة متضخمة متنافسة داخلياً ومثقلة بقيادات متوازية. ثم تناول نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج بوصفها مراحل متتابعة مترابطة، فشرح أن نزع السلاح يشمل جمع الأسلحة والذخائر وتسجيلها والتحقق منها وتدمير غير الصالح أو غير القانوني أو تخزين ما يلزم وفق ترتيبات رقابية، وأن التسريح يشمل إنهاء الصفة العسكرية والتنظيمية وإغلاق المعسكرات والوحدات غير المطلوبة وتسوية المستحقات القانونية والمالية، وأن إعادة الإدماج تتعلق بإتاحة فرص اقتصادية واجتماعية وتعليمية ومدنية للمقاتلين السابقين بما يحد من احتمالات عودتهم إلى العنف. وأشار إلى أن تصميم برامج نزع السلاح في اتفاقات السلام متفاوت للغاية وأن كثيراً من الاتفاقات لا تتضمن المكونات الثلاثة كاملة وأن النساء والأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة غالباً ما يُهملون في النصوص، مما يؤكد ضرورة ألا يُعامل البرنامج كعملية لتسليم البنادق فقط بل كسياسة اجتماعية واقتصادية وأمنية تشمل المقاتلين السابقين والنساء والأطفال والمجتمعات المضيفة. وحذر من أن نزع السلاح لا ينبغي أن يجرد جماعة من أدواتها بينما تحتفظ أخرى بقواتها وتمويلها وسلاحها، وأن المكافآت المالية أو المناصب السياسية لا ينبغي أن ترتبط بعدد المقاتلين أو حجم السلاح لأن ذلك يشجع على تضخيم القوات وتجنيد مزيد من الأفراد قبل التفاوض، بل يجب أن يكون التسجيل فردياً والتحقق مستقلاً والمزايا محددة وفق معايير معلنة مع استبعاد المقاتلين الذين تثبت مسؤوليتهم الفردية عن جرائم خطيرة من أي حصانة أو امتياز غير قانوني. ثم عالج الإدماج في القوات النظامية متى يكون ممكناً، موضحاً أن إدماج بعض المقاتلين السابقين في الجيش أو الشرطة قد يكون ضرورياً في حالات محددة لكنه ليس حقاً تلقائياً لكل من حمل السلاح ولا ينبغي أن يتحول إلى حصص تنظيمية تضمن للجماعات المسلحة الاحتفاظ بنفوذها داخل الدولة، ويتطلب معايير فردية تشمل المؤهلات واللياقة والتدريب والسجل المهني والالتزام بالدستور واجتياز التدقيق الأمني والقانوني والخضوع لنظام موحد للترقية والانضباط. وميز بين المقاتلين الذين يمكن إعادة تأهيلهم وإدماجهم والذين يمكن تسريحهم وإعادة إدماجهم مدنياً والذين ينبغي إخضاعهم للتحقيق والمساءلة وفق الأدلة، مؤكداً أنه لا يجوز استخدام الانتماء الإثني أو الجغرافي أو القبلي بديلاً عن المسؤولية الفردية ولا منح العفو الجماعي عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفي المقابل لا ينبغي تحويل التدقيق إلى أداة انتقام جماعي أو تطهير سياسي لأنه يعيد إنتاج الإقصاء الذي قد يغذي التمرد. ثم تناول الرقابة المدنية على القوات المسلحة والأمن، موضحاً أنها لا تتحقق بمجرد تعيين وزير دفاع مدني أو تشكيل مجلس أعلى للأمن بل تتطلب سلطة دستورية فعلية على تحديد السياسات الدفاعية وإقرار الميزانية ومراقبة الإنفاق وتعيين القيادات وفق القانون ومراجعة العقيدة العسكرية والتحقيق في الانتهاكات ومنع التدخل العسكري في الانتخابات والحياة الحزبية والاقتصاد. وأشار إلى أن الرقابة الفعالة تشمل لجاناً برلمانية مختصة ذات صلاحيات في طلب الوثائق واستدعاء المسؤولين ومراجعة الحسابات وأجهزة تدقيق مستقلة وقضاءً مدنياً مختصاً بالجرائم الواقعة على المدنيين وقواعد شفافة للمشتريات العسكرية وإفصاحاً مالياً عن الشركات التابعة للمؤسسات الأمنية، وألا تصبح السرية العسكرية غطاءً لإخفاء الإيرادات التجارية أو التهرب الضريبي أو الاستيلاء على الأراضي أو الموارد العامة. واختتم الفصل بالدرس المستفاد من جنوب السودان، حيث كشف تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 24 يناير 2025 أن نحو 7,000 فقط من أصل 53,000 من أفراد القوات الموحدة الضرورية الذين أُتم تدريبهم كانوا قد نُشروا مع تعثر تدريب الدفعة الثانية وعدم الاتفاق على هيكل القيادة الوسطى، مما يوضح أن تدريب عشرات الآلاف لا يحقق وحدة المؤسسة ما لم تُحسم القيادة والتمويل والانتشار والانضباط والرواتب، وأن الدرس للسودان هو عدم إعلان اكتمال توحيد القوات بمجرد التوصل إلى أرقام مستهدفة أو إقامة معسكرات تدريب بل قياس النجاح بوجود قيادة واحدة قابلة للمساءلة وانتشار منظم ورواتب منتظمة من الميزانية العامة ووقف التجنيد الموازي وتفكيك مراكز التمويل المستقلة وانخفاض الانتهاكات وامتثال القوات للأوامر القانونية.

خصص الفصل الخامس للاقتصاد السياسي للحرب وتجفيف مصادر تمويل العنف، فبدأ بالسؤال عن سبب استمرار الحرب عندما تصبح مربحة، موضحاً أن الحرب قد تتحول إلى اقتصاد قائم على استخراج الموارد والجبايات والتهريب والنهب والسيطرة على طرق التجارة والمعابر والموانئ والمناجم، وفي هذه الحالة لا تكون المفاوضات السياسية وحدها كافية لأن بعض الأطراف قد تحقق من استمرار الحرب مكاسب مالية أكبر مما يمكن أن تحصل عليه في ظل اقتصاد مدني خاضع للضرائب والمحاسبة. وعدد مكونات اقتصاديات الحرب التي تشمل السيطرة على الذهب والمعادن والوقود والسلع المدعومة والطرق البرية والأسواق والحدود والضرائب غير الرسمية والمصارف وشركات الصرافة وشبكات الاستيراد والتصدير والشركات الواجهة، وأن هذه الأنشطة قد ترتبط بوسطاء محليين وإقليميين ودوليين مما يجعل الحرب جزءاً من شبكات اقتصادية تتجاوز حدود الدولة. وميز بين النشاط التجاري المدني المشروع الذي يستمر في ظروف الحرب لتوفير الغذاء والدواء والوقود وبين الأنشطة التي تمول القوات المسلحة أو تسهل شراء الأسلحة أو تنقل الموارد المنهوبة أو تفرض الجبايات بالقوة، محذراً من أن التجريم الشامل للتجارة في مناطق النزاع قد يعاقب السكان ويقطع سبل عيشهم بينما يتطلب تجفيف اقتصاد الحرب استهداف الشبكات والجهات المستفيدة والتحقق من المستفيد الحقيقي ومراقبة التدفقات المالية والسلعية. ثم تناول الذهب والموارد الطبيعية في السودان، مشيراً إلى أن تقرير مركز الدراسات المتقدمة للدفاع الصادر عام 2025 بعنوان سبائك للرصاص: دور التعدين في اقتصاد الصراع السوداني خلص إلى أن التعدين والذهب يمثلان جزءاً من اقتصاد الحرب ووثق شبكات وشركات وكيانات مرتبطة بتمويل أطراف الصراع أو تسهيل الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به. وأشار إلى أن تقديرات رسمية بريطانية تشير إلى أن صادرات الذهب الرسمية بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار في عامي 2024 و2025 لكن القيمة الحقيقية للقطاع تُقدر بأضعاف ذلك مع تهريب مليارات الدولارات سنوياً عبر قنوات غير مشروعة تساعد في تمويل شراء الأسلحة والعمليات العسكرية وأنشطة الجماعات المسلحة، وأن المملكة المتحدة فرضت في يوليو 2026 عقوبات على أحد عشر فرداً وكياناً suspected بصلاتهم بشبكات تمويل ومشتريات وتجارة تدعم قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية بما في ذلك شخصيات مرتبطة بشبكات الذهب غير المشروع في دبي وهونغ كونغ. وأشار إلى أن السودان شحن ذهباً بقيمة 1.97 مليار دولار إلى الإمارات العربية المتحدة في عام 2024 مع تراجع التجارة الرسمية وسيطرة قوات الدعم السريع على جزء كبير منها، لكنه حذر من أن ذلك لا يعني أن جميع تجارة الذهب غير مشروعة أو أن كل عائدات القطاع تذهب إلى أطراف الحرب، بل ينبغي تحليل سلسلة القيمة كاملة من مواقع الإنتاج والتراخيص والملكية الفعلية للمناجم والوسطاء ومراكز التجميع والنقل والتصدير وشركات التكرير والمصارف والمشترين النهائيين، والتفريق بين الإنتاج الأهلي التقليدي والتعدين التجاري المنظم وبين الإيرادات العامة التي تدخل الخزانة والإيرادات التي تذهب إلى شبكات خاصة أو تشكيلات مسلحة. وأوصى بإنشاء سجل وطني شفاف للتراخيص والعقود والإنتاج والصادرات ونظام لتتبع الذهب والمعادن وإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات وتدقيق مستقل في الإيرادات ومنع استخدام الشركات العسكرية أو الأمنية واجهات تجارية غير خاضعة للمحاسبة، وربط عائدات التعدين بميزانية عامة معلنة وبنظام لتوزيع الإيرادات على المستويات القومية والولائية والمحلية وفق قواعد مالية عادلة. ثم عالج العقوبات المالية والرقابة على شبكات الدعم الخارجي، موضحاً أن العقوبات الموجهة يمكن أن تستهدف قادة وشركات ووسطاء ومؤسسات تمويل متورطة في شراء الأسلحة أو نقل الموارد أو تمويل الانتهاكات لكنها تفشل إذا كانت ضيقة جغرافياً أو إذا أمكن نقل الأموال عبر شركات واجهة أو دول وسيطة أو أصول رقمية أو تجارة غير رسمية، وأن العقوبات الواسعة على قطاعات كاملة قد تضر بالسكان والقطاع الخاص المشروع وتزيد الاعتماد على السوق السوداء. ولذلك ينبغي أن تقوم سياسة العقوبات على أدلة قابلة للتحقق ومعايير معلنة لإدراج الأفراد والكيانات وآليات للطعن والمراجعة واستثناءات إنسانية واضحة وتنسيق بين الدول المعنية ومراقبة للآثار الجانبية، وألا تكون بديلاً عن التحقيقات الجنائية أو إصلاح المؤسسات المالية والجمركية. ثم تناول الاقتصاد بعد الحرب بوصفه انتقالاً من إعادة الإعمار إلى تغيير بنية الحوافز، موضحاً أن ضخ الأموال في إعادة بناء الطرق والمباني لا يكفي إذا بقيت مؤسسات الاقتصاد خاضعة لشبكات الاحتكار والفساد والجبايات المسلحة، وأن عملية التعافي ينبغي أن تبدأ بإعادة الخدمات الأساسية واستعادة عمل الأسواق ودفع الرواتب وإعادة تشغيل الزراعة والنقل والطاقة والمياه والصحة والتعليم بالتوازي مع إصلاح المالية العامة والمصارف والجمارك والضرائب. وشدد على ألا تقتصر إعادة الإعمار على العاصمة والمدن الكبرى بل توجيه الاستثمارات وفق حجم الدمار والاحتياجات السكانية والفقر والنزوح والحرمان التاريخي مع إعطاء الأولوية للمناطق التي كانت خارج الخدمات العامة قبل الحرب، وأن تتضمن البرامج آليات لمنع الاستيلاء على الأراضي والتلاعب بالتعويضات وإقصاء النازحين واللاجئين من حقوق الملكية والسكن. ثم عرض دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية الصادرة في 14 أبريل 2026 التي استخدمت منصة النمذجة المعروفة باسم المستقبل الدولي لبناء سيناريوهات بديلة، ويقدر سيناريو استمرار الصراع حتى عام 2030 أن نحو 34 مليون شخص إضافي قد يُدفعون إلى الفقر المدقع بحلول عام 2043 مقارنة بمسار عدم الحرب وأن الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام قد يكون أقل بنحو 34.5 مليار دولار من ذلك المسار، بينما يعرض سيناريو السودان الصاعد مساراً يمكن أن يخرج نحو 17 مليون شخص من الفقر المدقع ويجعل الناتج المحلي الإجمالي أكثر من ضعف مستواه في مسار استمرار الحرب بحلول 2043، مع التشديد على أن هذه ليست نتائج محققة أو تنبؤات مؤكدة بل مخرجات نمذجة تعتمد على افتراضات تتعلق بالسلام والإصلاح والاستثمار والإنتاجية والحوكمة.

خصص الفصل السادس للعدالة الانتقالية والمصالحة ومنع الإفلات من العقاب، فبدأ بتوضيح أن العدالة ليست ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد السلام، رافضاً المقولة القائلة إن العدالة ينبغي أن تؤجل حتى لا تعرقل المفاوضات أو أن السلام يتطلب العفو عن جميع الأطراف، لأن هذا التصور يخلط بين التفاوض على إنهاء الحرب ومنح حصانة مطلقة لمن ارتكبوا جرائم جسيمة، فتجاهل الجرائم والانتهاكات قد يترك مظالم عميقة ويضعف ثقة الضحايا في الدولة ويمنح مرتكبي الانتهاكات قدرة على إعادة إنتاج العنف من داخل المؤسسات الجديدة. وفي المقابل فإن المطالبة بمحاكمات فورية وشاملة لجميع المتهمين دون بناء مؤسسات قضائية قادرة على العمل قد تكون غير واقعية وقد تُستخدم سياسياً لتصفية الخصوم أو تعميق الاستقطاب، ولذلك ينبغي بناء سياسة عدالة انتقالية متدرجة لا تقوم على الإفلات الجماعي من العقاب ولا على الانتقام الجماعي بل على المسؤولية الفردية والأدلة والإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة. وأشار إلى أن تجربة ليبيريا تشير إلى أن تسلسل الأمن قبل المساءلة قد يسهم في استدامة السلام بعد الحرب الأهلية بشرط أن يُفهم ذلك باعتباره استراتيجية مشروطة ومحدودة زمنياً وليست تأييداً معيارياً للإفلات من العقاب. وحدد أربعة مسارات متكاملة للعدالة الانتقالية هي كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات والمساءلة الجنائية عن الجرائم الخطيرة وجبر الضرر والتعويض ورد الحقوق وإصلاح المؤسسات التي سمحت بالانتهاكات أو شاركت فيها، ويمكن أن تضاف إليها برامج المصالحة المحلية والإصلاح القانوني واستعادة الأراضي والممتلكات وإحياء الذاكرة العامة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجين. ثم تناول المسؤولية الفردية وعدم العقاب الجماعي، مؤكداً أنه لا يجوز تحميل جماعة إثنية أو قبلية أو إقليمية أو سياسية المسؤولية الجماعية عن جرائم ارتكبها أفراد أو قيادات محددة، ولا يجوز استخدام الانتماء التنظيمي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية لأنها تتطلب أدلة على الفعل أو المشاركة أو الأمر أو المساعدة أو غير ذلك من صور المسؤولية المعترف بها قانوناً. وفي المقابل لا يجوز أن تتحول الاعتبارات السياسية إلى حصانة لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الخطيرة، وينبغي أن تتضمن التسوية ترتيبات لحماية الأدلة واستقلال النيابة والقضاء وحماية الشهود وتوثيق المقابر الجماعية وحفظ السجلات الطبية والرقمية وتسهيل وصول المحققين إلى مناطق الانتهاكات. ثم عالج العدالة المحلية والمصالحة المجتمعية، موضحاً أن المحاكم الوطنية أو الدولية وحدها لا تستطيع معالجة جميع آثار الحرب، فالنزاعات على الأرض والمراعي والمياه والملكية والاعتداءات على المجتمعات المحلية والتهجير القسري والثأر وانهيار الثقة بين الجيران تحتاج إلى آليات محلية للوساطة وجبر الضرر والتسوية شريطة ألا تُستخدم لفرض الصمت على الضحايا أو تجاوز الجرائم الخطيرة. وأكد أن المصالحة المحلية تتطلب مشاركة الضحايا والنساء والشباب والقيادات المجتمعية والمزارعين والرعاة والنازحين واللاجئين مع الاعتراف بتفاوت القوة بين الأطراف، وأنها لا تكون حقيقية إذا طُلب من الضحايا التسامح دون اعتراف أو تعويض أو ضمانات بعدم التكرار. ثم ربط العدالة بالاتفاق السياسي، موضحاً أن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تكون مجرد وعد عام في الاتفاق بل يجب أن تتضمن التزامات محددة تشمل إنشاء مفوضيات مستقلة وتحديد اختصاصات المحاكم وتوفير التمويل وحماية الشهود وتحديد العلاقة بين القضاء الوطني والآليات الدولية وإتاحة مشاركة الضحايا، وأن مبادئ برلين بشأن السودان أكدت ضرورة التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الفظائع وملاحقة المسؤولين عنها ودعم الناجين والمجتمعات المتضررة ومساندة جهود العدالة الانتقالية.

