أسواق عكاظ الالكترونية وتحديات الديمقراطية .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
6 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
36 زيارة
غربا باتجاه الشرق
mustafabatal@msn.com
(1)
سين سؤال: هل هناك اوجه شبه وقواسم مشتركة بين الشبكة الدولية (الانترنت) وعقار الفياغرا؟ جيم جواب: نعم، كلاهما أتي الي الوجود بمحض الصدفة وبدون تخطيط مسبق. وكلاهما احدث تغييرا ثورياً وفورياً في حياة المجتمعات البشرية علي مستوي المعمورة.
كان د. ايان اوسترلو، الذي يعمل في مستشفي مدينة ساندويش ببريطانيا، يشرف علي تجارب بحثية غايتها التوصل الي عقار جديد لعلاج مرض القلب، وكانت التجارب تجري بمعونة عدد من المرضي المتطوعين. وفي غضون تلك الابحاث والتجارب أسرّ المرضي المتطوعون الي الدكتور اوسترلو وفريقه البحثي بأن العقار الذي تجري تجربته عليهم يؤدي الي ارتفاع قدراتهم الجنسية بشكل غير طبيعي، وأن حيواتهم الخاصة قد تبدلت نتيجة لذلك رأسا علي عقب اذ وجدوا انفسهم و قد اضحوا كالأرانب يمارسون الجنس ليل نهار. وكان من بين هؤلاء المتطوعون من جاوز السبعين من العمر.
وجهت شركة فايزر الامريكية الممولة للبحث الدكتور اوسترلو ورفاقه ان يتجاهلوا اهداف البحث الاصلية، وأن يصوّبوا اهتمامهم علي النتائج الجانبية التي لم تكن في الحسبان. ومن هنا تدحرجت كرة الثلج لتقف علي قدمي عقار الفياغرا!
ذات السيناريو تكرر في نفس المرحلة الزمنية وقاد الي اكتشاف، او بالاحري اختراع الانترنت، الذي كان قد بدأ كفكرة لانشاء شبكة اتصالات غايتها ربط وحدات الجيش الامريكي وتطوير نظام تشبيك الكتروني يصمد امام اي هجوم محتمل، وذلك عن طريق ما يعرف بتقنية اعادة التوجيه الديناميكي. وبعد النجاح الكبير للمشروع أخذ بعض شباب فريق البحث يطرح تساؤلات افتراضية من قبيل “ماذا لو؟”. وتحولت تلك التساؤلات الافتراضية حول المشروع وآفاق توسيع نطاقه بما يتجاوز حاجات البنتاغون، الي مسار بحثي جديد انتهى امام غول الانترنت.
(2)
مع انتشار اجهزة الحاسوب وخدمات الانترنت وانخفاض اسعارها و توغلها في اعماق الريف السوداني، بعد ان تعدي وجودها في الدوائر الحضرية مرحلة الترف الكمالي الي الضرورات الاساسية. ومع تعدد المنابر السودانية المفتوحة علي الفضاء الاسفيري وتزايد المشاركة الشعبية في التصدي للمشكل من قضايا الوطن وهمومه من خلال هذه الساحات، ومع انقضاء حقبة الذهول والانبهار بهذا الانجاز الساحر الذي يفتح الدنيا والبشر، حقائق وافكار ومشاعر ووجدان، ويضعها جميعا رهنا لنقرات اصبع واحد. ومع بلوغ تجارب منابر الشبكة الدولية مراحل جديدة من النضوج النسبي بدأت بعض المحاولات لرصد مسارات التجربة و تحليلها و تقويمها و توثيقها، ثم استكناه ما عسي ان يحمله المستقبل من جراء احسان – او اساءة – استخدام منتجات ثورة المعلومات والاتصالات.
من جانبي حرصت علي متابعة المحاضرات وورشات العمل التي تطرقت لهذا الشأن الهام، و ذلك بالاضافة الي الاسهامات المكتوبة والمنشورة من قبل المهتمين، صحافيين و اكاديميين وعابري سبيل. وقد انعقد الاجماع بين هؤلاء واولئك في وقت مبكر – منذ منتصف التسعينيات – علي جملة نتائج ابرزها ان كل المؤشرات تؤذن بان منابر الحوارعلي الشبكة الدولية سيكون لها سهم وافر في تشكيل واعادة صياغة الفكر والسلوك و توجيه مسارات الحياة العامة.
كما ان تجربة المنابر السودانية، علي محدوديتها النسبية، وصلت بالفعل الي مراحل تستدعي وقفات التأمل والتمحيص، ومن ثم التقويم والترشيد، بما يعزز من فعالية التعاطي السوداني مع منتجات الشبكة ويعظّم الدور المرتجي من المتعلمين السودانين في ضبط الممارسة وتعقيلها باتجاه خلق مناخ انساني يؤمّن قيم الديمقراطية ويصونها. وقد كان اخر ما وقعت عليه، في سياق هذه المتابعة، المقال الاسبوعي للكاتب الصحفي صلاح شعيب (الصحافة وسودانايل) و الذي اختار له عنوان (صحافة الانترنت: جهنم الدولة الاستبدادية)، في مقاربة ذكية لمقولة ادونيس المدهشة “الماء جهنم النار”!
(3)
ولعلني اعود في سانحة قريبة لمناقشة طروحات صلاح ونتائجه. غير انني اود في يومي هذا ان اصوّب سهام النقد الي المنهج الذي سلكته الاسهامات المنطوقة والمكتوبة علي وجه الجملة، من حيث رصد وتوثيق تاريخ ظهور وتطور منابر الشبكة الدولية السودانية. الذي يبدو للعيان هو ان كل الذين تصدوا لهذه المهمة اتخذوا من الساحات السودانية التي جاءت الي حيز الوجود في مطلع الالفية نقطة الانطلاق لتوثيق بدايات التجربة. غير ان الرصد الاكثر دقة يؤشر الي ان منابراً سودانية عالية التأثير و الفعالية ولدت علي الشبكة الدولية في تواريخ اسبق بكثير من مطلع الالفية، و ضمت هذه المنابر – و لا تزال – صفوة المتعلمين و المثقفين السودانيين، وتصدت لقضايا الوطن و همومه، ومارست وجودا ثقيلا بكل معاني الثقل السياسي و الفكري علي مسارح صياغة الاحداث في اخصب مراحل المدافعة و المثاقفة.
و لاغراض التصحيح و التوثيق نقول: ان اول منبر سوداني علي الشبكة الدولية تأسس في يناير ١٩٩٤ وعرف باسم “سودان- ليست” ((Sudan-List، وقد قام بتأسيسه الدكتور عبد المنعم يونس الاستاذ والباحث في العلوم البيطرية بجامعة ايموري بأطلانطا بولاية جورجيا بالولايات المتحدة. وهو اول سوداني على الاطلاق يؤسس ويدير منبراً الكترونياً سودانياً.
تبعه مباشرة في عام ١٩٩٥ منبر “اس. ام. ال” (SML) الذي أسسه، من جامعة بوسطن بولاية ماساشوستس، الدكتور عبد القادر ابو القاسم، احد علماء مركز الاستشعار علي البعد بوكالة الفضاء الكندية. و قد عرف هذا المنبر لاحقا باسم “ام. اس. يو” (MSU) بعد ان انتقلت ادارته الي الدكتور جلال يوسف الباحث بجامعة ولاية ميتشيغان. و قد بلغت عضوية هذين المنبرين نحوا من الف مشترك اغلبهم من اساتذة الجامعات والباحثين وطلاب الدراسات العليا والمهنيين ومئات من اللائذين بدول المهجر المختلفة من كافة الاطياف والمشارب. بالاضافة الي عدد مقدر من الاجانب المتخصصين والمهتمين بالشئون السودانية، ومن بينهم عدد من الاكاديميين والعلماء والدبلوماسيين الامريكيين والاوربيين العاملين بالسودان، فضلا عن بعض كادرات اجهزة الامن والمخابرات السودانية التي انضمت الي المنابر – بأسماء حقيقية ومستعارة – لتراقب وترصد وتؤدي أمانتها!
(4)
تعتبر الفترة من ١٩٩٥ وحتي العام ٢٠٠٠ من اكثر الفترات ثراءً، من حيث المردود السياسي والفكري والثقافي، ومن حيث تأسيس قيم الحوار الحضاري الديمقراطي بين جموع المتعلمين السودانيين. قد شهدت هذه الساحات، مجاذبات فكرية وسياسية وثقافية معمقة، مرتكزةً علي مسئولية اخلاقية و كفاءه فكرية ودراية سياسية وثقافية. وقد بلغ من فاعلية و عمق تأثير هذين المنبرين ان عددا من الاطروحات الجامعية المجازة قد اتخذت منها نماذج للبحث العلمي في مضمار دور الشبكة الدولية في تقريب الاتجاهات و اشاعة روح الحوار.
وقد تعرّف السودانيون من خلال هذه الساحات علي سنخ جديد من المثقفين الشباب الذين انتجتهم وصقلتهم حياة المهاجر وما فتئوا يرفدون الحوار القومي حول قضايا الوطن بغير حدود، مثاقفةً مع العديد من الرموز السياسية و الفكرية وأهل الرأي من الذين تصدوا للهم العام منذ عهود بعيدة وتعرف الساحات السياسية والفكرية في الداخل اسماءها واسهاماتها. من هؤلاء المهجريون حكيم الانترنت المهندس ابوبكر سيد احمد، والبروفيسور منصور فارس حسين، و شيخ شباب العلمانيين د. معتصم الاقرع، والماركسي المتصوف د. عبد الماجد علي بوب، و الداعية الاسلامي د. احمد صالح أبو اليمن، و الجمهوري الرصين د. ياسر الشريف، و الباحث المدقق د. هشام عوض عبد المجيد، و الدبلوماسي السابق والناشط الحقوقي نورالدين منان، و د. بيتر نيوت، و د. محمد القاضي، والاستاذ خالد عثمان محجوب والاستاذ مارتن ماو ماو، والاستاذ علي عسكوري، و مئات غيرهم.
كما خبر السودانيون من خلال هذه المنابر اضاءات متميزة علي صعيد اسهامات المرأه السودانية في الخطاب العام اذ لمعت من خلال هذه المنابر ثلة زاهية ذات قدرات علمية و ثقافية رفيعة من امثلتها د. اسماء عبد الحليم، د. لورا بيني، د. نازك حماد، د. سعاد تاج السر، د. ندي مصطفي، الاستاذة نازك مصطفي صالح، و الاستاذه سامية عدنان. ومن السياسيين و الشخصيات العامة والادباء السيد مبارك المهدي، الراحلة الاستاذة سعاد ابراهيم احمد، الاستاذ ابراهيم طه ايوب، د. امين مكي مدني، الراحل الخاتم عدلان، د. عبد الله علي ابراهيم، الاستاذ محمد المكي ابراهيم، د. عبدالله جلاب و كثيرون غيرهم. ومن الاجانب المهتمين بالسودانيات (المجال العلمي و ليس النساء) البروفيسر الاشهر ر. س. اوفاهي، د. سوندرا هيل، د. جيري هيل، فرانزن سونكا وغيرهم. و قد تلا هذين المنبرين الرائدين خلال السنوات اللاحقة عشرات المنابر، التي اديرت من امريكا الشمالية و اوربا، و انتظم في عضويتها اعداد غفيرة من المتعلمين.
(5)
و المتفق عليه بين غالبية اعضاء تلك المنابر ان نقاط قوتها تعبر في ذات الوقت عن مكامن ضعفها. اذ ان الواقع المتمثل في ان عضويتها اقتصرت علي النخبة من المتعلمين المتمكنين في اللغة الانجليزية حال، عمليا، بين اعداد مقدره من السودانيين وبين المشاركة المنتجة. وانتهي الامر بالمنابر الي معادلة قاسية: مستوي متميز من حيث التأهيل والقدرات يمكّن من ادارة حوارات عالية المستوي تحكمها معايير موضوعية مدنية من ناحية، يقابلها خلل مبدئي و قصور منهجي في الاسس الاولية لاي منبر ديمقراطي، وهي ضرورة الانفتاح علي كل قطاعات المجتمع دون قيود.
هذا الواقع يمكن التعبير عنه بكلمات اكثر شفافية و انفتاحا، وهي ان المنابر الناطقة باللغة الانجليزية وجدت نفسها امام تحدٍ حقيقي في ظل تحول جديد تمددت معه شبكة الانترنت، مع بدايات الالفية حيث ولجت ساحات الحوار الوف مؤلفة من ابناء الشعب، واصبحت اجهزة الحاسوب تربض في كل مدينة وقرية وبيت، ولم تعد قصراً علي طائفة من المتعلمين في دول المهجر وقلة من المحظوظين في الداخل. في ذلك الوقت ووجهت تلك المنابر بالسؤال الذي لا بد منه: هل تنكفئ الصفوة علي نفسها و تستأنف حواراتها بلغات الفرنجة، بينما تدور الحوارات بين سائر الفئات الاقل حظوظا من حيث التعليم و المهارات علي خطوط موازية؟
الاجابة علي اسئلة كهذه قد تبدو بدهية، و لكن الامر في جوهره اكثر تعقيدا. غير ان الحقيقة، مهما يكن من امر، هي ان جموعاًّ من المشاركين في المنابر الانجليزية سعت بالفعل الي ارتياد المنابر الناطقة بالعربية والمشاركة في تنمية لغة ومضامين الحوار فيها. ولكنها ما كانت ترتادها الا ريثما تهجرها وتقف منها موقفا سالباً. لماذا؟ الاجابة تكاد تكون متطابقة: “غادرنا البروج العاجية هربا من عقدة الصفوية، وسعينا الي الالتحاق بصفوف عامة الناس والالتحام معهم و هم يناهدون شئون الوطن وشجونه، وحاولنا اشعال منابرهم بالنشاط والحركة والعمل النافع، ولكننا وجدنا الساحات قد تسيّدها من يحسنون و من لا يحسنون، من لهم بآداب الخطاب نسب ومن ليست لهم باخلاقيات الحوار المسئول و سلوكياته صلة، الا صلة الاستهزاء بكل قيمة و السخرية من كل معني. وان المنابر قد استحالت اسواقا اختلط الحابل فيها بالنابل”!
(6)
وقد بدا لي من كثرة التأمل في هذا الهم، ان هنالك حبل وثيق يربط بين الاصلاح والتطور المنشود في مسار منابر الشبكة الدولية من جهة، وبين مسيرة الحياة الديمقراطية علي مستوي السودان كله من جهة اخري. فلقد تأذت الديمقراطية أيما اذي من ضيق الناس ذرعاً بصعوبات ومكاره الممارسة، حتي لقد دعا بعضهم ربه جهرة، في عز سني الديمقراطية، ان يجئ بعسكر يأتون علي اخضرها و يابسها، وأن يقيموا علي انقاضها حكما غليظ الاكباد يمسك البلاد بيد من حديد، ويردّها الي ما يحبون. ولكأن ابواب السماء كانت مشرعة علي مصراعيها لتستقبل دعواتهم. وعند كثير من اهل السودان فان الديمقراطية اذا ولدت فانها ينبغي ان تولد كاملة مكتملة، مثل منيرفا الهة الحكمة في الميثولوجيا الاغريقية، وذلك ما لا يكون، لأنه يخالف قوانين الحياة وطبيعة الأشياء!
مهما يكن فان التحديات التي تجابه المنابر السودانيه الناطقة بالعربية في مساكنها الالكترونية، تكاد تتطابق في جوهرها مع تلك التي تواجه قضية الديمقراطية في عموم الوطن. اذ يدور جلها في مدارات استيعاب الاخر وقبول الفكر المغاير والتعبير الموضوعي عن الذات و التماس جوهر القيم الحضارية في الفكر والعمل. ومن الحق ان منابر الشبكة الدولية العربية تضج بمظاهر منفّرة بقدر ما تعج بشواهد مبشرة. و لست ادعو اهل المنابر الناطقة بلغات الفرنجة ان يُدبروا عن منابرهم قولاً واحدا وأن يتركوها قاعاً صفصفا، ذلك ان الحاجة ستظل ماثلة و مضطردة لمنابر اللغة الانجليزية حتي يكون للطليعة من علمائنا و صفوة متعلمينا ساحات للتبادل النخبوي، والتفاعل مع نفر عزيز من بني وطننا ليست العربية لهم بلغة اُمّ ولا أب، ثم التواصل مع اخوتنا في العالم-القرية الذين جعلوا من السودان اكبر همهم من الاجانب المتخصصين في الشئون السودانية.
غير انني أري – بعين ترنو الي مستقبل اكثر بهاءً، يقود المسيرة الي شعابه طلائع المثقفين واهل العلم النافع – اري جموعاً من هؤلاء وقد صوبت بعض طاقاتها باتجاه تلك المنابر الجديدة، حيث السواد الاعظم من اهلهم وبني جلدتهم. يرفدونها بعلمهم وثقافاتهم، وفكرهم ومهاراتهم، ويراكمون عطاءهم فوق عطاء الاخرين في مسيرة تستقصد الوعي، وتستلهم المستقبل الديمقراطي، وتتمثل قول المعصوم: “الحكمة ضالة المؤمن اني وجدها فهو احق الناس بها”.
(7)
مثقفو المهجر الامريكي يعرفون قبل غيرهم كيف ان الشبكة الدولية قد اضحت الوسيط الاكثر فاعلية في واقع الحياة العامة، وأن تنظيما مثل حركة الي الامام “موف- اون” الديمقراطية التي يرتعد امامها اساطين الحزب الجمهوري اليوم لا يعدو ان يكون ثمرة من ثمرات العمل المنظم من خلال الشبكة الدولية. و لو احسنت طلائع المتعلمين السودانيين استخدام الاسلحة التي وضعها العلم الحديث بين ايديها وتوظيفها لخدمة القضايا التي تتوحد خلفها اوسع قطاعات الامة، فليس عزيزاً ان تتدحرج بنا كرة الثلج مرة اخري لتقف بركبنا امام اعجاز سامق يتواري امامه انجاز الدكتور ايان اوسترلو وفريق ابحاثه الذي انتهي الي عقار الفياغرا من حيث لم يحتسب!
(أعادت “السوداني” نشره من ارشيف الكاتب 2007)