في رثاء محمّد الواثق .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي
نعي أمس محمد الواثق، أستاذي و أستاذ الأجيال بكلية الآداب، بجامعة الخرطوم. صقل معرفتي بعلم العروض و أنا طالب على مدرجات الجامعة، و حينما غدوت زميلا له بالكلية، ظللت محتفظا تجاهه بمقام التوقير و الاحترام و الأستاذية.على أن معرفتي بشعره سبقت صلتي بالجامعة بسنوات، كنت حينها في أولى مدارج المرحلة الثانوية، في فترة من فترات العمر و شرخ الصبا و الشباب ،ألتهم فيها الكتب التهاما، و أبات و أمسي و أصبح و أغدو مع عيون الشعر العربي في موارده الأصيلة و منابعه الصافية الرائقة، و أذكر إذ أذكر أن وقعت عيناي وأنا اتصفح مجلة (الخرطوم) التي كانت تصدر آنذاك ،على قصيدة على نهج البسيط تحت عنوان أم درمان تحتضر، ممهورة باسم شاعر لم اسمع به من قبل :محمد الواثق. هالني ما في القصيدة من إيقاع قوي صاخب و من تمرّد تتجاوب معه نزعات الصبا المتبرّمة المتطلعة إلى آفاق أرحب ، كما هالني ما في القصيدة من جزالة في اللفظ، و قوة في العبارة تردّ المرء إلى مناهل العربية الأصيلة، مع اغتراف رائع مدهش من مكونات البيئة السودانية من شخوص و مسميات و مشاهد و ألوان. و تصرّمت الأيام و انتقلت إلى الفاشر الثانوية ، ثم إلى جامعة الخرطوم، و بينا أنا أتجول في ساحاتها و ردهاتها ، في أوائل عهدي بها،وجدتني واقفا ذات يوم أمام مكتب ،تحمل لوحة مثبتة عليه، اسم محمد الواثق، فتقافزت في نفسي و في خاطري شتى المشاعر و الأسئلة : أهو الرجل نفسه صاحب القصيدة؟ و تنعقد الصلة بين الطالب الشاب و الشاعر الثائر على خلفية أحداث ثورة شعبان و اعتقال الشاعر الذي نشر قصيدة رائعة المعاني، بديعة الاستهلال ،في رثاء المناضل الجنوبي الشيوعي جوزيف قرنق، كانت حينها حديث الركبان:
لا توجد تعليقات
