واقعة ام درمان … بقلم: ثروت قاسم

Tharwat20042004@yahoo.com

 

مقدمة :

تداعيات مباراة مصر _ الجزائر في ام درمان يوم الاربعاء 18 نوفمبر 2009م  تستدعي الملاحظات الاتية :

اولاً :

 نقول روح رياضية  , ونعني روح تتسامي فوق الصغائر ، روح تسامحية ، روح تقبل الاخر ,  وتتعامل معه بودية واحترام .  روح تهذب النفوس .

ولكن الجماهير المصرية  , ووسائط الاعلام المصرية  , وحتي النظام المصري استولد تعريفاً جديداً  للروح الرياضية  , فجعلها مرادفة للروح العدوانية ، الروح التسلطية ، الروح الانانية ، الروح الاستعلانية والروح الفوقية .

وابئس به من تعريف مصري للروح الرياضية .

الروح الرياضية تعني قبول الهزيمة بصدر رحب . ولكن الروح المصرية اعتدت , بعد الهزيمة  , علي المشجعين الجزائريين في ام درمان يوم الاربعاء 18 نوفمبر وعلي السفارة الجزائرية في القاهرة يوم السبت 20 نوفمبر . كما تطاول الاعلام المصري والنظام المصري علي الجزائر والسودان بعد الهزيمة .

 الروح الرياضية تعني الاحتفال بالانتصار دون استفزاز . ولكن الروح المصرية احتفلت بالانتصار في القاهرة  بعد مباراة يوم السبت 14 نوفمبر 2009م بالاعتداء علي الفريق الجزائري . وحتي قبل مباراة السبت ,  رجمت الجماهير المصرية البص الذي أقل الفريق الجزائري من مطار القاهرة الي مقر اقامته وسط القاهرة  . وتناقلت الفضائيات صور اللاعبين الجزائريين , والدم يسيل علي جباههم .

هذه هي الروح المصرية وليست الروح الرياضية ؟

ثانياً :

 عرفنا دبلوماسية  البنج بونج عندما كانت فرق البونج بونج الصينية تتباري في ود ومودة مع الفرق الامريكية ابان الحرب  الباردة بين الصين وامريكا .  كانت العلاقات الدبلوماسية وغيرها من علاقات  مقطوعة بين البلدين  قطعاً  تاماً  . ولكن دبلوماسية الرياضة  افلحت في اذابة الجليد بين البلدين  . وادت الي التطبيع والتصافي بينهما  . وحتي في ذروة  الحرب العراقية _ الايرانية ، كانت فرق كرة القدم بين البلدين تتنافس في روح رياضية  . وليست روح مصرية .

 قلب المصريون دبلوماسية الرياضة الي حروب الرياضة .

ثالثاً :

النظام في مصر نظام بوليسي , غير ديمقراطي . وكذلك النظام في الجزائر . ولا يسمح النظامان  للشعب بالتظاهر للتعبير عن ارائهم السياسية  , ومطالبهم الاجتماعية والاقتصادية .  بل يتم قمع هكذا مظاهرات بالقوة العسكرية الخشنة . ولكن النظام المصري , وكذلك النظام الجزائري , يسمح بل يشجع المظاهرات الغوغائية الرياضية ، خصوصاً  اذا كانت ضد فريق رياضي اجنبي , لكي  ينفس عن الاحتقانات والضغوط التي يعاني منها الشباب  . ولان هكذا مظاهرات رياضية لا تمس سلامة  وامن النظام السياسي , بل علي العكس تدعمه وتؤيده وان كان بطريقة غير مباشرة .

رابعاً :

الشباب في مصر ، وكذلك في الجزائر ,  يعاني من بطالة خانقة , ومن فراغ مدمر , يدفعه لعبور البحر وملاقاة الموت في سبيل ايجاد فرص عمل في دول اروبا  ! هذا الاحباط القاتل يجد متنفساً له في تصوير الفريق المنافس كعدو ومسبب لهكذا احباطات .  يحتاج  الشباب في البلدين لعدو لكي يصب عليه جام غضبه  . ويجد العدو في الفريق  الرياضي المنافس . فتقع المظاهرات الغوغائية  ضد العدو الخيالي لغير ما سبب جناه . ويشجع النظام المصري (وكذلك النظام الجزائري ) هكذا غوغائيات لانها لا تمس أمنه , بل تدعمه بخلق عدو مشترك اجنبي ؟

الالاف  الذين  تم شحنهم  من مصر والجزائر من الشباب الذين لا عمل لهم . شباب من العطالي المحبطين , الذين لا يمكن ان يكون لهم اعمال , والا لما تركوها في ايام الثلاثاء  الي الخميس , وهي ايام عمل.

لم يحضر هؤلاء الشباب المحبطين  لمشاهدة وتشجيع مباراة في كرة القدم  ! وانما مباراة في استعمال القدم في الشلوت والتعفيص وتكسير محتويات مطار الخرطوم المسكين ؟  مباراة في الحقد والغل والكراهية وفي الانانية والغوغائية .

في هذا السياق , قال احد الشباب المصريين :

لقد أحزننى فائض الطاقة المبددة الموجودة بهذا الكم المهول ، مع الكيف المتردى ، بين شبابنا . هذه العقول والأيدى خلقت لتعمل ، فإن لم تجد فى الطاعة عملا وجدت فى المعصية أعمالا ، كما قال ابن الخطاب رضى الله عنه.  وهكذا فإن هذا الفائض من الطاقة بين شبابنا إن لم يجد فيما يفيد سبيلا كان له فيما يضر سُبلا .

صدقت يا هذا !

 

خامساً : 

بعكس الثقافة السودانية المتسامحة  الطيبة ، فان الثقافة المصرية     ( وكذلك الجزائرية )  ثقافة عدوانية .  اخذت من الثقافة الغربية  القريبة لكليهما جغرافياً وتاريخياً  , بعضاً من سؤاتها : كحب الذات , والانانية  , وحب التفوق  علي حساب الاخر , بل استغلال الاخر حتي بالطرق غير المشروعة .

سائق التاكسي في القاهرة يجسد هذه الثقافة ( ابو تلاتة ورقات )  تجسيداً واضحاً فاضحاً  للزائر الاجنبي ؟ وانسخ ثقافة سائق التاكسي القاهري علي باقي قطاعات المجتمع  المصري التي لا يتسني للزائر العابر الاحتكاك بها احتكاكه بسائق  التاكسي .  هذه الثقافة العدوانية  الانانية  تطفح للسطح عند اول مناسبة , مثلا عند مباراة لكرة القدم ضد فريق اجنبي .

سادساً :

في البلاد الاوروبية تجد بعض العنف من الشباب في مباريات كرة القدم .  ولكن اظهرت  الدراسات ان هكذا تفلتات امنية كلها تقريباً من شباب واقع تحت تأثير الخمر الذي يكثر الشباب من تعاطيه اثناء المباراة .

والاهم ان هذه التفلتات الأمنية ليست لها تداعيات سياسية او اعلامية , وتنتهي في ساعتها .  ولكن لحسن الحظ لم يكن هناك خمر يمكننا التعلل به في مباراة مصر والجزائر في ام درمان . ورغم ذلك طلب الاعلام المصري , في صفاقة مابعدها صفاقة , من الرئيس البشير ان يصحي من نومه , ويعاكز الجزائريين , دفاعأ عن سادته المصريين ؟

 

ولكن نظام الانقاذ الضعيف يغري النظام المصري والاعلام المصري لكي يتطاول عليه جوراً وبهتاناً .

سابعاً :

مشاركة جمال مبارك ، ملك مصر ( والسودان ؟ ) القادم , في المباراة , كانت بغرض تلميعه وسط الجماهير المصرية .  وكانت السبب الحصري لنباح النظام المصري  , والاعلام المصري ضد نظام الانقاذ  الذي لم  يسحق المتظاهرين الجزائريين ارضاء لخاطر وعيون  جمال ملك مصر ( والسودان ؟ )  القادم  . والذي تطاول علي مقامه الرفيع المتظاهرون الجزائريون .

ثامناً : 

النظام المصري كان بحاجة الي انتصار ، اي انتصار ,  لكي يدعم  به مشروعيته وشرعيته في الشارع المصري . ولكن اتت الرياح بما لا تشتهي سفنه . ومن ثم غضبه غير المبرر ضد نظام الانقاذ  , وضد الجزائريين ونظام الجزائر الحاكم .

تاسعاً :

تداعيات مباراة ام درمان اظهرت لنا  بوضوح اننا حين نقارن افقياً نظام الانقاذ البائس مع غيره من الانظمة العربية  والافريقية ، نجده دوماً البرنجي في السماحة  والتسامح  بل الديمقراطية النسبية .

 فقط يقع  نظام الانقاذ  في خانة الطيش عندما نقارنه راسياً بما يجب ان يكون عليه حسب الثقافة السودانية , والتراث السوداني الذي  زرعه الاباء   الاوائل .  ثقافة الديمقراطية الحقة , واحترام الاخر , والتسامح  والسماحة السودانية الاصيلة .

نعم…. اذا نظرت افقياً  لرايت ثم رايت عجباً كثيراً . لرايت ابناء الرئيس مبارك  جمال وعلاء يمثلان الرئيس مبارك  والدولة المصرية  في المباراة  . الدولة المصرية  المفروض ان تكون ام الدنيا , ودولة  الدستور والمؤسسات والاعراف الجمهورية . ( المعمول بها في كل الجمهوريات  الصاحية ) !  ولكن بدلاً من ذلك نجد دولة المحسوبية ودولة العائلة ودولة التوريث ! والشئ نفسه ينطبق علي الجزائر اذ ان شقيقي الرئيس الجزائري  قد مثلاه في المباراة.

نحمد الله ان هكذا مساخر لا تحدث عندنا في بلاد السودان ؟

عاشراً :

في يوم الجمعة 20 نوفمبر 2009م نظم النظام المصري مظاهرات من البلطجية  , وعناصر الامن لاجتياح وتدمير سفارة الجزائر في   القاهرة  . واستدعي  الرئيس مبارك  السفير السوداني  لاعطائه بعض الدروس .  كما  عقد الرئيس المصري اجتماعاً موسعاً مع مجلس حربه , واجهزة مخابراته , ومجلس وزرائه , وكبار مستشاريه , وكانه  يخطط  لحرب عظمي ضد عدو خارجي . ودارت المناقشات حول واقعة امدرمان ؟

ثم خاطب الرئيس مبارك مجلسي الشوري و الشعب   في أجتماع مشترك يوم السبت 21 نوفمبر 2009 . وصرف كلامأ ( كبار كبار )  , وسط التصفيق الداوي , عن سيادة مصر وسيادة مواطني مصر اللتين لن يسمح بأنتهاكهما؟

الحبة بقت الف قبة ؟؟؟

فعلا الحي يعيش ويشوف ؟ 

  نفخ النظام المصري في مظاهرات ام درمان , التي لم يصب فيها اكثر من عشرين مشجعأ مصريأ باصابات جد طفيفة , وأكثر من سبعين مشجعأ جزائريأ , باصابات أكثر خطورة ؟ وجعل منها حدثأ حربيأ بامتياز ؟

 صدق او لاتصدق ؟

اختزل النظام  المصري معاركه مع العدو الخارجي في معركته المفتعلة مع الجزائر والسودان (وبعدين السودان  ذنبو شنو يا اولاد بمبة ؟ )  في محاولة لحشد التأييد الشعبي ,  الذي ظل يفتقده طيلة العقود   الماضية .

كما  بحث النظام المصري عن  كبش فداء  , ومشجب يعلق عليه اخفاقاته الداخلية مع شعبه ,  فلم يجد الا الجزائر , وبصورة اقل بلاد السودان ( الحيطة القصيرة ؟ ) .

حتي علاء الابن الاكبر للرئيس مبارك والذي لا يتعاطي شيئاً غير  البزنيس بدأ ينبح ضد الجزائر , ويتهمها بانها  ارسلت عناصر  عسكرية في ثياب مدنية  لتشجيع الفريق الجزائري ( ظاهرياً ) والتهجم علي المشجعين المصريين ( فعلياً )  ؟

وغدا سوف نسمع الوزير ( صوت سيده ) مفيد شهاب يصرح بانه لا مناص  للرئيس البشير من الامتثال  للشرعية الدولية الممثلة في محكمة الجنايات الدولية ؟؟؟

احد عشرا : 

المظاهرات في مصر نوعان:

عفوية …  ومضروبة ( منظمة من السلطة) ؟

مظاهرات الخبز في 1977 و2008م  كانت عفوية وحقيقية . ولكن مظاهرات يوم الجمعة 20  نوفمبر 2009م  في القاهرة ضد السفارة الجزائرية كانت مظاهرات ( مضروبة ) وبتحريض من النظام المصري ,  ليلهي الشباب  عن احباطاته  الناتجة عن البطالة والفراغ وانعدام الامل في مستقبل مشرق . 

اثنا عشر:

اسم الفراعنة الذي يطلقه المصريون علي فريقهم القومي لم يتم اطلاقه من فراغ .  فمصر دولة الفرعون بامتياز ! وكل هذه المهزلة العبثية لم تكن تحدث لولا ( زعل ) الفرعون , الذي عقد مجلس حربه بكل قضه وقضيضه لمواجهتها .

واستدعي السفير السوداني المغلوب علي امره لاعطائه درساً في الاخلاق  الكروية علي النهج المصري .  خصوصاً  والسفير كروي وكان رئيساً لنادي الهلال بالتعيين .

ولا نستغرب هذه  الافعال من فرعون مصر !

إلم يقفل معبر رفح ويسجن سكان غزة المساكين ارضاء لاسرائيل  وامريكا ؟

إلم  يرفض مقابلة  قادة حماس وقابل نتن ياهو  اكثر من مرة ؟

 إلم يعتبر ايران العدو الاوحد والحصري بدلاً من اسرائيل ؟

ثم ماذا فعل مع اللاجئيين السودانيين الفارين من مصر الي اسرائيل ؟ ومعهم ايضأ في ميدان مصطفي محمود ؟

 إلم يطلق كلابه لتنبح تحت شجرة الرئيس البشير كلما اتي الرئيس البشير  عملأ ( منكراً ؟ ) … كمشاركته في قمة الدوحة المشهورة او مؤازرته لحماس ؟

فعلاً اسم الفريق القومي المصري اسم علي مسمي.

ثالث عشر :

في يوم الاربعاء  الذي وقعت فيه موقعه ام درمان  تقابل منتخبا فرنسا وايرلندا في نفس تصفيات كاس العالم .  وفازت فرنسا بهدف مغشوش ومضروب . ولكن مع ذلك لم يعقد رئيس ايرلنده اجتماع حرب  يضم اركان جيشه ومخابراته ووزرائه ومستشاريه  كما فعل الرئيس مبارك.

 تقبلت ايرلنده الهزيمة بروح رياضية ، روح ايرلندية وليست روح مصرية .

وانتهي الشغب الكلامي بين الغوغايين من فرنسا وايرلنده في داخل الاستاد .

في مصر قامت الدنيا ولم تقعد ! فقط , وفقط , لان الفرعون قد اهتم بالموضوع ونفخ  فيه :  

أولا : ليشغل الشعب المصري عن الظروف البائسة التي يعيش فيها , خصوصاً  الشباب , من جراء البطالة والفراغ . وينفس عنه احباطاته ؟

ثانيأ  : ليقنع  الشعب المصري بقبول توريث جمال خلفاً له  … جمال الذي مثل مصر  وشعبها  خير تمثيل في واقعة ام درمان , ودافع عن شرف مصر وعزتها وكرامتها ؟  

ولكن  ماذا تقول مع امور التلات ورقات المصرية ؟

اربعة عشر :

عبثية واقعة ام درمان  نصل اخر من النصال التي تكسرت علي النصال في جسم  جمل الشيل ( بلاد السودان )  . وجمل الشيل ساكت  لا يشكو .

فالشكية لله حسب مفهومه .

خمسة عشر :

تراقب اسرائيل ما يجري بين مصر من جهة  , والجزائر والسودان من جهة اخري , بانتشاء شديد . وهي تفرك في اياديها في شماتة ما بعدها شماتة . 

وبعد  اقول قولي هذا معتذرا لنظام الانقاذ الذي كنا نعتبره نظامأ مسحورأ ؟ فاكتشفناه نظاما مبرورأ … بالمقارنة  الافقية …

 ومرحبأ بالحزن  الانقاذى ؟

اعلاه دروس وعبر لقوم يتفكرون.

عن ثروت قاسم

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً