هدم كلزيوم!! (بلدوز يهدم حميم الامكنة، وعزيز الذكريات) .. بقلم: عبدالغني كرم الله

هدم كلزيوم!!
جمال عظيم، على ظهر حزمة ضوء!!
(بلدوز يهدم حميم الامكنة، وعزيز الذكريات)

بقلم: عبدالغني كرم الله

آه من زمان الفرجة:

أيااام، خلت، كنا نتلفت إلى قفى السينما، وقد عم الظلام، إلى عظام بيضاء، رخوة، عمود فقري، لجسم الظلام، حزمة نور نحيف، ينسل من غرفة صغيرة، خلال نافذة أصغر، أعلى اللوج، يحمل في نبضه الرشيق حياة العالم كله، فيدلق على الشاشة الضخمة، جبال، وبلدان، وألوان وكراسي وشخوص، وأسود، وأبقار،  كيف حملها؟ يضع سره في أضعف خلقه، أتحمل حزمه نور كل تلكم العوالم، ومن بينها جبال، وطرق؟.

ينسحب الضوء، نسعد بالظلمة، محت كل شئ، نساء البلونكة، باعة الشاي بين الكراسي، عمم وصلع امامك، وخلفك، أنوار  النيون عند الأبواب، أو قرب أفيش فيلم قادم،  صورة البطل وهو يتأهب لإطلاق زناد مسدسه، كلها ذابت في تلكم الظلمة، التي آخت بيينا، في قلب رجل واحد، ظلمة تشقها، عظام نور، حزمة نور، تسند قفى الظلمة، يخترق ظلمة الدار المكتظة، الكبيرة، كشهاب، ألوان، وقصور، وشخوص، يحملها بيسر، على ظهره الرخو، ما أقوى اللطافة، يشق النور المرسل، سماء قريبة، حبلى بالأشياء، فضاء ملئ بروائح الشاي، والفول السوداني، والصعود، والنبق، والسمسمية، تسبح الروائح بلا أجنحة حول الرؤوس والعمم، والصلع، يخترقها الضوء، بلا دم يسيل، أو أنئين، وهو عجولا، كعادته، في طريقه للشاشة البيضاء، الحجرية، شاشة سينما كليزيوم، الضخمة كسد مأرب، والتي يلطم ركنها الغربي، الأعلى، أنوار أخرى، مرسله من سيارات عابرة، في طريق القصر، في طريقها لبوابة السكة حديد، أو مآرب آخرى.

يجري النور من بكارة، من نافذة أصغر من حجم كراس مدرسي، فينفخ الروح في جدار أوسع من صفحة جامع، كأنامل المسيح، تخلق “الصور”، كهيئة الطير، والإنس، والوهاد، فيخلق من الضوء والصور، حياة، تسبي الفؤاد والبصر.

تظلم، نصفق للظلام، تنظر السينما كلها، للخلف، للقفى، عامل (البكرة)، يحضر الفيلم، بكارة في حجم دركسون اللوري، مطوي فيها فيلم طوله آلاف الأمتار، ومن عجب، مجرد صور ساكنة، ثابتة، رفعة اليد من الصحن للفم، تحتاج ألف صورة، في رحلتها الصغيرة هذه، يحكم إدخال الفيلم، في الترووس، يدنقر، نراه من النافذة الصغيرة، أنه البطل الكبير في هذه الثوان العصيبة، ثم يدير آلته، فتلف البكارة، وتتلاصق الصور المفرقة، كأنها حياة حقيقية، ليس خداع حواس، وتنطلق حزمة الضوء، كبرق طويييل، ناحية الشاشة البيضاء، من تلكم النافذة الصغيرة، ذرات غبار تعلق بالحزمة، كأنها ملت البلاد، وتريد أن ترقص في حياة قصية، مع أبطال وحدائق الفيلم، في رحم الحزمة الصغيرة، قبل إندلاقها على الشاشة السعيدة.

تنطفي الحزمة، بغته، نضج غضبا، أنقطع شريط الفيلم، وشريط الخواطر، فينا، نلتفت في ثورة للقفى مرة أخرى، تضاء القاعة، صفافير لا تحصى، كأن هناك مسابقة، لمن هي الأطول والأرعد، من يصبر على إنقطاع فيلم؟ شارلس برنسون كاد أن يقضي على العدو،  العامل في غرفته الصغيرة، مرهوب الجانب، يعمل في مثابرة، للصق الفيلم المقطوع، نراقبة، حتى تؤلمنا الرقاب (نتعسم)، ثم تطفأ الأنوار، وتعود الحزمة، تدلق سرها، وفتنها عبر الظلمة، على الشاشة، فوات لحظات من الفيلم، لم نرى الطلقة التي انطلقت من مسدس شارلس برنسون،  نصرخ، نضج، يرجع الفيلم مرة أخرى، للحظات شاهدناها من قبل، فلا نضج، نرجع البصر كرتين، ثم تستمر الفرجة، يستمر السحر.

يسرح الطرف، هل ضوء الشمس، هو حزمة سينما، على شاشة الأرض؟ نحن أبطالها؟ من يعلم؟ أليس الضوء هو من يحرك الطاقة، والضوء، والفكر، والحياة والتمثيل الغذائي، اشعة ترعى حياتنا، وسكناتنا،  كأننا أبطال تلكم الحزمة التي تنطلق من (أمنا)، الشمس، باسم المهمين، الذكي، في لبوس ضوء؟ حزمة كبرى، في كل حين، تندلق على الأرض السمراء، على الشاشة السمراء، فتدب الحياة في الواقع، عبر أشعتها، في الغدد، والانزيمات، والاشجار، الصراصير، العشب، الاسود، بني آدم، أيدي خفية، ماكرة، تسيرنا بطلف بالغ، في أعمق حيواتنا البايلوجية، والنفسية، والتمثيل الضوئي، طاقة، هي الحياة نفسها، ألم “نكن في الشمس”، قبل فتقها، ألا ندور في حج لولبي حول خصرها، وحماها؟ فترسل الحزمة، طقوس الحياة، في الفيلم الأكبر، في الحلم الأكبر، “الحياة حلم”، (ألم تعبد الحياة الشمس يوما؟ حين بلغ علمهم، قدرات الشمس، فأعطوها قدرها، ثم مضت قافلة المعرفتة، كعادتها تخب في بيداء الاكتشفات اللانهائية،  (فعلمت ماوراء الشمس من شموس ذات، أبلغ وأسمى، وعرفت طرف، ولا تزال تجهل أطراف)، الله “لو عرفته، لم يكن هو، ولو جهل لم تكن أنت”، وما القمر، سوى فيلم رومانسي، آخر، يدلق ضوءه ايضا على قبة الارض، في الأماسي الطيبة،  ونحن أبطاله، تحركنا حزمة خفية، هناك أفلام كابوي، وأخرى رومانسية، تنسج بمهمل، من حزمة صغيرة، للضوء الساري في المجرات؟

والله اعلم.

ganikaramalla@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب

زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …

اترك تعليقاً