خصص الفصل السابع للوساطة الدولية والإقليمية والتدخل الخارجي، فبدأ بتوضيح أن الوساطة ليست محايدة بمجرد إعلان الحياد، وأن فعاليتها تتوقف على فهم موازين القوة ومصالح الأطراف وشبكات الدعم الخارجي وقدرة الوسطاء على التأثير في حسابات المتحاربين، وأنها قد تفشل عندما تتعدد المبادرات دون تنسيق أو تتنافس الدول الراعية أو يكون لبعض الوسطاء دور مباشر أو غير مباشر في دعم أطراف النزاع. وميز بين الوساطة والتيسير والضمان والرقابة والضغط الدبلوماسي، ف الوساطة تسعى إلى تقريب المواقف وصياغة التسوية، والتيسير يوفر مساحة للحوار، والضمانات تضمن تنفيذ الالتزامات، وبعثات المراقبة تتحقق من الامتثال، والدول تستخدم أدوات الضغط والعقوبات لتغيير حسابات الأطراف، وقد يجمع إطار واحد بين هذه الوظائف لكن ينبغي تحديدها وتوزيعها حتى لا تتضارب الأدوار. ثم تناول تعدد المبادرات ومشكلة التنافس الدولي، مشيراً إلى أن السودان شهد تداخل مبادرات إقليمية ودولية متعددة شملت الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والأمم المتحدة والجامعة العربية والولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات ودولاً أوروبية وإفريقية أخرى، وأن هذا التعدد أتاح قنوات اتصال مختلفة لكنه خلق خطر ازدواج المبادرات وتضارب الأولويات وتنافس الوسطاء. وأشار إلى أن جهود الوساطة الدولية بما فيها جهود الاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات وسويسرا فشلت في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار بسبب الخلافات بين الفاعلين الخارجيين ورفض القوات المسلحة السودانية التفاوض مع قوات الدعم السريع على قدم المساواة وتضارب المصالح السياسية. وأكد أهمية التنسيق بين الأطر الدبلوماسية بدلاً من إنشاء مسارات متوازية لا تتبادل المعلومات ولا تتفق على الحد الأدنى من المبادئ، وأن مبادئ برلين لعام 2026 شددت على ضرورة تنسيق الجهود الدولية والإقليمية دعماً لحل سلمي ومستدام وربط ذلك بحماية المدنيين وتوفير المساعدات ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والتعافي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية، وأنه ينبغي أن تتولى جهة تنسيق مشتركة تحديد الأدوار وتبادل المعلومات ومنع تضارب المبادرات مع عدم تحويل التنسيق الدولي إلى بديل عن العملية السياسية السودانية. ثم عالج وقف التدخل الخارجي بوصفه شرطاً لنجاح التسوية، موضحاً أنه لا يمكن بناء اتفاق سلام مستدام إذا استطاع أي طرف تعويض خسائره العسكرية أو المالية عبر حلفاء خارجيين، لأن استمرار تدفق الأسلحة والذخائر والطائرات المسيرة والتمويل والمرتزقة والخدمات اللوجستية قد يقوض كل حوافز التفاوض، وأن الدول الداعمة قد تستخدم الحرب لتوسيع نفوذها الإقليمي أو الوصول إلى الموارد أو الموانئ أو الممرات التجارية. وأشار إلى أن منظمات حقوقية دولية من بينها العفو الدولية وثقت تدفق أسلحة وذخائر حديثة الصنع أو مسلمة حديثاً إلى السودان من دول تشمل الصين وروسيا وصربيا وتركيا والإمارات واليمن مما يؤكد أن الحرب السودانية مدعومة بشبكات توريد خارجية متعددة. وأكد أن معالجة التدخل الخارجي تحتاج إلى آلية تحقق متعددة الأطراف تشمل مراقبة الحدود والمطارات والموانئ ومسارات النقل وتبادل المعلومات عن شبكات التمويل والتجنيد ومراجعة تراخيص تصدير السلاح وتطبيق العقوبات على الجهات التي يثبت تورطها، وأن الاتهامات يجب أن تستند إلى أدلة قابلة للفحص لا إلى التصريحات السياسية وحدها. وعرض نتائج بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان في تقريرها الصادر في 3 سبتمبر 2026 التي أفادت بأن شبكات عابرة للحدود ساعدت في تجنيد وتدريب ونقل أفراد أجانب لدعم قوات الدعم السريع وسهلت نقل أسلحة وذخائر وتقنيات عسكرية ودعم لوجستي، وأن لديها أسباباً معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة السودانية استخدمت طائرات مسيرة أجنبية في عمليات ألحقت أضراراً بالمدنيين والأعيان المدنية، وخلصت إلى أن الدعم الخارجي عزز القدرات العسكرية للطرفين ووسع نطاق العمليات ودعت إلى تعزيز تنفيذ حظر السلاح المفروض على دارفور والنظر في توسيعه على مستوى السودان. وأشار إلى أن مبادئ برلين لعام 2026 تضمنت التزاماً بإنهاء الدعم الخارجي المباشر وغير المباشر الذي يتيح استمرار الحرب سواء كان عسكرياً أو مالياً أو لوجستياً، وأن الاتحاد الإفريقي شدد على وقف تدفق السلاح وعلى ضرورة تنسيق الدعم الدولي بما يخدم عملية سياسية سودانية الملكية والقيادة. واختتم الفصل بحدود الضغط الخارجي، موضحاً أن القوى الخارجية لا تستطيع فرض سلام مستدام إذا رفضت الأطراف السودانية التسوية أو إذا ظلت مراكز القوة الداخلية قادرة على تعطيلها، وأن فرض ترتيبات سياسية من الخارج قد يضعف شرعيتها ويحولها إلى اتفاق بين رعاة دوليين لا بين السودانيين، ولذلك يجب أن يتركز الدور الخارجي على وقف تدفق السلاح وتوفير الضمانات ودعم المراقبة وتمويل الإغاثة والتعافي ومساندة الحوار السوداني الشامل دون مصادرة القرار الوطني.

خصص الفصل الثامن لبعثات السلام وبناء المؤسسات ومنع تجدد الحرب، فبدأ بالسؤال عما تستطيع عمليات حفظ السلام فعله، موضحاً أنها عندما تتوفر لها ولاية واضحة وموارد كافية وقبول سياسي تستطيع أن تقلل مخاطر تجدد القتال عبر مراقبة وقف إطلاق النار وحماية المدنيين ودعم تنفيذ الاتفاق وتيسير عودة النازحين ومساندة إصلاح المؤسسات، وأن دراسة فورتنا وجدت أن وجود عمليات حفظ سلام بعد الحروب الأهلية يرتبط بزيادة فرص استمرار السلام وأن أثرها لا يقتصر على مراقبة الاتفاق بل يشمل تقليل مخاوف الأطراف من تعرضها لهجوم جديد. لكنه حذر من المبالغة في قدرة بعثات السلام، فهي لا تستطيع أن تحل محل الدولة أو أن تفرض تسوية سياسية دون موافقة الأطراف أو أن تعالج بمفردها الاقتصاد السياسي للحرب، وأن بعثات محدودة العدد أو التمويل أو ذات تفويض غامض قد تفشل في حماية المدنيين أو مراقبة مناطق واسعة، ويتطلب نجاحها وضوح الهدف السياسي وحرية الحركة والتعاون مع المجتمعات المحلية والقدرة على التحقيق والإبلاغ والارتباط بخطة انتقال سياسي ومؤسسي. ثم تناول بناء السلام بوصفه عملية لا تبدأ بعد انتهاء الحرب، موضحاً أنه ينبغي أن يبدأ أثناء التفاوض ووقف إطلاق النار لا بعد اكتمال التسوية، فإعادة فتح المدارس والمراكز الصحية والأسواق وإصلاح المياه والكهرباء واستعادة الوثائق المدنية ودفع الرواتب وإعادة تشغيل المحاكم وتوفير خدمات الحماية كلها إجراءات تقلل دوافع العودة إلى العنف وتعيد بناء الثقة بالدولة. وأكد أن برامج بناء السلام يجب أن تتجاوز المشروعات القصيرة الممولة خارجياً وأن تتحول إلى خطط وطنية وولائية ومحلية متكاملة تتضمن ميزانيات تشغيل وصيانة ومؤشرات لقياس جودة الخدمة وتوزيعها وآليات للشكاوى ومشاركة المجتمعات في تحديد الأولويات. ثم عالج دور المؤسسات المحلية، موضحاً أنها قد تكون أكثر قدرة على فهم النزاعات اليومية من المؤسسات المركزية خاصة في المناطق الريفية والحدودية، وتشمل الإدارات المدنية والبلديات واللجان المجتمعية والهيئات المهنية والمنظمات النسائية والشبابية ومؤسسات الإدارة الأهلية وفق حدود دستورية وقانونية واضحة. لكنه حذر من افتراض أن كل مؤسسة محلية محايدة أو ممثلة للجميع، فقد تكون بعض المؤسسات المحلية جزءاً من شبكات الهيمنة أو التمييز أو التعبئة المسلحة، ولذلك ينبغي تقييمها وفق معايير الشمول والمساءلة والشفافية واحترام الحقوق وليس وفق صفتها التقليدية أو الاجتماعية وحدها.

خصص الفصل التاسع للدروس المستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فبدأ بتجربة موزمبيق التي انتهت حربها الأهلية بين جبهة تحرير موزمبيق والمقاومة الوطنية الموزمبيقية باتفاق روما العام للسلام في 1992 الذي ركز بدرجة كبيرة على نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والتحول السياسي، لكن الاتفاق لم ينه جميع أشكال العنف المحلي ولم يمنع عودة التوتر المسلح، إذ شهدت البلاد مواجهات متجددة بين الحكومة والمقاومة الوطنية في الفترة 2013-2016 قبل أن يتجه الطرفان إلى مفاوضات مباشرة أفضت إلى اتفاق مابوتو للسلام والمصالحة الوطنية عام 2019. وأشار إلى أن دراسات بناء السلام في موزمبيق بينت أن اتفاق 1992 لم ينه العنف منخفض الحدة بصورة كاملة وأن ضعف المؤسسات المستدامة لإدارة النزاعات المحلية كان أحد أوجه هشاشة مرحلة ما بعد الحرب إلى جانب عوامل سياسية واقتصادية أخرى، وأن مركز جنيف للسياسة الأمنية عرض أن محاولات الوساطة بين 2012 و2016 لم تنتج تسوية نهائية وأن انتقال الرئيس فيليبي نيوسي وزعيم المقاومة أفونسو دلاكاما إلى الحوار المباشر في أواخر 2016 ساعد على تهيئة عملية تفاوض وطنية مرنة انتهت باتفاق مابوتو عام 2019. وأضاف أن تحليل عملية الوساطة يشير إلى أن اتفاق 2019 جاء بعد سلسلة من الاتفاقات الجزئية بما فيها اتفاق وقف الأعمال العدائية العسكرية لعام 2014 مما يبرز أهمية التدرج والوساطة التكيفية في إنهاء الصراعات الممتدة، وأن دروس عملية مابوتو تؤكد على أربعة عناصر هي معالجة الأسباب الجذرية والتنفيذ أثناء التفاوض وبناء هيكل وساطة مرن ودمج المساواة بين الجنسين في العملية. والدرس للسودان أن برامج نزع السلاح لا تعوض غياب مؤسسات السلام المحلية وأن الاتفاق الأمني يحتاج إلى نظام مستمر لمعالجة النزاعات على الأرض والموارد والسلطة والخدمات، وأن الوساطة لا ينبغي أن تكون عملية مغلقة بين القيادات المسلحة وحدها بل يجب أن تتصل بالمجتمعات التي ستتحمل آثار تنفيذ الاتفاق. ثم تناول تجربة كولومبيا التي أنهى اتفاق السلام الكولومبي لعام 2016 المواجهة الرئيسية بين الحكومة والقوات المسلحة الثورية الكولومبية وتضمن إصلاحاً ريفياً ومشاركة سياسية ونزع السلاح وإعادة الإدماج والعدالة الانتقالية والتعامل مع المخدرات غير المشروعة وضمانات لحماية القادة الاجتماعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. لكن تنفيذ الاتفاق واجه تباطؤاً وتفاوتاً بين المناطق والملفات، وأظهرت تقارير معهد كروك لمتابعة تنفيذ الاتفاق أن تنفيذ الالتزامات يتطلب زمناً طويلاً وأن التقدم يختلف بين بنود الإصلاح الريفي والضمانات الأمنية وإعادة الإدماج والعدالة والمشاركة السياسية، وأن عدداً من الالتزامات معرض للتأخر أو عدم الإنجاز في الإطار الزمني المحدد وأن استدامة الاتفاق تتوقف على قدرة الدولة على تنفيذ الالتزامات في المناطق الطرفية وحماية القادة الاجتماعيين والمشاركين السابقين في العملية السياسية. وأشار إلى أن نسبة الالتزامات المكتملة تراكمياً منذ 2016 حتى نوفمبر 2023 بلغت 32% مع تفاوت كبير بين البنود، وأن التقرير التاسع للمعهد الذي يغطي الفترة من ديسمبر 2023 إلى نوفمبر 2024 يشير إلى أن 34% من التدابير المنصوص عليها في الاتفاق قد نُفذت بالكامل و19% نُفذت جزئياً. وتكشف التجربة أن الاتفاق الشامل لا يضمن التنفيذ تلقائياً، فالإصلاح الريفي يحتاج إلى تمويل وقدرة إدارية وحماية للمجتمعات، والانتقال السياسي يحتاج إلى ضمانات حقيقية للمشاركين السابقين، ونزع السلاح يحتاج إلى فرص اقتصادية وأمنية بديلة، وحماية القادة المحليين تحتاج إلى مؤسسات قادرة على منع الاغتيالات والتهديدات، وأن عودة جماعات مسلحة أخرى إلى مناطق انسحاب القوات السابقة قد تقوض مكاسب الاتفاق إذا لم تترافق إعادة الانتشار مع وجود الدولة والخدمات والحماية. ثم تناول تجربة أيرلندا الشمالية واتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998 الذي يعد مثالاً مهماً على بناء ترتيبات سياسية لإدارة صراع طويل من خلال تقاسم السلطة وتطوير مؤسسات مشتركة وإصلاح الشرطة وترتيبات نزع السلاح وآليات للعلاقات بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا والمملكة المتحدة. لكن التجربة لم تكن خطاً مستقيماً من الحرب إلى السلام فقد شهدت مؤسسات الحكم الذاتي أزمات وتعليقاً للعمل وكان نزع السلاح وإصلاح الشرطة وتشكيل السلطة التنفيذية موضوعات خلاف متكرر، وعرض كوآكلي كيف واجه تنفيذ الاتفاق أزمات مؤسسية بما في ذلك تأخر تشكيل المؤسسات وتعليق الجمعية التنفيذية عام 2002 قبل استعادة تقاسم السلطة بعد اتفاق سانت أندروز عام 2006، وركز تحليله على إعادة تنظيم الإدارات الحكومية وإنشاء الهيئات المشتركة بين الشمال والجنوب وآليات العمل الحكومي في سياق سياسي شديد الحساسية. وأشار إلى أن المؤسسات عُلقت في أكتوبر 2002 للمرة الرابعة في أربع سنوات بسبب allegations تتعلق بجمع معلومات من مكتب أيرلندا الشمالية مما يبرز هشاشة ترتيبات تقاسم السلطة في غياب الثقة الكافية، وأنها عادت للعمل في عام 2024 بعد توقف دام عامين بسبب خلاف حول ترتيبات ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأنه رغم أن السنة المالية 2024/25 كانت الأولى منذ 1969 التي لم تُسجل فيها وفيات مرتبطة بالنزاع فإن تقارير بريطانية تشير إلى أن أجزاء رئيسية من الاتفاق لا تزال غير منفذة وأن جذور النزاع لم تُحل وأن مستويات الانقسام والتهديدات والعنف لا تزال مرتفعة. والدرس هو أن السلام يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف لا إلى افتراض اختفاء الخلاف، لكن نقل تجربة أيرلندا الشمالية إلى السودان لا يمكن أن يكون حرفياً لاختلاف السياق القانوني والمؤسسي وحجم الدولة وطبيعة الجماعات المسلحة وتاريخ الصراع والبيئة الإقليمية، وما يمكن الاستفادة منه هو تصميم آليات سياسية تمنع احتكار السلطة وتتيح التفاوض المؤسسي وتضمن استمرار الخدمات والحكم حتى عند تعطل التوافق بين القوى السياسية. ثم تناول تجربة جنوب السودان التي تكشف أن تقاسم المناصب الحكومية بين النخب المسلحة قد يوقف القتال مؤقتاً لكنه لا يضمن قيام دولة مستقرة إذا ظلت القوات متوازية والقيادات متنافسة والموارد المالية غير خاضعة للمساءلة والترتيبات الأمنية مؤجلة، وأن تقارير الأمم المتحدة تظهر استمرار التعثر في تنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية بما في ذلك الفجوة بين أعداد القوات التي خضعت للتدريب وتلك التي تم نشرها فعلياً. وأشار إلى أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 24 يناير 2025 أفاد بأن نحو 7,000 من أصل 53,000 من أفراد القوات الموحدة الضرورية كانوا قد نُشروا بينما ظل تدريب الدفعة الثانية والاتفاق على هيكل القيادة الوسطى معلقين، وأن مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي أعرب في يناير 2026 عن قلق بالغ إزاء بطء تنفيذ الاتفاق المنشط مشيراً إلى استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار وتأخر الترتيبات الأمنية وصياغة الدستور وإنشاء المحكمة المختلطة، وأن وكيل الأمين العام لعمليات السلام حذر في فبراير 2026 من أن الجمود السياسي بين الموقعين الرئيسيين لا يزال يغذي تصاعد التوترات ويتجلى في مواجهات مسلحة في أجزاء كثيرة من البلاد، وأن بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان سجلت أكثر من 480 حادثة اعتراض للسلاميين والوصول الإنساني بين أكتوبر 2025 ومارس 2026. والدرس للسودان أن المحاصصة بين القيادات العسكرية لا تمثل بديلاً عن بناء مؤسسات وطنية وأن الاتفاق على نسب تمثيل أو مناصب وزارية لا يحل مشكلة تعدد الجيوش أو مصادر التمويل أو مراكز القيادة. واختتم الفصل بتوضيح أن المقارنة ليست وصفة جاهزة، فلا يجوز استنتاج أن تجربة نجحت في دولة ما يمكن نقلها تلقائياً إلى السودان، فالمقارنة العلمية ينبغي أن تراعي طبيعة أطراف الحرب وعدد الجماعات المسلحة وشكل الدولة ودرجة التماسك المؤسسي ومصادر التمويل والتدخل الخارجي والقدرة المالية ووجود قضاء مستقل ومستوى المشاركة المجتمعية، وتفيد المقارنة في تحديد الآليات الممكنة وشروط نجاحها وحدودها لا في استنساخ نموذج دستوري أو أمني كامل.

