مفاهيمٌ جديدةٌ لوقفِ العدائيات في المُلتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين .. بقلم: إمام محمد إمام
14 سبتمبر, 2014
إمام محمد إمام, منبر الرأي
27 زيارة
كان يومُ الخميسِ الماضي، يوماً مشهوداً في الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين، الذي تضمن محاضرتين مهمتين عن السياسة الدفاعية في إعداد الدولة للدفاع، وإستراتيجية الإعلام والحرب النفسية، إضافةً إلى استعراض ملامح قانون القوات المسلحة وقانون حماية المعلومات. لم يكن كثيرٌ من الإعلاميين المشاركين في هذا الملتقى، يعلمون شيئاً عن مركز تدريب القيادات، وماهية الدورات الحتمية التي ينبغي للعسكريين الانخراط فيها، بُغية الترقي في المدارج العسكرية. ولما كان أمر هذه الدورات الحتمية يتطلب قدراً من التدريب والدراسات، اهتمت وزارة الدفاع بإنشاء مركز تدريب القيادات الذي من أهدافه، تأهيل قادة الدولة من الدستوريين والقيادات التنفيذية العليا والتشريعيين، وقادة منظمات المجتمع، لأداء وظائفهم وواجباتهم وأدوارهم القيادية لتحقيق الإستراتيجية الشاملة، والسير نحو غاياتها في انسجام وتوافق من خلال تعريفهم بالإستراتيجية وخططها المرحلية، والسياسات والموجهات، والاتفاقات والمشروعات الكبرى، وتوضيح مفاهيم وترسيخ ثقافة سياسة القرار، والتعريف بآلياته وفنون وخطوات دعمه وإصداره. كذلك من مقاصد مركز تدريب القيادات وأهدافه، إدارة الأزمات والكوارث، والتنسيق الإعلامي مع التعريف بأُسس وفنون التفاوض، وفض النزاعات وسياسة إعداد الدولة للدفاع.
وفي رأيي الخاص، أن الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين الذي انعقد في الأكاديمية العسكرية العليا بأم درمان، منذ يوم الثلاثاء الماضي، كشف البون في المفاهيم العسكرية بين الإعلاميين والعسكريين، وهيأ سوانح طيبات للإعلاميين؛ لكسب معارف جديدة في فهم الإستراتيجية العسكرية. ومن المعلوم أن الخطط الإستراتيجية بدأت كعلمٍ جُرِّبت تطبيقاته في المؤسسات العسكرية، قبل نظيراتها المدنية، وأن التخطيط الإستراتيجي في الفكر العسكري سبّاق على التخطيط الإستراتيجي في الفكر المدني. فلا غَرْوَ أن اهتمت المؤسسات العسكرية بالدراسات الإستراتيجية، من خلال عقد دورات مكثفة في هذا الخصوص، وتأهيل القيادات تأهيلاً إستراتيجياً في حالتي الحرب والسلم.
وأحسبُ أن هذا الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين، كان مدخلاً مُهماً من مداخل تكييف العلاقة بين الإعلاميين والعسكريين، وأمّن على ضرورة التشاور والتفاكر في كثيرٍ من القضايا العسكرية، حتى يتفهم الإعلاميون الدور المنوط بهم في ما يتعلق بتشكيل رأيٍّ عامٍ مؤيدٍ للقوات المسلحة، من خلال الإفادة من الوسائط الصحافية والإعلامية في الحشد الشعبي لصالحها، ومعرفة الإعلاميين للخطوط الحمراء المتعلقة بالأمن الوطني، وكيفية التعامل مع المعلومات والبيانات العسكرية. وأكد الملتقى أهمية تدفق المعلومات والبيانات من المؤسسة العسكرية إلى الوسائط الصحافية والإعلامية، عبر المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، وأن يكون مؤسسةً وليس فرداً، ولا غضاضة في أن يشارك بعض الإعلاميين في عملية تنظيم تدفق المعلومات والبيانات العسكرية، خاصةً من أولئك الذين تلقوا دورات في المؤسسة العسكرية، قرّبت بين الذهنية الإعلامية المدنية، والذهنية العسكرية في كيفية التعامل بالسرعة المطلوبة مع تدفق المعلومات والبيانات العسكرية. وقد طالبتُ في مداخلتي يوم الخميس الماضي، بحضور الأخ الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين، من خلال هذا الملتقى ضرورة التفكير في تأسيس مجلس استشاري أو هيئة استشارية من الإعلاميين والعسكريين، تتدارس كيفية تعاطي المؤسسة العسكرية مع الوسائط الصحافية والإعلامية، دون الكشف عن أسرارها العسكرية، ولكن بتسريب أخبارٍ ومعلوماتٍ فيها قدرٌ من رفع الروح المعنوية، وسط القوات التي تزود عن الوطن وتحمي ترابه من الاعتداءات الخارجية.
وأكبر الظن عندي، أن يوم الخميس الماضي، شكّل حضور الأخ الفريق أول ركن مهندس عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع والأخ الصديق الفريق عماد الدين عدوي نائب رئيس هيئة الأركان للعمليات، منعطفاً جديداً في هذا الملتقى، حيث شاركا في جانبٍ من ذاكم اليوم المشهود، وأدليا بمداخلتين مهمتين حول الملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين. واستوقفني في مداخلة الأخ الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين أنها تضمنت حديثاً صريحاً حول بعض الجوانب العسكرية، ولكن لما كانت المجالس بأماناتها، وأنا أتيتُ من بلادٍ عندما يُعلن المتحدثُ عن رغبته في ألا يُنشر جانبٌ من حديثه، فعلى الوسائط الصحافية والإعلامية الإذعان لهذه الرغبة، قانوناً وأخلاقاً، والتزاماً مهنياً، فلذلك استعرضُ بعض الجوانب التي استوقفتني في حديثه، وتداولتها بعض الوسائط الصحافية والإعلامية، لما فيها من فهمٍ جديدٍ لبعض المصطلحات التي ظللنا نرددها في الوسائط الصحافية والإعلامية، دون أن نسبر غورها، ونفهم كنهها، كمصطلح وقف العدائيات. إذ أشار الأخ الوزير إلى أن القوات المسلحة فقدت الكثير من الرجال والأرض بدعوى وقف العدائيات مع الحركات المتمردة المحتفظة بعتادها الحربي، مؤكداً أن القوات المسلحة أكثر اهتماماً ببسط السلام في ربوع الوطن، من خلال الاتفاقات السياسية، وأنّها مستعدة للموافقة على وقفٍ شاملٍ لإطلاق النار مع الحركات المسلحة، وإجراء الترتيبات الأمنية، وطالب بعدم السماح لهذه الحركات بالاحتفاظ بالبندقية، مستصحباً في ذلك التجارب المريرة التي مرت بها القوات المسلحة في جنوب كردفان وغيرها من مناطق العمليات.
أخلصُ إلى أن مثل هذه الدورات، تهيء للإعلاميين فرصاً طيبة في معرفة مفاهيم ومعاني المصطلحات العسكرية، وتُؤكد ما ذهب إليه اللغويون من أنّ الألفاظ أوعية المعاني، فإنه من الضروري أن يتفهم الإعلاميون معاني ومغازي ألفاظ المصطلحات العسكرية؛ لأنّ ذلك من المداخل المهمة، لفهم المفاهيم العسكرية، وأساليب العسكر المختلفة. وأظنُّ – وليس كلُّ الظنِّ إثماً – أن هذا الملتقى أفادني كثيراً على المستوى الشخصي في معرفة كثيرٍ من الفرضيات التي تنتشر في الوسائط الصحافية والإعلامية، دون براهين ثابتة، أو أسانيد مؤكدة، حول موازنة وزارة الدفاع، أو حتى على مستوى رواتب الضباط والجنود، وغير ذلك الكثير. كما أنه أحدث مقاربةً مهمةً بين الإعلاميين والعسكريين، مما يُشكل فهماً مشتركاً في مقتبلِ الأيام للوصولِ إلى مفاهماتٍ مشتركةٍ، تمكن الطرفين من معرفة بعضهما البعض. وسيشهد اليوم الأخير من هذا الملتقى غداً (الاثنين) تنويراً استخباراتياً وعملياتياً، وندوةً عن مستقبل الصراع الإستراتيجي لتشكيل فهمٍ متقاربٍ بين الإعلاميين والعسكريين في هذين المجالين الحيويين، وسيعتبر هذا اليوم، يوماً ختامياً للملتقى الإستراتيجي للإعلاميين والعسكريين.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ”.
وقول أميرِ الشُّعراءِ أحمد بك شوقي:
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
وَمَن يَسقى وَيَشرَبُ بِالمَنايا إِذا الأَحرارُ لَم يُسقوا وَيَسقوا
وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِقُّ
فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَياةٌ وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
//////