الشاعر عبد القادر الكتـيَّابي .. بقلم: عبد الشقليني

(1)
لا أعرف كيف نبدأ الحكاية ،فللسيرة  ألف وسيلة لنُقدمها  ، ولمحبتنا للشاعر السامق وشعره ، سرادق نسير على قيشان أرضه  وليس من نهاية مأمولة . فقامة الشعر أقوى ، وسيوله فتاكة ، كاسرة ، مَهيبة . فهو الأقدر على العبور والقفز في الزمان ، بل وعبر العصور . وكلنا يعرف الشاعر”أبو القاسم الشابّي ” صنو شاعرنا” التيجاني  يوسف  بشير”، وقصيدته التي هي  من “بحر المُتقارب”، وقد نظمها عام 1933 ،وسارت بها الجماهير أيقونة  في ديسمبر عام 2010 ، ليدُك الحراك الشبابي أعتاب السلطة السياسية في تونس ،من بعد ما يقارب ثمانين عاماً من تاريخ نظم القصيدة :
ورددت الطرقات :
إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ … فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي… وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر 
…..
ونسي العامة الغوص في أعماق القصيدة ، وفيها :
وَمَنْ لَمْ يُعَانِقْهُ شَوْقُ الْحَيَـاةِ  … تَبَخَّـرَ في جَوِّهَـا وَانْدَثَـر
فَوَيْلٌ لِمَنْ لَمْ تَشُقْـهُ الْحَيَاةُ … مِنْ صَفْعَـةِ العَـدَم المُنْتَصِر
كَذلِكَ قَالَـتْ لِـيَ الكَائِنَاتُ … وَحَدّثَنـي رُوحُـهَا المُسْتَتِر
(2)
عندما لا يسع الشاعر المكان ،فسقف الشعر ليس له حدود ، مبناه ومعناه عصيّان علينا و تقف الأسرار ضربٌ في التأويل  .  ونسأل أنفسنا دائماً :  لِمَ كان الشِعر شعراً و الشاعر شاعراً؟!
فالشاعر الحق دوماً يغرِّد خارج السرب، يبتني أعشاشه في عتمة الليل وتحت غضب الأعاصير  وفي دنيا   آيلة للسقوط ثم التشكُل من جديد .موسيقاه تعرف طريقها إلى الوجدان ، وسِحره أكبر من سعة المتلقّين وخيالهم التوّاق إلى المعرفة  . وبصدق القراءة أو الصمت عند الخطابة،  يحس المتلقّون بالحركة في أحشاء وجدانهم ، ولا يعرفون  كيف يُمسكُ الشاعر بالفكرة  ولا بالعبارة أو الكلمات أو النغم ، أو الشموس الصاعدة أو الأنجُم الآفلة .
(3)
لا نعرف ميلاداً حقيقياً لهذا الينبوع الصافي ،حين تحرك ماؤه في ستينات القرن الماضي  ، فطفولة الشاعر خميرة ترتج و تنتظر . فرحلة الشاعر “عبد القادر الكتيابي” قد عبرت الأجيال وتخطت بأقدام المَردة تطوي الأرض وكل المسافات الممكنة : من التعاسة إلى الحبور ، من الاكتشاف إلى الدهشة .فآلية التجريب والقبض على الخواطر ، وإجلاس الحُلم في هيكل الحياة ليكون المبنى محسوساً ،و قابلا للحراك ، قضية  مِسكُها  تتخطفه الأنوف ، يتلألأ في النور ، حتى تحترق الفراشات إليه قادمة . واتخذ شاعرنا مكانه الذي يليق  بين شُعراء العربية .
