أكتوبر21 (8) في الذكرى ال50 .. بقلم: د. احمد محمد البدوي

الفدرشن وقضية الأقاليم المهمشة
قبيل حكم عبود كانت قضية الفدرشن مطروحة كالحريق على الساحة، فلما قامت أكتوبر لم يراع في تكوين حكومتها الانتقالية تمثيل الأقاليم إطلاقا، وإن جاز لنا أن نرى في الشفيع  وشيخ الأمين ممثلين للكادحين والمناضلين ضد العسكر والظلم، ولكن تكوين الحكومة الذي راعى نقابات ومهنا معينة إنما يمثل في نهاية المطاف الأفندية الجلابة القادمين من مناطق معينة وقبائل معينة محصورة في الشمالية وكذلك المجلس العسكري لعبود ولنميري في مايو التي في حكاياتنا ليس فيهما ممثل واحد لكل من دارفور وكردفان والجزيرة والشرق وهو ما حاول الترابي تلافيه بحرفنة بوجود الطاهر وآخر من جبال النوبة مجرد ديكور سرعان ما ذاب كالشمع في النار وتوارى! وهو على كل حال أفضل من حكومة الانتفاضة التي جاءت ب7 وزراء من حلة وا حدة صار بعضهم أغنياء فخرجوا من السودان وأقاموا ربما في أوربا ولم يعودوا منذ أن تولى الصادق الحكم! 
ولكن عندما جاءت انتخابا ت1965 بعد أكتوبر، ظهر في الأفق تنظيم جبال النوبة وحصل على كل الدوائر : 11 دائرة وجاء أحمد دريج رائد الحكم الإقليمي مستقلا  وهو أيضا فاز مدعوما من أهله باعتباره ملكا ابن ملك ولكنه أيضا يمثل الحكم الإقليمي ويبشر به وجاء البجة الذين رفضوا دعوة الإنجليز لإعلان الشرق دولة كاملة الدسم قبل الاستقلال وكانت ستكون أنجح من مشيخات الخليج التي صارت أغنى دول العالم، وفي عهد الانتفاضة فاز فليب  غبوش بدائرة في العاصمة فكان الرد من الأفندية الجلابة هو نقل أبناء جبال النوبة من الخرطوم إلى خارجها وهذا ما حدث أيضا من قبل فعندما فاز أهل العاصمة الأصليون الأفارقة بدائرتين : نصف أمدرمان ونصف الخرطوم في انتخابات الجمعية التشريعية كان لا بد من رد  ماكر لتغيير التركيبة السكانية لضمان إسقاطهم في المستقبل!
وظهرت من بعد أكتوبر في العاصمة أندية القبائل والمناطق التي قدم أهلها إلى العاصمة من الشمالية وطبعا لم يكن لأبناء المناطق المهمشة في كردفان ودارفور وجبال النوبة والجنوب والانقسنا أية أندية لأنهم يمثلون الغالبية العظمى في الخرطوم منذ العهد التركي وكذلك في أمدرمان التي جاءها المحاربون من غرب السودان أساسا ولا داعي لأن نتحدث عن القبائل التي جاءت مع كتشنر في حملته وأقامت في العاصمة من بعد. 
المهم الآن انفصل الجنوب وأقوى من على الساحة هم ممثلو الحركات الإقليمية، وأضعف من على الساحة هم ممثلو الأحزاب بمن في ذلك حزبا الحكومة ترابيا وبشيريا وهم  كلهم وإن اجتمعوا أضعف.
وعلى صعيد المركز نجد أقوى حليف للحركات الإقليمية في جماهير العاصمة والمدن بالوعي والأحزاب الجديدة!
وحين تكون حكومة انتقالية يجب أن تتكون من 12 وزيرا بواقع وزيرين من كل إقليم من المديريات التسعة القديمة ورئيس وزراء مقبول: أحمد إبراهيم دريج أو أحمد عثمان سراج أو أحمد عباس أو كلهم
ويستعاض عن ما يسمى وزارات بمجالس من المتخصصين وكذلك حكومات الأقاليم : حاكم وكبار رجال الخدمة المدنية في ” المديرية” مع تمثيل العشائر والطرق الصوفية : أساس الدين في السودان السناري والدارفوري!وما يجمع من تبقى في السودان هو الإنسانية والإسلام الذي يوجب المساواة بين البشر وبين المسلمين ويوجب العدل! على أن تهتم الحكومة الانتقالية بوضع الدستور : الاتفاق على الحد الأدنى للتعايش!
أما مجلس السيادة الانتقالي فيجب أن يضم ممثلا للجيش ( مثلا : مزمل غندور) وأربعة من شيوخ القبائل والطرق الصوفية  أحدهم : الشيخ عبد الله أزرق طيبة ومقعدا تحتله سيدة!
إذا لم يحدث هذا فأبشروا بانفصال دارفور وجبال النوبة أو صيرورتهما كيانين منيعين منفصلين عن الدولة المركزية وكذلك النيل  الأزرق الجنوبي أما البجة فتلك هي الطامة الكبرى، إن قامت الحارة. وتبقى بعد ذلك القبيلتان البريئتان اللتان يحكم بعض أفرادهما باسميهما: الجعلية: حوش بانقا والشايقية: بعد ذهاب علي فقدوا جزئيا وتبقى القبيلتان في معظمهما، في موقف مضاد للحكم الذي عادى أبناء حسن بشير وصالح المك وأبو رنات والختمية لأن كل 3 من الختمية أحدهما شايقي فكيف يمثل الشايقية! وكذلك الجعلية : الجبلاب والمجاذيب الأنصار فضلا عن المنتمين للتيار المدني المستنير في القبيلتين وإلى الصوفية! الحكومة لا تمثل الجعلية إلا  ادعاء، مثلما لم يكن بنو العباس وأمية لا يمثلون القرشيين إلا ادعاء! أين أبناء الحسين وحفدة المصطفى وحمزة وجعفر وصفية وو
الجعلية في الحكومة لم يتعظوا بما فعل عمر محمد الطيب حين بالغ في تعيين أهله من جبل أم على في جهاز الأمن فخسروا بعد الانتفاضة ومحمد العبيد الأكاديمي الكفء الذي أسس جامعة الجزيرة على أحسن مستوى عالميا ولكنه تحرى وهو المولود في مدني أن يعين أهله : ناس الزيداب الذين يظهر أمرهم الكثيف حين تكون هناك وفاة في البلد فيختفون جماعة! ونسوا ما كانوا يقولون عن المهدية وناس الغرب والمظالم التي حلت بهم على يد الدفتردار!
طبعا لن نذكر هنا النوبيين والمناصير في الشمالية فما حدث لهما أكبر من يذكر! بحيث تبدو الشمالية حيطة مايلة وغير موحدة بفعل المرارات التي عاناها أولئك!
الآن لايصح إلا الصحيح : العدل أوالعدل!
لاعيب في القبلية بشرط ألا تنال أكثر من نصيبها وتتحول إلى تجريدة عنصرية معادية للآخرين ونافية لهم ومتغطرسة  وليمونة في بلد قرفانين
ورحم الله جعفر الصادق حين قال : ليست العصبية أن تحب أخاك ولكن العصبية أن ترى شرار قومك خيرا من خيار غيرهم!
abuamnabadawi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً