إلی متی توترات العلاقات بين الخرطوم وجوبا؟! .. بقلم: إمام محمد إمام

في تطور مفاجئ أعادت الخرطوم وجوبا أجواء التوترات إلی علاقاتهما خلال الأيام القليلة الماضية. ويجمع كثير من مراقبي الشأن السياسي السوداني داخل السودان وخارجه أن السمة الغالبة في علاقات البلدين فيها قدر من الظنون, والغريب ومما لا ريب فيه أن هذه التوترات وفقدان الثقة بين قيادات البلدين السمة الأبرز في خارطة علاقات الخرطوم وجوبا قبل انفصال الجنوب عن الشمال في التاسع من يوليو 2011 , بعد خمس سنوات عجاف في علاقات الطرفين التي كان يمثل الشمال حزب المؤتمر الوطني ويمثل الجنوب الحركة الشعبية لتحرير السودان. فكانت منطلقات قيادات الحركة الشعبية, أن تقرير المصير الذي سيقود حتماً إلی الانفصال محفوف بالمخاطر من قيادات المؤتمر الوطني الذين كانوا يراهنون علی جعل الوحدة خيار جاذب للجنوبيين وعملوا علی ذلك بشتى الصور, ومن أبرزها محاولة ضخ الملايين من عائدات النفط إلى الجنوب, بينما كانت تعمل قيادات الحركة الشعبية نهاراً جهاراً من أجل الانفصال وتحقق لهم ذلك بنسبة كبيرة أنه منها الجنوبيون قبل الشماليين, ولكن لظروف معينة تهدأ هذه التوترات لفترة محددة وتستهدف في أبشع صور.
وأحسب أن إعادة توترات العلاقات بين الخرطوم وجوبا إلی سيرتها الأولى من اتهامات وتصعيد إعلامي كان من تداعيات دبلوماسية المواجهة التي اتخذتها الخرطوم بعد طول صبر مع جوبا, إذ فاجأ الفريق أول محمد عطا المولى مدير عام الأمن والمخابرات الوطني لتحذير صريح لا لبس فيه ولا غموض, جنوب السودان من أي توغل من جانب قوات المتمردين إلی الجنوب سيتم التعامل معه علی إنهاء من جانب جوبا من خلال تصريحات صحافية يوم الخميس الماضي. ولم يكتف الفريق أول محمد عطا بهذا التحذير القوي, بل دعا جوبا إلی نزع سلاح المتمردين هناك.
وفي رأيي الخاص أن التصعيد الإعلامي بين الخرطوم وجوبا مؤخراً سيساهم علی تأجيج الصراعات والخلافات بينهما. وسينهي فترة تقارب بين البلدين كادت تطوي كثير من خلافاتهم, لاسيما أن كليهما في مسيس الحاجة إلی كبح جماح قوات المتمردين الذين تواجهها كل من الخرطوم وجوبا. ولم تعمل جوبا علی تهدئة الوضع من جراء تحذيرات الخرطوم, بل وصف جيش جنوب السودان تحذيرات الحكومة السودانية من إمكانية دخول أراضي جنوب السودان لمباراة المتمردين بأنه إعلان حرب. وسارع المتحدث باسم الجيش الجنوبي أن بلاده تتعامل مع تصريحات المسؤولين السودانيين بجدية, نافياً وجود حركات التمرد السودانية في بلاده. وقال العقيد فيليب أقوي أن الحكومة السودانية ظلت تسعى منذ وقت طويل إلی إعلان حرب ضباطه, مضيفاً “الآن أعلنت الخرطوم الحرب ضد جنوب السودان ونحن نتعامل مع تصريحات المسؤولين الحكوميين بجدية ومستعدون لحرب ضدنا”. من هنا ينبغي أن يسعى مسؤولو البلدين إلی تهدئة الأوضاع من خلال قنوات دبلوماسية هادئة تحاول جاهدة إلی الوصول إلی غاياتها دون خسائر وتوتر في علاقات البلدين.
أخلص إلی أن كل من السودان وجنوب السودان في حاجة ماسة إلی معالجات هادئة لقضايا ساخنة بدلاً من تبادل الاتهامات والعودة إلی التصعيد في المجالات كافة. فالجنوب أيضاً يتهمنا بدعم متمردين حتى وإن كانت تلكم الاتهامات لا تستند إلی واقع. فأحسب أنه من الضروري أن يعمل البلدان علی إحتواء خلافاتهم ومعالجتها بعيداً عن التوترات والتصعيد, وإن جنح الجنوب إلی السلم فينبغي أن يجنح إليها السودان أيضاً. 
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: ” (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

وقول الشاعر العربي زهير بن أبي سلمی:
وما الحربُ إلا ما علمتُم وذقتُمُ *وما هو عنها بالحديثِ المرجَّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميــمةً *وتضرَ إذا ضرّيتموها فتضْرَمِ
i.imam@outlook.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً