كتب د. محمد عبد الحميد أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
يحمل هذا المقال شيئاً من الشغف بالرواية كجنس أدبي، بعوالمها الرحبة التي تفتح على هموم الإنسان وأسئلته الوجودية والاجتماعية. ويحمل كذلك بصمات تخصص أكاديمي نادر هو دراسات الكوارث والأمن الإنساني، الحقل المعني بحماية الإنسان من المخاطر المحيطة به، ومنها تلك التي يصنعها الإنسان نفسه بقراراته ومشروعاته.
وفي هذا المقام أترحم على أديبنا الفخيم الطيب صالح، عبقري الرواية العربية، وأستحضر إلى جواره الروائية الهندية أرونداتي روي (Arundhati Roy). صاحبة رواية(إله الأشياء الصغيرة The God of Small Things) الصادرة عام 1997، والتي فازت بها في العام نفسه بجائزة بووكر العالمية، كأول كاتبة هندية تحصد هذه الجائزة. لكن حضور روي تجاوز عالم الرواية إلى المقالة الفكرية والسياسية، وإلى الانخراط في قضايا البيئة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، موظفةً مكانتها الأدبية في مساءلة المشروعات التي ترى أنها مثقلة بمخاطر تمس حياة الإنسان في جوهرها.
وما يجمع بين الطيب صالح وأرونداتي روي أن الإبداع قد فتح لهما نوافذ لمساءلة الواقع بكل ما فيه من قسوة، وللتأمل في مصائر الإنسان وهو يواجه تحولات الحياة ومشروعات التغيير.
فإذا كانت قصة الطيب صالح (دومة ود حامد) قد فتحت باباً للتأمل في علاقة الإنسان بأرضه، وما تختزنه من ذاكرة وارتباط روحي ومعنى للحياة، فإن روي ذهبت بهذه الأسئلة إلى ميدان آخر، عندما وضعت مكانتها العالمية في خدمة معركة تتجاوز الأدب والتخييل الروائي إلى قضايا التنمية والبيئة والعدالة. وهكذا ننتقل من دومة ود حامد في ريف السودان، بما تحمله في ظلالها من حكاية ذاكرة وحياة، إلى وادٍ واسع في الهند مهدد بالغرق تحت مياه سد ضخم، يحمل وعودا بالتنمية، بينما تلوح خلف تلك الوعود أسئلة ثقيلة عن مصائر من يعيشون على ضفافه، وعن حقهم في الأرض والحياة والمشاركة في تقرير مستقبلهم. وفي هذا السياق كتبت روي مقالها الشهير (الخير العام الأعظم The Greater Common Good) عام 1999، ونقلت به قضية السدود من لغة المشروعات والأرقام والتقديرات الفنية إلى فضاء أوسع يستحضر الإنسان ومصيره، وما قد يخسره لحظة تحول التنمية إلى مشروع يعيد رسم جغرافيا حياته.
وأهمية المقال تتمثل في مساءلتها الفلسفة التي تستند إليها مشروعات التنمية الكبرى عندما تُقدم بوعود المنفعة العامة، مع وجوب طرح الأسئلة في من يتحمل كلفة هذه المنافع، وفي غياب أصوات المتضررين عن قرار يمس مصيرهم، وفي الخسائر التي لا تظهر بسهولة في دراسات الجدوى الاقتصادية.
إن الحديث عن المصلحة العامة يظل ناقصاً ما لم يستمع لأصوات المجتمعات التي تتحمل العبء الأكبر من التحول، وما لم تكن مشاركتها في اتخاذ القرار جزءاً أصيلاً من مفهوم التنمية ذاته، وهو ما يعرف في الأدبيات التنموية بالتنمية انطلاقاً من القواعد.
وتزداد المسألة تعقيداً عندما ندرك أن الخسارة الإنسانية تمتد لتشمل شبكة من العلاقات والذاكرة والمعارف المحلية وسبل كسب العيش التي تشكلت عبر أجيال. فالأرض عند بعض المجتمعات، فضلاً عن كونها مورداً اقتصادياً، فهي فضاء للانتماء ومستودع للذاكرة ومصدر للهوية ورمز للاستقرار.
وتتجاوز القضية حدود المجتمعات الواقعة في النطاق المباشر للمشروع، لتفتح باباً للتأمل في طبيعة الأنهار كأنظمة بيئية واجتماعية متصلة، تتقاسم ضفافها ومياهها مجتمعات قد تتباين مصالحها وأولوياتها. فالمشروع الذي يحقق مكاسب في منطقة لا تمتد مكاسبه بالضرورة إلى المجتمعات الواقعة أسفل النهر، وقد تنشأ عن تشغيله مخاطر جديدة تمس مصادر عيشها واستقرارها البيئي والاقتصادي.
وهنا نقترب من مفهوم مهم في دراسات الكوارث هو (توليد المخاطر Risk Creation)، الذي يشير إلى كيفية إنتاج قرارات التنمية مخاطر جديدة أو إعادة تشكيل المخاطر القائمة، وتوزيع أعبائها بصورة غير متكافئة بين السكان والمناطق. فالتنمية التي تعالج عجزاً في المياه أو الطاقة في منطقة ما قد تخلق أنماطاً جديدة من الهشاشة في منطقة أخرى، خاصة عندما تتجاوز آثار المشروع حدوده الجغرافية والسيادية.
وتبلغ المسألة ذروتها في الأنهار المشتركة بين الدول، إذ لا تتوقف آثار التدخلات الهندسية عند الحدود السياسية، ولا تتطابق بالضرورة مصالح دول المنبع مع مصالح دول المصب. ومن ثم ينبغي أن يتسع تقييم نجاح أي مشروع تنموي ليشمل آثاره عبر النطاق النهري بأكمله، وتوزيع المنافع والمخاطر فيه، وقدرة المجتمعات المتأثرة على المشاركة في القرارات التي تمس مستقبلها.
فعلى مستوى الإقليم الذي نعيش فيه، يضعنا السد الإثيوبي في موقع المجتمعات الواقعة أسفل النهر، التي تواجه مخاطر تشغيل سد لا نملك الحق في المشاركة في قراراته، وفي ظل مخاطر لم يتم ادراكها رسميا من الجانب السوداني… إذ تتركز منافع السد في موضع، وتتولد مخاطره في موضع آخر.
مهما يكن من أمر، فإن تجربة روي تعيدنا إلى الدر الذي يمكن أن يضطلع به الأديب والمثقف في قضايا تبدو للوهلة الأولى حكراً على المهندسين وخبراء المياه. فالسدود منشآت هندسية تتطلب معرفة تقنية متخصصة، لكن قرار إقامتها وتقييم آثارها يتجاوزان الحسابات الهندسية إلى أسئلة الإنسان وحقوقه والعدالة في توزيع المنافع والأعباء والمخاطر. وهنا تتجلى قيمة تدخل الأدب والفكر لمساءلة ما يبدو شأناً فنياً خالصاً، واستحضار الإنسان حيث تطغى لغة الأرقام.
لقد أفلحت أرونداتي روي بنقلنا من عوالم الرواية إلى واقع المجتمعات التي تواجه تحولات تنموية كبرى، وذكّرتنا بأن وراء كل مشروع حكايات إنسانية تستحق أن تُروى، وأصواتاً تستحق أن تُسمع، ومصائر ينبغي أن تحضر في كل نقاش حول مستقبل التنمية. فقد تكون التنمية مكسباً في جغرافيا، ومصدراً للمخاطر في أخرى، بينما يظل النهر واحداً، وتتباين قدرة المجتمعات التي تتقاسمه على التحكم في مصائره.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
