الخضر ليس نبياً معصوماً.. وتقديراته تحتمل الخطأ والصّواب. بقلم: إمام محمد إمام
28 أبريل, 2014
إمام محمد إمام, منبر الرأي
22 زيارة
أحسبُ أن الأخ الدكتور عبد الرحمن أحمد الخضر والي ولاية الخرطوم، أُبتلي ابتلاءً عظيماً بالذي حدث في مكتبه من سطوٍّ على المال العام، واستغلالٍ للنفوذ، والأنكأ من ذلك، استغلالٌ مشينٌ لثقةٍ مفرطةٍ منحها للذين يعملون في مكتبه، دون أن يخبر نياتهم، وصدق عزائمهم، ولم ينزل فيهم قول الله تعالى الذي جرى على لسان ابنة شعيب: “قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ”، واكتفى بحقيقة شرعية، وهي أنّ الشرع عليه بالظّاهر، فلذلك إن حدث مثل الذي حدث في مكتبه، لا ينبغي أن يُنسي مُنجزاته أو يحجب انجازاته، طوال السنوات الأربع أو يزيد، التي تسنم فيها منصب والي ولاية الخرطوم، انتخاباً، ولم يكن يعلم كثير من الذين تطرقوا إلى ما حدث في مكتبه، أنه المُبادر بالكشف عنهم عندما تيقن من حقيقة الجُرم الذي ارتكبوه، والمخالفات الكارثية التي وقعوا فيها، ولم يتسربل بفقه السترة، لأن فهمه أن السترة لا تكون في الحق العام، لأننا مأمورون بكشف مواطن الفساد، والإدلاء بمعلومات موثقة، وحقائق ثابتة، قطعية الدلالة، وليست ظنية الدلالة، في إشارة إلى المفسدين ومحاربتهم، شرعاً وقانوناً.
وفي رأيي الخاص، أن هذه القضية، قسّمت الناسَ إلى ثلاث فئات. الأولى انتقدت الوالي انتقاداً لاذعاً، بحُجية فساد اختياره لمعاونيه، وأهل مكتبه. والثانية وقفت مع الوالي ترفع عنه المضاغطة السياسية التي وقعت عليه من جراء هذه القضية. والثالثة لاذت بالصمت، ونسيت أن الوقوف مع الحقِّ حقٌّ، وتجاهلت قول علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – “أعرفُ الحق بالرجال، وليس الرجال بالحق”.
وأعتقدُ أن الأخ عبد الرحمن أحمد الخضر، عندما اطمئن قلبه إلى أن هنالك سطواً على المال العام، وخرابَ ذممٍ بعض العاملين حوله، سارع إلى مناصحة الأقربين إليه في حكومة ولاية الخرطوم، ولم يبخلوا عليه بالنّصيحة، تصديقاً لقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”. فشجعه بعض هؤلاء الناصحين للجوء إلى القانون؛ لحسم هذا الأمر حسماً قانويناً، بحجة أن مبادرته بالكشف عنهم أوقع أثراً لدى الجهات المختصة، وجماهير الولاية، التي ائتمنته على هذه الولاية الطيب أهلها. ولم يتوان أو يتردد عند إنفاذ هذه النصيحة، وتلك المشورة، باللجوء إلى الجهات العدلية، وبسط لهم القول عن إمكانية التحقيق معه متى ما رأوا ذلك لازماً. وبالفعل أوضحت لجنة التحقيق في هذ القضية، أنها حققت معه أكثر من مرة. وأحسبُ أن شعاره في ذلك “الحقُّ يُعلى ولا يعلو عليه”، وأنه صدقاً أراد أن يخلي مسؤوليته من تداعيات هذا الحادث الأليم، الذي كاد أن يستشرى في مفاصل مكتبه، لولا إسراعه بالإبلاغ عنه، متأسياً في ذلك بالأطباء الاختصاصيين، لا سيما أهل الاختصاص في الأمراض السرطانية الذين يرددون أن علاج هذا المرض اللئيم يكمُن في الكشف عنه قبل أن يستشري في الجسد. وهكذا مضى الأخ الدكتور عبد الرحمن أحمد الخضر إلى سبيل الحق في كشف هذا الجُرم، الذي صار جُرماً مشهوداً، يؤكد حقيقة نظافة يده، بعد أن تأكد للجميع حلاوة لسانه.
وأكبرُ الظن عندي، أن السند والعضد اللذان وجدهما من الأمانة العامة لولاية الخرطوم التي أعلنت أنه بموجب خطاب لجنة وزارة العدل التي قامت بالتحلل من المال الحرام مع اثنين من مكتب الوالي، والخاص باتخاذ الإجراءات اللازمة معهما، فقد تم تكوين لجنة تحقيق، وفقاً لقانون الخدمة المدنية لمحاسبتهما، وتأكيدها على مساندة الوالي في محاربته للفساد والمفسدين. وكذلك تجديد مؤسسة الرئاسة ثقتها في والي الخرطوم وحكومته، التي جاءت على لسان الأخ العميد عبدالرحمن الصادق الصديق المهدي، مساعد رئيس الجمهورية، لينهي بذلك الكثير من الشائعات، والأحاديث المغرضة، عن الإقالة أو الاستقالة.
أخلصُ إلى أن الأخ عبد الرحمن الخضر ليس نبياً معصوماً، ولذلك أن تقديراته بلا أدنى ريب، تحتمل الخطأ والصواب. فمن هنا من الضروري أن ننظر إلى كوب والي الخرطوم، نظرة متأملة إلى منجزاته وإخفاقاته، من حيث أنه من الضروري للإنصاف النظر إلى النصف الملأى من الكوب، كما ننظر إلى النصف الفارغ منه.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى:”فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ”.
وقول الشاعر العربي زهير بن أبي سلمي في معلقته الشهيرة:
وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ
وَمَن يزل حاملاً على الناسَ نَفسَهُ وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