شهادات البطل في ضرب نميري لوزرائه بين الجُرح والتعديل .. بقلم: إمام محمد إمام
22 سبتمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
43 زيارة
حرصتُ منذ مقدمي من بريطانيا – دار هجرتي لسنين عددا – التي ذهبتُ إليها مُبتعثاً من جامعة الخرطوم، وأقمتُ فيها ما أقام عسيب، تنزيلاً لقول الله تعالى: “قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً”، بحثاً عن مزيد علمٍ، وكسباً لواسع رزقٍ، على النأي بنفسي ما استطعتُ إلى ذلك سبيلاً، عن مجادلة الرُّسلاء في أيّ قضيةٍ من القضايا؛ لأنّ المجادلة معهم، من خلال ما قرأتُ لعددٍ من مجادلاتهم، سواء كنتُ خارج السودان أم داخله، من مزالق المخاصمة والمكايدة، وفي أغلب الأحايين تُفضي إلى الفجور في الخصومة، المنهي عنها ديناً وتديناً. ولكن لكلِّ قاعدة استثناء، إذا توافرت الشرائط في المستثنى، ومن ذلك لي تجربة معاملة صحافية بحثية مع الأخ مصطفى عبد العزيز البطل، الكاتب النحرير، والصحافي الجهبوذ، عندما أرسل إليّ رسالةً بالبريد الإلكتروني، إبان عملي بصحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية، طالباً شهادتي فيما جرى من مقاديرٍ للأخ الصديق الدكتور نافع علي نافع مساعد
رئيس الجمهورية السابق، عند زيارته إلى لندن، حيث تم الاعتداء عليه من بعض بقايا اليسار السوداني في عاصمة الضباب، وأجَبتُه كتابةً بشهادتي، تصديقاً لقول الله تعالى: “.. وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ”، وتأكيداً لقول الشاعر العربي أبي مُليكة جرول بن أوس العبسي الملقب بالحُطيئة:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
كل هذا شجعني لمحاورة الأخ البطل، من باب التنصل من القاعدة التي ألزمتُ نفسي بها. والمحاورة لغةً: هي المخاطبةُ بين اثنين فأكثر، وتغلبُ عليها شُبهة الاحترام المُتبادل بين المُتحاورين. ومنها الحوار في الاصطلاح: هو تفاعل بين اثنين أو أكثر من البشر. ولما كان عنوان هذه العُجالة، فيه مصطلح الجُرح والتّعديل، أحسبُ أنه من الضروري – أيضاً – في هذه التقدمة الإمامية، على غرار مقدمة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضرمي الإشبيلي ((1332 – 1406، أن أبسطَ القول حول مصطلح الجُرح والتعديل. والجُرح والتعديل علم يُعنى بالرجال الناقلين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، والآثار والأخبار، والنظر في شرائط قبولهم، وأسباب ردهم، فما استوفى من الأسانيد شروط الصحة، حُكم بقَبُوْله، وما كان فيه سببٌ أو أكثر من أسباب الرد، رُدَّ.
وفي رأيي الخاص، أنّ الجميلَ في مراجعات الأخ الجحجوح، وحبيبنا السَحساح البطل، أراد أن يُؤكد أن الجديد فيما أدليتُ به حول ضرب الرئيس الراحل جعفر محمد نميري لأحد وزرائه في أول حكومة بعد انقلاب 25 مايو 1969، أنني حصرتُ الشّهادةَ في نطاق الوزير المضروب بعُضويته بأول وزارة نميرية في عام 1970، وأورد في إطار بحثه الدؤوب لسبر غور ذاك الوزير المضروب، الذي بحوزتي اسمه، وعمداً لم أُسمه، ليست بحُجية ما يردده بعضهم خطأً من حديثٍ ضعيفٍ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو: “اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ”، ولكن سترتُ اسمه، من باب فقه السُّترة، الذي ابنته في أكثر من خمسة مقالات في عمودي “آفاق إسلامية”، الذي كتبتُه طوال شهر رمضان الماضي، يمكن لحبيبنا البطل أن يرجع إليها، إذا سنحت له أوقات فراغه.
أخلصُ إلى أن شهادات الأخ البطل حول براءة بعض من برأهم، كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب، فيها دخلٌ، وأسانيده منقطعة، ففي الجُرح والتعديل، بعضهم غير مستوفين لشرائط القبول، لأن أسانيد البطل – يا هداك الله – غير متواترة الصِّحة، وفيها أكثر من سبب للرَّد، لأن بعضهم، بنت عدنان غير محرمة عليه ديناً أو تديناً، والبعضُ الآخر عُرف بمجالس مؤانسة شعارها “صلِّ العشاء وافعل ما تشاء”، وكان ذلك شائعاً مشهوراً، في كثير من مجالسات أنسِ أهل السودان، قُبيل المشروع الحضاري الذي دنسه جماعة مع بعد الفتح، ولم يحمه أهله!.
وأكبرُ الظنِّ عندي، أنّ الأخ الألمعي البطل، لما كان من المقيمين سنين عدداً في الغرب، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، يعلم علم اليقين أن بعض المصادر يُخفيها الصحافي أو الباحث عدة عقود، وأقرب مثال لذلك هو ما حدث عن كشف مصدر الصحافي الأميركي التحقيقي بوب وودوارد، الحائز على جائزة بوليتزر المرموقة مرتين لعمله المميز في الحقل الصحافي، ورئيس التحرير المشارك في صحيفة “واشنطن بوست”، وكارل بيرنشتاين، ونالا الشهرة في السبعينات من القرن العشرين بعد المساعدة في كشف وقائع “فضيحة ووترغيت”، التي سربت إليهما معلومات موثقة، وأسانيد مثبتة بأن الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون تجسس على الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 1970، مما اضطره إلى التنازل من الرئاسة في عام 1972. فلذلك مصدري الذي نعتُه بالأمانة والحصافة، لن أكشف عنه إلا بعد مرور سنين عددا، إذا أمد الله في أعمارنا.
وأحسبُ أنّه من قول الحق في حق الرسيل مصطفى عبد العزيز البطل، أن كتاباته فيها قدر عظيم من جُهدِ البحث، وطرائق المثاقفة، وجمائل العبارة، فلن أجري عليه ما جاء في نهج البلاغة في القول إنه من كُتّاب النُّخبة والصّفوة، ولا يعني ذلك أنّ قولي هذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأنّ في بعض كتاباته ما يدعوك إلى الاستزادة من المراجع، وهذا لعمري ضربٌ من ضروب المثاقفة المحمود، ومما لا ريب فيه، هذا ما تفتقده الصحافة السودانية بعد غياب عمالقة مدرستي “مجلة الفجر” و”مجلة النهضة” في أربعينات القرن الماضي، في بدايات الصحافة السودانية.
ولنستذكر في هذا الخُصوص، قولَ الله تعالى: “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”.
وقول الشاعر العربي زُهير بن أبي سُلمى:
وَأَعلَمُ عِلمَ اليَومِ وَالأَمسِ قَبلَهُ وَلَكِنَّني عَن عِلمِ ما في غَدٍ عَم
وَمَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرَةٍ يُضَرَّس بِأَنيابٍ وَيوطَأ بِمَنسِمِ
وَمَن يَكُ ذا فَضلٍ فَيَبخَل بِفَضلِهِ عَلى قَومِهِ يُستَغنَ عَنهُ وَيُذمَمِ
وَمَن يَجعَلِ المَعروفَ مِن دونِ عِرضِهِ يَفِرهُ وَمَن لا يَتَّقِ الشَتمَ يُشتَمِ
////////