خصص الفصل العاشر للسودان في 2026 وطبيعة الصراع وشروط إنهائه، فبدأ بتوصيف الحرب بوصفها أزمة دولة متعددة الأبعاد، موضحاً أنها اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لكنها سرعان ما تجاوزت إطار المواجهة العسكرية بين الطرفين إلى أزمة مركبة شملت تفكك مؤسسات الدولة واتساع النزوح وانهيار قطاعات واسعة من الاقتصاد والخدمات وتعدد مراكز السيطرة المسلحة وتزايد التدخلات الخارجية وتصاعد النزاعات المحلية. وأشار إلى أنه حتى منتصف عام 2026 نزح نحو 14 مليون شخص منهم 8.9 مليون نازح داخلياً و4.4 مليون لاجئ عبر الحدود خصوصاً في تشاد وجنوب السودان ومصر، وأن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية في عام 2026، وأن منظمة الصحة العالمية وثقت أكثر من 200 هجوم على مرافق صحية أسفرت عن 2,052 وفاة. وعرض تفاوت تقديرات الوفيات بين تقديرات الأمم المتحدة المتحفظة التي تشير إلى أكثر من 150,000 قتيل وقاعدة بيانات ACLED التي تسجل نحو 50,000 وفاة مؤكدة وتقديرات بحثية تصل إلى 61,202 وفاة في الفترة من أبريل 2023 إلى يونيو 2024 وتقديرات أخرى تصل إلى 250,000، وأن الطائرات المسيرة تسببت في النصف الأول من عام 2026 وحده بأكثر من 80% من وفيات المدنيين مما أسفر عن مقتل 880 شخصاً على الأقل في أربعة أشهر. وأكد أنه لا يمكن اختزال الحرب في تنافس شخصي بين قيادتين عسكريتين رغم أهمية الصراع على القيادة والسلطة، فقد كشفت الحرب عن مشكلة أعمق تتعلق بوجود قوات مسلحة موازية وتداخل النشاط العسكري والاقتصادي وضعف الرقابة المدنية وتراكم اختلالات الانتقال السياسي وفشل إصلاح المؤسسات الأمنية وعدم معالجة جذور النزاعات الإقليمية والاجتماعية، وأن مقترح دمج قوات الدعم السريع في الجيش النظامي كان الشرارة المباشرة التي فجرت التوتر بين الجنرالين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو لكن هذا التوتر لم يكن ليؤدي إلى حرب شاملة لولا البيئة البنيوية الهشة التي وفرتها عقود من العسكرة وتفكك المؤسسات. وأشار إلى أن مدينة الفاشر آخر معاقل القوات المسلحة في دارفور سقطت في أكتوبر 2025 بعد حصار استمر ثمانية عشر شهراً وسط تقارير عن ارتكاب قوات الدعم السريع جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب تحمل بصمات الإبادة الجماعية ضد المجتمعات غير العربية وفقاً لبعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة، وأن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة وثقت أن الهجوم على الفاشر أسفر عن مقتل أكثر من 6,000 شخص عبر إعدامات جماعية موجزة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأشار إلى أن نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أفادت في يوليو 2026 بأن المحكمة جمعت أدلة ملموسة تربط قادة كبار في قوات الدعم السريع بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وأن محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم ضد الدولة في بورتسودان أصدرت في 12 يوليو 2026 حكماً بالإعدام على الجنرال محمد حمدان دقلو وقيادات أخرى في قوات الدعم السريع في قضية تتعلق بمقتل حاكم غرب دارفور خميس عبد الله أبكر وجرائم في الجنينة. ثم تناول تعقيد مراكز السلطة وتعدد السلطات المتنافسة، موضحاً أن التسوية السودانية تتطلب التعامل مع أكثر من مستوى للسلطة الفعلية هي المؤسسات الرسمية والقيادات العسكرية والقوى المسلحة المحلية والسلطات المدنية والإدارية في مناطق السيطرة المختلفة والشبكات الاقتصادية والجهات الخارجية الداعمة، مما أدى إلى حالة من التفتت المؤسسي بحيث لا تكفي موافقة قيادة واحدة لضمان تنفيذ الاتفاق في كل المناطق أو لدى جميع الوحدات التابعة لها. وأكد أن عملية التفاوض يجب أن تتضمن آليات للتحقق من قدرة القيادات على إلزام القوات التابعة لها وأن تميز بين القيادة السياسية والعسكرية والميدانية وأن تحدد مسؤولية كل مستوى عن تنفيذ الالتزامات، وألا تتحول الاعترافات السياسية أو الترتيبات الإدارية إلى شرعنة دائمة لسلطات الأمر الواقع التي نشأت بفعل الحرب، مع التمييز بين الاعتراف بوجود سلطة أمر واقع بوصفها طرفاً يجب التعامل معه لأغراض إنسانية أو أمنية والاعتراف بها سلطة دستورية أو حكومة شرعية. ثم عالج التدخل الخارجي وتدويل اقتصاد الحرب، مشيراً إلى أن الدعم الخارجي أصبح أحد العوامل التي تزيد صعوبة إنهاء الحرب سواء عبر التمويل أو السلاح أو الذخائر أو التقنيات العسكرية أو الإمداد اللوجستي أو شبكات التجارة، وأن تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر في سبتمبر 2026 دعا إلى تعزيز تنفيذ حظر السلاح المفروض على دارفور والنظر في توسيعه على مستوى السودان ووثق شبكات تجنيد وتسليح وتدريب وإمداد عابرة للحدود وذكر أن الدعم الخارجي عزز القدرات العسكرية للطرفين ووسع نطاق العمليات التي يمكن تنفيذها بالطائرات المسيرة. وأشار إلى أن تراخيص تصدير المعدات العسكرية البريطانية إلى الإمارات ضمن الفئة ML10 التي تشمل الطائرات المسيرة ومحركاتها ارتفعت من أربعة ملايين جنيه إسترليني في عام 2023 إلى 87 مليوناً في عام 2024 و77 مليوناً في عام 2025 مما يثير تساؤلات حول دور الشبكات الخارجية في إطالة أمد الحرب. وأكد أن معالجة هذه المشكلة لا تكفي فيها البيانات السياسية العامة بل ينبغي تحديد أنواع الدعم المحظور ومسارات نقله والجهات الوسيطة والمستفيدين منه وآليات التحقق والعقوبات، وأن الرقابة يجب أن تشمل الأسلحة التقليدية والذخائر والطائرات المسيرة ومكوناتها والاتصالات العسكرية والخدمات اللوجستية والتمويل والتجنيد مع مراعاة أن الاتهامات الموجهة إلى الدول أو الشركات تحتاج إلى أدلة محددة. ثم تناول الأزمة الإنسانية بوصفها ليست نتيجة جانبية منفصلة عن مسار السلام، موضحاً أن استمرار النزوح والجوع وانهيار الخدمات ليس مجرد أثر إنساني للحرب بل عامل يؤثر في إمكان إنهائها، فالنزوح الواسع يضعف الروابط الاجتماعية والاقتصادية ويزيد المنافسة على الموارد في مناطق الاستقبال ويؤثر في شرعية المؤسسات ويجعل عودة السكان مرتبطة بالأمن والسكن والملكية والخدمات، وأن انهيار التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل يزيد مخاطر التجنيد والاستغلال والعنف المحلي. وأشار إلى أن منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة أفاد في أبريل 2026 بأن نحو 34 مليون شخص أي قرابة ثلثي السكان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية وأن ملايين الأشخاص نزحوا داخل السودان وخارجه وأن الاستجابة الإنسانية تعاني نقصاً حاداً في التمويل، وأن العاملين في المجال الإنساني تمكنوا من الوصول إلى 17 مليون شخص خلال العام السابق بينما استهدف برنامج الاستجابة في 2026 الوصول إلى 20 مليون شخص. وأضاف أن بيانات برنامج الأغذية العالمي تشير إلى أن 21 مليون سوداني يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي وأن نحو 19.5 مليون شخص أي 41% من السكان واجهوا مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين فبراير ومايو 2026 مع تأكيد خطر المجاعة في 14 منطقة في شمال دارفور وجنوب دارفور وجنوب كردفان، وأنه يُتوقع أن يعاني 825,000 طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم في عام 2026 بزيادة 7% عن عام 2025 و25% عن مستويات ما قبل الحرب. ثم عرض المبادئ السياسية الضرورية للتسوية السودانية التي ينبغي أن تقوم على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه وعلى قيادة مدنية للانتقال السياسي وعلى شمول العملية السياسية للقوى المدنية والمجتمعية والنساء والشباب والنازحين واللاجئين دون أن تتحول إلى محاصصة بين القيادات المسلحة، وأن المشاركة السياسية يجب أن تكون قائمة على الحقوق والمواطنة والتمثيل الديمقراطي لا على حجم السلاح أو القدرة على تعطيل الدولة. وأكد أن التسوية يجب أن تتضمن التزاماً واضحاً بإصلاح القطاع الأمني وتوحيد المؤسسات النظامية وفق معايير مهنية وقانونية وحظر إنشاء قوات حزبية أو قبلية أو شخصية وإخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية وتشريعية وقضائية وفصل النشاط التجاري العسكري عن المالية العامة، وأن مبادئ برلين بشأن السودان تشدد على وحدة البلاد وسيادتها وعلى وقف إنساني يعقبه وقف مستدام لإطلاق النار وآليات للمراقبة والتحقق وحوار مدني سوداني شامل ومشاركة النساء وإنهاء الدعم الخارجي وضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين والبنية التحتية وتحقيق العدالة والمساءلة ودعم التعافي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية. وأشار إلى أن البيان المشترك لدول الخماسية في يونيو 2026 أكد على ضرورة بدء عملية سياسية بقيادة مدنية خلال ستة أشهر مع التأكيد على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان.

خصص الفصل الحادي عشر لخارطة طريق عملية لإنهاء الحرب ومنع تجددها في السودان، فقسمها إلى سبع مراحل متداخلة. ففي المرحلة الأولى الممتدة من صفر إلى اثني عشر شهراً ركز على وقف التصعيد وحماية المدنيين وفتح المسار الإنساني، موضحاً أنها تبدأ بوقف الهجمات على المدنيين والمرافق الحيوية ووقف القصف العشوائي والهجمات بالطائرات المسيرة على المناطق السكنية والمنشآت المدنية وفتح ممرات إنسانية آمنة وتأمين وصول الإغاثة عبر خطوط القتال والحدود، وأن هذه الالتزامات يجب أن تكون نافذة فوراً وألا تُربط بالتوصل إلى اتفاق سياسي شامل. وأشار إلى أن ذلك يتطلب إنشاء غرفة تنسيق إنسانية مستقلة تضم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية الوطنية والدولية وممثلين عن غرف الاستجابة للطوارئ والجهات المحلية المعنية مع ضمان عدم خضوع المساعدات للتمييز السياسي أو العسكري، ونشر تقارير دورية عن وصول المساعدات وعدد المناطق التي أمكن الوصول إليها وحجم التمويل والعوائق والاعتداءات على العاملين الإنسانيين. وأضاف أن هذه المرحلة يجب أن تتضمن إجراءات لبناء الثقة مثل إطلاق سراح المحتجزين المدنيين تعسفياً والكشف عن مصير المفقودين وتبادل قوائم المحتجزين وتسليم الجرحى وحماية المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء والأسواق والمدارس ومخازن الغذاء، وألا تُعتبر هذه الإجراءات تنازلات سياسية بل التزامات إنسانية وقانونية. وأكد أن واقعية هذه المرحلة تبقى مشروطة بوقف الأعمال العدائية واسع النطاق وهو ما لم يتحقق حتى الآن، لكن التجارب الدولية تشير إلى أن الممرات الإنسانية المحلية المحدودة جغرافياً قد تكون قابلة للتنفيذ حتى في ظل استمرار القتال إذا توفرت ضمانات من القيادات الميدانية وتنسيق مع المنظمات الإنسانية. وفي المرحلة الثانية الممتدة من السنة الأولى إلى الثالثة ركز على اتفاق وقف إطلاق نار شامل قابل للتحقق، موضحاً أنه ينبغي أن يتضمن خريطة للمناطق العسكرية وخطوط التماس ومواقع القوات ومناطق حظر الأسلحة الثقيلة وقواعد حركة القوات وآلية للإبلاغ والتحقيق ونظاماً لتوثيق الخروقات، وتحديد مسؤولية القيادات عن القوات التابعة لها وإلزامها بإصدار أوامر مكتوبة وإتاحة التحقق من تنفيذها. وأشار إلى إنشاء جهاز مستقل للمراقبة والتحقق بدعم إقليمي ودولي وبمشاركة فنية سودانية ومدنية تكون مهمته التحقق من الالتزام وليس إدارة البلاد أو الحلول محل مؤسساتها، وأن تقاريره ينبغي أن تكون علنية بقدر الإمكان وأن تتضمن تصنيفاً للخروقات بحسب خطورتها وتكرارها والجهة المسؤولة عنها مع إحالة الجرائم الخطيرة إلى الجهات القضائية المختصة. وشدد على أن الإعلان عن نجاح وقف إطلاق النار لا ينبغي أن يتم بمجرد انخفاض عدد الاشتباكات في بعض الجبهات بل يجب قياسه أيضاً من خلال توقف الهجمات على المدنيين وانخفاض الاعتقالات التعسفية ووقف التجنيد القسري وتراجع تدفق السلاح وإزالة الحواجز غير القانونية وفتح الطرق والأسواق والمرافق العامة. وأكد أن هذه المرحلة هي الأكثر حرجاً في السياق السوداني نظراً لانعدام الثقة العميق بين الطرفين وعدم وجود سابقة في تنفيذ أي اتفاق سابق بشكل كامل، وأن نجاحها يتوقف على وجود ضمانات خارجية قابلة للتنفيذ وعلى استعداد القيادات العسكرية لقبول تقييد سلطاتها المطلقة على قواتها وهو ما لم يظهر حتى الآن. وفي المرحلة الثالثة الممتدة من السنة الثانية إلى الرابعة ركز على الاتفاق على المبادئ الدستورية والانتقال المدني، موضحاً أن المسار السياسي يجب أن يتضمن مبادئ دستورية واضحة أهمها وحدة الدولة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والتعددية السياسية والحقوق والحريات الأساسية واللامركزية والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والرقابة المدنية على القوات النظامية، وأن يحدد مدة الانتقال واختصاصات مؤسساته وآليات تشكيلها ومساءلتها والجدول الزمني لصياغة الدستور والانتخابات. وأكد أن المشاركة السياسية يجب أن تكون مدنية ومجتمعية واسعة وألا تتحول إلى محاصصة عسكرية أو حزبية مغلقة، وألا تحتكر القوى التي امتلكت السلاح تمثيل المجتمعات المحلية أو تحديد خياراتها السياسية، وأن تُراعى مشاركة النساء والشباب والنازحين واللاجئين والنقابات والمهنيين والجامعات والمنظمات المدنية والقيادات المحلية مع توفير آليات تمنع الهيمنة المالية أو التنظيمية على الحوار. وأشار إلى أن الانتخابات يجب أن تسبقها تهيئة مؤسسية وقانونية وأمنية تشمل حرية التنظيم والتعبير والإعلام واستقلال المفوضية الانتخابية وتحديث السجل المدني وتوفير شروط عودة النازحين واللاجئين الراغبين في المشاركة وتأمين الاقتراع في المناطق المتأثرة بالحرب، لأن الانتخابات المبكرة في بيئة تسيطر عليها القوات المسلحة والميليشيات قد تعيد إنتاج الهيمنة بدلاً من تأسيس شرعية ديمقراطية. وفي المرحلة الرابعة الممتدة من السنة الثالثة إلى السابعة ركز على تفكيك القوات الموازية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، موضحاً أنها تتطلب حصر جميع القوات والتشكيلات المسلحة وتسجيل الأفراد والتحقق من القيادات وتوثيق الأسلحة والمعدات وحصر مصادر التمويل وتحديد الوحدات التي يمكن إصلاحها أو إعادة هيكلتها أو تسريحها، وأن تكون العملية فردية ومهنية لا قائمة على الحصص التنظيمية أو القبلية أو السياسية. وأشار إلى إنشاء مفوضية وطنية لإصلاح القطاع الأمني ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج ذات استقلال إداري ومالي وتخضع للرقابة المدنية والتشريعية والقضائية وتضم خبراء في الأمن والقانون والمالية العامة والحقوق وإعادة الإدماج والتنمية المحلية مع مشاركة مجتمعية ورقابة مستقلة. وأكد أن معايير إدماج الأفراد في القوات النظامية يجب أن تحدد وفق الكفاءة واللياقة والتدريب والسجل القانوني والالتزام بالدستور مع تدقيق فردي يستند إلى الأدلة، وأنه يُمنع إدماج القيادات أو الوحدات بوصفها كتلاً مستقلة تحتفظ بسلاسل قيادة أو تمويل أو عقائد خاصة، وأنه يجب تسريح من لا يستوفون المعايير وتوفير برامج تدريب وعمل وتعليم ودعم نفسي واجتماعي لهم. وأشار إلى أن إصلاح القطاع الأمني يجب أن يكون أوسع من دمج القوات المسلحة والتشكيلات شبه العسكرية إذ ينبغي أن يشمل الشرطة والأمن والاستخبارات وحرس الحدود والسجون وأن يعالج اختصاصات كل مؤسسة وعلاقتها بالمؤسسات الأخرى ويمنع التداخل غير القانوني في المهام، وأن تراجع قوانين الأجهزة الأمنية والاحتجاز والتفتيش واستخدام القوة وإلغاء السلطات الاستثنائية التي تسمح بالاعتقال خارج الضمانات القضائية. وأكد أن هذه المرحلة هي الأكثر تعقيداً من الناحية السياسية لأنها تمس مباشرة مصالح القيادات العسكرية والاقتصادية التي تشكلت خلال الحرب، وأن تفكيك البنية العسكرية الموازية لا يمكن أن يبدأ بجدية قبل توفر سلطة مدنية قادرة على فرض قراراتها، مما يجعل التسلسل بين المرحلة الثالثة والرابعة محل نقاش بين من يرى إمكان بناء سلطة مدنية قبل تفكيك القوات ومن يرى أن تفكيك القوات شرط لقيام سلطة مدنية حقيقية، وأن التجارب المقارنة تشير إلى أن الترتيب المثالي هو التوازي مع تأمين الحد الأدنى من تفكيك البنية الموازية قبل منح الثقة الكاملة للمؤسسات الانتقالية. وفي المرحلة الخامسة الممتدة من السنة الثالثة إلى الثامنة ركز على إصلاح الاقتصاد السياسي والمالية العامة، موضحاً أنها تشمل حصر الشركات والأنشطة الاقتصادية التابعة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والتشكيلات الموازية ومراجعة ملكيتها وإيراداتها والتزاماتها وإخضاع النشاط التجاري غير العسكري للقانون العام والضرائب والتدقيق، ومنع استخدام الشركات العامة والخاصة واجهات لتمويل العمليات المسلحة أو شراء السلاح أو تحويل الموارد العامة إلى حسابات خاصة. وأشار إلى إنشاء نظام شفاف لإدارة الذهب والمعادن والموارد الطبيعية يشمل التراخيص والإنتاج والتصدير والمستفيدين الحقيقيين وربط العائدات بالخزانة العامة، ومراجعة الجبايات غير القانونية والحواجز والرسوم المفروضة بالقوة واستعادة سلطة الدولة القانونية على الضرائب والجمارك والمعابر مع ضمان ألا يؤدي ذلك إلى حرمان المجتمعات المحلية من نصيبها العادل في الموارد. وأكد أن إعادة بناء المالية العامة تحتاج إلى إصلاح الضرائب والجمارك ومراجعة الإعفاءات وإدارة الدين العام وتوحيد الحسابات الحكومية وإعادة بناء المصارف وأنظمة الدفع وتوفير معلومات مالية دورية، وأن الموازنة العامة يجب أن تتضمن اعتمادات واضحة للصحة والتعليم والمياه والحماية الاجتماعية وإعادة الإعمار لا أن تُعامل هذه القطاعات باعتبارها نفقات ثانوية أمام الإنفاق الأمني. وأضاف أن ذلك يجب أن يصاحبه تدقيق مستقل في الأصول العامة التي جرى الاستيلاء عليها أو تحويلها خلال الحرب ووضع آليات قانونية لاستردادها والتحقق من ملكية الأراضي والعقارات التي انتقلت قسراً ومنع التصرف في الممتلكات العامة والخاصة تحت غطاء الضرورات العسكرية، مع الموازنة بين استرداد الأموال العامة وحماية المعاملات المدنية المشروعة وحقوق الأطراف حسنة النية. وفي المرحلة السادسة الممتدة من السنة الثانية إلى العاشرة ركز على العدالة الانتقالية وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة، موضحاً إنشاء إطار وطني مستقل للعدالة الانتقالية يضم مفوضية للحقيقة وآليات قضائية مختصة وبرامج لجبر الضرر وصندوقاً لتعويض الضحايا وآليات لاستعادة الممتلكات والأراضي وبرامج للمصالحة المحلية، ومشاركة حقيقية للضحايا وتوفير حماية للشهود والناجين وحفظ الأدلة وفق معايير قضائية. وأكد إعطاء الأولوية للتحقيق في الجرائم الأشد خطورة مع مراعاة المسؤولية الفردية وعدم العقاب الجماعي، وألا تُستخدم المصالحة المحلية بديلاً عن المحاكمة في الجرائم الخطيرة وألا تتحول المحاكمات إلى إجراءات انتقائية تستهدف طرفاً واحداً وتتجاهل جرائم الأطراف الأخرى. وأشار إلى برامج متخصصة للبحث عن المفقودين وتحديد هوية الرفات وإعادة الجثامين إلى أسرها وتوثيق المقابر ومواقع الاحتجاز وتقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للضحايا والناجين، وأن جبر الضرر يجب أن يشمل الفردي والجماعي بما في ذلك التعويض المالي ورد الممتلكات وإعادة التأهيل والاعتذار الرسمي وضمانات عدم التكرار. وأكد أن العدالة الانتقالية أحد أكثر المجالات تعقيداً في السياق السوداني نظراً لاتساع نطاق الانتهاكات الموثقة وتورط أطراف متعددة وضعف المؤسسات القضائية، وأن العدالة الشاملة والفورية غير ممكنة في المدى القصير لكن تأجيلها الكامل إلى ما بعد استقرار السلام قد يقوض شرعية التسوية، ولذلك فإن النهج الأكثر واقعية هو البدء بتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة وتقديم جبر الضرر الفوري للضحايا الأشد احتياجاً بالتوازي مع بناء القدرات القضائية وتأجيل المحاكمات الكبرى إلى مرحلة لاحقة عندما تتوفر الظروف المؤسسية والأمنية. وفي المرحلة السابعة الممتدة من السنة الأولى إلى الخامسة عشرة ركز على التعافي الاقتصادي والاجتماعي وإعادة الإعمار، موضحاً أن خطة التعافي يجب أن تُبنى على بيانات دقيقة عن الدمار والسكان والاحتياجات والموارد والقدرات المحلية، وأن الأولويات تشمل إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والكهرباء والطرق والجسور والموانئ والمطارات وشبكات الاتصالات وإعادة تأهيل الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والأسواق. وأكد أن إعادة الإعمار يجب أن تكون عادلة جغرافياً وأن تعطي الأولوية للمناطق الأشد تضرراً والأكثر حرماناً مع منع التمييز في توزيع المساعدات والتعويضات والمشروعات، وأن تربط المشروعات بفرص العمل المحلية وبالتدريب المهني وبتمكين النساء والشباب وبإعادة دمج النازحين واللاجئين وفق العودة الطوعية والآمنة والكريمة. وأشار إلى إدراج المجتمعات المضيفة ضمن خطط التعافي حتى لا تتحول عودة النازحين إلى مصدر جديد للتنافس على الخدمات والأراضي وفرص العمل، وأن تتضمن الخطط آليات واضحة لاستعادة الوثائق المدنية وتسوية أوضاع السكن والأراضي والممتلكات وإعادة فتح المدارس والجامعات وإعادة تأهيل المرافق الصحية وتوفير الخدمات الأساسية في المناطق الريفية والنائية. واختتم الفصل بالجدول الزمني الواقعي ومخاطر التسرع، مؤكداً أنه لا ينبغي تحديد جدول زمني سياسي بمعزل عن الشروط الأمنية والمؤسسية، وأنه يمكن اعتماد مراحل إرشادية تبدأ بإجراءات إنسانية ووقف تصعيد فوري ثم اتفاق وقف إطلاق نار ومراقبة خلال الأشهر الأولى ثم بدء الترتيبات الأمنية والسياسية بالتوازي ثم تنفيذ إصلاحات مؤسسية ومالية على مدى سنوات ثم انتخابات عندما تتوفر شروط المنافسة الحرة والأمن والرقابة المستقلة. وأكد أن المدد المقترحة لا يجوز اعتبارها مواعيد مضمونة لأن سرعة التنفيذ تتوقف على التزام الأطراف وتعاون الدول الخارجية وتوافر التمويل وقدرة المؤسسات السودانية واتساع مناطق الحرب ومدى تماسك القيادات المسلحة، ولذلك يجب أن يتضمن الجدول الزمني مراجعات دورية ومؤشرات إنجاز وإجراءات تصحيحية وألا يُستخدم لتبرير انتخابات شكلية أو دمج عسكري متعجل.

خصص الفصل الثاني عشر لقياس نجاح السلام وتقييم واقعية التطبيق، فبدأ بمؤشرات الأمن ووقف الحرب التي تشمل انخفاض عدد الاشتباكات والضحايا المدنيين وتوقف الهجمات على المرافق المدنية وتراجع النزوح القسري وانخفاض التجنيد القسري وتوقف تدفق الأسلحة وتفكيك الحواجز المسلحة غير القانونية ووجود قيادة موحدة للقوات النظامية وانتظام الرواتب من الموازنة العامة وانخفاض الاعتقالات خارج القانون. وأكد أنه لا يكفي استخدام مؤشر واحد لأن عدد المعارك قد ينخفض بينما يستمر العنف المحلي أو التهديد أو التهجير أو الجريمة المنظمة، ولذلك ينبغي أن تجمع منظومة القياس بين بيانات الحوادث والمسوحات السكانية وتقارير المستشفيات وشكاوى المجتمعات المحلية ومعلومات النزوح والتحقق الميداني. وأشار إلى قياس قدرة السلطات المدنية على الوصول إلى المناطق المختلفة ومدى خضوع القوات للأوامر القانونية ودرجة حرية حركة المدنيين والمنظمات الإنسانية وانخفاض الاعتداءات على العاملين في الإغاثة، ونشر المؤشرات دورياً مع توضيح مصادر البيانات ونطاق التغطية ونقاط النقص حتى لا تتحول الأرقام إلى أدوات دعائية للأطراف. ثم تناول مؤشرات السياسة والمؤسسات التي تشمل وجود مؤسسات انتقالية ذات صلاحيات محددة ومشاركة مدنية حقيقية وحرية النشاط السياسي والإعلامي واستقلال القضاء ووجود رقابة تشريعية على الأجهزة الأمنية وشفافية الميزانية العامة وإجراء انتخابات حرة في موعد واقعي وتراجع استخدام القوة في المنافسة السياسية. وأكد أن المشاركة يجب أن تُقاس لا بمجرد عدد المقاعد أو المناصب بل بقدرة الفئات المختلفة على التأثير في القرار والوصول إلى المعلومات ومراقبة التنفيذ ومساءلة المسؤولين، وأن استقلال المؤسسات يجب أن يُقاس من خلال ممارستها الفعلية لصلاحياتها لا من خلال النصوص الدستورية وحدها. وأضاف أهمية قياس مدى استقلال المفوضيات والهيئات الرقابية عن الأحزاب والقوات المسلحة ومراكز التمويل وشفافية التعيينات العامة وعدالة التوزيع الجغرافي للوظائف والخدمات وقدرة المحاكم على الفصل في القضايا ذات الصلة بالسلطة والأمن دون تدخل سياسي أو عسكري. ثم عرض مؤشرات الاقتصاد والتعافي التي تتضمن انتظام دفع الرواتب ونمو الإيرادات العامة غير الريعية وتراجع الجبايات غير القانونية وشفافية عائدات الذهب والموارد الطبيعية وعودة الإنتاج الزراعي والصناعي وتحسن التجارة والنقل وتراجع التضخم والبطالة والفقر واستعادة الخدمات الأساسية. وأكد ألا يُقاس التعافي بالناتج المحلي الإجمالي وحده لأن النمو قد يتركز في قطاعات محدودة أو مناطق بعينها دون تحسين مستوى معيشة غالبية السكان، وأن سيناريوهات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية تؤكد أن السلام وحده لا يضمن التعافي بل يجب أن يترافق مع إصلاح الحوكمة والزراعة والصحة والتعليم والبنية التحتية والتجارة والتمويل، وأن السيناريو المتفائل يتطلب سياسات مترابطة واستثمارات متواصلة وليس مجرد انتهاء القتال. وأشار إلى قياس توزيع ثمار التعافي بين الولايات والمحليات وبين المدن والأرياف وبين الفئات الاجتماعية المختلفة ورصد مدى عودة فرص العمل والإنتاج المحلي وقياس القدرة على تمويل الخدمات العامة من الإيرادات الوطنية بدلاً من الاعتماد الدائم على المنح الخارجية. ثم تناول مؤشرات العدالة والمصالحة التي تشمل عدد القضايا التي جرى التحقيق فيها وفق معايير قانونية ونسبة القضايا التي وصلت إلى المحاكمة ومدى حماية الشهود وحجم التعويضات المدفوعة وعدد الأسر التي استعادت ممتلكاتها أو حصلت على جبر للضرر ومدى مشاركة الضحايا في تصميم البرامج ومستوى الثقة في القضاء والمؤسسات. وأكد أن عدد المحاكمات وحده لا ينبغي استخدامه مؤشراً على نجاح العدالة الانتقالية لأن المحاكمات قد تكون كثيرة لكنها انتقائية أو غير عادلة، وأن المصالحة لا ينبغي قياسها بعدد اللقاءات أو الاتفاقات المحلية فقط بل بمدى انخفاض العنف واستعادة الحقوق وتحسن العلاقات المجتمعية ووجود ضمانات عملية لمنع تكرار الانتهاكات. ثم أجرى تقييماً للواقعية السياسية والمؤسسية والاقتصادية، فمن الناحية السياسية تواجه التسوية السودانية صعوبة تتمثل في تضارب مصالح الأطراف المسلحة وتعدد مراكز القرار وتفاوت قدرة القيادات على ضبط القوات التابعة لها ووجود أطراف قد ترى أن استمرار الحرب أفضل من التنازل عن الموارد والسلطة، ولذلك لا يكفي أن يتفق الوسطاء على مبادئ عامة بل يجب تغيير الحوافز التي تجعل استمرار الحرب مجدياً لبعض الفاعلين عبر وقف الدعم الخارجي وتقييد التمويل غير المشروع ورفع كلفة الانتهاكات وتوفير ضمانات واقعية للانتقال. ومن الناحية المؤسسية لا يمكن تنفيذ إصلاح القطاع الأمني دون وجود سلطة مدنية قادرة على إصدار القرارات ومراقبة التنفيذ ووجود جهاز قضائي مستقل وإدارة مالية عامة قادرة على دفع الرواتب وتوحيد الحسابات ومؤسسات محلية تستعيد الخدمات، ولذلك فإن الإعلان عن إصلاح شامل قبل استعادة الحد الأدنى من القدرة المؤسسية قد ينتج خططاً شكلية لا تنفذ. ومن الناحية الاقتصادية والمالية تتطلب إعادة الإعمار موارد ضخمة تفوق قدرة الموازنة الوطنية في ظل انهيار الإيرادات واتساع الاحتياجات، ولذلك يجب الجمع بين استعادة الإيرادات العامة ومكافحة التهريب وإصلاح الضرائب والجمارك وتحسين إدارة الموارد الطبيعية وإعادة توجيه الإنفاق العام والحصول على دعم دولي ميسر وتخفيف أعباء الديون عندما تسمح الظروف وضمان أن تُدار الأموال وفق رقابة مستقلة. ومن الناحية الاجتماعية لا يمكن استدامة السلام إذا عادت مؤسسات الدولة إلى إنتاج التهميش أو إذا جرى توزيع الموارد والمناصب بين النخب المسلحة دون معالجة المظالم المحلية، ولذلك يجب أن تكون العدالة الإقليمية والخدمات والتمثيل السياسي وحقوق الملكية وعودة النازحين جزءاً من خطة السلام لا موضوعات ثانوية مؤجلة. ثم عدد المخاطر التي قد تفشل التسوية، فأولها وقف إطلاق نار لا يتضمن آليات تحقق فيتحول إلى هدنة لإعادة التسلح، وثانيها اتفاق تقاسم سلطة يوزع المناصب دون تفكيك القوات الموازية، وثالثها دمج عسكري سريع يدمج الولاءات المتنافسة داخل مؤسسة واحدة، ورابعها الإفلات من العقاب أو العدالة الانتقائية بما يضعف شرعية الدولة، وخامسها استمرار التمويل الخارجي واقتصاد الحرب، وسادسها إعادة إعمار غير عادلة تزيد التفاوتات، وسابعها انتخابات مبكرة في ظل استمرار السلاح والتهجير وانعدام تكافؤ الفرص، وثامنها إقصاء النساء والشباب والمجتمعات المحلية والنازحين واللاجئين عن صناعة القرار، وتاسعها ضعف التنسيق بين الوسطاء الدوليين والإقليميين، وعاشرها غياب تمويل مستدام للتنفيذ. وأضاف مخاطر أخرى منها غياب خطة واضحة للتعامل مع المقاتلين السابقين وضعف حماية الشهود والضحايا وتسييس أجهزة العدالة وعدم القدرة على استعادة الممتلكات وعودة شبكات التهريب والجبايات واحتكار النخب للمساعدات وإعادة الإعمار وفشل إصلاح الإدارة المحلية والتنافس بين الولايات على الموارد وغياب آلية لمعالجة الخلافات الدستورية والسياسية بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. ثم حدد أولويات التنفيذ القابلة للقياس التي ينبغي أن تترجم إلى برنامج عمل وطني يتضمن مسؤوليات محددة وميزانية معلنة ومواعيد تنفيذ ومؤشرات مستقلة، ومن أهمها وقف الهجمات على المدنيين وفتح المساعدات والتحقق من وقف إطلاق النار وحصر القوات والسلاح ووقف التجنيد والتسليح الموازي وقطع التمويل غير المشروع وتوحيد المالية العامة وبدء إصلاح القطاع الأمني وإطلاق مسار العدالة الانتقالية واستعادة الخدمات الأساسية وضمان المشاركة المدنية وتوفير شروط العودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين. وأكد ضرورة نشر تقارير دورية عن التقدم تتضمن تقييماً مستقلاً للفجوات والتأخيرات والخروقات وأن تكون البيانات قابلة للمراجعة من المؤسسات المدنية والبحثية والرقابية، وأن يُسمح بتعديل خطة التنفيذ عندما تظهر أدلة جديدة أو تتغير الظروف دون التخلي عن المبادئ الأساسية المتعلقة بحماية المدنيين ووحدة الدولة وسيادة القانون والانتقال المدني.

أما الخاتمة النقدية فقد لخصت الاستنتاجات الأساسية للدراسة مؤكدة أن الأدبيات العلمية والتجارب المقارنة تظهر أن إنهاء الحرب الأهلية لا يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار ولا بمجرد الاتفاق على تقاسم السلطة ولا حتى بمجرد نزع جزء من السلاح، فالسلام المستدام يتطلب تغييراً في بنية الحوافز والمؤسسات التي جعلت الحرب ممكنة ومربحة وقابلة للتكرار، وتتمثل أهم هذه التحولات في إقامة احتكار قانوني ومهني للقوة المسلحة وإخضاع المؤسسات الأمنية للسلطة المدنية والرقابة وتفكيك شبكات التمويل غير المشروع ومعالجة المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وضمان العدالة والمساءلة وإعادة بناء الخدمات والاقتصاد وتوفير آليات سلمية لإدارة الخلافات. وأكدت أن الأدلة المقارنة تكشف أن الاتفاقات التفاوضية ليست بالضرورة أقل استدامة من الانتصارات العسكرية وأن تنفيذ ترتيبات تقاسم السلطة قد يقلل مخاطر عودة الحرب عندما يكون كاملاً وقابلاً للتحقق وأن المراقبة الدولية وتبادل المعلومات العسكرية والتحقق منها يمكن أن تخفض مخاطر انهيار التسويات، لكنها تكشف أيضاً أن هذه الآليات لا تعمل بصورة آلية وأن تصميم الاتفاق وتنفيذه والسياق السياسي والاقتصادي والمؤسسي عوامل حاسمة، وأن برامج نزع السلاح قد تفشل عندما تقتصر على جمع الأسلحة دون معالجة إعادة الإدماج أو عندما تستبعد النساء والأطفال أو عندما لا توفر فرصاً اقتصادية حقيقية. وأشارت إلى أن موزمبيق تقدم درساً في أن نزع السلاح لا يعوض غياب مؤسسات مستدامة لإدارة النزاعات، وأن كولومبيا تقدم درساً في أن الاتفاق الشامل قد يتعثر بسبب بطء التنفيذ وضعف الحماية في المناطق الطرفية، وأن أيرلندا الشمالية تقدم درساً في أهمية المؤسسات المشتركة والقدرة على إدارة الأزمات، بينما تكشف تجربة جنوب السودان خطورة تأجيل توحيد القوات والقيادة والتمويل، وأن أي من هذه الحالات لا تمثل وصفة جاهزة للسودان بل توفر آليات ودروساً ينبغي تكييفها مع خصوصية الدولة السودانية. وأكدت أن التحدي في السودان يتجاوز التوصل إلى اتفاق بين قيادتي القوات المسلحة والدعم السريع، فالمطلوب إنهاء نظام تعدد مراكز القوة المسلحة والاقتصادية واستعادة الدولة بوصفها مؤسسة عامة لا ملكية خاصة لأي تنظيم أو قيادة وبناء نظام سياسي مدني تعددي يضمن المشاركة والمساءلة ويعالج جذور التهميش والنزاعات المحلية ويعيد توزيع الموارد والخدمات بصورة أكثر عدالة، وأن وقف التدخل الخارجي وتجفيف اقتصاد الحرب شرطان أساسيان لأن أي اتفاق داخلي سيظل هشاً إذا استطاعت الأطراف مواصلة الحرب عبر مصادر تمويل وتسليح خارجية. وأكدت أن إصلاح القطاع الأمني لا ينبغي أن يُفهم على أنه مجرد دمج عددي للقوات أو إعادة توزيع الرتب والمناصب بل يجب أن يقوم على توحيد القيادة والعقيدة والميزانية والتدريب والانضباط وإخضاع الأجهزة للرقابة المدنية والتدقيق الفردي في المسؤولية والكفاءة ومنع الحصص المسلحة وضمان عدم الإفلات من العقاب، وأن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يجب أن يُنفذ بالتوازي مع إصلاح الاقتصاد المحلي وإعادة بناء الخدمات حتى لا يتحول المقاتلون السابقون إلى مصدر جديد للعنف أو الجريمة المنظمة. وشددت على أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جزءاً من بناء السلام لا عقبة أمامه ولا شعاراً رمزياً، فالسلام الذي يتجاهل الضحايا ويمنح الحصانة الجماعية لمرتكبي الجرائم قد يوقف القتال مؤقتاً لكنه يضعف شرعية الدولة ويترك أسباب الثأر والعنف قائمة، وفي المقابل فإن العدالة الانتقائية أو الانتقام الجماعي قد يعيدان إنتاج الحرب، ولذلك فإن المسار الأكثر واقعية هو المسؤولية الفردية والتحقيق المستقل والمحاكمات العادلة وجبر الضرر واستعادة الحقوق والمصالحة المحلية القائمة على الحقيقة والإنصاف. وأشارت إلى أن السيناريوهات الاقتصادية الحديثة توضح أن استمرار الحرب سيضاعف الخسائر البشرية والاقتصادية ويعمق الفقر لعقود بينما يمكن للسلام المصحوب بإصلاح مؤسسي واستثمار منتج أن يفتح مساراً مختلفاً للتنمية، لكن هذه السيناريوهات تظل تقديرات نمذجة وليست ضمانات إذ يتوقف تحققها على قدرة الدولة على استعادة الأمن وإصلاح الحوكمة وزيادة الإنتاجية وتوجيه الاستثمار إلى القطاعات والمناطق الأكثر احتياجاً. وخلصت إلى أن إنهاء الحرب في السودان يتطلب مشروعاً متكاملاً لإعادة تأسيس الدولة لا مجرد تسوية بين أطراف مسلحة، وأن أولوياته يجب أن تكون حماية المدنيين ووقف الحرب ثم توحيد المؤسسات الأمنية وإخضاعها للسلطة المدنية وتفكيك اقتصاد الحرب وإقامة انتقال سياسي مدني شامل وتحقيق العدالة وإعادة بناء الاقتصاد والخدمات وتأسيس نظام لامركزي عادل لإدارة الموارد والخلافات، وأنه لا يمكن ضمان نجاح هذا المشروع مسبقاً لكن يمكن رفع احتمالات نجاحه من خلال التدرج والتحقق المستقل والشفافية والتمويل المستدام والمشاركة المجتمعية والالتزام الصارم بسيادة القانون، فالسلام الحقيقي ليس غياب المعارك فحسب بل قيام دولة لا يستطيع أي طرف فيها تحويل السلاح إلى طريق دائم للسلطة والثروة والإفلات من المساءلة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: لماذا لا يكفي إيقاف القتال لإنهاء الحرب؟

لا تنتهي الحروب الأهلية بالضرورة عندما تتوقف المعارك، ولا يتحقق السلام المستدام بمجرد توقيع اتفاق سياسي أو إعلان هدنة أو تشكيل حكومة انتقالية. فقد تتوقف العمليات العسكرية بينما تبقى أسباب الحرب قائمة في بنية الدولة والاقتصاد السياسي، وتظل الأسلحة موزعة بين جماعات متنافسة، وتستمر شبكات التمويل والتهريب والتجنيد، وتبقى مؤسسات الأمن والعدالة خاضعة لمراكز قوى متعارضة (Walter, 2002؛ Fearon, 1995). وقد يتحول الاتفاق نفسه إلى مرحلة مؤقتة لإعادة تنظيم القوات، أو إعادة توزيع الموارد، أو الاستعداد لجولة جديدة من العنف. لذلك ينبغي التمييز بين وقف القتال، وإنهاء الحرب بوصفها صراعاً منظماً على السلطة والموارد، ومنع تجددها، ومعالجة المظالم والانتهاكات التي غذّتها، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية دون اللجوء إلى القوة (Hartzell & Hoddie, 2007).

تتمثل الإشكالية المركزية في أن بعض التسويات تنجح في وقف الحرب لكنها تفشل في بناء سلام طويل الأمد، بينما تستطيع تسويات أخرى، رغم تعثرها وتناقضاتها، إنشاء ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية تقلل احتمالات العودة إلى الحرب. ومن هنا تطرح الدراسة سؤالين مترابطين: ما الشروط والآليات التي تجعل إنهاء الحروب الأهلية ممكناً وقابلاً للاستمرار؟ وكيف يمكن نقل الدروس المستخلصة من التجارب الدولية إلى السودان، مع مراعاة خصوصية تاريخه السياسي، وتعدد مراكز القوة المسلحة، وتفكك مؤسساته، واتساع اقتصاد الحرب، والتدخلات الخارجية، والتفاوتات الإقليمية والاجتماعية؟

وتهدف الدراسة إلى تحليل أسباب استمرار الحروب الأهلية وتجددها، وتقييم الآليات التي تساعد على إنهائها، وفحص الشروط التي تجعل اتفاقات السلام قابلة للتنفيذ، ومقارنة تجارب دولية مختلفة، ثم بناء إطار عملي لتطبيق الدروس على السودان. وتعتمد منهجاً تحليلياً مقارناً يجمع بين مراجعة الأدبيات النظرية والدراسات الكمية والنوعية، وتحليل حالات تاريخية، وفحص تقارير المؤسسات الدولية والبحثية. وتميز بين الدليل السببي والارتباط الإحصائي، وبين النتائج المستقرة نسبياً والفرضيات التي ما زالت موضع خلاف، وبين النصوص الرسمية والوقائع التي جرى التحقق منها ميدانياً أو بحثياً.

وتنبع أهمية الموضوع من أن إنهاء الحرب لا يمثل هدفاً أمنياً منفصلاً عن إعادة بناء الدولة، بل هو شرط سابق لاستعادة الاقتصاد والخدمات والحقوق والمؤسسات. كما أن منع تجدد الحرب يتطلب معالجة أسبابها المباشرة والبنيوية، لا الاكتفاء بترتيبات مؤقتة بين القيادات المسلحة. وتزداد هذه المسألة أهمية في السودان بسبب اتساع رقعة القتال، وتعدد الفاعلين المحليين والخارجيين، وتداخل المؤسسات العسكرية والاقتصادية، وانهيار قطاعات واسعة من الخدمات، واتساع النزوح والاحتياجات الإنسانية (UN News, 2026؛ UNHCR, 2025).

وقد تم ترتيب المادة في اثني عشر فصلاً، وفق تسلسل يبدأ بالمفاهيم والنظريات، ثم ينتقل إلى تصميم التسوية والضمانات والإصلاح الأمني والاقتصاد السياسي والعدالة والوساطة وبناء السلام، قبل تناول التجارب المقارنة وتطبيقها على السودان، وينتهي بخارطة طريق ومؤشرات للتقييم وخاتمة نقدية. وجرى دمج الموضوعات المتقاربة لتقليل التجزئة، مع المحافظة على التفاصيل والأمثلة والأرقام الواردة في النص المتاح. وتقتضي الأمانة المنهجية الإشارة إلى أن النص المعاد بناؤه هنا يستند إلى المقال الكامل الذي أُدرج في الرسالة الحالية؛ أما أي تفاصيل أو جداول أو مراجع من نسخ سابقة لم تُدرج في هذا النص فلا يمكن ضمان استعادتها حرفياً. كما أن بعض الأرقام والتقديرات المستقبلية الواردة أدناه هي نتائج نمذجة أو تقديرات مؤسسية، وليست وقائع محققة أو تنبؤات يقينية (UNDP & ISS, 2026).

الفصل الأول: مفهوم إنهاء الحرب الأهلية والتمييز بين وقف القتال وصناعة السلام

  1. الحرب الأهلية بوصفها صراعاً على السلطة والدولة والموارد

لا يكفي تعريف الحرب الأهلية باعتبارها مواجهة مسلحة بين الحكومة وجماعة متمردة؛ فالحروب المعاصرة قد تضم جيوشاً نظامية وقوات شبه نظامية وميليشيات محلية وشبكات تجارية مسلحة وتنظيمات عابرة للحدود وقوى خارجية، وقد تتغير التحالفات والقيادات ومناطق السيطرة أثناء الحرب (Kalyvas, 2006). وفي بعض الحالات لا يكون الصراع مجرد محاولة للاستيلاء على الحكومة المركزية، بل منافسة على تعريف الدولة نفسها: من يملك حق تمثيلها، ومن يسيطر على مؤسساتها، ومن يحتكر استخدام القوة، ومن يجمع الضرائب والعوائد، ومن يحدد توزيع الأرض والموارد والوظائف العامة (Staniland, 2012).

وتتداخل في الحروب الأهلية دوافع سياسية واقتصادية وأمنية وهوياتية. فقد تؤدي مظالم التهميش السياسي أو الاقتصادي إلى التعبئة المسلحة، لكن استمرار الحرب قد يصبح مرتبطاً بمصالح مادية مستقلة عن المظالم الأصلية، مثل السيطرة على المناجم والطرق والمعابر والأسواق والجبايات غير الرسمية (Collier & Hoeffler, 2004). وهكذا يمكن أن تتحول الحرب من وسيلة لتحقيق هدف سياسي إلى نظام اقتصادي واجتماعي قائم بذاته، تستفيد منه شبكات مسلحة وتجارية وإدارية، وتصبح لدى بعض الفاعلين مصلحة مباشرة في إطالة أمدها (Keen, 1998).

ولا ينبغي اختزال أسباب الحرب في الفقر أو التنوع الإثني أو ضعف الدولة كل على حدة. فالأدبيات الكمية حول الحروب الأهلية تشير إلى أهمية تفاعل عوامل مثل ضعف المؤسسات، والقدرة التنظيمية للجماعات المسلحة، والفرص المتاحة للتمرد، والتمويل، والجغرافيا، والتدخل الخارجي (Fearon & Laitin, 2003). لكن هذه العلاقات ليست قوانين حتمية؛ فالفقر لا يؤدي وحده إلى الحرب، والتنوع الاجتماعي لا يفضي بالضرورة إلى العنف، كما أن وجود موارد طبيعية لا يجعل الحرب حتمية. إنما تتحدد المخاطر من خلال كيفية إدارة الدولة لهذه العوامل، ومدى عدالة المؤسسات، ووجود قنوات سلمية لتسوية النزاعات، وقدرة النظام السياسي على استيعاب المعارضة (Basedau & Lay, 2009). وتؤكد نظرية التمرد العقلاني أن فرص التعبئة والقدرة التنظيمية والمعلومات والحوافز قد تفسر اندلاع الصراع واستمراره، لكنها لا تلغي دور المظالم أو المؤسسات أو التاريخ السياسي في تشكيل السياق الذي تنشأ فيه الحرب (Fearon, 1995).

  1. مستويات إنهاء الحرب

ينبغي التمييز بين خمسة مستويات مترابطة. المستوى الأول هو وقف العنف المباشر، من خلال هدنة أو وقف إطلاق نار أو ترتيبات إنسانية. والمستوى الثاني هو إنهاء المواجهة العسكرية المنظمة، عبر اتفاق سياسي أو تسوية تفاوضية أو هزيمة عسكرية حاسمة، مع مراعاة أن الهزيمة لا تعني بالضرورة اختفاء القدرة على التمرد (Toft, 2010). أما المستوى الثالث فهو تفكيك البنية المسلحة الموازية للدولة، بما يشمل القوات غير النظامية وسلاسل القيادة والتمويل والتجنيد والتسليح والجبايات (Hoddie & Hartzell, 2003). والمستوى الرابع هو معالجة أسباب الصراع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، بما في ذلك التهميش، وضعف الحكم المحلي، وغياب العدالة، والاحتكار غير الخاضع للمساءلة للسلطة والموارد (Call, 2008). والمستوى الخامس هو بناء مؤسسات تستطيع إدارة التنافس السياسي والاجتماعي دون أن يتحول إلى عنف مسلح (Paris, 2004).

وقد يتحقق المستوى الأول دون الثاني، كما يحدث عندما تتوقف المعارك مؤقتاً مع بقاء الجبهات والقوات متأهبة. وقد يتحقق المستوى الثاني دون الثالث، عندما تنتهي الحرب بين الأطراف الرئيسية لكن تظل الميليشيات وشبكات العنف المحلية قائمة. وقد تتحقق تسوية سياسية دون المستوى الرابع، فتتوقف الحرب بين النخب المسلحة بينما تبقى المظالم التي غذّت التمرد. لذلك لا ينبغي قياس نجاح التسوية بمجرد انخفاض عدد المعارك أو توقيع الاتفاق، بل بمدى تحقق التحول التدريجي من نظام سياسي تحكمه القوة المسلحة إلى نظام سياسي تحكمه المؤسسات والقانون والمنافسة السلمية (Lyons, 2016).

  1. كيف نقيس تكرار الحرب؟

تختلف الدراسات في تعريف عودة الحرب. فبعضها يحتسب تجدد القتال بين الأطراف نفسها بعد انتهاء الحرب، وبعضها يحتسب اندلاع حرب أهلية جديدة داخل الدولة نفسها، حتى إن اختلفت الأطراف أو المطالب (Quinn et al., 2007). وهناك دراسات تميز بين عودة الحرب واسعة النطاق، واستمرار العنف منخفض الحدة، والاشتباكات المحلية، والهجمات الإرهابية، والعنف أحادي الجانب ضد المدنيين (Steenkamp, 2011). ولهذا فإن مقارنة نسب تكرار الحرب بين الدراسات تتطلب الانتباه إلى اختلاف التعريفات والفترات الزمنية ووحدات التحليل.

تشير الأدبيات إلى أن خطر تجدد الحرب يكون مرتفعاً في السنوات الأولى بعد انتهاء القتال، ولا سيما عندما تظل القدرات العسكرية للأطراف السابقة قائمة، أو عندما لا تتوفر ضمانات موثوقة لتنفيذ الاتفاق (Walter, 2004). وتذكر دراسة باليك أن نصف الحروب الأهلية تقريباً قد يتكرر خلال خمس سنوات وفق الأدبيات التي تستعرضها، لكن هذه النسبة ليست قانوناً ثابتاً ينطبق على كل أنواع الحروب أو كل تعريفات التكرار. وتقدم الدراسة تحليلاً مقارناً لـ78 بنداً متكاملاً لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج داخل 292 اتفاق سلام بين عامي 1975 و2021، وتبين أن 78 اتفاقاً فقط، أي نحو 26%، تضمنت المكونات الثلاثة معاً؛ كما أن النساء المرتبطات بالجماعات المسلحة لم يُذكرن إلا في 11% من هذه البنود، والأطفال في 25%، بينما تضمنت 62% منها مشاركة أطراف ثالثة، و55% إنشاء لجان وطنية مختصة (Palik, 2025). وتكشف هذه النتائج فجوة مهمة بين شيوع الحديث عن برامج نزع السلاح وبين جودة تصميمها وشمولها الفعلي. وقد وسّع مشروع بيانات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج العالمي (DDR-40) نطاق التحليل ليشمل 83 برنامجاً و407 سنة-برنامج بين 1980 و2020، مما يتيح فهماً أدق لأسباب عودة الجماعات المسلحة إلى الحرب بعد التسريح (DDR-40 Dataset, 2026).

  1. الفرق بين السلام السلبي والسلام الإيجابي

يشير السلام السلبي إلى غياب الحرب والعنف المباشر واسع النطاق، بينما يشير السلام الإيجابي إلى وجود مؤسسات وعلاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية تقلل احتمالات إنتاج العنف من جديد (Galtung, 1969). ولا يعني ذلك أن السلام الإيجابي يقتضي اختفاء كل أشكال التوتر أو الخلاف، بل يعني أن الخلافات يمكن أن تُدار من خلال القضاء والانتخابات والحوار والتفاوض واللامركزية والوساطة المحلية، بدلاً من السلاح (Paris, 2004).

ويظل التمييز بين المفهومين ضرورياً في السودان؛ فقد يتوقف القتال في المدن الكبرى بينما تستمر الاعتداءات المحلية، والنهب المسلح، والنزاعات على الأراضي، والتجنيد القسري، والاحتجاز التعسفي، والاقتصاد غير الرسمي المرتبط بالقوة (UN News, 2026). لذلك لا يمكن اعتبار انخفاض الاشتباكات وحده دليلاً كافياً على الاستقرار. كما أن إعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدارس دون إصلاح المؤسسات التي تتحكم في الأمن والموارد قد تنتج تعافياً مادياً هشاً، قابلاً للانهيار عند أول أزمة سياسية أو أمنية (Collier et al., 2003).

الفصل الثاني: النظريات العلمية المفسرة لانتهاء الحروب وتجددها

  1. معضلة الالتزام الموثوق

تُعد معضلة الالتزام من أهم التفسيرات النظرية لصعوبة إنهاء الحروب الأهلية. فقد يرغب طرفان في إنهاء القتال، ويكونان قادرين على تصور مكاسب مشتركة من السلام، لكن كلاً منهما يخشى أن يستغل الطرف الآخر الاتفاق لاحقاً لتغيير ميزان القوة. فإذا سلم أحد الأطراف أسلحته أو حل قواته، بينما احتفظ الطرف الآخر بقدراته العسكرية، فقد يصبح الطرف الأول عاجزاً عن حماية نفسه أو تنفيذ الاتفاق. وإذا وافق طرف على تقاسم السلطة اليوم، فقد يخشى أن يسيطر خصمه على مؤسسات الدولة غداً ويقصيه أو يلاحقه قضائياً أو يصادر موارده (Walter, 2002).

ترتبط هذه المشكلة بما يعرف في نظرية العلاقات الدولية بمشكلة الالتزام، وبالمعلومات غير المتكافئة، والحوافز إلى إخفاء القدرات والنوايا. وقد أوضح فيرون أن الحروب قد تستمر حتى عندما توجد تسوية ممكنة نظرياً، بسبب صعوبة التحقق من قدرات الأطراف أو صدق التزاماتها، وبسبب عدم قدرتها على ضمان تنفيذ الاتفاق مستقبلاً (Fearon, 1995). وتشير مراجعات الأدبيات الحديثة إلى أن الحروب الأهلية نادراً ما تنتهي بتسوية تفاوضية في غياب ضمانات أمنية قوية من طرف ثالث، لأن مشكلة الالتزام تظل مركزية في تفسير فشل اتفاقات السلام (Walter, 1997؛ University of Essex Repository, 2024).

ولا تُحل هذه المعضلة بمجرد مطالبة الأطراف بالثقة المتبادلة، بل تحتاج إلى ترتيبات عملية تجعل خرق الاتفاق مكلفاً وقابلاً للكشف، وتجعل تنفيذه أكثر فائدة من العودة إلى الحرب. وتشمل هذه الترتيبات المراقبة والتحقق، والضمانات الدولية، والتدرج في تنفيذ الالتزامات، والرقابة على القوات والأسلحة، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، ووجود آليات مستقلة لتسوية الخلافات (Mattes & Savun, 2010؛ Fortna, 2004).

  1. تقاسم السلطة: أداة لخفض مخاطر الحرب أم مكافأة لحاملي السلاح؟

تذهب أدبيات تقاسم السلطة إلى أن الاتفاق على توزيع بعض الصلاحيات بين الخصوم السابقين يمكن أن يخفف مخاوف الإقصاء، ويمنح الأطراف ضمانات سياسية وأمنية واقتصادية تشجعها على التخلي عن القتال. وقد ميزت دراسات هارتزل وهودي بين أبعاد سياسية وإقليمية وعسكرية واقتصادية لتقاسم السلطة. وتجادل هذه المقاربة بأن التسويات الأكثر قدرة على الاستمرار لا تقتصر على توزيع المناصب الحكومية، بل تتناول أيضاً ترتيبات الأمن والأقاليم والموارد (Hartzell & Hoddie, 2003؛ Hartzell & Hoddie, 2007).

لكن تقاسم السلطة ينطوي على مفارقة. فمن جهة، قد يكون ضرورياً لتطمين أطراف مسلحة لا تثق في المؤسسات القائمة. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى مكافأة العنف، وتحويل حيازة السلاح إلى طريق مضمون للحصول على المناصب والموارد، وتثبيت زعماء الجماعات المسلحة بوصفهم ممثلين حصريين لمجتمعاتهم، حتى عندما لا يمتلكون تفويضاً شعبياً أو تمثيلاً ديمقراطياً (Roeder & Rothchild, 2005؛ Norris, 2008). وتشير أدبيات حديثة إلى أن ترتيبات تقاسم السلطة قد تعيد إنتاج الانقسامات التي نشأت أثناء الحرب داخل هياكل ما بعد الحرب، وأن الأدلة على أنها تؤدي تلقائياً إلى سياسات شاملة على المدى الطويل محدودة (Palik, 2025؛ Brookings, 2025). كما أن تحليل بيانات اتفاقيات السلام يشير إلى أن الاتفاقات الجزئية التي تسبق التسوية الشاملة يمكن أن تعزز الثقة وتزيد معدلات التنفيذ الشامل لاحقاً، مما يعني أن تقاسم السلطة قد يكون أكثر فاعلية عندما يُبنى تدريجياً لا دفعة واحدة (Joshi et al., 2025).

لذلك ينبغي التمييز بين تقاسم السلطة المؤقت بوصفه آلية انتقالية لإدارة المخاطر، وتقاسم السلطة الدائم بوصفه نظاماً سياسياً يوزع الدولة بين قيادات مسلحة. الأول قد يكون مفيداً إذا كان محدوداً زمنياً، ومقيداً دستورياً، ومصحوباً بانتقال تدريجي إلى مؤسسات منتخبة. أما الثاني فقد يخلق نظام محاصصة مسلحة يضعف المواطنة ويعطل المساءلة ويجعل أي خلاف داخل النخبة سبباً محتملاً لانهيار السلام.

وتشير دراسة هارتزل وهودي إلى أن تقاسم السلطة المؤسسي قد يسهم في إدارة الصراع بعد الحرب، لكن أثره يعتمد على تصميم المؤسسات ومدى التزام الأطراف بتنفيذها. كما أن تقاسم السلطة العسكرية تحديداً لا يحقق الاستقرار بمجرد النص عليه؛ بل يتطلب تنفيذ الترتيبات المتفق عليها، وإزالة أسباب ازدواج القيادة، وتوفير ضمانات تمنع استخدام القوات المدمجة في الصراع السياسي (Hartzell & Hoddie, 2003؛ Hoddie & Hartzell, 2003).

  1. المعلومات العسكرية والتحقق من النوايا والقدرات

قد تتعثر اتفاقات السلام بسبب عدم معرفة كل طرف بالحجم الحقيقي لقوات الطرف الآخر، أو بمخزون أسلحته، أو بقدرته على التعبئة، أو بمصادر تمويله. ويؤدي هذا الغموض إلى سوء التقدير، وإلى اعتقاد كل طرف أن الطرف الآخر يستعد لشن هجوم مفاجئ (Fearon, 1995). وقد أظهرت دراسة ماتس وسافون أن تصميم الاتفاقات بما يتضمن ترتيبات للمراقبة وتبادل المعلومات والتحقق من الالتزامات يمكن أن يعزز استدامة التسويات، وأن معالجة مشكلة المعلومات جزء من معالجة مخاوف الأطراف بشأن التنفيذ (Mattes & Savun, 2010).

وتترتب على ذلك أهمية إنشاء سجل موحد للقوات، وتوثيق مواقعها وأعدادها وتسليحها، والتحقق من مخازن الأسلحة، ومراقبة خطوط الإمداد، والتحقيق في الانتهاكات، وإتاحة بيانات دورية عن تنفيذ الاتفاق. ولا ينبغي أن تتحول هذه الإجراءات إلى أدوات استخباراتية لطرف ضد آخر؛ بل يجب أن تخضع لقواعد متفق عليها، وإشراف مستقل، وضمانات لحماية البيانات، وعقوبات محددة على التضليل أو الامتناع عن الإفصاح (Fortna, 2004).

  1. هل الانتصار العسكري أكثر استدامة من الاتفاق التفاوضي؟

ذهب بعض الباحثين إلى أن الحروب التي تنتهي بانتصار عسكري تكون أقل عرضة للتجدد من الحروب التي تنتهي باتفاقات تفاوضية، لأن الانتصار قد يحسم مشكلة ازدواج القوة المسلحة ويمنع استمرار التنافس بين جيوش متوازية (Luttwak, 1999). وتعرض أعمال باربرا والتر أهمية الضمانات الأمنية وتقاسم السلطة في جعل الالتزامات أكثر مصداقية، خصوصاً عندما يخشى أحد الأطراف أن يصبح مكشوفاً عسكرياً بعد التخلي عن السلاح (Walter, 2002).

لكن لا يصح تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة عامة تبرر استمرار الحرب سعياً إلى الحسم العسكري. فقد أعاد غومس ورانفت فحص الادعاء القائل إن الانتصار العسكري أكثر نجاحاً من الاتفاقات، وخلصا إلى أن الاتفاقات يمكن أن ترتبط بسلام مستدام بدرجة مماثلة للانتصارات العسكرية. وباستخدام تحليل البقاء، وجدا أن اتفاقات السلام ترتبط باستمرار السلام بقوة لا تقل عن ارتباط الانتصارات العسكرية به، كما فحصا الافتراضات التي تقوم عليها المقولة التقليدية (Gromes & Ranft, 2021). وتشير دراسات كمية أخرى إلى أن الحروب الأهلية تكون أقل عرضة للتكرار بعد انتصارات المتمردين، وبعد اتفاقات السلام المدعومة بقوات حفظ سلام، وبعد التنمية الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب؛ كما أن طول فترة استمرار السلام يقلل من احتمالية تجدد الحرب (Quinn et al., 2007).

والاستنتاج الأهم هو أن الاستدامة لا تتحدد بطريقة إنهاء الحرب وحدها، بل بما ينتج عنها من احتكار مشروع للقوة، وضمانات أمنية، وإصلاح مؤسسي، ومشاركة سياسية، وتنفيذ فعلي للاتفاق. فالانتصار العسكري قد ينهي قدرة طرف على القتال، لكنه لا يزيل بالضرورة المظالم التي غذّت الحرب، وقد يخلق تمرداً جديداً إذا ترافق مع الانتقام والإقصاء والتمييز. وفي المقابل، قد ينجح الاتفاق التفاوضي إذا احتوى على ضمانات قابلة للتحقق، ومؤسسات تنفيذ قوية، وتسوية واقعية لمسألة السلاح والموارد والسلطة (Gromes & Ranft, 2021).

الفصل الثالث: تصميم التسوية السياسية التي تنهي الحرب ولا تؤجلها

  1. التسوية ليست وثيقة واحدة بل منظومة مترابطة

تحتاج التسوية المستدامة إلى معالجة متزامنة، وإن كانت متدرجة، لخمسة ملفات: وقف القتال وحماية المدنيين، والترتيبات الأمنية والعسكرية، والانتقال السياسي والدستوري، والعدالة والمصالحة، وإعادة بناء الاقتصاد والمؤسسات والخدمات (Paris, 2004). ويؤدي فصل هذه الملفات فصلاً كاملاً إلى مخاطر كبيرة؛ فوقف إطلاق النار دون ترتيبات أمنية قابلة للتحقق قد يمنح الأطراف فرصة لإعادة التسلح، والانتقال السياسي دون إصلاح القطاع الأمني قد يبقي القرار السياسي رهينة القيادات المسلحة، ونزع السلاح دون فرص اقتصادية واجتماعية قد يدفع المقاتلين السابقين إلى الانضمام إلى شبكات الجريمة أو الميليشيات الجديدة (Palik, 2025).

ولا يعني الترابط أن جميع القضايا يجب أن تُحسم في لحظة واحدة. بل ينبغي اعتماد تسلسل واقعي، يحدد ما يجب الاتفاق عليه قبل وقف إطلاق النار، وما يمكن تنفيذه خلال الأشهر الأولى، وما يتطلب سنوات من الإصلاح الدستوري والاقتصادي والاجتماعي. ويجب أن يتضمن الاتفاق جدولاً زمنياً، ومؤشرات إنجاز، وجهات مسؤولة، وآليات تحقق مستقلة، وإجراءات محددة لمعالجة الخروقات (Mattes & Savun, 2010). وتشير بيانات مشروع مصفوفة اتفاقات السلام إلى أن الاتفاقات التي تُبنى عبر سلسلة من الاتفاقات الجزئية قبل التسوية النهائية تميل إلى تحقيق معدلات تنفيذ شامل أعلى، مما يدعم فكرة أن بناء السلام عملية تكرارية وتراكمية وليست لحظة تصميم مؤسسي واحدة (Joshi et al., 2025).

  1. وقف إطلاق النار: من إعلان سياسي إلى نظام للتحقق والامتثال

يجب أن يتجاوز اتفاق وقف إطلاق النار عبارة عامة تدعو الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية. فلا بد من تحديد المناطق المشمولة، وخطوط التماس، وأنواع الأسلحة والعمليات المحظورة، وطرق الإبلاغ عن الخروقات، وآليات التحقيق، وقواعد حماية المدنيين، وممرات المساعدات، والإجراءات المتعلقة بإخلاء الجرحى والمحتجزين، وإزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة (Fortna, 2004).

وتحتاج آلية المراقبة إلى عناصر بشرية وتقنية، تشمل مراقبين ميدانيين، ومراكز اتصال، وسجلات للحوادث، ونظاماً موحداً لتوثيق الشكاوى، وإجراءات للتحقق من الأدلة الرقمية والمكانية، مع حماية الشهود والمبلغين. ولا تكفي المراقبة عن بعد إذا كانت مناطق واسعة خارج السيطرة أو إذا لم يتمكن المراقبون من الوصول إلى مواقع الانتهاكات. كما لا تكفي بيانات الأطراف المتحاربة وحدها، بل ينبغي مقارنتها بمعلومات المستشفيات والمنظمات الإنسانية والمجتمعات المحلية والصور الفضائية والمصادر المفتوحة (UN OCHA, 2026).

ويُستحسن إنشاء لجنة مشتركة لوقف إطلاق النار، لكن عضويتها لا ينبغي أن تقتصر على ممثلي الأطراف المسلحة؛ إذ يلزم وجود خبراء مستقلين وممثلين مدنيين وفنيين، مع ضمان ألا تتحول اللجنة إلى هيئة سياسية تمنح الأطراف المتحاربة حق تعطيل التحقيقات. وينبغي أن تملك الآلية سلطة إصدار تقارير دورية علنية، مع حجب المعلومات التي قد تعرض المدنيين أو الشهود للخطر (United Nations Secretary-General, 2025).

  1. التدرج في التنفيذ والضمانات المتبادلة

يكون التنفيذ المتدرج مفيداً عندما يتيح لكل طرف التحقق من التزام الطرف الآخر قبل التخلي عن أدوات الحماية الأساسية. ويمكن أن يبدأ بإجراءات إنسانية عاجلة، ثم تثبيت خطوط التماس، ووقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية، وفتح الممرات، وتبادل المعلومات العسكرية، وحصر القوات، ثم الانتقال إلى تجميع الأسلحة الثقيلة ونقلها إلى مواقع متفق عليها، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية، وتسريح القوات غير القابلة للإدماج (Walter, 2002).

لكن التدرج قد يتحول إلى ذريعة للمماطلة إذا لم تكن له آجال واضحة. ولهذا يجب أن يتضمن الاتفاق مواعيد نهائية، وشروطاً معلنة للانتقال من مرحلة إلى أخرى، وإجراءات محددة عند التأخير غير المبرر، مع التمييز بين التأخير الفني والخلاف السياسي والخرق المتعمد. كما ينبغي ألا تُربط حماية المدنيين أو المساعدات الإنسانية بتقدم المفاوضات السياسية؛ فهي التزامات مستقلة لا يجوز استخدامها أداة ضغط (UN OCHA, 2026).

  1. الضمانات الدولية والإقليمية

تزداد أهمية الضمانات الخارجية عندما لا تستطيع الأطراف الوثوق في بعضها، أو عندما تكون المؤسسات الوطنية عاجزة عن تنفيذ الاتفاق. وقد تشمل الضمانات بعثة مراقبة، أو لجنة تحقق، أو دعماً فنياً لإصلاح المؤسسات، أو التزامات من الدول المؤثرة بوقف تسليح الأطراف، أو آلية دولية لمعالجة الخروقات (Fortna, 2004). لكن الضمانات لا تكون فعالة إذا كانت الدول الراعية نفسها تدعم أطرافاً متنافسة أو تستخدم المفاوضات لتثبيت نفوذها.

ولهذا ينبغي أن تتضمن التسوية السودانية التزامات واضحة من الدول الإقليمية والدولية بعدم تقديم السلاح أو التمويل أو الدعم اللوجستي الذي يطيل الحرب، وبالامتناع عن تمويل السلطات الموازية أو الهياكل العسكرية والاقتصادية غير الخاضعة للمساءلة. وتضمنت مبادئ برلين بشأن السودان، المعتمدة في 30 أبريل 2026، اثني عشر مبدأً توجيهياً للتوصل إلى حل سلمي ومستدام، شملت حماية البنية التحتية المدنية، ودعم الدول المجاورة المستضيفة للاجئين، وتمويل الاستجابة الإنسانية، والتحقيق في الجرائم الخطيرة وملاحقة المسؤولين عنها، ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار بقيادة سودانية (UK Government, 2026). وقد اعتمدت هذه المبادئ 22 دولة ومنظمة، وأكدت أنه “لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع”، ودعت إلى هدنة إنسانية فورية تليها عملية سياسية بقيادة مدنية (US Department of State, 2026). غير أن هذه المبادئ، كما أشارت تقييمات نقدية، ظلت في كثير من بنودها إعلانية وغير ملزمة، ولم تتضمن آليات تنفيذ أو عقوبات محددة على خرقها، مما يثير تساؤلات جدية حول قابليتها للتحول إلى ضمانات فعلية (Chatham House, 2026؛ Al-Araby Al-Jadeed, 2026).

الفصل الرابع: تفكيك البنية العسكرية الموازية وإصلاح القطاع الأمني

  1. لماذا لا يكفي دمج القوات المتحاربة؟

يُعد إصلاح القطاع الأمني من أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب، لأنه يتعلق بمصدر القوة الفعلية للدولة. ولا يمكن بناء نظام سياسي مدني مستقر إذا ظلت قوات متعددة تمتلك قيادات مستقلة ومصادر تمويل منفصلة ومراكز احتجاز خاصة وسلاسل قيادة لا تخضع للسلطة الدستورية (Hutchful, 2003). كما أن دمج التشكيلات المسلحة في الجيش دون تدقيق في الأفراد والقيادات والعقائد والتمويل قد يؤدي إلى نقل الانقسامات إلى داخل المؤسسة العسكرية بدلاً من إنهائها (Knight, 2009).

وينبغي التمييز بين توحيد المؤسسات الأمنية وبين جمع الأفراد المسلحين في هيكل واحد. فالتوحيد المؤسسي يتطلب سلسلة قيادة واحدة، وميزانية عامة خاضعة للرقابة، وقواعد موحدة للتجنيد والترقية والتدريب والانضباط، وقضاءً عسكرياً خاضعاً للقانون، ورقابة مدنية وتشريعية، ومنعاً لتكوين وحدات ذات ولاءات حزبية أو قبلية أو شخصية (NUPI, 2017). أما الدمج العددي وحده فقد ينتج مؤسسة متضخمة، متنافسة داخلياً، ومثقلة بقيادات متوازية.

  1. نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج

تتكون برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج من مراحل متتابعة لكنها مترابطة. يشمل نزع السلاح جمع الأسلحة والذخائر وتسجيلها والتحقق منها وتدمير غير الصالح أو غير القانوني منها، أو تخزين ما يلزم وفق ترتيبات رقابية صارمة. ويشمل التسريح إنهاء الصفة العسكرية والتنظيمية للمقاتلين، وإغلاق المعسكرات والوحدات التي لم تعد مطلوبة، وتسوية المستحقات القانونية والمالية. أما إعادة الإدماج فتتعلق بإتاحة فرص اقتصادية واجتماعية وتعليمية ومدنية للمقاتلين السابقين، بما يحد من احتمالات عودتهم إلى العنف (Giustozzi, 2016).

وتوضح دراسة باليك أن تصميم برامج نزع السلاح في اتفاقات السلام متفاوت للغاية، وأن كثيراً من الاتفاقات لا تتضمن المكونات الثلاثة كاملة، كما أن النساء والأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة غالباً ما يُهملون في النصوص. وتؤكد هذه النتيجة ضرورة ألا يُعامل البرنامج باعتباره عملية لتسليم البنادق فقط، بل باعتباره سياسة اجتماعية واقتصادية وأمنية تشمل المقاتلين السابقين والنساء والأطفال والمجتمعات المضيفة (Palik, 2025). وتشير تجارب موزمبيق إلى أن ربط نزع السلاح بإعادة الإدماج الزراعي في تعاونيات إنتاجية ساعد في تحويل المقاتلين السابقين المحتملين إلى فاعلين في التنمية، مما يبرز أهمية البعد الاقتصادي في نجاح البرامج (OECD, 2024؛ Al-Araby, 2026).

ولا ينبغي أن يؤدي نزع السلاح إلى تجريد جماعة من أدواتها بينما تحتفظ جماعة أخرى بقواتها وتمويلها وسلاحها. كما لا ينبغي أن تكون المكافآت المالية أو المناصب السياسية مرتبطة بعدد المقاتلين أو حجم السلاح الذي يملكه القائد؛ لأن ذلك يشجع على تضخيم القوات وتجنيد مزيد من الأفراد قبل التفاوض (Walter, 2002). ويجب أن يكون التسجيل فردياً، والتحقق مستقلاً، والمزايا محددة وفق معايير معلنة، مع استبعاد المقاتلين الذين تثبت مسؤوليتهم الفردية عن جرائم خطيرة من أي حصانة أو امتياز غير قانوني (UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, 2026).

  1. الإدماج في القوات النظامية: متى يكون ممكناً؟

قد يكون إدماج بعض المقاتلين السابقين في الجيش أو الشرطة ضرورياً في حالات محددة، لكنه ليس حقاً تلقائياً لكل من حمل السلاح، ولا ينبغي أن يتحول إلى حصص تنظيمية تضمن للجماعات المسلحة الاحتفاظ بنفوذها داخل الدولة. ويتطلب الإدماج معايير فردية تشمل المؤهلات، واللياقة، والتدريب، والسجل المهني، والالتزام بالدستور، واجتياز التدقيق الأمني والقانوني، والخضوع لنظام موحد للترقية والانضباط (Hoddie & Hartzell, 2003).

ويجب التمييز بين المقاتلين الذين يمكن إعادة تأهيلهم وإدماجهم، والذين يمكن تسريحهم وإعادة إدماجهم مدنياً، والذين ينبغي إخضاعهم للتحقيق والمساءلة وفق الأدلة. ولا يجوز استخدام الانتماء الإثني أو الجغرافي أو القبلي بديلاً عن المسؤولية الفردية، كما لا يجوز منح العفو الجماعي عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي المقابل، ينبغي عدم تحويل التدقيق إلى أداة انتقام جماعي أو تطهير سياسي، لأن ذلك يعيد إنتاج الإقصاء الذي قد يغذي التمرد (Call, 2008).

  1. الرقابة المدنية على القوات المسلحة والأمن

لا تتحقق السيطرة المدنية بمجرد تعيين وزير دفاع مدني أو تشكيل مجلس أعلى للأمن. بل تتطلب سلطة دستورية فعلية على تحديد السياسات الدفاعية، وإقرار الميزانية، ومراقبة الإنفاق، وتعيين القيادات وفق القانون، ومراجعة العقيدة العسكرية، والتحقيق في الانتهاكات، ومنع التدخل العسكري في الانتخابات والحياة الحزبية والاقتصاد (Hutchful, 2003).

وتشمل الرقابة الفعالة لجاناً برلمانية مختصة ذات صلاحيات في طلب الوثائق واستدعاء المسؤولين ومراجعة الحسابات، وأجهزة تدقيق مستقلة، وقضاءً مدنياً مختصاً بالجرائم الواقعة على المدنيين، وقواعد شفافة للمشتريات العسكرية، وإفصاحاً مالياً عن الشركات التابعة للمؤسسات الأمنية. ويجب ألا تصبح السرية العسكرية غطاءً لإخفاء الإيرادات التجارية أو التهرب الضريبي أو الاستيلاء على الأراضي أو الموارد العامة (NUPI, 2017).

  1. الدرس من جنوب السودان: التدريب لا يساوي توحيد القوات

تكشف تجربة جنوب السودان مخاطر الاتفاق على توحيد القوات دون القدرة على إتمامه. فقد أشار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في 24 يناير 2025 إلى أن نحو 7,000 فقط من أصل 53,000 من أفراد القوات الموحدة الضرورية الذين أُتم تدريبهم كانوا قد نُشروا، مع تعثر تدريب الدفعة الثانية وعدم الاتفاق على هيكل القيادة الوسطى. وتوضح هذه الفجوة أن تدريب عشرات الآلاف لا يحقق وحدة المؤسسة ما لم تُحسم القيادة والتمويل والانتشار والانضباط والرواتب (United Nations Secretary-General, 2025). وفي يناير 2026، أعرب مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي عن “قلق بالغ إزاء بطء تنفيذ الاتفاق المنشط”، مشيراً إلى استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار وتأخر الترتيبات الأمنية وصياغة الدستور وإنشاء المحكمة المختلطة (African Union Peace and Security Council, 2026). وفي فبراير 2026، حذر وكيل الأمين العام لعمليات السلام من أن “الجمود السياسي بين الموقعين الرئيسيين لا يزال يغذي تصاعد التوترات، ويتجلى في مواجهات مسلحة في أجزاء كثيرة من البلاد” (UN Peace Operations, 2026).

والدرس الذي يمكن استخلاصه للسودان هو ضرورة عدم إعلان اكتمال توحيد القوات بمجرد التوصل إلى أرقام مستهدفة أو إقامة معسكرات تدريب. بل يجب قياس النجاح بوجود قيادة واحدة قابلة للمساءلة، وانتشار منظم، ورواتب منتظمة من الميزانية العامة، ووقف التجنيد الموازي، وتفكيك مراكز التمويل المستقلة، وانخفاض الانتهاكات، وامتثال القوات للأوامر القانونية (UN Peace Operations, 2026).

الفصل الخامس: الاقتصاد السياسي للحرب وتجفيف مصادر تمويل العنف

  1. لماذا تستمر الحرب عندما تصبح مربحة؟

قد تتحول الحرب إلى اقتصاد قائم على استخراج الموارد والجبايات والتهريب والنهب والسيطرة على طرق التجارة والمعابر والموانئ والمناجم. وفي هذه الحالة لا تكون المفاوضات السياسية وحدها كافية، لأن بعض الأطراف قد تحقق من استمرار الحرب مكاسب مالية أكبر مما يمكن أن تحصل عليه في ظل اقتصاد مدني خاضع للضرائب والمحاسبة (Collier & Hoeffler, 2004؛ Keen, 1998).

وتشمل اقتصاديات الحرب السيطرة على الذهب والمعادن، والوقود، والسلع المدعومة، والطرق البرية، والأسواق، والحدود، والضرائب غير الرسمية، والمصارف وشركات الصرافة، وشبكات الاستيراد والتصدير، والشركات الواجهة. وقد ترتبط هذه الأنشطة بوسطاء محليين وإقليميين ودوليين، مما يجعل الحرب جزءاً من شبكات اقتصادية تتجاوز حدود الدولة (Billon, 2001).

ويجب التمييز بين النشاط التجاري المدني المشروع الذي يستمر في ظروف الحرب لتوفير الغذاء والدواء والوقود، وبين الأنشطة التي تمول القوات المسلحة أو تسهل شراء الأسلحة أو تنقل الموارد المنهوبة أو تفرض الجبايات بالقوة. فالتجريم الشامل للتجارة في مناطق النزاع قد يعاقب السكان ويقطع سبل عيشهم، بينما يتطلب تجفيف اقتصاد الحرب استهداف الشبكات والجهات المستفيدة، والتحقق من المستفيد الحقيقي، ومراقبة التدفقات المالية والسلعية (UN Security Council, 2024).

  1. الذهب والموارد الطبيعية في السودان

يُعد الذهب أحد أهم الموارد التي ينبغي إدراجها في أي تسوية اقتصادية وأمنية سودانية. فقد خلص تقرير مركز الدراسات المتقدمة للدفاع، الصادر عام 2025 بعنوان Bullion for Bullets: The Role of Mining in Sudan’s Conflict Economy، إلى أن التعدين والذهب يمثلان جزءاً من اقتصاد الحرب، ووثّق شبكات وشركات وكيانات مرتبطة بتمويل أطراف الصراع أو تسهيل الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به (C4ADS, 2025). وتشير تقديرات رسمية بريطانية إلى أن صادرات الذهب الرسمية بلغت قيمتها 1.5 مليار دولار في عامي 2024 و2025، لكن القيمة الحقيقية للقطاع تُقدَّر بأضعاف ذلك، مع تهريب مليارات الدولارات من الذهب سنوياً عبر قنوات غير مشروعة تساعد في تمويل شراء الأسلحة والعمليات العسكرية وأنشطة الجماعات المسلحة (UK Government, 2026). وقد فرضت المملكة المتحدة في يوليو 2026 عقوبات على أحد عشر فرداً وكياناً suspected بصلاتهم بشبكات تمويل ومشتريات وتجارة تدعم قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية، بما في ذلك شخصيات مرتبطة بشبكات الذهب غير المشروع في دبي وهونغ كونغ (UK Government, 2026). كما تشير تقارير إلى أن السودان شحن ذهباً بقيمة 1.97 مليار دولار إلى الإمارات العربية المتحدة في عام 2024، مع تراجع التجارة الرسمية وسيطرة قوات الدعم السريع على جزء كبير منها (Africa Confidential, 2026).

ولا يعني ذلك أن جميع تجارة الذهب غير مشروعة، أو أن كل عائدات القطاع تذهب إلى أطراف الحرب. بل ينبغي تحليل سلسلة القيمة كاملة: مواقع الإنتاج، والتراخيص، والملكية الفعلية للمناجم، والوسطاء، ومراكز التجميع، والنقل، والتصدير، وشركات التكرير، والمصارف، والمشترين النهائيين. كما ينبغي التفريق بين الإنتاج الأهلي التقليدي والتعدين التجاري المنظم، وبين الإيرادات العامة التي تدخل الخزانة، والإيرادات التي تذهب إلى شبكات خاصة أو تشكيلات مسلحة (C4ADS, 2025).

وتحتاج التسوية إلى سجل وطني شفاف للتراخيص والعقود والإنتاج والصادرات، ونظام لتتبع الذهب والمعادن، وإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات، وتدقيق مستقل في الإيرادات، ومنع استخدام الشركات العسكرية أو الأمنية واجهاتٍ تجارية غير خاضعة للمحاسبة. ويجب أن تُربط عائدات التعدين بميزانية عامة معلنة، وبنظام لتوزيع الإيرادات على المستويات القومية والولائية والمحلية وفق قواعد مالية عادلة (UK Government, 2026).

  1. العقوبات المالية والرقابة على شبكات الدعم الخارجي

يمكن للعقوبات الموجهة أن تستهدف قادة وشركات ووسطاء ومؤسسات تمويل متورطة في شراء الأسلحة أو نقل الموارد أو تمويل الانتهاكات. لكنها تفشل إذا كانت ضيقة جغرافياً، أو إذا أمكن نقل الأموال عبر شركات واجهة أو دول وسيطة أو أصول رقمية أو تجارة غير رسمية. كما أن العقوبات الواسعة على قطاعات كاملة قد تضر بالسكان والقطاع الخاص المشروع وتزيد الاعتماد على السوق السوداء (Drezner, 2011).

لذلك ينبغي أن تقوم سياسة العقوبات على أدلة قابلة للتحقق، ومعايير معلنة لإدراج الأفراد والكيانات، وآليات للطعن والمراجعة، واستثناءات إنسانية واضحة، وتنسيق بين الدول المعنية، ومراقبة للآثار الجانبية. كما يجب ألا تكون العقوبات بديلاً عن التحقيقات الجنائية أو إصلاح المؤسسات المالية والجمركية (UK Government, 2026).

  1. الاقتصاد بعد الحرب: من إعادة الإعمار إلى تغيير بنية الحوافز

لا يكفي ضخ الأموال في إعادة بناء الطرق والمباني إذا بقيت مؤسسات الاقتصاد خاضعة لشبكات الاحتكار والفساد والجبايات المسلحة. وينبغي أن تبدأ عملية التعافي بإعادة الخدمات الأساسية، واستعادة عمل الأسواق، ودفع الرواتب، وإعادة تشغيل الزراعة والنقل والطاقة والمياه والصحة والتعليم، بالتوازي مع إصلاح المالية العامة والمصارف والجمارك والضرائب (World Bank, 2024).

ويجب ألا تقتصر إعادة الإعمار على العاصمة والمدن الكبرى، بل ينبغي توجيه الاستثمارات وفق حجم الدمار والاحتياجات السكانية والفقر والنزوح والحرمان التاريخي، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي كانت خارج الخدمات العامة قبل الحرب. كما ينبغي أن تتضمن برامج إعادة الإعمار آليات لمنع الاستيلاء على الأراضي، والتلاعب بالتعويضات، وإقصاء النازحين واللاجئين من حقوق الملكية والسكن (UN-Habitat, 2024).

وتوضح دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، الصادرة في 14 أبريل 2026، حجم المخاطر الاقتصادية لاستمرار الحرب. فقد استخدمت الدراسة منصة النمذجة المعروفة باسم «المستقبل الدولي» لبناء سيناريوهات بديلة. ويقدر سيناريو استمرار الصراع حتى عام 2030 أن نحو 34 مليون شخص إضافي قد يُدفعون إلى الفقر المدقع بحلول عام 2043 مقارنة بمسار عدم الحرب، وأن الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام قد يكون أقل بنحو 34.5 مليار دولار من ذلك المسار. وفي المقابل، يعرض سيناريو «السودان الصاعد» مساراً يمكن أن يخرج نحو 17 مليون شخص من الفقر المدقع، ويجعل الناتج المحلي الإجمالي أكثر من ضعف مستواه في مسار استمرار الحرب بحلول 2043. وهذه ليست نتائج محققة أو تنبؤات مؤكدة، بل مخرجات نمذجة تعتمد على افتراضات تتعلق بالسلام والإصلاح والاستثمار والإنتاجية والحوكمة (UNDP & ISS, 2026).

الفصل السادس: العدالة الانتقالية والمصالحة ومنع الإفلات من العقاب

  1. العدالة ليست ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد السلام

تُطرح أحياناً مقولة إن العدالة ينبغي أن تؤجل حتى لا تعرقل المفاوضات، أو أن السلام يتطلب العفو عن جميع الأطراف. غير أن هذا التصور يخلط بين التفاوض على إنهاء الحرب وبين منح حصانة مطلقة لمن ارتكبوا جرائم جسيمة. فتجاهل الجرائم والانتهاكات قد يترك مظالم عميقة، ويضعف ثقة الضحايا في الدولة، ويمنح مرتكبي الانتهاكات قدرة على إعادة إنتاج العنف من داخل المؤسسات الجديدة (Sriram, 2004).

وفي المقابل، فإن المطالبة بمحاكمات فورية وشاملة لجميع المتهمين دون بناء مؤسسات قضائية قادرة على العمل قد تكون غير واقعية، وقد تُستخدم سياسياً لتصفية الخصوم أو تعميق الاستقطاب. لذلك ينبغي بناء سياسة عدالة انتقالية متدرجة، لا تقوم على الإفلات الجماعي من العقاب ولا على الانتقام الجماعي، بل على المسؤولية الفردية والأدلة والإجراءات القانونية وضمانات المحاكمة العادلة (Olsen et al., 2010). وتشير تجربة ليبيريا إلى أن “تسلسل الأمن قبل المساءلة” قد يسهم في استدامة السلام بعد الحرب الأهلية، بشرط أن يُفهم ذلك باعتباره استراتيجية مشروطة ومحدودة زمنياً وليست تأييداً معيارياً للإفلات من العقاب (Taylor & Binningsbø, 2026).

وتشمل العدالة الانتقالية أربعة مسارات متكاملة: كشف الحقيقة وتوثيق الانتهاكات؛ والمساءلة الجنائية عن الجرائم الخطيرة؛ وجبر الضرر والتعويض ورد الحقوق؛ وإصلاح المؤسسات التي سمحت بالانتهاكات أو شاركت فيها. ويمكن أن تضاف إليها برامج المصالحة المحلية، والإصلاح القانوني، واستعادة الأراضي والممتلكات، وإحياء الذاكرة العامة، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للناجين (OHCHR, 2024).

  1. المسؤولية الفردية وعدم العقاب الجماعي

يجب ألا تُحمّل جماعة إثنية أو قبلية أو إقليمية أو سياسية المسؤولية الجماعية عن جرائم ارتكبها أفراد أو قيادات محددة. كما لا يجوز استخدام الانتماء التنظيمي وحده لإثبات المسؤولية الجنائية؛ فالمسؤولية تتطلب أدلة على الفعل أو المشاركة أو الأمر أو المساعدة أو غير ذلك من صور المسؤولية المعترف بها قانوناً (Rome Statute, 1998).

وفي المقابل، لا يجوز أن تتحول الاعتبارات السياسية إلى حصانة لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الخطيرة. وينبغي أن تتضمن التسوية ترتيبات لحماية الأدلة، واستقلال النيابة والقضاء، وحماية الشهود، وتوثيق المقابر الجماعية، وحفظ السجلات الطبية والرقمية، وتسهيل وصول المحققين إلى مناطق الانتهاكات (UN Independent International Fact-Finding Mission for Sudan, 2026).

  1. العدالة المحلية والمصالحة المجتمعية

لا تستطيع المحاكم الوطنية أو الدولية وحدها معالجة جميع آثار الحرب. فالنزاعات على الأرض والمراعي والمياه والملكية، والاعتداءات على المجتمعات المحلية، والتهجير القسري، والثأر، وانهيار الثقة بين الجيران، تحتاج إلى آليات محلية للوساطة وجبر الضرر والتسوية، شريطة ألا تُستخدم هذه الآليات لفرض الصمت على الضحايا أو تجاوز الجرائم الخطيرة (Mac Ginty, 2008).

وتتطلب المصالحة المحلية مشاركة الضحايا والنساء والشباب والقيادات المجتمعية والمزارعين والرعاة والنازحين واللاجئين، مع الاعتراف بتفاوت القوة بين الأطراف. ولا تكون المصالحة حقيقية إذا طُلب من الضحايا التسامح دون اعتراف أو تعويض أو ضمانات بعدم التكرار (Lederach, 1997).

  1. العدالة والاتفاق السياسي

لا ينبغي أن تكون العدالة الانتقالية مجرد وعد عام في الاتفاق، بل يجب أن تتضمن التزامات محددة: إنشاء مفوضيات مستقلة، وتحديد اختصاصات المحاكم، وتوفير التمويل، وحماية الشهود، وتحديد العلاقة بين القضاء الوطني والآليات الدولية، وإتاحة مشاركة الضحايا. وقد أكدت مبادئ برلين بشأن السودان ضرورة التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وغيرها من الفظائع وملاحقة المسؤولين عنها، ودعم الناجين والمجتمعات المتضررة، ومساندة جهود العدالة الانتقالية (UK Government, 2026).

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الفسادُ يُجَّز في منشأه .. بقلم: مؤيد شريف أحمد
بيانات
مؤتمر تلويحة الخلود .. كمال الجزولي
منبر الرأي
حًنينةْ امْ عَجَلْ! .. بقلم: كمال الجزولي
بيانات
دعوة لحضور تدشين كتاب: ابتناء السودان .. من شرعنة الانقلاب إلى شرعية الانتخابات لمؤلفه بروفيسور مكي مدني الشبلي
الأخبار
تصريح من نقابة الصحفيين السودانيين بمناسبة اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

مختارات رمضانية (10) .. جمع وتصنيف :عبدالله حميدة

طارق الجزولي
منبر الرأي

الدولة لا تُقاس بجيوشها… بل بقدرتها على حماية المدنيين

صلاح أحمد الحبو
منبر الرأي

عبد اللطيف عبد الغني : قيثارة الوطن والشعب .. بقلم: حسن الجزولي

حسن الجزولي
منبر الرأي

اللص الحقيقي من يسرق ثورة شعب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss