صمت النخبة وسط ضجيج الحرب .. بقلم: صلاح شعيب

لا يخفي على المراقب الصمت المريب لصفوة النخبة السودانية إزاء الأحداث الجارية في البلاد. خلافا لمؤيدي النظام الذين يجهرون بمواقفهم البينة لاحظنا أن هناك أسماء كبيرة في حقول الثقافة، والأكاديميا، والفن، فضلت دفن رؤوسها في الرمال ريثما تنقشع سحابة الصيف. هؤلاء المثقفون، أو النخبة أو الصفوة، أو الأنتلجنسيا، كما نسميهم، أيقنوا أن دورهم ينبغي أن يكون نشطا أثناء الأزمنة العادية وأن الخوض بالرأي في الأزمنة الصعبة إنما هو من شغل آخرين منهم طلبة العلم، أو نشطاء السياسة، والميديا الحديثة. أي أن هذا الرصيد المجتمعي فهم أن المثقف لا يبلل أرجله في النهر الساخن وأن الأفضل له هو أن يترك أمته تقتتل حتى إن جاء نظام ديموقراطي خرج ليقول كلمته المفذلكة لكيفية تسييره.
وهذا الأمر لاحظناه حين جاءت ثورة أبريل. فقد ورثت تجمعات المثقفين الثورة وتحولت إلى ما يشبه خلية نحل لرسم طريق للديموقراطية وتسنم المناصب. والمؤسف أن كثيرين من هؤلاء المثقفين قضوا جل تاريخهم في مجالات عملهم في الدولة وكأنهم لم يسمعوا بشريعة القطع من خلاف، أو اغتيال الأستاذ محمود محمد طه، أو ترحيل الفلاشا، أو محارق حرب الجنوب، أو غلاء الأسعار، أو التدهور الإنتاجي، وغيرها من أزمات ذلك الزمان.
القليل جدا منهم كان يربط نشاطه العام والسري بالأحزاب، والنقابات، ولكن غالبية المثقفين كانت تمارس صمتا كئيبا مشابها للصمت الحالي. ونذكر أن الطيب صالح كان قد أعلن ندمه حين سئل عن مواقفه تجاه ما أقترفه نظام مايو من مآس، ومنها مقتل زعيم الجمهوريين، وقال للدكتور الباقر العفيف: “هذا هو الأمر الذي لن أغفر فيه لنفسي أبداً”.
كثيرون يحاولون قصر لقب المثقف على نوع من المثقفين الذين يضحون بأغلى ما يملكون في حياتهم، وذلك أمر صحيح، إذ أن المثقف ملتزم بالموقف الصادق نحو شعبه، ولكن إذا طبقنا هذه القاعدة على مواقف المثقفين فحتما سنعثر على قلة قليلة جدا من حازوا على ذلك اللقب. وإذا كان المثقف هو الذي يضحي باستقرار حياته وروحه من أجل وطنه فإن الذين قدموا أرواحهم من المواطنين دفاعا عن البلد قاموا بهذا الدور بشكل أفضل من المثقفين الذين يقدمون أنفسهم الآن في ساحات الثقافة والإعلام.
لقد كان المتوقع والبلاد على شفا جرف هار أن تتداعى جموع المثقفين، وحملة الشهادات العليا، إلى كلمة سواء للضغط على الفرقاء السودانيين للوصول إلى تسوية عادلة تنهي الأزمة المشتعلة التي أقلقت مضاجع العباد وتوشك أن تقودهم إلى المصير المجهول إن لم تراع عدة مطلوبات. بيد أن الحادث الآن أن تلك الجموع فضلت أن تكون في موقع التلقي لما يطرح من مواقف لدى المعسكرين المتحاربين وما بينهما من معسكر رمادي.
وهناك أسئلة تتبدى: ما الذي يمنع هذا العدد الهائل للمثقفين من التوسط بين هؤلاء الفرقاء إذا كانوا لا يفضلون الحرب ويحبون وطنهم، ذلك كأضعف الإيمان؟ ما الذي يمنعهم من التدخل الجاد لإيقاف لعبة الأجاويد الإقليمية والدولية السخيفة لحل المشكل السوداني في العواصم من حولنا، تدخلا معززا بالقدرة على شحذ الخيال والإتيان بحلول مرضية لكل الأطراف، كما فرض المجتمع الدولي وثيقة نيفاشا على طرفي القتال؟ ما الذي يمنعهم من التأثير في الآخرين الصامتين وحملهم على صوغ بيان أو نداء للطرفين إذا كان بعضهم يخشى من التصريح برأيه حتى لا يتعرض للهجوم هنا وهناك؟.
إن جانب من الأزمة الحادثة هي مسؤولية المثقف التاريخية والذي لم يكن واضحا في مواقفه الوطنية بدرجة كافية مثلما فعل نظراؤه أمثال غابريل قارسيا ماركيز، وواثينقو، وصنع الله إبراهيم، وسعدي يوسف، وويلي شوينكا، وأمل دنقل، وغيرهم من مبدعي العالم الثالث الذين لم يهادنوا أنظمة بلادهم حتى تحققت الديموقراطية في أوطانهم؟.
وما من شك أن الصمت الذي يمارسه المثقفون هو الذي أغرى النظام العارف بطريقة ترهيبهم وترغيبهم للتصرف في شؤون البلاد وكأنها لا تملك قاعدة من المتعلمين والمثقفين مؤثرة على نطاق العالم وليس الإقليم فحسب. ونحن ندرك أن الصمت هو درجة من درجات التواطؤ مع الخطأ. فما دام أن المثقف الذي هو ضمير الأمة، كما يقولون، يملك القدرة المعرفية والأخلاقية للتصريح برأيه، فلا حاجة تدعنا لاحترام المثقفين الذين يفضلون إعلاء أصواتهم في غرف النقاش الخاصة.
إن المثقفين الوطنيين حقا الذين يتحملون المسؤولية في الدفاع عن مواطنيهم لا يتهيبون الإدلاء برأيهم، خصوصا حين تتخطف عصابة من المتاجرين بالدين، والسياسة، والوطن، سلطة المجتمع. ولقد قدم المثقفون السودانيون تضحيات قليلة بالقياس للتي قدمها الشعب السوداني من أرواح في مختلف قطاعاته ومناطقه. والملاحظ أن أكثر الفئات تقاعسا عن تقديم التضحيات هم أصحاب والفكر والفن، وغالبا ما نجحت الأنظمة المتعاقبة في توظيفهم للقيام بدور إفساد الوعي وتحريف رسالة الثقافة، والإعلام، والفن. وإذا عدنا إلى الأصول المهنية والعملية لقادة الحركة الإسلامية فإنهم كانوا جزءً من رصيد المثقفين الذين قدموا أنفسهم للمجتمع كمقاومين للأنظمة القهرية. بل كانوا يقدمون أنفسهم بأنهم البديل الفكري الذي يصلح بيئات التربية والسياسية، والدين، والدولة، والاجتماع، ولكن حولت السلطة هؤلاء المثقفين من إصلاحيين إلى صناع للاستبداد في مجالات العمل العام والخاص. ومن ناحية أخرى فإن هناك المثقفين الذين كانوا يحملون مشروعا سياسيا مخالفا للإنقاذ واستطاعوا تحمل الكبت، والغربة، وفقدان الوظيفة، وعارضوا الإنقاذ بلا هوادة، ولكن استجابوا إلى إغراءات السلطة بوظائفها المتعددة. وفيما بعد صاروا أعداء لزملائهم في المعارضة، بل إنهم نشطوا في تيارات النظام المتصارعة ليمالئوا هذا الطرف ضد ذاك، ونسوا أنهم كانوا قد برروا خطوتهم نحو اللحاق بالسلطة من أجل الإسهام في تنمية البلاد وحمايتها من المؤامرات، على حد قولهم. ولعل العبارات الممجوجة التي يتشدقون بها هي أنهم يريدون إنقاذ البلاد وصد مؤامرات متصورة. وما لاحظناه أن هؤلاء المثقفين فشلوا في تقديم جرد الحساب لمشاركتهم ولم يفيدونا عن مدى التقدم الذي أحرز طوال فترة قربهم من السلطة.
إزاء حالة السقوط التي واجهت صفوة النخبة التي ارتمت في أحضان السلطة لا نملك إلا الصبر على هذا الشباب الذي نهض دون أن يجد قادة من المثقفين للوقوف ضد خروق السلطة للسلام في كافة مناحي الحياة. والأمل كل الأمل أن يتكاتف الجيل الحالي ويتضام بمكوناته من أجل أن يحقق لنفسه حياة حرة وكريمة دون اعتماد على من نسميهم كبار المثقفين الصامتين وسط ضجيج الحرب.

salah shuaib [salshua7@hotmail.com]

عن صلاح شعيب

صلاح شعيب

شاهد أيضاً

تأثير تصنيف الإخوان على حرب السودان ومستقبله

صلاح شعيبsuanajok@gmail.com تصريح الرئيس الاميركي دونالد ترمب لموقع (Just the News) بأن بلاده تعد الصياغات …

اترك تعليقاً