(4)
جاء زمانٌ أكبر مما ارتأينا في الأفق . انكمش الفكر التنويري لدى من هم حولنا و ازدهر الفكر المُرتدّ إلى الوراء  ، يتتبع خُطى الكتب الصفراء القديمة  واجتهاد الأولين ، وسقوف رؤاهم ، وجاء النَقَلة من الشباب  الذين منحوا الفكر إجازة مفتوحة، ومنحوا عقولهم الناقدة نوماً أسطورياً عميقاً . قادتهم   مؤسسة الفتوى  ، تلك المتخفية  في تلابيب الشيخوخة ، تقبض على أرواح العامّة من الجهلة و أنصاف المتعلمين . ترتدي  جُبة  القداسة   بينهم ، تسحرهم  ،كأنها تتحدث  بلغة الإله . ها هي البشرية التوّاقة   للتقدم   تقف حيرى أمام  سطوة التاريخ، الذي قَدِم إلى حاضرنا رغم الجسور التي تفصلنا عن الماضي  . نرى عالمه  اليوم يتجدد و قد حقنته الحياة بفيروس قابل لإعادة  حياته الجديدة  أكثر  قسوة مما كان . وبأرواح  تتوق إلى إراقة الدم الآدمي  الأحمر بمبررات عبثية .
(5)
لم يزل يُلجم خطو التقدم  سطوة الماضي ، وقد اكتسب قُدسية لا يستحقها  ، و لوّث العقيدة وخضّب وجهها النضير بالدماء . ليسأل المرء فينا نفسه في حضور تلك  العتمة و هذا الإظلام  :
في أي الآفاق يخرج المبدعون  كنوزهم؟ . هل  من أرواح  هائمة  ، تطلب عصافيرها التي فرّت من الأسى بلا هُدى؟!
سيتأكد الشاعر الكبير” عبد القادر الكتيابي” أن الشعر هو الذي قربه للذين يحبونه . ونعلم أن الشِعر الذي يتغني به المُطربون ، يبقى في أرواح العامة والخاصة  أكثر مما تبقى دفاتر الشِعر المقروءة  ، وأن يد الشاعر  السمراء التي كتبت الشعر، وحملت الجِّمار إلى نور المشكاة . وقد ( آنس فيها قداسة ولمس إشراقاً وفنا)،ظلت   متّقدة فيه  تلك الشُعلة النارية ،ففي صباه الباكر ، تقرّب الشعر  عنده  من لغة  الصفوة و العامة وأمسك بتلابيب الوجدان ،ثم عرج إلى  سماواته ، سماءً  تعلوها سماء ، فكانت قصائده  مسامرة  للزمان ،فاتحة أذرعتها أمام كل الفتوحات المعرفية في نَظم الشعر فمشى  الدرب الطويل .
(6)
اغتسلت الأحرف عندما حل الشاعر ” عبد القادر الكتيابي “ضيفاً عليها ، من جديد ، والعَودُ أحمد .أغرق مهاجرنا بنعيمه . لم أعرف حجم البُرهة الزمنية حتى جاءنا صوتك المحفور بالحروف من وراء بحر ضبابي ، متخفياً بعربة قادمة من القرون الجميلة التي تتوسل المحبة دون غيرها  ،و التي تتزين بحناءٍ وجدلّة و ربطة حرير ، تجرّها خيول ملوكية من وراء أعرافها الخير . 
حريٌ بنا أن نشرب ونستدفئ تحت جمر الحروف الراقصة بالفرح ، في مناخ الصحو حيث مكانه ، عندما يستريح الكون من وجع ثقوب الأوزون .
(7)
نعلمُ أن قد  أصابتنا كما أصاب موطننا في مواضع  وجروح قاتلة ، وثقوبٍ  لن تبرأ بالحيلة أو بالتطبيب ، بل ننتظر المحبة أن تُغسل الجروح ، كي نستعيد نبض القلوب  من جديد ونرقب الأمل وفُسحته   وتدور أنابيب الدم الأحمر دورة الحياة الفعّالة .
ها أنت ترقب البيت وقلبه  الذي يفتح على الشارع ،تتأمل  كيف ينهض المارد من قاع المدينة  في ذاكرة البعيدين عن أوطانهم في الزمان صعب، ليجد  حرفك بيننا ، نعيم وأي نعيم ! . 
نعرف أن محبتك وبُساط أرض مصلاتُك ، تدفع سُموم الهجير .ورياحه اللولبية عند الجفاف ، ونشتمّ  طعم أنك بين المضارب .دفقة الشعر كنزيف الدم بلا ميعاد.
(8)
كتبتُ ذات مرّة انطباعاً عن قصيدةٍ للشاعر (محمد المكي  إبراهيم ) في مدح الرسول الكريم ، بعنوان (مدينتُكَ الهُدى والنور ) مستطيباً لرؤاها الشِّعرية في لغة المديح النبوي،فتخيَّرتُها من أرتال الشعِر والشعراء في الأزمان . فكتب إليَّ الشاعر محمد المكي يتساءل :
أتكتُب عنا وبين يديكَ القامةُ الشمّاء عبد القادر الكتيّابي! ،لِمَ لا تكتُب عنه ؟
قلت : إني أتوجسُ أن أبوحَ بطرير طربي ، فلستُ أنا بشاعرٍ ، ولكني أطربُ للجزالةِ والفصاحةِ والبنيان الوجداني الذي ثبته الشِعر في النفوس ، فالشِعر ليس بديوان العرب أو العربية فحسب .
بيننا اليوم شاعرٌ وقف كالطّود الشامِخ بشِعره . خاله في حزمة الأنسابِ والشِعر ( التجاني يوسُف بشير) . ويقول أهلنا ” الولد خال ” حين يقتفى الواحد منا أثر خالَه في السريرةِ والإبداعِ والخُلق . لقد انقضى نحب الأول في عزِّ شبابه وقد أمطرنا بوابل من سُحبه شِعراً ، وظهر ما تبقى منه، وضاع في مصرَ ما ضاع  . شكّل وجداننا ، ونما الشاعر “الكتيابي” مُضيئ الدواخل ، بأظافره الناعمة أسس بنيان لغته الشِعرية ، واضحة المبنى والمعنى و القِوام . 
(9)
نستلّ سيفاً شِعرياً من كنانة الشاعر” الكتيابي ” :
في رثاء المرحوم الدكتور محمد عبد الحي :
فـي الموتـتين زراف النار قال لـنا …  لا فـرق عـندي بـيـن الحـرق والغرق
قـلنا اقـشعر إهاب الطبل هـم بما … همت بـه ساريات البرق في الحـــدق
إن الإشــارة والـبشـرى وراءهما … أفـعى مـلـووة فـي قـامـة الـشفـق
مـا بـالـنا كلمـا غـنى سـمندلنا … أو مد جذوته نخـشى مـن الصعق
ءآأن تـمـسك بـالألـواح طـافـيـة… قلـنا تـدروش بـيـن الشطح والحمق
لمـا رأى شـيـخه الـنفـري مـصطلما … وحت حديـقـتـه تـنهـيـدة الرمق
حـتى كـأن رئـة أفضت إلـى رئـة … سـر القـرابـة بـيـن الروح والعبق
ذا هو الفراش وهـا هـي النار قم أرني… طقس الفـناء ورقــص اللسع والرهق
كـذبـت بـعدك والـحـجاج رش دمي … لـلعـابرين على الأحزاب و الطرق
مـرت سـنابكهم فـي قـبـتي فـإذا … حبات مـسبحتي قلت عـن الـفرق
فيم السباق و شرط السبق في زمني … أن لا ركـوبـة إلا نـاقـة الـمـلـق
يـا حي دونـك عـبـد الحـي شـارته … سـنار و الـسـقف الـنورية النسق
صوت تـجـوهـر أو سحر تـناثر مـن … نافــورة الـلغة القـدسية الألق
خـلف الـتـيجاني والمجذوب يـطـحنه … قـطـبـا رحـاه على طاحونة القلق
يـا لـلـسـمندل غنـى بـالـمـريج لنا … ثـم اسـتقـام على تـعويذة الفلق
يـسعى كـسعي عـروق النيل يـجمعنا … في كف خـارطة مـمـزوجة المزق
يا آية الحي في الإرهاف قـد يـنعت … ذكراك عـاطـرة في الـناس والورق
هـل أنـت غـير إشـارات تـضئ لـنا … درب الطريقة كي نسقى من الغدق
(10)
نشأ الشاعر” الكتيّابي ” في طفولته تحت ظلال خلوة جده و دوحتها القرآنية . منها عرِفَ الفصاحةَ أصلها والجزالةَ نسبها فنهلَ . وتنقّل من المعهد العلمي في السودان إلى مصرَ حيث التحق لدراسة اللغة في بُستانها الأزهري ، فغلبته الحياة  وغالبها حتى أتته طائعةً لتُرضي طموحَه  في الشِعر، فأسمعها وأسمعنا صليلَه الدّاوي وعبارته الرشيقة البليغة الجزلة ، فنشر دواوينه وذاع صيته .نال في تاريخه المركز الأول في مسابقة للقصة القصيرة على مستوى السودان  1976 . بدأ نشر دواوينه منذ 1982  (رقصة الهياج) ،  (هي عصاي)ثم (قامة الشفق) وشارك في عدد من المؤتمرات والمهرجانات الأدبية والورش العلمية للمجامع اللغوية والجمعيات والروابط العربية في مجالات الآداب والفنون و لم تُتَح له فرصة تمثيل السودان رسميا بسبب مواقفه من النظام الشمولي الثاني  والثالث في السودان. أعد للنشر كتابه (صريف الأقلام) وهو مجموعة مقالات ومباحث وخواطر متنوعة ـ وله تحت الطبع ديوان العامية (أغنيات على سفر) وهي مجموعة من قصائده التي تغنى بها بعض أصدقائه وزملائه من الفنانين والمطربين أمثال مصطفى سيد أحمد ، يوسف الموصلي ،هاشم  ميرغني ، عبد العزيز المبارك ، سيف الجامعة ، منال بدر الدين وفرقة سكة سفر وغيرهم ـ كما عرض من أعماله المسرحية النص التوثيقي التاريخي تكوينات مسرحية على صراط الجمال).
(11)
عمِل منذ زمان في صِحافة وإذاعة مصر والسودان ، ثم بعد هجرته الثانية عمل في صحافة الإمارات وتلفزيون وإذاعة أبوظبي خلال عشرين عاماً .ومدّ الجسور لاتحادات الكُتاب والمنتديات والدور الثقافية ، وأقام ديوانَه الأدبي الخاص ،ومدّ حبال الوصل وصقل خبرته بالفضاء المفتوح على الآخر ، ولكن للشِعر محبةٌ عظيمةٌ ،فهو يتخيّر لمائه  الكريم  من شجرِ النسب ، والأقدر على تطويع خَيزُران اللغةِ فتتمايل طرباً .يتجولُ هو في المضارب ويتمتُعُ بنسيم الفضاء المفتوح عند المرابع ، ويستعذب الحرف المنطوق وموسيقى الكلمات ، فدنت له اللغة وتدلّت مِطوّاعة .استدعته المهاجر الأولى مرة أخرى ، لعلها ثمرة قذف بها الرب ، فنمُدّ أيدينا ثم نلتقي . سنعود بإطلالة على تجاربه الشعرية لنغترف منها في مُقبل الأيام . لديه كتاب شِعري لمجموعته الكاملة   قيد التوقيع سيقدمه لنا في الأول من ديسمبر 2014 في منتدى السودان الفكري بنادي السودانيين في أبوظبي  . 
أهلاً به  دائماً أنا وجدت مراكبه  مكاناً ترسو إليه ، فطوت أشرعتها قرب المهاجر القديمة  ، وسط  الكائنات الإنسانية  الأليفة  وزمرة أصدقاء  في المهاجر .يعرف المرء كيف يستأنس صحبتها ، ويجد نوافذ للحوار الذي يتعين على المبدعين أن يتلمسوا  عنده نبض الذين  يقرءون لهم  ويستزيدون من الخبز الإلهي الطازج  .
هذا دعاء جديد لكروان الشعر عندنا ، يشجي و ينشر الدُرر. وسنعود بمصابيحنا لنُضيء بعض أشعاره عندما يتيسر لنا ذلك .
عبد الله الشقليني
25 نوفمبر 2014 

abdallashiglini@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً