مهمة الرئيس المصري حسني مبارك والزعيم الليبي معمر القذافي في السودان .. بقلم: إمام محمد إمام


أثارت زيارة الرئيس المصري محمد حسني مبارك والزعيم الليبي معمر القذافي إلى السودان أول من أمس (الثلاثاء 21/12/2010) لبضع ساعات، الكثير من التساؤلات، وزادت من حيرة متابعي المشهد السياسي السوداني، المتسارع الخطى، والمتقلب الأهواء، والمتشابك الخيوط، والكثير الطلاسم، لأنّ هذه الزيارة العجلى أحيطت بسياج كثيف من الكتمان، ولفها قدر غير معلوم من الغموض، نتيجة للتوقيت، وشخوص الزائرين، وأن إتمام هذه الزيارة الغامضة المعالم، والخفية المهام، تجيء قبل ثمانية عشر يوماً من موعد إنفاذ استحقاق الاستفتاء على حق تقرير المصير حول جنوب السودان في التاسع من يناير 2011م، ضمن استحقاقات اتفاقية نيفاشا للسلام، إذا توافرت للمفوضية القومية للاستفتاء شرائط اكتمال الاجراءات الإدارية والقانونية والعملية، للإيفاء بهذا الموعد، في توافقٍ وتراضٍ من الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، لتفادي أسباب عدم رضا أحد الطرفين بمحصلته النهائية، ومن ثمّ حدوث تداعيات خطيرة، التي أحسب أن من مهام هذه الزيارة المعلن، العمل بجدٍّ وإسراعٍ من أجل تجنب الوقوع في مثل هذه التداعيات الخطيرة. وأكبر الظن عندي أن هذا الغموض الكثيف والكثمان الشديد، دفع وسائل الإعلام المختلفة دفعاً مبرراً إلى الاعتماد الكُلي على التحليلات الإخبارية، دون حقيقة الأخبار وجوهرها، فلا غروّ أن تكاثرت التحليلات والتفسيرات حول هذه الزيارة وأهدافها، والحديث عن مضمون الرسالة، إن كانت هناك رسالة، سواء كانت من الرئيس الأميركي بارك أوباما أو من غيره أو لم تكن هناك رسالة من الأصل، كل ذلك لأنّ المسؤولين السودانيين الذين تستضيف بلادهم هذه القمة الرئاسية الرباعية، المتمثلة في الرئيس السوداني عمر حسن أحمد البشير والرئيس المصري محمد حسني مبارك والزعيم الليبي معمر القذافي والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، بالإضافة إلى السيد سلفا كير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية، حرصوا أيما حرص على تفادي الدخول في بعض تفاصيلها، خاصة وأنّ البيان الختامي لهذه القمة الرئاسية لم يتضمن مضامين تشفي غليل الباحثين عن الحقائق، ولم تجب عن تساؤلات وحيرة الكثير من الصحفيين والإعلاميين، إضافة إلى مراقبي الشأن السياسي السوداني داخل السودان وخارجه.
وفي رأيي الخاص كان من الضروري على المسؤولين من أمر الإعلام في وزارة الخارجية السودانية تقديم بعض المعلومات الموضوعية المفسرة لبعض ما جاء مجملاً في البيان الختامي لهذه القمة الرئاسية الطارئة، من ذلك ما أشار إليه البيان الختامي من تأكيد القمة على أهمية بذل الجهود لدعم الثقة المتبادلة بين طرفي اتقاق السلام الشامل في السودان والعمل على تسهيل الحوار المشترك بينهما، وتمكينهما من التوصل إلى اتفاق حول القضايا الخلافية، وبما يمهد لإجراء الاستقتاء في أجواء صحية، ومن ثمّ فقد بحثت القمة الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى التقريب بين طرفي اتفاق السلام، وعبّرت عن دعمها الكامل لهذه الجهود، وأهمية استمرارها، وعن أملها في التوصل لاتفاق بشأن القضايا العالقة. كما أشادت القمة بتأكيد طرفي اتفاقية السلام الشامل في السودان اتفاقهما حول جانب كبير من هذه القضايا، ودعت إلى استكمال الجهود للتوصل إلى تسوية للقضايا المتبقية. كنا ننتظر بعضاً من التفاصيل المتعلقة بكيفية إعادة هذه الثقة المفقودة بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، باعتبار أنّ هذه الثقة هي الضمان الأكيد، إذا توفّرت بينهما لتفادي مخاطر تداعيات انفاذ استحقاق الاستفتاء على حق تقرير المصير حول جنوب السودان، متى ما توفرت الظروف الموضوعية لإجرائه سواء كان ذلك في الموعد المحدد بيوم الأحد التاسع من يناير المقبل أو موعد آخر يحدد باتفاقٍ وتراضٍ من قبل الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) مع مراعاة تقدير ذلك اليوم بواسطة المفوضية القومية للاستفتاء التي ستبذل قصارى جهدها في أن تكون مُخرجات ذاك اليوم، وحدةً أو انفصالاً، بناءً على إرادة حقيقية للناخبين الجنوبيين، ومن ثمّ جعل هذا الاستحقاق يتم إجراؤه في سلاسة وسلام، وتتكامل فيه شرائط الحرية والنزاهة والشفافية، ويكون الاعتراف بنتائجه مقبولاً من الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، ومباركاً من المجتمعين الإقليمي والدولي. فهذه كانت من المهام التي يجب أن يضطلع بها مسؤولو الإعلام في وزارة الخارجية أو وزارة الإعلام، بعد أن تتوفر لديهم المعلومة الصحيحة من جهات الاختصاص وأصحاب القرار، لتفادي هذا الكم الهائل والاستغراق الظاهر في معطيات إن بنت عليها تحليلات كثيفة، قد تكوت هذه المعطيات غير صحيحة، وبالتالي ما بُني عليها، لزاماً قد يكون غير صحيح، على قاعدة ما بُني على باطلٍ فهو باطل. لأحسب أنّ الرئيس المصري حسني مبارك ولا الزعيم الليبي معمر القذافي تكبدا مشاق السفر، من باب سافر ففي الأسفار خمس فوائد، على ما ذهب إليه الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى    وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ
تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ     وَعِلْمٌ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ
فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذُلٌّ ومِحْنَـةٌ    وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِـدِ
فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ   بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ
ولا أحسب أنّ الرئيسين أرادا بهذه الزيارة العجلى إلى بلادنا أن يمنحا أنفسهما من خلال السفر إلى الخرطوم لبضع ساعاتٍ، لحظاتٍ يبتعدا فيها عن مجريات العمل ومتاعب الحياة اليومية زيادة على التعرف على الخرطوم وبعض أهلها، والإطلاع على ثقافات السودان المتنوعة والمتعددة، ولما كانت بلادنا لا تُعنى بالسياحة، رغم إمكاناتها السياحية الهائلة، لا أظن وليس كل الظن إثم، أنهما أتيا للسياحة في الخرطوم، وإن كانت الخرطوم الجميلة تستحق شرف هذه الزيارة، لا سيما وأنّ هناك جهوداً تبذل من قبل الأخوين الصديقين الدكتور عبد الرحمن الخضر والي الخرطوم، وابن كسلا البار، والدكتور محمد عوض البارودي وزير الثقافة والإعلام والسياحة الولائي، لجعل الخرطوم عاصمة الثقافة والسياحة أيضاً. وإن فعلا ذلك الرئيسين الزائرين، فهو أمر غير منكور، لأنّه مدخل من مداخل التدين، لأنّ السياحة في الأرض والتأمل في عجائب الدنيا عند السفر، مما يزيد العبد المؤمن معرفة بالله جل وعلا، ويقيناً بأنّ لهذا الكون رباً ومدبراً يستحق العبادة وحده دون ما سواه، مصداقاً لقول الله تعالى: "وفي الأرض آيات للموقنين".
أخلص إلى أنّه من الضروري أن يدرك المسؤولون الذين تقع مثل هذه الزيارات الرئاسية ضمن دائرة اختصاص وزاراتهم أو إداراتهم أنّ الشأن السياسي السوداني ما عاد منغلقاً في الإطار المحلي، خاصة وأنّ الإعلام المحلي والإقليمي والعالمي يترقب هذا الشأن في هذه الأيام باهتمام كثيف وحرص شديد، لأنّ المشهد السياسي السوداني تتزاحم فيه الأحداث وتتلاحق التطورات، ولأدلل على ذلك اتصلت بي هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي صباح أمس (الأربعاء 22/12/2010) في تمام الساعة الثالثة والنصف بتوقيت لندن، والسادسة والنصف بتوقيت الحرطوم للحديث في القسم الإفريقي باللغة الإنجليزية عن زيارة الرئيسين مبارك والقذافي إلى السودان، كل ذلك لتأكيد أهمية توفير المعلومة الصحيحة، ليبني المعلق أو المحلل، تعليقاته وتحليلاته، بناءً على معلومات صحيحة، ومعطيات حقيقية، بدلاً من الاعتماد على أحاديث مجالس المؤانسة غير المؤسس على معلومات دقيقة أو مصادر موثوقة، إضافة إلى الإتّكال على أحاديث مرسلة أقرب إلى أحاديث الشائعات والتخيلات، مما يفقدها الصدقية. وأحسب أنّ الأخ علي أحمد كرتي وزير الخارجية حرص على تبديد والتشكيك في ما تناقلته أحاديث المدينة حول هذ الخصوص، في تصريحات صحافية أدلى بها في مطار الخرطوم أول من أمس (الثلاثاء) أنّ الرئيسين حسني مبارك والقذافي لم يأتيا إلى الخرطوم برسائل. ونفى أنهما طرحا أي مقترحات بشأن القضايا العالقة. وحاول أن يقدم بعض المعلومات حول القمة الرئاسية دون الخوض في تفاصيلها من ذلك، قوله إنّ القمة تشكل تقدماً وضمانة في اتجاه طرفي السلام جادان قي انفاذ هذه المهمة في الوقت المطلوب، بجانب كونها تشكل وجوداً عربياً إفريقياً إسلامياً غي هذه الفترة الحرجة، مضيفاً أنّ القمة شكل واضح للتوافد القوي جداً لدعم السودان، وتأكيداً للوقوف مع السودان لكي لا يشعر شعب السودان أنه معزول، ومقبل على نهاية قد لا تكون مريحة، والتأكيد على أنّ الاستفتاء عبارة عن مرحلة سيبقى بعدها السودان، وأنّه حتى لو حصل الانفصال فسيكون هناك جنوب مجاور للشمال، وينبغي أن يكون هذا الجوار صحياً وسليماً.
يتبين لي من كل هذا أنّه بات من المؤكد أهمية طرح بعض المعالجات التي تمت حول بعض القضايا العالقة بين الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، حتى يُزال بعض الغموض حول ماهية هذه المعالجات، لأنّه من المعلوم أنّ الرئيس المصري حسني مبارك قليل الأسفار في الفترة الأخيرة لأسباب صحيّة، ولكن هذا الحضور المتزامن مع حضور الزعيم الليبي معمر القذافي إلى الخرطوم، يٌثير الكثير من التساؤلات، ويؤكد أيضاً أنّ القضايا التي كانت محل بحث بين الرؤساء الزائرين والرئيس عمر البشير ونائبه سلفا كير بالأهمية التي استدعت أن تتم هذه الزيارة بهذه الصورة، لأنّه من المعلوم لدى الكثيرين أنّ مصر تتضايق من مزاحمة أي دولة شقيقة أو صديقة تسعى للوساطة في معالجة أي شأن من الشؤون السودانية، لحرصها على أن تكون مساهمتها في ذلك منفردة، بحجة أنّ السودان يشكل عمق مصر الأمني، فلذلك كانت موافقة الرئيس المصري حسني مبارك على المشاركة مع الزعيم الليبي معمر القذافي مثار نقاش لدى مراقبي الشأن السياسي السوداني داخل السودان وخارجه، كما أنّه تأكيد قاطع على أنّ الأمر جلل، والقضية كبرى، والحل يحتاج إلى تضافر الجهود. لكل هذه الأسباب مجتمعة أحسب أنّ الناس في السودان وخارجه، ممن يعنيهم الشأن السياسي السوداني في انتظار بعض الجوانب التفصيلية لهذه الزيارة الرئاسية المهمة.
ولنستذكر قي هذا الخصوص، قول الله تعالى: "أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون".
وقول الشاعر أحمد بك شوقي:
وللأوطانِ فِي دمِ كُلِّ حرٍّ    يدٌ سَلَفت ودَينٌ مُسْتَحَقٌ

Imam Imam [imam@asharqalawsat.com]

عن إمام محمد إمام

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً