الضفة الثالثة للنهر .. بقلم: عبد الله الشقليني
29 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
27 زيارة
ليس نهر الوجد وحده بضفاف لا أحد يعرف سواحلها ، ولا الشوق الذي يعبر الطرقات المُشتجرة عند ملتقى الجسور وأشباه المدائن المغسولة بالغبار ، يمكنه أن يتحدث في التفاصيل التي ائتلفت ، وأمسكت بجزع الشجرة الذهنية . هذا هو اليوم الأول لتدريب الفرس الصغير على العدو .
وصف لها البيت على طرف الحي ، ووصف لها سيدته . وأوصاها أن تقول لها ” أنا في انتظار أحدهم “. وذهبتْ . لحق بها بعد نصف الساعة . ألقى التحية على سيدة الدار ، فقالت له:
– هي تنتظرك في الغرفة .
دخل غرفة النوم ، التي تغوص في الدعة والرخاوة . وجد ” صبيحة” التي تبادله الهوى جالسة في طرف السرير، مُطرقة على استحياء تنتظر . مترددة ومأخوذة بتجربة جديدة عليها . أول ما سألته حين قدم كان عن : سيدة الدار ، من هي ، وكيف تعرف عليها؟. لأنه عند قدومها تفحصتها بعين رقيب أخافتها . قال لها إنه عرف سيدة الدار عبر وسيط . ليست صاحبة أمكنة مفتوحة ، ولكنها تجارة من يحتاج ، ولا يريد أن يكون داره بضاعة عامة ، بل للخاصة الذين يتّبعون الحيطة والحذر ، خلوّة للهوى وسكراته . ذكر لها أنه عندما جاء أول مرة بوسيط . تفحصته سيدة الدار بنظرٍ ثاقب ، نفذ من خلال الملابس إلى الجسد والروح . أطرق هو ثم أبدى بُرهة للبراءة أن تفوح من ملامحه كي يطمئنها ، لأن الروح القاهرة لا تنفع في الأماكن السريّة .
سألته سيدة الدار أول مرة رأته :
– أين تسكُن ؟
قال لها سيرة مختصرة . وأفصحت سيدة الدار عن الخصوصية وموجباتها ، وأن للبيوت أسرارٌ لا يحق أن يعرفها إلا المؤتمنون .أمّن هو على ذلك ووعد بإتباع النُظم ، والاحتفاظ بالأسرار.
(2)
تحركت أرنبة أنفه . تسللت إليها الرائحة المخضبة في مصنع الروائح الشعبية .جلس قرب ” صبيحة “. ارتبكت كثيراً كأنها تراه أول مرة . قالت إنها لم تتعوّد مثل هذه المواقف . وإنها تودعه قلبها و اسرارها ، كما تودعه مفاتنها وشوقها الذي طفح ، ثم أدمعت عيناها، فأطرق ساهماً ،ومسح الأدمع قبل أن تنزلق عن الخدّين.
امسك يديها ، ليتبين الأصابع ، وتقاسيمها ، ولدانتها . قرأ السيرة المختبئة في تلال يدها اليمنى حين بسطت يدها . تل المُشتري ، وخطوط الرزق ، والعمر والمحبة . وجد خطاً مُنقطعاً ، فقلق على مُستقبلها، ولكنه صمت .أخفى ما رأى.
قبّلها على الخد ، فأصيبت برجفة و نزع الثوب عنها ببطء ، وهي تكاد تقبض عليه ، فما تعودت على هذا الخروج عن المألوف . عاتبته بنظراتها . فقد أرادتها فسحة للخلوة ، ليقولا ما يريدا ، وتفسح هي لخواطرها أن تتجسد ، وأن تحسّ من جديد ألق أنوثتها ،تُعطره الذكورة من جديد . فقد كادت العادة الآسنة أن تأتي على العواطف الخضراء . استلقيا بملابسهما الداخلية ، على السرير الفسيح . تنفسا بعمق ، وانكفأ يقبل الجسد من أعلاه إلى أدناه . وانفتح طائرٌ مغردٌ في الساعة المعلقة على الحائط ، معلناً الوقت الذي يزمع أن ينقضي .
(3)
صورتها لا تشيء أنها من بيتٍ أقل من الحال المتوسط ، وأن الراحل والدها كانت له غرفة منعزلة عن مكان الأسرّة لمجموعة معارفه الخاصين الذين يلعبون الورق، طول النهار وإلى الغروب . قِمار يتستر بتجمع ست إلى تسعة أشخاص ، و لأن والدها صاحب المكان ، ويوفر الماء المثلّج للاعبين فله من المكسب ( نصف الستّة ) ، وهي من مصطلحات القِمار . وتلك من زلّات الحاجة ، والبقاء بلا عمل.
أول كافيه انتقلا إليه بعد تعارفهما ، كان في مكان منزوٍ . وكانت ” صبيحة ” ترغب أن تكون بعيدة عن العيون . جلسا في زاوية خفيّة في المكان . انعكس ضوء على عينيها العسليتين ، فأضاءتا . يتحدثان ، كأنهما يقاطعان حديثهما ، ووجد نفسه مُتأملاً، كأن في صمتهما الكلام المعسول .
قال لها أول مرة رآها ، إنها قطعة أثرية من امرأة جميلة التكوين ، خلاسية ، بُهارها حادق ، وصورتها نقية ، وتقاسيم الجسد ، أنغام هادئة ، وصورة وجهها وتقاطيع الأنف ارستقراطية الجمال.
حكت له ضمن مجموعة أقاصيص أول اللقاء ،سيرة ابنها الأكبر ، وهو قمحي فاقع اللون ،وأنها عندما ذهبت تزوره في المدرسة الابتدائية في موطن والده ، وقابلت المدرِّسة المُشرفة ، وقالت عندما رأتها ، أنه لا يشبه أبيه ، فهو قطعة من أمه مسورٌ بالذكورة الناشئة . سردت له تفاصيل الحياة في موطنها الجديد . حي ريفي ، أشجار النخيل داخل البيوت ، والطرقات معشوشبة ، أشجار البلوط تلق بظلالها على الطرقات أمناً وسلامة.
حكت له” صبيحة “عن رحلتها الأولى للشمالية أول مرة في حياتها تُغادر العاصمة
إلى موطن زوجها ، فهو مدرِّس في المدرسة الثانوية في منطقتهم . فهو كما وصفت :رجل عادي ، طيب ، ومحدود الدخل مثل كل الذين استقطبت مؤسسات التعليم الحكومية ، في بلدٍ انقلبت فيه كل الموازين .
تذكر أنه تعرّف على زوجها ” محمود “في ليلة أنس مع مجموعة أصدقاء ، فهو كما وصفته “صبيحة” : ودود ، وعلى درجة مقبولة من الحصيلة الثقافية بحُكم المهنة ، ولكن أحسّ بطعم الحزن الدفين وحديثه عن أن المهنة التعليمية صارت تتسول من يتعطف عليها .
حين قابل بين معرفته لمحمود وبين وصف زوجته” صبيحة ” ، تأكد أنه هو . وقال لنفسه: كيف تتحرك النفوس ، وكيف تتدفق العواطف ، كالنُهير تنحدر إلى الوادي . فتأكد أن للمحبة سلطان أكبر من سلطة المال ، وجبروت أضخم من القيود الاجتماعية . وللقلوب دروب تقف عندها وتتلصص ، ثم تتكاسل وتنام في طريق الحياة الطويل . ثم تنتعش عندما تلمح النفوس المُتحابة وقد تآلفت من جديد ، وأحيت مزرعة العواطف ، من خارج صندوق العادات ونظم الحياة . ويأت الهوى من حيث لم يرِد الجميع . ينتقي من يشاء وهو لا يخضع للمصائر المعروفة .أحسّ بمكانته خائناً لأحد ممتهني التعليم وأصابه في أدفأ مكان الخصوصية . داس على ضميره وسكت عن وخز الإبر.
(4)
ليس للنهر من ضفة ثالثة أُخرى ، إلا مع هذه العواطف التي تأتي متسللة كالعواصف بغتة ،عبر مسيرٍ شاق . لن تُرضي أحد . تهب عليك ريح بئيسة ، تُلاحقك أينما تذهب . هفوة واحدة وينكشف السِتر. أحسّ بقدرةٍ بهلوانية في العبث بالمُثل والقيم النبيلة .
حان موعد سفره المفاجئ ، فالجميع يخرجون زرافات إلى خارج الوطن ، رضيت الدولة بخروجهم أم لم ترض . لم يجد الوقت المناسب للتوديع . دخل بيت الأسرة الكبير . سأل عن والدتها ، والتقاها ، وسأل عن ” صبيحة ” ، فقالوا له جاءت أمس من السفر . انتظر في غرفة الضيوف قليلاً ،ثم حضرت ، بشوقها الذي يلفّه الصمت والحواجب الاجتماعية . قال أنه سوف يسافر خارج الوطن للعمل فقد اكتملت الإجراءات . التمعت عيناها ، كأن الدمع غشاوة ندية . أطرقت تنظر إلى الأرض ، وسألت وألحّت السؤال عن التفاصيل ، فعرفت أنه ليس بالأمر الطارئ ، ربما لن تراه إلا بعد سنوات . سيركب سفينة لا يعرف لبحرها ساحل . سألها :
– ما في وصية ؟
انهمرت الدموع من عينيها وقالت :
– ربنا يكتب سلامتَكْ .
اعتصر فؤاده ألمٌ ممض ،فتذكر نصاً يحكي عن الراوي أمام ” حٌسنة بنت محمود ” في رواية ( موسم الهجرة إلى الشمال ) :
{ حين سلّمت عليها أحسست بيدها ناعمة دافئة في يدي . امرأة نبيلة الوقفة ، أجنبيةالحُسن ، أم أنني أتخيل شيئاً آخر ليس موجوداً حقيقة ؟ .قامة ممشوقة تقرب من الطول، ليست بدينة ولكنها ريانة ممتلئة كعود قصب السكر ، شفتاها لعساوان طبيعة ،وأسنانها قوية بيضاء منتظمة . وجهها وسيم ، والعينان السوداوان الواسعتان . أنا مثل … وملايين آخرين ، لست معصوماً من جرثومة العدوى التي يتنـزى بها جسم الكون .” امرأة أحس حين ألقاها بالحرج والخطر ، فأهرب منها أسرع ما أستطيع . … خفق قلبي بين جنبي خفقاناً كاد يفلت زمامه من يدي .}
عبد الله الشقليني
29 أكتوبر 2014
عبد الله الشقليني
abdallashiglini@hotmail.com