دارفور: عودة حلة الأفندية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

مما يثلج الصدر تنادي شباب الصحفيين بطيبة برس قبل أيام لتجديد نظرهم المهني في تغطية مصيبة دارفور ونزيف دمها الذي لم يتوقف لعقد من الزمان. ومن بين معاني هذه الوقفة المهنية مع الذات الكثيرة تحرير الخبر الدارفوري من الشركاء في المحنة، الحكومة والحركات، ومعالجته بمقتضى أعراف الكار (الصحافة) التي تُعَرِف الخبر كنبأ وثقافة في وقت معاً.
توقفت في صحف أمس عند نبأ من دارفور عبارة عن إعلان من ولاية شمال دارفور للمقاولين لتقديم عطاءات لبناء “مشاريع استكمال النهضة، مشروعات الوعد والعهد”. والعنوان شاعري من مثل ما نتوقعه من جماعة إبداعية وغير خائل على عطاء. وسنتجاوز “البروبقاندا” في النبأ لنسعد بهذا التمويل العمراني الخدمي لتأهيل المحليات فتغري بعودة النازحين الطوعية. فنحن نسمع عن هذه العودة كالجعجعة ولا نرى طحناً. ووجدت أنها تزامنت مع مشروعات طموحة أخرى تتولاها الجامعة العربية يجري الترويج لها حالياً وأخبار عن تفويج طوعي كبير للنازحين في بعض المحليات.
طلب الإعلان عطاءات لتشييد 68 مشروعاً في محليات شمال دارفور الست عشر. وشملت هذه المشاريع مبان حكومية، ومستشفيات ومراكز صحية، ومستشفيات بيطرية ومراكز لخدمات بيطرية وزراعية، ومساجد.
وازعجتني “وزنة” هذه المشاريع من جهة نسب بعضها لبعض. فقد وجدت أن الدولة أخذت نصيب الأسد. فثلت هذه المباني إلا قليلا (20 من 68) مخصصة لبناء رئاسة المحلية أو منزل المعتمد أو بيت الطبيب الأحصائي. وهذا إسراف معروف عن الأفندية. فهم متى وجدوا هواهم “ضروا”. وأنا متأكد أنهم لو شاوروا المواطنين في سلم أوليات مشاريع الوعد والعهد لوجدوا حلولاً أيسر لمباني المحلية وبيوت الموظفين بل وللمساجد (20 وحدة). ووربما كانت الدور التي سيتراضى عندها المواطنون والحكومة متواضعة ولكن كنا عند المأمول، متى تولي أبناء الولاية لقسمتهم من السلطة، تزينوا بهضم النفس والتقشف لا العودة إلى أيام بيوت الأفندية على الضفة الأخرى  للأهالي.
ولا تسفر نرجسية الدولة عن نفسها بأوضح من تخصيص 3 مبان لما وصفه العطاء بدار “”العمل الوطني” التي هي مقر الحزب الحاكم في ما أعتقد. وهذا غير لائق بالمرة ولا نطيل. ثم خذ عندك تخصيص مبن موصوف ب”مكاتب إدارية للشراكة التحصيلية”: يا كبرة فولاية!
ثم نظرت في نصيب بعض المحليات من مشاريع الوعد العهد فوجدت نسبة دور الحكومة ارتفعت للثلثين. فحظيت محلية دار السلام بثلاث مشروعات للحكومة إثنان وللأهالي سد ترابي. كما اقتصرت مشروعات محلية البرو الثلاث على مبنيين حكوميين وسد أيضاً. وهذا من الكتح في الخشم. وحظيت الطويشة ببيت حكومي ومسجد ومركز خدمات زراعية. أما الحكومة فغلبت في محلية كرنوي. فنصيبها مبنى رئاسة الحكومة ومنزل المعتمد ومركز شرطة. وبس.  وحظيت محلية سرف عمرة ب”إستاد”!
أتمنى على ولاية شمال دارفور أن تراجع أسبقياتها في إعلان العطاء أو أن تقدم للرأي العام حيثيات مقنعة لهذا الجنوح في الوعد والعهد. وسبق لها القول في الإعلان إن العطاءات الراهنة هي الحزمة الثانية من هذه المشروعات, وسنفسر سبقها بقائمة أولى (ربما شملت وحدات خدمية خالصة) لصالحها حتى تطلعنا على منطق أسبقياتها هنا. ومهما يكن فتمكن المبنى الحكومي من المشروعات بنسبة الثلث مما يصعب الدفاع عنه.
أفتى بعض أشاوس ناشطي الأسافير منذ شهور أنه حرام على الكاتب تناول الإعلانات فهي دون وسامته. فهو روح طليقة وهي عُفار وسوق تسمع فيه “رنة قرش في المريخ”. وقلنا لهم إن الأعلان ثقافة. وآمل أن اكون قد وفقت في عرض الثقافة التي من وراء هذا الإعلان: عودة بيوت الأفندية.       
Ibrahim, Abdullahi A. [IbrahimA@missouri.edu]

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً