خالدُ الحاج: صَحَفيٌّ إلِكترونيّ رَحَل … بقلم: السفير جمال محمد إبراهيم


بسم الله الرحمن الرحيم
أقرب إلى القلب:

       بلا ألقابٍ وبلا مقامات ، فقد ساوى الحزن على فجيعتنا في الراحل خالد الحاج،  بيننا جميعا، فسقطت هذه الزوائد والألقاب الفانية ، تلاقينا خفافاً، ولكن أثقلت مآقينا الدموع فأسقطنا الحزن ونحن وقوف. هو خالد الحاج : رائد من رواد الصحافة الالكترونية في زمن صارت فيه من بين أسلحة التغيير وإحداث الثورات . قراء الصحف الورقية لم يسمعوا بخالد الحاج، ولكن متصفحي ومطالعي المواقع الصحفية الألكترونية، عرفوا بذله  وقدروا أثره وتأثيره .
        لقد تلاقينا في "سودانيات"، الموقع الذي أنشأه أول مرّة، الراحل خالد الحاج، ونحن على أعمار مختلفة، ومهن متباينة، وهوايات متعددة ، وتوجهات قد تكون متعارضة. كلا .. لم يكن ثمة ما يفرّق في تلك المساحة التي أنشأها الراحل خالد الحاج. نظرتُ في المحتوى، ثم نظرت نظراً حميماً إلى الجالسين فيه. ثمة تسامح وتآلف ورقيّ وإبداع، فاح في ذلك المنتدى. وشاقني التواصل مع الجالسين في ذلك المنتدى: سودانيات، دون أن يعبأ  فيه أحد، بالسعي للتحرّي عن الموجودين فيه، أو حتى للتعرف على الجالسين عن قربٍ : أعمارهم أنواعهم ، خلفياتهم المهنية أو الأكاديمية وأمزجتهم وهواياتهم. كان القاسم المشترك هو الدفء الذي كان عليه المنتدى.
( 2 )
        دعوني أحكي لكم عن تجربتي الشخصية في ذلك المنتدى .
كان ذلك في أيامٍ خوالٍ من عام 2004 ، وأنا سفير ثانٍ بسفارة السودان في لندن . حين زرت منتدى سودانيات، وقد كان موقعاً رائداً وفريداً في مستهل سنوات العشرية الأولى للقرن الجديد. كان جلياً أنّ جلّ ألأعضاء الفاعلين في مثل تلك المنتديات الافتراضية، أناسٌ من خيار أهل السودان، أجبروا على الإقامة في أقاصي بلاد الدنيا جراء إقصاء متعمّد للفئة الحاكمة يدٌ طولى فيه. ما كان غريباً أن تجدهم  يستريبون – وهم في تلك المهاجر البعيدة- فينظرون بعين الاقصاء الذي تجرعوا مراراته في كل شيء له صلة بالحكومة، أو وجهاً يرون فيه ملامحها. بعضهم جأر بالاعتراض على دخولي، بل وساءهم أن يدخل عليهم ، قلمٌ له صلة بالحكومة ، وكأنهم يرون في منتداهم  ملاذاً آمناً  ومحطة في المهاجر البعيدة، يلجأ إليها من لا يجد مساحة لإسماع صوته المعارض لحكومة يراها جائرة ظالمة . صاح معارضون أجلاء في المنتدى ، بأن لا يسمح لقلم السفير جمال بالدخول ، لكن عاقلون أجلاء أيضاً، بادروا مرحبين، بأن الواحة الإلكترونية تتسع للجميع، وأن للسفير وجهاً مهنياً، أرسخ من أن تصطاده طارئات السياسة، كما هو قلم محترم وله مثل ما  للآخرين ، من حقٍ في البقاء والمساهمة والتواصل الإبداعي مع أهل ذلك المنتدى. خالد الحاج- والذي لم أتشرف بمعرفته من قبل – كان صاحب الموقع ، وكان له الصوت المرجّح لبقائي في "سودانيات" .
( 3 )
        لم ألتقيه حين زار لندن بعد ذلك، وكنت قد غادرتها بعد انتهاء مهمتي في السفارة هناك . حزنتُ حقيقة لأني لم ألتقيه . لكن تواصلي الالكتروني معه امتد لسنوات طويلة .. ولم ينقطع . . يستشيرني ، في صغائر أمور المنتدى التي كانت تشغله، وفي كبائرها . كانت غيرته الكبرى على منتداه ، تدخله في  اتجاهات معاكسة – إن شئنا استلاف لغة قناة "الجزيرة"-  فيسمع مني شخصياً، إن هاتفني أو راسلني، ما كان يُليّن من مواقفه ، فيتذكر في روحه السمحة ، أن مساحة المنتدى مثل مساحة الوطن، تتسع للجميع ، فتجده وقد وقف في منتصف الطريق يكابد غربة طاحنة من جانب ، ويده ممدودة  مخضرة بكبرياء الوطن ومحبته، في جانب آخر . لكن لي هنا أن أقول إنّ خالداً، وإن كان ذلك المقاتل الجريء الصادح  برأيه،  جهوراً به، فهو أيضاً ذلك الطفل الكبير، حين  يسامح بقلبه الكبير بعض من خالفوه في رأي أو فكرة .
             أكثر ما أحزنني أني لم أحظ بلقياه شخصياً، واقتصر تفاعلنا معاً على  مساحة التواصل الالكتروني ، والمهاتفات التي تقع بيننا على مسافات زمنية متباعدة، ولكنها وبرغم ذلك، وثّقت بالفعل من صلتي به، ورَسَخ خالد الحاج عندي، أخاً وصديقاً مميزا، وبمزاج الكتروني نادر.
( 4)
        راسلني وأنا سفير في بيروت، إن كان ممكناً استرجاع أصل شهادته الجامعية من جامعة بيروت العربية، وقت أن كان يدرس بها وقد انتقلتْ تلك الجامعة، إلى الاسكندرية في مصر ، بسبب الحرب الأهلية في لبنان التي وضعت أوزارها وأوزار مشعليها في عام 1990. كنت سعيداً أن لجأ إليّ خالد ، ولقد بذلت جهداً كبيراً، مستعيناً بصلاتي هناك، وتمكّنت من استلام أصل الشهادة الجامعية لخالد الحاج، وبعثت بها إليه. سنوات طويلة انطوت منذ تخرجه من جامعة بيروت العربية، ولم يرَ أصل شهادته بعينيه إلا حين بعثت بها إليه. كان يعدّ لرسالة جامعية وقد طلبت الجامعة الهولندية شهادته الجامعية تلك. عبّرت له عن سعادتي لأن القدر منحني فرصة لرد بعض جميله وجميل منتداه علينا، نحن أصدقاؤه في موقع "سودانيات" الالكتروني، الذي أنشأه ..
       حين رحل هذا الرجل الغيور على الإبداع – وقد كان دائما أول من يرحب بمساهماتي الابداعية في المنتدى- بكيتُ مع الباكين في بيت العزاء الإلكتروني الذي فتحه موقع منتدى سودانيات، ورفعنا الأيدي بالفاتحة على روحه . جلسنا حزانى في السرادق السايبري، كما في السرادق الواقعي . كنتُ أميز الباكين من حولي والليلة حالك ظلامها : من بين عديد الأصدقاء، وقف المهندس اسماعيل حميم ودكتور سيد قنات والباشمهندس معتصم الطاهر والفنان ناصر يوسف. . وأيضاً ، وبين صفوف الباكين دكتور كرار التهامي أمين جهاز العاملين بالخارج، وعضو منتدى "سودانيات" قبل سنوات خلت . الحكومة أيضاً جرى دمعها على الراحل، فالخسارة واحدة هنا وهناك. .

      ( 5 )
          حين وارينا جثمانه الطاهر ثري المقبرة في الخرطوم، تلك الليلة الحزينة، كنا نواري أخاً وصديقاً ومبدعاً غارقاً في محبة الوطن ، وفياً له في المساحة الواقعية القصيرة التي عاشها ، وفي المساحات الإلكترونية التي ستخلد  فيها مساهماته  وروحه المحبة للجميع .. من عرفوه ومن لم يعرفوه.. من وافقهم في أمور الدنيا ومن خالفهم . كان  غيوراً على صون علاقاته،  بمثل غيرته على أصدقائه وعلى منتداه .
        لربما لا يعرف الكثيرون عن اتحاد الكتاب السودانيين حرصه الدؤوب لأن يرى ، الإبداع  منطلقاً ، حراً متنوعاً ، مطبوعاً على ورقٍ مكتمل التغليف، كتباُ صلبة، مثلما يحرص أن يراه في أشكاله الناعمة، مرسلاً في المساحات الالكترونية كتباً افتراضية ، تحمل رسالة الإبداع إلى عوالم أبعد ، وإلى مساحات أوسع . لم نكن نرى الإبداع الإلكتروني بدعة من البدع التي ترمى إلى النار ، ولم نسترِب في محتواه، فنحسبه محض هترشات يحملها أثير الكتروني سرعان ما  يخبو إن افترسه "فايروس" ذي مخالب، أو يترصده "هكر" جائر . الإبداعُ – صلباً في شكل اخراجه أم ناعماً –  هو الإبداع . ولعل ما قدم الراحل خالد لأصدقائه من السودانيين ومن غير السودانيين ، من مساحات التواصل الإبداعي، عبر منتدى "سودانيات"، ما جعل منه موقعاً سامقاً ومتقدماً في استشراف  مستقبل للكتابة الابداعية ، يذهب إلى أبعد من الحلم ، بل يذهب إلى أقاصي مواقع الخيال .
  رحم الله خالداً ، وخلّده مع الشهداء والصديقين . .

نقلا عن صحيفة "الأحداث"
24 مارس 2011

jamal ibrahim [jamalim@yahoo.com]

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً